← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

وعبد الله بن الزبير وعبيد بن عمير والعقَّار بن المغيرة بن شعبة (١). ثالثها: أن المشي خلفها أفضل، وهو قول علي بن أبي طالب (٢). وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأهل الظاهر (٣). قَالَ الطحاوي: وهو قول ابن مسعود وأصحابه، واحتجوا بما رواه أبو الأحوص، عن أبي فروة الهمداني عن زائدة بن خراش، عن ابن أبزى، عن أبيه قال: كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي، وكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وكان علي يمشي خلفها، فقال علي: إن (فضل) (٤) الذي يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل الذي أعلم، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس (٥). ورواه أحمد في "مسنده": عن علي أن عمرو بن حريث سأله فقال علي: إن فضل المشي خلفها على بين يديها كفضل الصلاة المكتوبة في الجماعة على الوحدة. فقال عمرو: إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها. فقال علي: إنما كرها أن يخرجا الناس (٦). وحكى الأثرم أنه ذكر هذا لأبي عبد الله، فتكلم في إسناده. ومثل هذا لا يقال بالرأي وإنما هو بالتوقيف، وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك (٧). وروى نافع قَالَ: خرج عبد الله بن عمر إلى جنازة فرأى معها نساء،

стр. 5427

فوقف ثم قَالَ: ردهن فإنهن فتنة الحي والميت. ثم مضى فمشى خلفها، قلتُ: يا أبا عبد الرحمن، كيف المشي في الجنازة، أمامها، أم خلفها؟ قال: أما تراني أمشي خلفها. فهذا ابن عمر يفعل هذا، وهو الذي يروي عن رسول الله ﷺ أنه كان يمشي أمامها (١). فدل ذلك على أن فعل الشارع ذلك على جهة التخفيف على الناس، لا لأن ذلك أفضل من غيره. وقد روى مغيرة عن إبراهيم قَالَ: كانوا يكرهون السير أمام الجنازة، وتأولوا في تقديم عمر بن الخطاب للناس في جنازة زينب أم المؤمنين، أن ذلك كان من أجل النساء اللاتي كن خلفها، فكره عمر للرجال مخالطتهن؛ لا لأن المشي أمامها أفضل. وقد روى يونس، عن ابن وهب أنه سمع من يقول ذلك، قَالَ إبراهيم: كان الأسود إذا كان في الجنازة نساء مشى أمامها، وإذا لم يكن معها نساء مشى خلفها (٢). ولا فرق عندنا بين الماشي والراكب، وخالف الخطابي (٣)، وتبعه الرافعي في "شرح المسند" فقال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف. وعبارة ابن الحاجب: وفي التشييع (٤). ثالثها: المشهور المشاة يتقدمون، وأما النساء فيتأخرون، وفي "المصنف" قيل لعلقمة: يكره المشي خلف الجنازة؟ قَالَ: إنما يكره السير أمامها (٥).

стр. 5428

وعن ابن عون: كان الحسن وابن سيرين لا يسيران أمامها (١)، وقال سويد بن غفلة: الملائكة يمشون خلف الجنازة (٢). وعن أبي الدرداء أن من تمام أجر الجنازة تشييعها من أهلها، والمشي خلفها (٣). وقال أبو معمر في جنازة ابن ميسرة: امشوا خلف جنازته، فإنه كان مشاءً خلف الجنائز (٤). وعن مسروق مرفوعًا مرسلًا: "لكل أمة قربان، وقربان هذِه الأمة موتاها، فاجعلوا موتاكم بين أيديكم". وقال أبو أمامة: لأن لا أخرج معها أحب إليَّ من أن أمشي أمامها (٥). ولأبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تتبعوا الجنازة بصوت ولا نار، ولا يُمشى بين يديها" (٦). وللدارقطني من حديث عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فذكر أن أمه توفيت وهي نصرانية وهو محب، فقال له ﷺ : "اركب دابتك، وسر أمامها، فإنك إذا سرت أمامها لم تكن معها" (٧). وفي "صحيح الحاكم" من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قَالَ: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي عن يمينها وشمالها قريبًا منها، والسقط يُصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة" ثم قَالَ:

стр. 5429

صحيح على شرط البخاري (١). وقال البيهقي: مشكوك في رفعه (٢). وكان يونس يَقِفُه على زياد. فان قلتَ: الشارع أمر باتباع الجنازة، ولفظ الاتباع لا يقع إلا على التالي، ولا يسمى المتقدم تابعًا بل هو متبوع، قلتُ: لا نسلم ذلك. فإن قيل: حق الشفيع أن يتقدم على الشافع، والقوم شفعاء، قلتُ: ينتقض بالصلاة عليه، فإنهم شفعاء فيها وقد تأخروا عنه، والشفاعة في الصلاة لا في التشييع. قَالَ ابن شاهين: هذا باب مشكل من القطع فيه بنسخ، فيجوز أن يكون مشى ﷺ بين يديها لعلة وخلفها لعلة، كما كان إذا صلى سلم واحدة، فلما كثر الناس عن يمينه وخلا اليسار سلم عن يمينه وشماره، ثم جاءت الرخصة منه بأنه يمشي حيث شاء، وقد جاء في المشي خلفها من الفضل ما لم يجيء في المشي أمامها، ولا يسلم له ذلك (٣). فصل: قوله: (وقال غيره: قريبًا منها). أي: لأنه إذا بعد لم يكن مشيعًا، فإن بعد عنها فإن كان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة، حصل له فضل المتابعة، وإلا فلا، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها على ما قررناه عند الشافعي ومتابعيه. فصل: وقوله في الحديث: ("فشر تضعونه عن رقابكم") يعني: تعب

стр. 5430

حمله، ويحتمل أن يراد به من أهل النار. وقيل: إن الميت السعيد إذا سمع من يقول: على رفقكم -يعني: المهل- أنه كان القائل أبغض الخلق إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. والشقي عكس ذلك، إذا سمع من يقول: أسرعوا. كان أبغض الناس إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. وإذا قَالَ: على رفقكم كان أحبهم إليه. فرع: قَالَ ابن المنذر: ومن تبع الجنازة حيثما مشى فيها، فليكثر ذكر الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعد للموت وما بعده (١). وسمع أبو قلابة صوت قاص في جنازة فقال: كانوا يعظمون الموت بالسكينة (٢). وآلى ابن مسعود أن لا يكلم رجلًا رآه يضحك في جنازة (٣). وقال مطرف بن عبد الله: كان الرجل يلقى الخاص من إِخوانه في الجنازة له عهد عنده، فما يزيد على التسليم ثم يعرض عنه، حَتَّى كأن له عليه موجدة اشتغالًا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة سأله عن حاله ولاطفه. وفي سماع أشهب: قَالَ أسيد بن حضير: لو كنت في حالتي كلها مثلي في ثلاث: إذا ذكرت النبي ﷺ ، وإذا قرأت سورة البقرة (٤).

стр. 5431

٥٢ - باب قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ قَدِّمُونِي ١٣١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ". [انظر: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ١٨٤] سلف في باب حمل الرجال الجنازة بحديثه (١).

стр. 5432

٥٣ - باب مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ ١٣١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. [١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩ - مسلم: ٩٥٢ - فتح: ٣/ ١٨٦] ذكر فيه حديث جابر: أَنَّ النبي ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ. هذا الحديث أخرج أصله مسلم بدون قوله: (فكنت في الصف الثاني أو الثالث) (١). ولا شك أن الصفوف على الجنازة من سنة الصلاة عليها، وقد صح أن مالك بن هبيرة كان إذا صلى على جنازة، فاستقل الناس جزَّأهم ثلاثة أجزاء، ثم قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من صلى عليه ثلاث صفوف فقد أوجب" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ورواه أحمد بلفظ: "فقد غفر له". ولفظ الحاكم بهما (٢) (٣)، ولهذا قَالَ أصحابنا: يسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر، وبه قَالَ أحمد (٤). قَالَ الطبري: فينبغي لأهل الميت إذا لم يخش عليه التغير أن ينتظروا اجتماع قوم، يقوم منهم ثلاث صفوف؛ لهذا الخبر.

стр. 5433

وقد روي من حديث أبي هريرة وعائشة عن النبي ﷺ قَالَ: "من صلى عليه مائة من المسلمين إلا شفعوا فيه" (١) ومن حديث ابن عباس مرفوعًا: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه". أخرجه مسلم من هذا الوجه (٢)، ومن حديث عائشة بلفظ: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه" وروي مثله عن أنس (٣)، ووجه الاختلاف في هذِه الأحاديث الواردة فيمن يصلي على الميت فيغفر له بصلاتهم، أنها وردت جوابًا لسائلين بحسب سؤالهم، فإنه جواب من لا ينطق عن الهوى، فسأله سائل عن المائة هل يشفعون فيه؟ فأجاب بنعم. وآخر عن أربعين فقال مثل ذلك، ولعله لو سئل عن أقل من أربعين، لقال مثل ذلك. وحديث مالك بن هبيرة يدل على أقل من أربعين لإمكان الثلاث صفوف أقل من أربعين، كما يمكن أن يكون أكثر، وإنما عين المائة والأربعين فيما سلف، وهي من حيز الكثرة؛ لأن الشفاعة كلما كثر المشفعون فيها كان أوكد لها، ولا تخلو جماعة من المسلمين لهم هذا المقدار أن يكون فيها فاضل لا ترد شفاعته، أو يكون اجتماع هذا العدد بالضراعة إلى الله مشفعًا عنده. وأما الصلاة على النجاشي فسلف ما فيها في باب النعي (٤).

стр. 5434

٥٤ - باب الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ ١٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَي أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. [انظر: ١٢٤٢ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١٨٦] ١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ [أَنَّه] أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٨٦] ١٣٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ". قَالَ: فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي. [انظر: ١٣١٧ - مسلم: ٩٥٢ - فتح: ٣/ ١٨٦] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَي أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَكبرَ أَرْبَعًا. ثانيها: حديث الشعبي قال: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ فكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابن عَبَّاسٍ. ثالثها: حديث عطاء عن جابر: "قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ". فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابرٍ: كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي.

стр. 5435

الشرح: هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم (١)، والتعليق الأخير أخرجه مسلم من حديث أيوب عنه (٢). قَالَ ابن بطال: ويحتمل أن يكون أراد بترجمة الباب والباب قبله مخالفة عطاء. فإن ابن جريج قَالَ: قلتُ له: أفحق على الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها في الصلاة؟ قَالَ: لا؛ لأنهم قوم يكبرون ويستغفرون (٣). وقوله: (أتى على قبر منبوذ). يروى بإضافة القبر إليه، وهو المنبوذ، ففيه إسلام اللقيط الموجود بدار الإسلام، وبالتنوين. أي: منتبذًا ناحية عن القبور. ففيه كراهة الصلاة في المقابر؛ لأنه جعل انتباذ القبر شرطًا في الصلاة على القبر، وفي الحقيقة المدفون في القبر هو المنبوذ.

стр. 5436

٥٥ - باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ ١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ: "مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ ". قَالُوا: البَارِحَةَ. قَالَ: "أَفَلَا آذَنْتُمُونِي". قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٨٩] ذكر فيه حديث ابن عباس أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ: "مَتَى دُفِنَ هذا؟ ". قَالُوا: البَارِحَةَ. قَالَ: "أفلَا آذَنْتُمُونِي". قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. هذا الحديث سلف في باب: الإذن بالجنازة (١)، وهو ظاهر فيما ترجم له من صلاة الصبيان مع الرجال على الجنائز؛ لأن ابن عباس كان إذ ذاك صغيرًا. وفيه: من الفقه: تدريب الصبيان على شرائع الإسلام وحضورهم مع الجماعات؛ ليستأنسوا إليها؛ وتكون لهم عادة إذا لزمتهم وإذا ندبوا إلى صلاة الجنائز؛ ليتدربوا عليها، وهي فرض كفاية، ففرض العين أحرى. وقد نص عليه الشارع كما مر في الصلاة.

стр. 5437

٥٦ - باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازِة وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ". وَقَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". وَقَالَ: "صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ". سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا. وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَقَالَ الحَسَنُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ -يعني بالصَّلاةِ- عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ. وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ: التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ. [فتح ٣/ ١٨٩] ١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٩٠] ثم ذكر حديث الشعبي السالف في الصفوف على الجنازة (١)، وأراد البخاري بما ذكر الرد على الشعبي، فإنه أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة. قَالَ: لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود، وهو قول ابن جرير، والشيعة، وابن علية، كما نقله أبو عمر، وإجماع المسلمين

стр. 5438

سلفًا وخلفًا على خلافه، فلا التفات إليه، وقد أجمعوا على أنها لا تصلى إلا إلى القبلة ولو كانت دعاء لجازت إلى غيرها (١). واحتجاج البخاري في الباب بما ذكر بعضه كافٍ، وهو أنه ﷺ سماها صلاة، وقول السلف الذين ذكرهم في الباب أن حكمها عندهم حكم الصلاة في أن لا تصلى إلا بطهارة وفيها تكبير وسلام، ولا تصلى عند طلوع الشمس ولا غروبها، وأنه ﷺ أمهم فيها وصلوا خلفه كما فعل في الصلاة. ولنتكلم على ما ذكره حرفًا حرفًا فنقول: أما قوله: ("من صلى على الجنازة") فهو مسند من حديث أبي هريرة: "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، وإن اتبعها فله قيراطان" ذكره قريبًا في باب: من انتظر حَتَّى تدفن، بلفظ: "من شهد الجنازة حَتَّى يصلي" (٢) وما سقناه لفظ مسلم (٣). وأما قوله: ("صلوا على صاحبكم") فسيأتي من حديث سلمة بن الأكوع في الذي عليه ثلاثة دنانير فقال ﷺ : "صلوا على صاحبكم" وهو أحد ثلاثيات البخاري (٤). وأما قوله: ("صلوا على النجاشي") فسلف (٥). وأما قوله: (سماها صلاة، ليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها) فهو كما قَالَ.

стр. 5439

وأما قوله: (وفيها تكبير وتسليم). فهو كما قَالَ. لكن اختلف هل يسلم واحدة أو اثنتين؟ فقال كثير من أهل العلم: يسلم واحدة، روي ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن سهل، وأنس، وجماعة من التابعين، وقد سلف قبيل الإذن بالجنازة أيضًا (١)، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق: فيسلم خفية (٢). كذا روي عن الصحابة والتابعين إخفاؤها. وعن مالك: يسمع بها من يليه (٣). والمشهور عندهم أن المأموم يسلم أيضًا واحدة لا اثنتين (٤). وقال الكوفيون: يسلم تسليمتين (٥). واختلف قول الشافعي على القولين (٦)، والأظهر: ثنتان (٧). وبواحدة قَالَ أكثر العلماء؛ لبنائها على التخفيف، فعليه يلتفت يمينة ويسرة، والأشهر: لا، بل يأتي بها تلقاء وجهه (٨). وهل يقتصر على: السلام عليكم، طلبًا للاختصار، أم يستحب زيادة: ورحمة الله؟ فيه وجهان لأصحابنا (٩)، أصحهما الثاني. ولا يكفي: السلام عليك على الراجح، ولا يجب به الخروج على الأصح (١٠).

стр. 5440

وفي الجهر به قولان للمالكية (١)، وعند أبي يوسف: يتوسط بينهما. ويرفع عندنا اليد في كل تكبيرة (٢)، وللمالكية أقوال، ثالثها الشاذ: لا يرفع في الجميع (٣). وذهب الكوفيون، والثوري إلى الرفع في الأولى فقط (٤)، وحكاه في "المصنف" عن النخعي، والحسن بن صالح (٥)، وحكى ابن المنذر الإجماع على الرفع في أول تكبيرة (٦)، وروي مثل قولنا عن ابن عمر، وسالم، وعطاء، والنخعي، ومكحول (٧)، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، إسحاق (٨)، وفي الترمذي -غريبًا- عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة (٩) زاد الدارقطني: "ثم لا يعود"، وعن ابن عباس عنده مثله بسند فيه الحجاج بن نصير (١٠) وغيره (١١).

стр. 5441

وحكى صاحب "المبسوط" من الحنفية أن ابن عمر، وعليًّا قالا: لا يرفع اليد فيها إلا عند تكبيرة الإحرام (١). وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود وابن عمر، ثم قَالَ: لم يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص ولا إجماع (٢). وفي "المستدرك" صحيحًا عن عبد الله بن أبي أوفي أنه سلم عن يمينه وشماله، فلما انصرف قال: لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا يصنع (٣) وقال أحمد -فيما حكاه الخلال: وقيل له: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم تسليمتين على الجنازة؟ - قَالَ: لا، ولكن يروى عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفية عن يمينهم، فذكر ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفي، وأبا هريرة، وواثلة، وزيد بن ثابت. وفي "المصنف" عن جابر بن زيد، والشعبي، والنخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين (٤). قَالَ مالك في "المجموعة": ليس عليهم رد السلام على الإمام. وروى عنه ابن غانم (٥) قَالَ: يرد على الإمام من يسمع سلامه (٦).

стр. 5442

وأما قوله: (وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرًا). فقد سلف أنه إجماع إلا من شذ. وقوله: (ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه). أخرجه ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس (د. ت، ثقة) بن أبي يحيى، عن أبيه (عو) أن جنازة وضعت فقام ابن عمر قائمًا، فقال: أين وليُّ هذِه الجنازة، ليصل عليها قبل أن يطلع قرن الشمس (١). وحَدَّثَنَا وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون قَالَ: كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس وحين تغرب (٢). وحدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي بكر -يعني: ابن حفص- قَالَ: كان ابن عمر إذا كانت الجنازة على العصر قَالَ: عجلوا بها قبل أن تطفل (٣) الشمس (٤). ثم أخرج عنه أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة (٥). وكره أكثر العلماء -فيما حكاه عنهم ابن بطال- الصلاة على الجنائز في غير مواقيت الصلاة (٦). روي ذلك عن ابن عمر أنه كان يصلي عليها بعد العصر، وبعد الصبح إذا (صلاهما) (٧) لوقتيهما (٨). وروى ابن وهب، عن ابن

стр. 5443

عباس، وعطاء، وسعيد ابن المسيب مثله، وهو قول في "المدونة"، قَالَ: لا بأس بالصلاة عليها بعد العصر حَتَّى تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر (١). ونحوه قول الأوزاعي، والثوري، والكوفيين، وأحمد، وإسحاق، وكرهوا الصلاة عليها عند الطلوع والغروب والزوال (٢)، وخالفهم الشافعي فأباحها كل وقت (٣)، وهو قول ابن مصعب من المالكية إلا أن يتحرى ذلك، وهو بما خص من النهي. ووقع في ابن الحاجب ما يوهم أن المنع لـ"الموطأ" في الجنازة -والذي فيه: إنما هو في سجود التلاوة (٤)، فاعلمه- واحتج الكوفيون بحديث عقبة بن عامر في مسلم: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها أو أن نقبر فيها موتانا: عند الطلوع حَتَّى تبيض، وعند انتصاف النهار حَتَّى تزول، وعند الاصفرار حَتَّى تغيب (٥). وحمله المخالف على ما إذا قصد التحري. قَالَ الشافعي: أخبرنا الثقة من أهل المدينة بإسناد لا أحفظه أنه صلى على عقيل ابن أبي طالب والشمس مصفرة قبل المغيب قليلاً ولم ينتظروا به المغيب (٦).

стр. 5444

فرع: (لو) (١) أخرها حَتَّى غربت، فروى ابن القاسم وابن وهب يبدأ بالمغرب، وقيل: هو واسع أن يبدأ بأيهما شاء، وبالمغرب أصوب. وأما رفع اليدين فقد سلف بيانه. وأما قول الحسن: (أحق الناس بالصلاة على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم). فإن أهل العلم اختلفوا فيمن أحق بالصلاة عليها: الولي أو الوالي؟ فقال أكثر أهل العلم: الوالي أحق من الولي. روي عن علقمة، والأسود والحسن، وجماعة (٢)، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي في القديم، وأحمد، وإسحاق (٣)، إلا أن مالكًا قَالَ في الوالي والقاضي: إن كانت الصلاة إليهم، فهم أحق من الولي. وقال مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ: ليس ذلك إلى من إليه الصلاة من قاضٍ، أو صاحب شرطة، أو خليفة الوالي الأكبر، وإنما ذلك إلى الوالي الأكبر الذي تؤدى إليه الطاعة (٤). وعبارة ابن الحاجب: وإذا اجتمع الولي والوالي، فالولي الأصل، لا الفرع أولى، فإن كان صاحب الخطة فقولان لابن القاسم وغيره (٥) أن الولي أولى إلا أن يكون صاحب الصلاة هو القاضي (٦)، وقال أبو يوسف،

стр. 5445

والشافعي في الجديد: الولي أحق من الوالي، لوفور شفقته (١). قَالَ تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦]. وحجة الأول: خوف الافتيات، وروى الثوري عن أبي حازم قَالَ: شهدت الحسين بن علي قَدَّمَ سعيد بن العاصي يوم مات الحسن بن علي، وقال له: تقدم فلولا السنة ما قدمتك (٢)، وسعيد يومئذٍ أمير المدينة (٣). قَالَ ابن المنذر: ليس في هذا الباب أعلى من هذا؛ لأن جنازة الحسن شهدها عوام الناس من الصحابة والمهاجرين والأنصار، فلم ينكر ذلك منهم أحد، فدل أنه كان عندهم الصواب (٤)، وحكى ابن أبي شيبة عن النخعي، وأبي بردة، وابن أبي ليلى، وطلحة، وزبيد، وسويد بن غفلة: تقديم إمام الحي. وعن أبي الشعثاء، وسالم، والقاسم، وطاوس، ومجاهد، وعطاء أنهم كانوا يقدمون الإمام على الجنازة (٥). وقوله: (فإذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم .. ) إلى آخره، واختلف في صلاة الجنازة إذا خشي فوتها بالتيمم، قَالَ مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور: لا يتيمم (٦). وأجازه عطاء، وسالم، والنخعي، والزهري، وربيعة، والليث، ويحيى بن سعيد، وعكرمة، وسعد بن إبراهيم، والثوري وأبو حنيفة

стр. 5446

والأوزاعي وابن وهب صاحب مالك، ورواية عن أحمد (١)، وقال ابن حبيب: الأمر فيه واسع (٢). حجة من أجاز خوف فوتها، والاهتمام بها حجة المانع لغيرها. ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهرًا فأحدث، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم. وما نقلنا عن عطاء تبعنا فيه ابن المنذر (٣)، والذي رواه ابن أبي شيبة عنه أنه لا يتيمم (٤). وأما قوله: (يدخل معهم بتكبيرة). هذا رواية أشهب عن مالك في "العتبية" أنه يكبر ويشرع في الدعاء (٥)، وروى عنه ابن القاسم في "المدونة": ينتظر حَتَّى يكبر أخرى فيكبر معه (٦)، وعبر ابن الحاجب عن ذلك بقوله (٧). وفي دخول المسبوق بين التكبيرتين أو انتظار التكبير قولان: فإذا أتم ما أدرك من صلاته، قضى ما فاته، خلافًا للحسن. وإذا قلنا: يقضي، قضى الباقي بالتكبيرات، وفي قول: تباعًا. والخلاف عند المالكية أيضًا، قَالَ ابن القاسم في "المدونة": يكبر تباعًا (٨). وقال القاضي عبد الوهاب عن مالك: يدعو بين التكبيرتين إن لم يخف رفع الجنازة. ويحتمل أن يكون ذلك وفاقًا لابن القاسم.

стр. 5447

وقوله: (يدخل معهم بتكبيرة). لا يبعد أن يعطف على قول الحسن السالف، فإن ابن أبي شيبة رواه عن معاذ، عن أشعث، عن الحسن في الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يصلون عليها. قَالَ: يدخل معهم بتكبيرة (١). ثم روى عن أبي أسامة، عن هشام، عن محمد قَالَ: يكبر ما أدرك، ويقضي ما سبقه. وقال الحسن: يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه. كما أسلفناه عنه (٢). قَالَ ابن العربي في "مسالكه": روى ابن القاسم عن مالك أن الرجل يكبر بتكبير الإمام، فإذا سلّم الإمام قضى ما عليه عملاً بقوله: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". قَالَ: والإجماع من العلماء بالعراق والحجاز على قضاء التكبير دون الدعاء، وصوبه فأغرب. وقوله: (وفيها صفوف وإمام). كأن البخاري قصد رد قول مالك، فإن ابن العربي نقل عنه في "مسالكه" أنه استحب أن يكون المصلون على الجنازة شطرًا واحدًا، ثم قَالَ: ولا أعلم له وجهًا؛ لأنه كلما كثرت الصفوف كان أفضل، وكذلك صح عن رسول الله ﷺ في أكثر صلاته عليها، ثم ساق حديث مالك بن هبيرة السالف (٣).

стр. 5448

وفي "شرح الهداية": إذا اجتمعت جنائز جاز أن يصلى عليهم صلاة واحدة، يجعلون واحدًا خلف واحد، ويلي الإمام الرجال، ومن كان أفضل فهو أولى أو يستوي فيه الحر والعبد، ويقدم الصبي الحر على العبد، ثم الخناثى ثم النساء ثم الصبيان. ولو جعلت الجنائز صفًّا واحدًا على الطول جاز. وقيل: يوضع شبه الدرج رأس الثاني عند صدر الأول (١)، وإن شاءوا جعلوها واحدًا بعد واحدٍ. وإن شاءوا صفًّا واحدًا، وإن كان القوم سبعة قاموا ثلاثة صفوف خلفه ثلاثة ثم اثنان ثم واحد قلتُ: والأولى عندي: اثنان ثم اثنان ثم اثنان؛ لكراهية الانفراد. وأما كون التكبير أربعًا فقد سلف (٢)، وحديث الشعبي سلف أيضًا (٣).

стр. 5449

٥٧ - باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ. ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. [انظر: ٤٧ - مسلم: ٩٤٥ - فتح: ٣/ ١٩٢] ١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ -يَعْنِى: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ. ثم ذكر حديث نافع: حُدِّثَ ابن عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ: أَكْثَرَ علينا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثيرَةٍ. الشرح: أما أثر زيد فأخرجه ابن أبي شيبة عن معاوية ووكيع عن هشام، عن أبيه، عن زيد بن ثابت: إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم فخلوا بينها وبين أهلها (١). وحديث أبي هريرة: أخرجه مسلم والأربعة (٢)، وفي لفظ: "من اتبع

стр. 5450

جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معها حَتَّى يصلي عليها" (١). ولمسلم: "من خرج مع جنازة من بيتها" (٢). وليس في الحديث أن أبا هريرة رفعه، نعم، أخرجه مسلم مصرحًا به، وقول أبي مسعود وخلف والحميدي والطرقي رواه نافع عن أبي هريرة غير جيد، إذ في مسلم، روايته: أن نافعًا قَالَ: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره، فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة. فبعث إلى عائشة فصدقته (٣). وفيه من حديث داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان قاعدًا عند ابن عمر إذ طلع عليه خباب -صاحب المقصورة- قَالَ: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة. قَالَ: إنه سمع رسول الله ﷺ الحديث، وفيه: فأرسل خبابًا إلى عائشة يسألها (٤). وزعم خلف أن خبابا رواه عن أبي هريرة. وقال الحميدي: ليس له في "الصحيح" عن أبي هريرة. ولابن أبي شيبة من حديث الوليد بن عبد الرحمن فقال له ابن عمر: انظر ما تقول (٥). ولابن زنجويه في "فضائله" من حديث سعيد بن أبي سعيد عن

стр. 5451

أبي هريرة. فذكره. وفيه: فدخل عبد الله على حفصة فقال: أسمعتي هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعم. فقال عبد الله: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وسيأتي في الباب بعده من حديث سعيد بن أبي سعيد (١): وروى ابن أبي شيبة من حديث سالم البرَّاد عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهدها حَتَّى يقتضى قضاؤها فله قيراطان، القيراط مثل أحد" (٢). قال الترمذي في "علله الكبير": سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: رواه عبد الملك بن عمير، عن سالم، عن أبي هريرة وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء. ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه. قَالَ: وسألته عن حديث أبي صالح عن ابن عمر فقال: إنما هو عن أبي هريرة (٣). قوله: وحديث ابن عمر ليس بشيء. وقوله: أكثر أبو هريرة. لم يتهمه بالكذب، بل خشي السهو، أو يكون لم يسمعه أبو هريرة من النبي -رضى الله عنه-. وحديث الباب دال على ما ترجم له. واختلف العلماء في الانصراف من الجنازة هل يحتاج إلى إذن أم لا؟ فروي عن زيد بن ثابت، وجابر ابن عبد الله، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وقتادة، وابن سيرين، وأبي قلابة أنهم كانوا ينصرفون إذا وريت الجنازة،

стр. 5452

ولا يستأذنون (١) وهو قول الشافعي وجماعة من العلماء، ولمالك وأصحابه جواز الانصراف قبل الصلاة عليها وبعدها دون إذن (٢) -وسيأتي في الباب بعده- وقالت طائفة: لا بد من الإذن في ذلك. وروي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة، والنخعي أنهم كانوا لا ينصرفون حَتَّى يستأذنوا (٣). وروى ابن عبد الحكم عن مالك قَالَ: لا يجب لمن يشهد جنازة أن ينصرف عنها حَتَّى يؤذن له، إلا أن يطول ذلك (٤). والقول الأول أولى بالصواب بدليل قوله ﷺ : "من شهد" الحديث، فلفظة (حَتَّى): حض وترغيب لا لفظ حتم ووجوب، ألا ترى قول زيد السالف. وحديث جابر مرفوعًا: "أميران وليسا بأميرين: المرأة تحج مع القوم فتحيض، والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها، ليس له أن يرجع حَتَّى يستأمر أهل الجنازة" أخرجه البزار، وعلته أبو سفيان (٥)، ورواه عمرو بن

стр. 5453

عبد الجبار من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا مثله ولم يتابع عليه، ذكره العقيلي (١) وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا (٢). وكذا عن ابن مسعود من قوله (٣). وللدارقطني من حديث عائشة مرفوعًا: "إذا صلى الإنسان على الجنازة انقطع ذمامها إلا أن يشاء أن يتبعها". ثم قَالَ: المحفوظ عن هشام، عن أبيه موقوفًا ليس فيه عائشة (٤)، ولابن أبي شيبة عن إبراهيم، وطلحة اليامي، وعن جابر موقوفًا: ارجع إذا بدا لك. وقاله ابن سيرين، والحسن، وابن جبير، وابن عمر (٥).

стр. 5454

٥٨ - باب مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ [عَلَيْهَا] فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ". [انظر: ٤٧ - مسلم: ٩٤٥ - فتح: ٣/ ١٩٦] ذكر فيه حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عَنْ أبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ (١). ثم ساق من حديثِ الأعرج عن أبي هريرة، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ .. " الحديث. قَالَ الإسماعيلي: جمع البخاري بين حديث الأعرج عن أبي هريرة، وبين حديث المقبري عن أبي هريرة على لفظ واحد، وإنما القِيراطان في مِثْلِ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ دون حديث المقبري، ولم يبين ذلك. وقد أسلفنا أن الحديث دال على أنه لا يحتاج إلى إذن في الانصراف عن الجنازة؛ لأن الشارع أخبر أن من شهدها فله كذا، ومن شهد الدفن فله كذا، فوكله إلى اختياره أن يرجع بقيراط من الأجر إن أحب أو بقيراطين، فدل على تساوي حكم انصرافه بعد الصلاة وبعد الدفن؛ لأنه لا إذن لأحد عليه فيه حين رد الاختيار إليه في ذلك. وقد أجاز مالك وبعض أصحابه لمن شيعها أن ينصرف منها قبل أن

стр. 5455

يصلى عليها، فيما رواه أشهب عنه، وروى عنه ابن القاسم أنه لا ينصرف قبلها إلا لحاجة أو علة، قَالَ ابن القاسم: وذلك واسع كحاجة أو غيرها وليست بفريضة -يعني: إذا بقي من يقوم بها- قَالَ ابن حبيب: لا بأس أن يمشي الرجل مع الجنازة ما أحب، وينصرف عنها إذا شاء قبل أن يصلى عليها (١). قاله جابر بن عبد الله (٢)، وقد أوضحت الكلام على حديث أبي هريرة هذا في الإيمان في باب: اتباع الجنائز من الإيمان، فراجعه منه.

стр. 5456

٥٩ - باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْرًا، فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ البَارِحَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ١٩٨] ذكر فيه حديث ابن عباس السالف في باب: صفوف الصبيان مع الرجال على الجنازة قريبا (١):

стр. 5457

٦٠ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ". [انظر: ١٢٤٥ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١٩٩] ١٣٢٨ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. [انظر: ١٢٤٥ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١٩٩] ١٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَي النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. [٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣ - مسلم: ١٦٩٩ - فتح: ٣/ ١٩٩] ذكر فيه حديث أبي هريرة: نعانا (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ يَوْمَ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ". وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عن سَعِيد، عن أَبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَليْهِ أَرْبَعًا. وعن ابن عمر: أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَي النَّبِيِّ ﷺ برَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. الشرح: حديث النجاشي سلف (٢)، وحديث ابن عمر يأتي في موضعه -إن

стр. 5458

شاء الله (١) - وإنما ذكر المسجد في الترجمة لاتصاله بمصلى الجنائز. قَالَ ابن حبيب: إذا كان مصلى الجنائز قريبًا من المسجد أو لاصقًا به -مثل مصلى الجنائز بالمدينة فإنه لاصق بالمسجد من ناحية السوق (٢) - فلا بأس بوضع الجنائز في المصلى خارجًا من المسجد. وتمتد الصفوف بالناس في المسجد، كذلك قَالَ مالك: فلا يعجبني أن يصلى على أحد في المسجد (٣). وهو قول ابن أبي ذئب وأبي حنيفة، وأصحابه (٤)، وروي مثله عن ابن عباس (٥). قَالَ ابن حبيب: ولو فعل ذلك فاعل ما كان ضيقًا ولا مكروهًا، فقد صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد (٦)، وصلى صهيب على عمر في المسجد. وأخرجه مالك وغيره (٧)، وهو قول عائشة. وقال ابن المنذر: صلي على أبي بكر، وعمر في المسجد (٨)، وأسنده ابن أبي شيبة عنهما وقال: تجاه المنبر (٩)، وأجاز الصلاةَ في المسجد الشافعيُّ من غير كراهة بل استحبها به، كما صرح به

стр. 5459

الماوردي وغيره (١)، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر، وعمر، وسائر أمهات المؤمنين، وأحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب مالك (٢). قَالَ إسماعيل بن إسحاق: لا بأس بالصلاة عليها فيه إن احتيج إلى ذلك (٣). وقال إسماعيل المتكلم -فيما ذكره ابن حزم: الصلاة عليها فيه مكروهة كراهية تحريم. وحديث صلاته على سهيل حجة للشافعي، والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة: لما توفي سعد بن أبي وقاص، وطلبت دخوله المسجد، فأنكروا ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابن بيضاء في المسجد (٤). وفي لفظ: سهل وسهيل. نعم في الحديث علة؛ لأن الواقدي ذكر أن سهلًا مات بعد رسول الله ﷺ ، والذي مات في أيامه سهيل سنة تسع، ولابن الجوزي: سهيل وصفوان. وهو وهم؛ لأن صفوان قتل ببدر، ولم يمت بالمدينة. وأولاد بيضاء ثلاثة لا رابع لهم (٥)، وقد نبه على ذلك عبد الغني في "أوهام كتاب الصحابة" وقال: لا نعلم قائلًا بأن صفوان صلى عليه رسول الله ﷺ مع أخيه سهيل. وأعله الدارقطني بوجه آخر، حيث قَالَ في "تتبعه": رواه مسلم من حديث أبي فديك، عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن

стр. 5460

عائشة. وقد خالف الضحاك بن عثمان حافظان: مالك، والماجشون، فروياه عن أبي النضر، عن عائشة مرسلًا. وقيل: عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ولا يصح إلا مرسلًا (١). ولك أن تقول: الضحاك ثقة، وقد زاد الوصل فقدم. وادعى ابن سحنون أن حديث النجاشي ناسخ لحديث سهيل مع انقطاعه (٢)، كذا قَالَ. وقال ابن العربي: ثبت أن رسول الله ﷺ صلى على الميت في المسجد، وله صورتان: إحداهما (٣): أن يدخل الميت في المسجد، وكرهه علماؤنا؛ لئلا يخرج من الميت شيء، وتعريض المسجد للنجاسات لا معنى له. والحديث محتمل لأن يكون حرف الجر متعلقًا بفعل (صلى) أو باسم فاعل مضمر، والأولى الأول، فيكون ﷺ في المسجد والميت خارجه، وهذا لا بد منه، وإنما أذنت عائشة بمرور الميت فيه؛ لأنها أمنت أن يخرج منه شيء؛ لقرب مدة المرور. وكان صلاة الناس على عمر كصلاته ﷺ على سهيل، كذا قَالَ. لكن رواية ابن أبي شيبة تجاه المنبر ترده (٤)، وزعم صاحب "المبسوط" أنه ﷺ كان ذلك الوقت معتكفًا فلم يمكنه الخروج فوضعت خارجه فصلى عليه (٥)، وعلم ذلك الصحابة لبروزهم، وخفي على عائشة. وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من صلى على جنازة في المسجد

стр. 5461

فلا شيء له" أخرجه أبو داود (١)، فعنه أجوبة: أحدها: ضَعْفه، كما نص عليه أحمد (٢) وغيره، بل قَالَ ابن حبان: إنه خبر باطل على رسول الله ﷺ . وكيف يخبر المصطفي بذلك ويصلي على سهيل فيه (٣). ثانيها: أن الذي في الأصول المعتمدة: "فلا شيء عليه"، ولا إشكال

стр. 5462

إذن (١). ولفظ ابن ماجه: "فليس عليه شيء" (٢). وفي لفظ: "فلا أجر له" (٣). قَالَ عبد الحق: والصحيح رواية: "لا شيء له" (٤). تالثها: على تقدير صحته (٥) تؤول (له). بمعنى (عليه) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. رابعها: أنه محمول على نقصان أجره إذا لم يتبعها للدفن (٦). خامسها: نسخه بحديث سهيل، قاله ابن شاهين (٧)، وعكس ذلك الطحاوي (٨)، وقد سلف. نعم لو ظهرت أمارات التلويث من انتفاخ وشبهه لم يدخل المسجد. قَالَ أبو عمر: والصلاة في المسجد قول جمهور أهل العلم، وهي السنة المعمول بها في الخليفتين، وما أعلم من يكره ذلك إلا ابن أبي ذئب، ورويت كراهة ذلك عن ابن عباس من وجه لا يثبت ولا يصح،

стр. 5463

وبعض أصحاب مالك رواه عنه، وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة، وقد قَالَ في المعتكف: لا يخرج إلى جنازة، فإن اتصلت الصفوف به في المسجد فلا بأس أن يصلي عليها مع الناس (١). فرع: في "الأوسط" للطبراني من حديث أنس أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور (٢). وأما حديث ابن عمر فسيأتي -إن شاء الله- في التفسير في حكم اليهود إذا ترافعوا البناء (٣). وقوله فيه: (فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد). يدل على أنه كان للجنائز موضع معروف.

стр. 5464

٦١ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ وَلَمَّا مَاتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا. ١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ هِلَالٍ -هُوَ: الوَزَّانُ- عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا". قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. [انظر: ٤٣٥ - مسلم: ٥٢٩ - فتح: ٣/ ٢٠٠] وذكر فيه حديث عائشة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "لَعَنَ الله اليَهُودَ وَالنَّصَارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا". قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأبرز قَبْرُهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. الشرح: هذِه الزوجة هي فاطمة بنت الحسين بن علي، وهي التي حلفت له بجميع ما تملكه أنها لا تزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ثم تزوجته، فأولدها محمد الديباج (١). وهذا المتكلم يجوز أن يكون من مؤمني الجن أو من الملائكة، قالاه موعظة، قاله ابن التين. ومعنى ضرب القبة على الحسن في هذا الباب: يريد بذلك أن القبة حين ضربت عليه سكنت وصلي فيها فصارت مسجدًا على القبر. وأورده دليلًا على الكراهية؛ لقول الصائح: ألا هل وجدوا .. القصة. وحديث الباب تقدم في المساجد (٢)، وهذا النهي من باب قطع

стр. 5465

الذريعة؛ لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، وكره مالك المسجد على القبور، فأما مقبرة داثرة بني عليها مسجد يصلى فيه فلا بأس به (١). قَالَ مالك: وأول من ضرب على قبر فسطاطًا عمر بن الخطاب، ضرب على قبر زينب بنت جحش أم المؤمنين (٢)، وأوصى أبو هريرة أهله عند موته أن لا يضربوا عليه فسطاطًا (٣). وقول أبي سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب ذكره ابن وهب في "موطئه" يعني: الكراهة. وقال ابن وهب: ضرب الفسطاط على قبر المرأة أجوز منه على قبر الرجل؛ لما يستر منها عند إقبارها، فأما على قبر الرجل فأُجِيْزَ، وكُرِهَ، ومن كرهه فإنما كرهه من جهة السمعة والمباهاة، وكذا قَالَ ابن حبيب: ضربه على المرأة أفضل من الرجل، وضربته عائشة على قبر أخيها فنزعه ابن عمر، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس فأقام عليه ثلاثة أيام (٤)، وكره أحمد ضربه على القبر، وقال ابن حبيب: أراه في اليوم واليومين والثلاثة واسعًا إذا خيف من نبش أو غيره (٥). واللعن: الطرد والإبعاد، فهم مطرودون ومبعدون من الرحمة ولعنوا؛ لكفرهم ولفعلهم. وكره مالك الدفن في المسجد، وقاله في مرضه تحذيرًا مما صنعوه. ومعنى: (لأبرز قبره). أي: لم يجعل عليه حائط، وفي رواية: خشي. وروي بضم الخاء (٦).
следующие страницы →