← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

يعقوب لم يقل: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال سعيد بن جبير: لم تعط أمة من الأمم ما أعطيته هذِه الأمة من الاسترجاع، ثم تلا هذِه الآية: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (١). الثاني: هذا الابن المتوفي هو أبو عمير صاحب النغير، قاله ابن حبان والخطيب وغيرهما (٢)، ولما خرجه الحاكم وسماه قَالَ: صحيح على شرطهما. و (فيه) (٣) سنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز. فإنَّ فيه أن أم سليم، كانت خلف أبي طلحة، وأبو طلحة خلف رسول الله ﷺ ، لم يكن معهم غيرهم (٤). الثالث: هدأ -بالهمز- سكن، ومنه هدأت الرِّجْلُ: إذا نام الناس. وأهدأت المرأة ولدها: سكتته لينام؛ لأن النفس كانت قلقة شديدة الانزعاج بالمرض، فسكنت بالموت، ولذلك قالت: أرجو أن يكون قد استراح. وقولها: (أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من حسن المعاريض وهو ما احتمل معنيين، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه، ولكن ورَّت به عن المعنى الذي كان يحزنها، ألا ترى أن نفسه قد هدأ كما قالت بالموت وانقطاع النفسس، وأوهمته أنه استراح قلقه، وإنما استراح من نصب الدنيا وهمها.

стр. 5392

الرابع: فيه منقبة عظيمة لأم سليم بصبرها ورضاها بقضاء الله تعالى. الخامس: فلما أصبح اغتسل. فيه: تعريض بالإصابة، وقد صرح بها في بعض الروايات (١)، وقوله: ("لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما") يحتمل أن يكون خبرًا ودعاءً، فأجاب الله تعالى قوله، فحملت تلك الليلة بعبد الله بن أبي طلحة، والد إسحاق، راوي الحديث، فحنَّكه ﷺ وسماه، وكان من خير أهل زمانه، وآتاهما الله تعالى ذلك لصبرهما، والذي لهما عند الله أعظم. السادس: الأولاد الذين أشار إليهم سفيان (٢)، هم: القاسم، وعمير، وزيد، وإسماعيل، ويعقوب، وإسحاق، ومحمد، وعبد الله (٣)، وإبراهيم، ومعمر، وعمارة، وعمر (٤)، ذكرهم ابن الجوزي، وعدتهم اثنا عشر. السابع: وهو فقه الباب: عدم إظهار الحزن عند المصيبة، وترك ما أبيح لي من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه لله تعالى، كما فعلت أم سليم فإنها اختارت الصبر، ومن قهر نفسه وغلبها على الصبر ممن تقدم ذكره في الباب قبل هذا فهو آخذ بأدب الرب ﷻ في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].

стр. 5393

الثامن: فيه من الفقه: جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة لمن قدر عليها، وأن ذلك مما ينال به العبد رفيع الثواب وجزيل الأجر. التاسع: التسلية عند المصائب. العاشر: فيه: أن المرأة تتزين لزوجها تعرضًا للجماع لقوله: (ثم هيأت شيئًا) أراد: هيأت شيئًا من حالها. الحادي عشر: أن من ترك شيئًا لله تعالى، وآثر ما ندب إليه، وحض عليه من جميل الصبر، أنه معوض خيرًا بما فاته، ألا ترى قوله: (فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْاَنَ). ولقد أخذت أم سليم في الصبر إلى أبعد غاية، على أن النساء أرق أفئدة؛ لأنا نقول: إن ما في نسائها ولا في الجلد من الرجال مثل أم سليم؛ لأنها كانت تسبق الكثير من الرجال الشجعان إلى الجهاد، وتحتسب في مداواة الجرحى، وثبتت يوم حنين في ميدان الحرب، والأقدام قد زلزلت، والصفوف قد انتفضت. والمنايا قد فغرت، فالتفت إليها رسول الله ﷺ ، وفي يدها خنجر فقالت: يا رسول الله أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، فليسوا بشرًّ منهم (١).

стр. 5394

٤٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَقَالَ عُمَرُ ﵁: نِعْمَ العِدْلَانِ، وَنِعْمَ العِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥﴾. ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" (١). [انظر: ١٢٥٢ - مسلم: ٩٢٦ - فتح: ٣/ ١٧١] وذكر فيه حديث أنس: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". أما حديث أنس فسلف في الباب (٢)، وأما أثر عمر فأخرجه البيهقي من حديث سعيد بن المسِّيب عنه (٣). والعِدْلَان كما قَالَ المهلب: الصلوات والرحمة، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقيل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. والعِلَاوَة: التي يثاب عليها. وقال ابن التين عن أبي الحسن: العدل الواحد: قول المصاب إنا لله .. إلى آخرها، والعدل الثاني: الصلوات التي عليهم من الله تعالى، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وهو ثناء من الله

стр. 5395

تعالى عليهم. وقال الداودي: إنما هو مثل ضرب للجزاء، فالعدلان: عدلا البعير والدابة، والعلاوة: الغرارة التي توضع في وسط العدلين مملوءة. يقول: وكما حملت هذِه الراحلة وسعها، وأنها لم يبق موضع تحمل عليه، فكذلك أُعطي هذا الأجر وافرًا، فعلى قول الداودي يكون العدلان والعلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ إلى ﴿المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقال صاحب "المطالع": العدل هنا نصف الحمل على أحد شقي الدابة، والحمل: عدلان، والعلاوة: ما جعل فيهما. وقيل: ما علق على البعير، ضرب ذلك مثلًا لقوله ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ قَالَ: فالصلوات عدل، والرحمة عدل، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ العلاوة. وأحسن ما جاء في التعزية حديث أم سلمة الثابت: "من أصابته مصيبة، فقال كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرًا منها، إلا فعل الله به ذلك". قالت أم سلمة: قلتُ ذلك عند موت أبي سلمة، ثم قلتُ في نفسي: من خير من أبي سلمة؟ فأعقبها الله برسول الله ﷺ ، فتزوجها (١). فيقول المعزي: آجركم الله في مصيبتكم، وعوضكم خيرًا منها ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ومعنى إنا لله: نحن وأموالنا وعبيدنا لله يبتلينا بما شاء، ونحن إليه نرجع، فيجزينا على صبرنا، وبين ذلك بقوله:

стр. 5396

﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهي الغفران والثناء الحسن، ومنه الصلاة على الميت إنما في الدعاء. وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٤٥] في الصبر قولان: أحدهما: الصوم، قاله مجاهد (١). والثاني: عن المعاصي. والصلاة أي: عند المصائب، كما قَالَ ابن عباس: إنها الاستعانة بالصلاة عند المصائب. فكان إذا دهمه أمر صلى (٢). قَالَ علي: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (٣). والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] إما عائد إلى الصلاة أو إن فعلتم ذلك، والخاشعون: المؤمنون حقًّا. والخشوع: التواضع، والمؤمن حقًّا متواضع. وإنما كان الصبر عند الصدمة الأولى؛ لأنها أعظم حرارة وأشد مضاضة، يريد أن الصبر المحمود عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة؛ لأنه يسلو على مر الأيام، فيصير الصبر طبعًا، وقد قَالَ بعض الحكماء: لا يؤجر الإنسان على مصيبة في نفسٍ أو مال لأجل ذاتها، فإن ذلك طبع لا صنع له فيه، وقد يصيب الكافر مثله فيصبر، وإنما يؤجر على قدر نيته واحتسابه. فإن قلت: قد علمت أن العبد منهي عن الهجر، وتسخط قضاء الرب في كل حال، فما وجه خصوص نزول النائبة بالصبر في حال حدوثها؟ قيل: وجه خصوص

стр. 5397

ذلك أن في النفس عند هجوم الحادثة محرك على الجزع، ليس في غيرها مثله، وبتلك يضعف على ضبط النفس فيها كثير من الناس، بل يصير كل جازع بعد ذلك إلى السلو ونسيان المصيبة، والأخذ بقهر الصابر نفسه وغلبته هواها عند صدمته؛ إيثارًا لأمر الله على هوى نفسه، ومنجزًا لموعوده. بل السالي عن مصابه لا يستحق اسم الصبر على الحقيقة؛ لأنه آثر السُّلُوَّ على الجزع واختاره، وإنما الصابر على الحقيقة من صبر نفسه، وحبسها عن شهوتها، وقهرها عن الحزن والجزع والبكاء الذي فيه راحة النفسس وإطفاء لنار الحزن، فإذا قابل سَوْرَة الحزن وهجومه بالصبر الجميل، واسترجع عند ذلك، وأشعر نفسه أنه لله مِلك، لا خروج له عن قضائه، وإليه راجع بعد الموت، ويلقي حزنه بذلك، انقمعت نفسه، وذلت على الحق، فاستحقت جزيل الأجر.

стр. 5398

٤٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ". ١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ -هُوَ: ابْنُ حَيَّانَ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ -وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ ﵇- فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ". ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". رَوَاهُ مُوسَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [مسلم: ٢٣١٥ - فتح: ٣/ ١٧٢] وذكر فيه حديث قُريش: -وهُوَ ابن حَيَّانَ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ -وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ ﵇- فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ .. الحديث، إلى قوله: "وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". رَوَاهُ مُوسَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . الشرح: أما نفس الرحمة فهو نفس حديث أنس، وأما حديث ابن عمر المعلق فقد سلف مسندًا في عيادة سعد بن عبادة (١). وقوله: (رواه موسى .. إلى آخره) أسنده مسلم، عن شيبان بن فروخ

стр. 5399

وهدبة بن خالد كلاهما، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بطوله (١)، ثم رواه من حديث ابن علية، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس، وفي آخره: "إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يكملان إرضاعه في الجنة" (٢) ولابن سعد عن البراء: "إنه صديق شهيد" (٣) وللترمذي من حديث جابر: فوضعه في حجره وبكى، فقال له ابن عوف: أتبكي وقد نهيت عن البكاء؟! قَالَ: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين" (٤). إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: حيان بمثناة تحت. والقين: الحداد. وقيل: كل صانع قين. حكاه ابن سيده. وقان الحديدة قينًا: عملها. وقان الإناء يقينه قينا: أصلحه (٥). والظئر: زوج المرضعة، والمرضعة أيضًا ظئر، وأصله: عطف الناقة على غير ولدها ترضعه. والاسم: الظأر، قاله صاحب "المطالع". وعبارة ابن الجوزي: الظئر: المرضعة، ولما كان زوجها يكفله سمي ظئرًا. وقال ابن سيده: الظئر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة من الناس والإبل، الذكر والأنثى في ذلك سواء. وهو عند سيبويه اسم للجميع (٦)، وغلط من قَالَ في قوله: كان ظئرًا لإبراهيم. أي:

стр. 5400

رضيعه؛ لأن أبا سيف كان كالراب. وقوله في بعض طرقه: يكيد بنفسه (١) -هو بفتح الياء - أي: يجود بها، من كاد يكيد. أي: قارب الموت. ثانيها: ولد إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان، ولما ولد تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة بنت المنذر، وزوجها البراء بن أوس، وكنيتها أم سيف امرأة قين، يقال أبو سيف، واسمها خولة بنت المنذر (٢). ومات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الأول سنة عشر، ذكره ابن سعد (٣). وعن ابن جرير: مات قبل رسول الله ﷺ بثلاثة أشهر يوم كسوف الشمس، وله ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا. وقال ابن حزم: سنتان غير شهرين (٤). وأغرب ما فيه من أبي داود: مات وله سبعون يومًا. وأول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون ثم هو (٥)، رش على قبره ماء. وقال الزهري: قَالَ رسول الله ﷺ : "لو عاش إبراهيم لوضعت

стр. 5401

الجزية عن كل قبطي" (١) وعن مكحول أن رسول الله ﷺ قَالَ في إبراهيم: "لو عاش ما رق له خال" (٢) وهو ابن مارية القبطية، وجميع ولده من خديجة غيره، ومجموعهم ثمانية: القاسم، وبه كان يكنى، والطاهر، والطيب -ويقال: إنه الطاهر- وإبراهيم، وبناته: زينب زوج أبي العاص، ورقية وأم كلثوم زوجتا عثمان وفاطمة زوج علي. واختلف في الصلاة عليه فصححه ابن حزم (٣)، وقال أحمد: منكر جدًّا (٤). وقال السدي: سألت أنسًا: أصلى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم (٥)؟

стр. 5402

قَالَ: لا أدري (١). وروى عطاء بن عجلان عن أنس أنه كبر عليه أربعًا (٢)، وهو أفقه. أعني: عطاء. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه صلى، وهي مرسلة (٣)، فيجوز أن يكون اشتغل بالكسوف عن الصلاة أو المثبت تقدم. ثالثها: استدل بعضهم لمالك ومن قَالَ بقوله أن اللبن للفحل حيث قال: وكان ظئرًا لإبراهيم، وهم سائر الفقهاء (٤). وقال ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة: لا يحرم. وكانت عائشة يدخل عليها من أرضعه أخواتها ولا يدخل من أرضعه نساء إخوتها (٥). رابعها: فيه جواز تقبيل من قارب الموت وشمه، وذلك كالوداع والتشفي منه قبل فراقه. خامسها: قد سلف فيما سلف من الأبواب بيان البكاء والحزن المباحين، وهذا الحديث أبين شيء وقع في البكاء، وهو يبين ما أشكل من المراد بالأحاديث المخالفة له، وفيه ثلاثة أوجه جائزة: حزن القلب،

стр. 5403

والبكاء، والقول الذي لا تحذير فيه، وأن الممنوع النوح وما في معناه مما يفهم أنه لم يرض بقضاء الله ويتسخط له، إذ الفطرة مجبولة على الحزن، وقد قَالَ الحسن البصري: العين لا يملكها أحد، صبابة المرء بأخيه. وروى ابن أبي شبية من حديث أبي هريرة أنه ﵇ كان في جنازة مع عمر فرأى امرأة تبكي فصاح عليها عمر، فقال ﵇: "دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب" (١) فعذرها ﷺ مع قرب العهد؛ لأن بعده ربما يكون بلاء الثكل، وفتور فورة الحزن. فإذا كان الحزن على الميت رثاء له ورقة عليه، ولم يكن سخطًا ولا تشكيًا، فهو مباح كما سلف قبل هذا لقوله ﷺ : "إنها رحمة". سادسها: فيه شدة إغراق النساء في الحزن، وتجاوزهن الواجب فيه لنقصهن، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه. وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] أن المودة: الجماع. والرحمة: الولد، ذكره ابن وهب (٢).

стр. 5404

٤٤ - باب البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ ١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ: "قَدْ قَضَى؟ ". قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: "أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَي لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَضْرِبُ فِيهِ بِالعَصَا، وَيَرْمِي بِالحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ. [مسلم: ٩٢٤ - فتح: ٣/ ١٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوى .. الحديث. وفيه: فَبَكَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَما رَأى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا .. الحديث. وهو قال على ما ترجم له من جواز البكاء عند المريض، وليس ذلك من الجفاء عليه والتقريع له، وإنما هو إشفاق عليه، ورقة وحرقة لحاله. وقد بين في الحديث أنه لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بالقول السيئ ودعوى الجاهلية. وقوله: ("أو يرحم") أي: إن لم ينفذ الوعيد في ذلك، وإذا قَالَ خيرًا واستسلم للقضاء. وقوله: (فوجده في غاشية أهله). يريد من كان حاضرًا عنده منهم، ويبعد أن يكون المراد: ما يتغشاه من كرب الوجع الذي به، وإن أبداه ابن التين احتمالًا.

стр. 5405

ومعنى: ("قد قضى؟ ") أي: مات. وقوله: (وكان عمر يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي -أو يرمي- بالتراب). إنما كان يضرب في البكاء بعد الموت لقوله ﷺ : "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" (١)، وكان يضربهن أدبًا لهن؛ لأنه الإمام، كذا أوله الداودي. وقال غيره: إنما كان يضرب في بكاء مخصوص، وقبل الموت وبعده سواء، وذلك إذا نُحْنَ ونحوه. وقوله: (ويحثي التراب). تأسي بقوله ﷺ في نساء جعفر: "احث في أفواههن التراب" (٢).

стр. 5406

٤٥ - باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ ١٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي -أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشَبٍ- فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ". فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، فَوَاللهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ العَنَاءِ. [انظر: ١٢٩٩ - مسلم: ٩٣٥ - فتح: ٣/ ١٧٦] ١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ العَلَاءِ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ. أَوِ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى. [٤٨٩٢، ٧٢١٥ - مسلم: ٩٣٦ - فتح: ٣/ ١٧٦] ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زيدِ بن حارِثة .. إلى آخره. وقد سلف قريبًا في باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن (١)، وشيخه فيه: محمد بن عبد الله بن حوشب. قَالَ الأصيلي: لم يرو عنه أحد غير البخاري. قلتُ: أي: من أصحاب الكتب الستة، وإلا فقد روى عنه ابن وارة.

стр. 5407

وحديث أم عطية: أَخَذَ عَلَيْنَا رسول الله ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ العَلَاءِ، (وَابْنَةِ أَبِي) (١) سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ، (وَامْرَأَتَيْنِ) (٢). أَوِ ابنةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أخْرى. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقد أسلفنا معنى هذا الباب، وأن النوح والبكاء على سنة الجاهلية حرام، قد نسخه الإسلام، ألا ترى أنه ﷺ كان يشترط على النساء في بيعة الإسلام أن لا يَنُحن؛ تأكيدًا للنهي؛ وتحذيرًا منه، وفيه: أنه من نهي عما لا ينبغي له ففعله ولم ينته أنه يؤدب على ذلك ويزجر، ألا ترى إلى قوله: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ" حين انصرف المرة الثالثة، وقال: إنهن غلبننا. وهذا يدل على أن بكاء نساء جعفر وزيد الذي نهين عنه لم يكن من النوح المحرم؛ لأنه لو كان محرمًا لزجرهن حَتَّى ينتهين عنه. ولا يؤمن على النساء عند بكائهن الهائج لهن أن يضعف صبرهن فيصلن به نوحًا محرمًا، فلذلك نهاهن قطعًا للذريعة. وفيه من الفقه: أن للعالم أن ينهى عن المباح إذا اتصل به فعل محذور أو خيف معه، فمن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وهذا الحديث يدل أن قوله ﷺ في الحديث السالف: "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" (٤) على الندب جمعًا بين الأحاديث، فقد قال: "لكن حمزة لا بواكي

стр. 5408

له" (١) وحديث أم عطية دال على أن النوح بدعوى الجاهلية حرام؛ لأنه لم يقع في البيعة من غير فرض. وقولها: (فما وفت منا امرأة غير خمس). هو مصداق لإخبار الشارع عنهن بنقص العقل والدين، ومن خلق من الضلع الأعوج كيف يستقيم ويرجع إلى الحق وينقاد؟! وفي أفراد مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" (٢). وللبخاري عن ابن عباس موقوفًا: خلال من خلال الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة ونسي -يعني: الراوي- الثالثة. قَالَ سفيان: ويقولون: إنها الاستسقاء بالأنواء (٣).

стр. 5409

٤٦ - باب القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ ١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . زَادَ الحُمَيْدِيُّ: "حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ". [١٣٠٨ - مسلم: ٩٥٨ - فتح: ٣/ ١٧٧] ذكر فيه حديث سفيان عن الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ ابْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ، أنا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وفي بعض نُسخ البخاري: زَادَ الحُمَيْدِيُّ: "حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا ولفظه: "حَتَّى تخلفكم أو توضع" (١) وفي لفظٍ له: "إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن معها فليقم حين يراها تخلفه، إذا كان غير متبعها" (٢). إذا تقرر ذلك فمعنى القيام للجنازة -والله أعلم- على التعظيم لأمر الميت، والإجلال لأمر الله؛ لأن الموت فزع، فيستقبل بالقيام له والجد. وقد روي هذا المعنى مرفوعًا من حديث ابن عمر: "إنما تقومون إعظامًا لمن يقبض النفوس". رواه أحمد والحاكم. وقال: صحيح الإسناد (٣). وروي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة

стр. 5410

فقوموا" رواه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة (١). وقد أخذ بظاهر حديث الباب جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء كما سنقف على ذلك في الباب بعد بعده. ورأت طائفة ألا يقوم للجنازة إذا مرت به، وقالوا: لمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع. ونقله الحازمي عن أكثر أهل العلم (٢). واحتجوا بحديث عليًّ ﵁ أنه ﷺ كان يقوم للجنازة ثم جلس بعد. أخرجه مسلم (٣). ولابن حبان: كان يأمر بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك (٤). وفي لفظ: قام ثم قعد (٥). وفي آخر: قام فقمنا، ورأيناه قعد فقعدنا (٦). وقال عليٌّ: ما فعله رسول الله ﷺ إلا مرة، فلما نسخ ذلك نهى عنه (٧). وفي لفظٍ: قام مرة ثم نهى عنه (٨). فدل هذا: أن القيام منسوخ بالجلوس. وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب، وعروة (٩)، ومالك، وأبو حنيفة

стр. 5411

وأصحابه، والشافعي (١). وكان ابن عمر وأصحاب رسول الله ﷺ يجلسون قبل أن توضع الجنازة (٢)، فهذا ابن عمر يفعل هذا. وقد روي عن عامر بن ربيعة، عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك. فدل تركه لذلك ثبوت نسخ ما حدث به عامر. وأنكرت عائشة القيام لها، وأخبرت أن ذلك كان من فعل الجاهلية (٣). وقال عبد الملك بن حبيب وابن الماجشون: ذلك على التوسعة، والقيام فيه أجر وحكمه باق (٤). وقول مالك أولى؛ لحديث عليًّ السالف. وقال صاحب "المهذب": هو مخير بين القيام والقعود (٥). وقال جماعة: يكره القيام إذا لم يرد المشي معها (٦)، وبه قَالَ أبو حنيفة. وقال المتولي: يستحب (٧) القيام (٨). وحديث علي مبين للجواز. فأما القيام على القبر حَتَّى تقبر، فقال القرطبي: كرهه قوم، وعمل به آخرون. رُوي ذلك عن عليًّ وعثمان وابن عمر، وأمر به عمرو بن العاصي (٩).

стр. 5412

٤٧ - باب مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ ؟ ١٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا -أَوْ تُخَلِّفَهُ -أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ". [انظر: ١٣٠٧ - مسلم: ٩٥٨ - فتح: ٣/ ١٧٨]. ذكر فيه حديث نافع عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا -أَوْ تُخَلِّفَهُ- أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أنْ تُخَلِّفَهُ".

стр. 5413

٤٨ - باب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَامِ ١٣١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ". [انظر: ١٣٠٩ - مسلم: ٩٥٩ - فتح: ٣/ ١٧٨] ١٣٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ فَوَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. [١٣١٠ - مسلم: ٩٥٩ - فتح: ٣/ ١٧٨] ذكر فيه حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ". وحديث سعيد المقبري عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ فَأخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ والله لَقَدْ عَلِمَ هذا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. وهذا من أفراد البخاري، والأول أخرجه مسلم أيضًا (١). وقد أخذ بظاهر هذا الحديث طائفة، وكانوا يقومون للجنازة إذا مرت بهم، روي ذلك عن أبي مسعود البدري، وأبي سعيد الخدري، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، وسالم بن عبد الله (٢). زاد ابن حزم: والمسور بن

стр. 5414

مخرمة وقتادة وابن سيرين والشعبي والنخعي (١). وقال أحمد وإسحاق: إن قام لم أعِبْهُ، وإن قعد فلا بأس. ذكره ابن المنذر (٢)، وقد سلف نسخه. وإن أئمة الفتوى على ترك القيام. قال ابن المنذر: وممن رأى أن لا يجلس من تبعها حَتَّى توضع عن مناكب الرجال أبو هريرة وابن عمر وابن الزبير والحسن بن علي والنخعي والشعبي والأوزاعي (٣)، وأما أمر أبي سعيد لمروان بالقيام فهو من أفراده كما قَالَ ابن بطال (٤)، وممن روي عنه القيام للجنازة إذا مرت بهم ممن ذكرناهم في الباب قبل هذا، لم يحفظ عن أحد منهم قول أبي سعيد، وقعود أبي هريرة ومروان دليل على أنهما (٥) علما أن القيام ليس بواجب، وأنه أمر متروك ليس عليه العمل؛ لأنه لا يجوز أن يكون العمل على القيام عندهم ويجلسان، ولو كان أمرًا معمولًا ما خفي مثله على مروان؛ لتكرر مثل هذا الأمر، وكثرة شهودهم الجنائز، والعمل في هذا على ما فعله ابن عمر والصحابة من الجلوس قبل وضعها.

стр. 5415

٤٩ - باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ ١٣١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا". [مسلم: ٩٦٠ - فتح: ٣/ ١٧٩] ١٣١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ -وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ- قَاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا. فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ ". [١٣١٣ معلقًا- مسلم: ٩٦١ - فتح: ٣/ ١٧٩] ١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ ﵄ فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١٣١٢] قَالَ زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ. [فتح: ٣/ ١٨٠] ذكر فيه حديث جابر: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رسول الله ﷺ وقُمْنَا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيًّ. قَالَ: "فإذا رَأَيْتُم الجَنَازَةَ فَقُومُوا". وحديث سهل بن حنيف وقيس بن سعد بالقادسية، وفيه: "أَليْسَتْ نَفْسًا؟ ". وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابن أَبِي لَيْلَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ ﵄ فَقَالَا: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ .

стр. 5416

وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابن أَبِي لَيْلَى قال: كَانَ (أَبُو) (١) مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ. الشرح: حديث جابر أخرجه مسلم وقال فيه: "إن الموت فزع" (٢) ولم يذكر البخاري هذِه اللفظة. وحديث سهل وقيس أخرجهما مسلم (٣)، وتعليق أبي حمزة أخرجه أبو نعيم من حديث عبدان عنه، والحاكم وقال: على شرط مسلم من حديث أنس فقال: "إنما قمنا للملائكة" لما قيل له: إنها جنازة يهودي (٤). قَالَ الشافعي في "اختلاف الحديث": وهذا -أعني: القيام- لا يعدو أن يكون منسوخًا، أو يكون قام لعلة قد رواها بعض المحدثين، وهي كراهته أن تطوله جنازة يهودي (٥). قلتُ: أو آذاه ريحها كما أخرجه ابن شاهين (٦). وأيها كان فقد جاء عنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره. وقال الحازمي: اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم: يقوم إذا رآها. وأكثر أهل العلم على أنه ليس على أحد القيام لها. روينا ذلك عن عليٍّ، وابنه الحسن وعلقمة والأسود والنخعي ونافع بن جبير. زاد ابن حزم: ابن عباس، وأبا هريرة. وبه قَالَ أهل الحجاز، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ (٧).

стр. 5417

وفي الترمذي -مضعفًا- من حديث عبادة أنه ﷺ كان يقوم في الجنازة حَتَّى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فقال: "اجلسوا خالفوهم" فجلس (١). وقوله: (فقيل له إنها من أهل الأرض)، أي: من أهل الذمة، وأبدل هذا الداودي بقوله: من أهل. الذمة، ثم قَالَ: إنما شك أي الكلمتين قَالَ. ثم قَالَ: والذي في الروايات: أي: من أهل الذمة. على طريق البيان والتفسير؛ لأن أهل تلك الأرض كانوا أهل ذمة فنسبها إليهم، وقول أبي هريرة فيما مضى صدق لأبي سعيد؛ لأنهما لم يبلغهما النسخ. فائدة: القادسية أول مرحلة لمن خرج من الكوفة إلى المدينة، وهي التي كان بها حرب المسلمين مع الفرس (٢). وذكر ياقوت خمس بلاد أخرى، وأهمل اثنتين: سر من رأى، مات بها المستعين الخليفة، قَالَ القزاز: والقادسية بمرو الروذ (٣).

стр. 5418

٥٠ - باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ ١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ". [١٣١٦، ١٣٨٠ - فتح: ٣/ ١٨١] ذكر فيه حديث أبي سعيد: قال النبي ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي .. " الحديث. وترجم عليه باب: قول الميت على الجنازة: قدموني (١) وهو من أفراده، وخرجه أيضًا في باب كلام الميت على الجنازة (٢)، ووجه مناسبته للترجمة قوله: ("واحتملها الرجال") فإن النساء يضعفن عن ذلك ولو كان الميت أنثى، وربما انكشف منها شيء بسببه. إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: ("إذا وضعت") الظاهر أن المراد: وضعها على أعناقهم، ويحتمل أن يريد الوضع على السرير، وسئل في "المدونة": من أي جوانب السرير أحمل، وبأيها أبدأ؟ فقال: ليس فيه شيء مؤقت، ورأيته يرى الذي يذكر الناس تبدأ باليمين بدعة (٣). وقال ابن مسعود: حمل الأربع هي السنة (٤)، وبه قَالَ أشهب وابن

стр. 5419

حبيب (١). واختلف في صفة الحمل فقال أشهب: يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن، ثم المؤخر -يريد الأيمن- ثم المقدم الأيسر، ثم يختم بالمؤخر الأيسر. وقال ابن حبيب: يبدأ بيمين الميت -وهو يسار السرير المقدم- ثم الرجل اليمنى من الميت، ثم الرجل اليسرى، ثم يختم بالمقدم الأيمن وهو يسار الميت (٢). ثانيها: قوله: ("فإنْ كانتْ صالحةً قالتْ: قَدِّمُوني"). وذلك أن تأخيرها لا فائدة فيه، وفي تعجيلها ستر لها، ومبادرة لغيرها. وقوله: (وإِنْ كانتْ غيرَ صَالِحَةٍ قالتْ: يا ويلها") وفي الرواية الأخرى: "قالت لأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا" (٣). وهي كلمة تقولها العرب عند الشر تقع فيه، وتقول ذلك لغيره، وويحك، وويك وويل ومعناهن واحد. وقيل: الويل: وادٍ في جهنم. والمتكلم بذلك الروح، ويجوز أن يرده الله تعالى إليه، فإنما يسمع الروح من هو مثله ويجانسه، وهم الملائكة والجن. ومعنى ("صَعِقَ"): مات. والمراد: يسمعها كل شيء مميز، وهم الملائكة والجن، وإن روي أن البهائم تسمعها. وقد بيَّن ﵇ المعنى الذي من أجله مُنع الإنسان أن يسمعها، وهو أنه كان يصعق لو سمعها، فأراد الله تعالى الإبقاء على عباده، والرفق بهم في الدنيا لتعمر، ويقع فيها البلوى والاختبار (٤).

стр. 5420

٥١ - باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ وَقَالَ أَنَسٌ: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فامْشِوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا. ١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". [مسلم: ٩٤٤ - فتح: ٣/ ١٨٢] وذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ .. " الحديث. الشرح: أثر أنس أخرجه ابن أبي شيبة من حديث حميد، عنه في الجنازة: أنتم مشيعون لها تمشون أمامها وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها (١). وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (٢). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم، والأربعة، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي بكرة: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ لنكاد نرمل بالجنازة رملًا، ثم ذكر له شاهدًا صحيحًا (٣).

стр. 5421

وللترمذي: "ما دون الخبب". وأعله (١). وللبخاري في "تاريخه" عن محمود بن لبيد قَالَ: أسرع رسول الله ﷺ حَتَّى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ (٢)، وأمر عمر بالإسراع بجنازته، وكذا عمران بن الحصين، وابن عمرو، وابن عمر، وعلقمة. وقال أبو الصديق الناجي: إن كان الرجل؛ لينقطع شسعه في الجنازة فما يدركها (٣). وقال إبراهيم: كان يقال: انبسطوا بجنائزكم، ولا تدبوا بها دب اليهود (٤). وكان محمد والحسن يعجبهما الإسراع بها (٥). وفي ابن ماجه بإسناد فيه ليث عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى قَالَ: مروا على رسول الله ﷺ بجنازة يسرعون بها، فقال: " (لتكون) (٦) عليكم السكينة" (٧).

стр. 5422

وأخذ قوم بهذا فقالوا: عدم الإسراع بها أفضل بل نمشي بها مشيًا لينًا، وأخذ قوم بالأول وقالوا: الإسراع بها أفضل. وقد روي عن أبي هريرة أنهم كانوا معه في جنازة، فمشوا بها مشيًا لينًا، فانتهرهم أبو هريرة وقال: كنا نرمل بها مع رسول الله ﷺ . وذكر ابن المنذر أن الثاني مذهب ابن عباس (١)، وقد يكون حديث أبي موسى فيه عنف في مشيهم ذلك تجاوزوا ما أمروا في حديث أبي هريرة في السرعة، وقد ورد مصرحًا به في حديث أبي موسى المذكور: مُرَّ على رسول الله ﷺ بجنازة يسرعون بها في المشي، وهي تمخض مخض الزق فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم" (٢) فأمرهم بالقصد؛ لأن تلك السرعة يخاف منها على الميت. وقد أمر بما دون الخبب كما سلف، وهو المراد بالسرعة في حديث أبي هريرة، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، وهو قول جمهور العلماء (٣). وفي "المبسوط": ليس في المشي بالجنازة شيء مؤقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة من الإبطاء (٤)، وقال ابن قدامة: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بها (٥).

стр. 5423

قلتُ: وهو مشي الناس على سجيتهم، لا السعي المفرط، وما جاء عن السلف من كراهة الإسراع بها محمول على هذا الذي يخاف منه الانفجار أو خروج شيء منه. وروي عن النخعي أنه قال: بطئوا بها، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى (١). وقال ابن حبيب: لا يمش بالجنازة الهوينا، ولكن مشي الرجل الشاب في حاجته (٢). وكذلك قَالَ الشافعي: يسرع بها إسراع سجية مشي الناس (٣). وفي "المعرفة" عنه: فوق سجية المشي (٤). وقد قيل: إن المراد بالإسراع تعجيل الدفن بعد يقين موته. ووجهه حديث الحصين (٥) بن وَحْوَح (٦) أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: "إني لأرى طلحة إلا وقد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" (٧).

стр. 5424

وأما قول أنس: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فامشوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا) فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدها: يمشي أمامها وخلفها وحيث شاء. هذا قول أنس بن مالك، ومعاوية بن قرة، وسعيد بن جبير، وبه قَالَ الثوري (١)، واحتجوا بما رواه يونس بن يزيد عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها (٢). ثانيها: أن المشي أمامها أفضل، واحتجوا بحديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان (٣). وفي رواية للنسائي، وابن حبان زيادة: وعثمان (٤).

стр. 5425

وروي مرسلًا عن الزهري. قَالَ الترمذي: وأهل الحديث يرون أنه أصح، قاله ابن المبارك (١). واختار البيهقي ترجيح الموصول؛ لأن واصلها ثقة (٢)، وكذا ابن المنذر حيث قَالَ في "إشرافه": ثبت أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. وقال ابن حزم: لم يخف علينا قول الجمهور من أصحاب الحديث أن خبر همام هذا خطأ، ولكن لا يلتفت إلى هذا الخطأ في رواية الثقة إلا ببيان لا يشك فيه (٣) وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي أسيد، حكاه في المصنف عنه (٤)، وإليه ذهب القاسم وسالم وبقية الفقهاء السبعة المدنيين، والزهري ومالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم (٥). وقال الزهري: والمشي خلف الجنازة من خطأ السنة (٦)، واحتج أحمد بتقديم عمر ابن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش، وبحديث ابن عمر، وبعمل الخلفاء الراشدين المهديين. وقال ابن شهاب: ذلك عمل الخلفاء بعد النبي ﷺ إلى هلم جرا (٧). وفي "المصنف" عن أبي صالح قَالَ: كان أصحاب محمد ﷺ يمشون أمامها. وحكاه أيضًا عن علقمة والأسود والقاسم والحسن والحسين

стр. 5426

وعبد الله بن الزبير وعبيد بن عمير والعقَّار بن المغيرة بن شعبة (١). ثالثها: أن المشي خلفها أفضل، وهو قول علي بن أبي طالب (٢). وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأهل الظاهر (٣). قَالَ الطحاوي: وهو قول ابن مسعود وأصحابه، واحتجوا بما رواه أبو الأحوص، عن أبي فروة الهمداني عن زائدة بن خراش، عن ابن أبزى، عن أبيه قال: كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي، وكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وكان علي يمشي خلفها، فقال علي: إن (فضل) (٤) الذي يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل الذي أعلم، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس (٥). ورواه أحمد في "مسنده": عن علي أن عمرو بن حريث سأله فقال علي: إن فضل المشي خلفها على بين يديها كفضل الصلاة المكتوبة في الجماعة على الوحدة. فقال عمرو: إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها. فقال علي: إنما كرها أن يخرجا الناس (٦). وحكى الأثرم أنه ذكر هذا لأبي عبد الله، فتكلم في إسناده. ومثل هذا لا يقال بالرأي وإنما هو بالتوقيف، وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك (٧). وروى نافع قَالَ: خرج عبد الله بن عمر إلى جنازة فرأى معها نساء،

стр. 5427

فوقف ثم قَالَ: ردهن فإنهن فتنة الحي والميت. ثم مضى فمشى خلفها، قلتُ: يا أبا عبد الرحمن، كيف المشي في الجنازة، أمامها، أم خلفها؟ قال: أما تراني أمشي خلفها. فهذا ابن عمر يفعل هذا، وهو الذي يروي عن رسول الله ﷺ أنه كان يمشي أمامها (١). فدل ذلك على أن فعل الشارع ذلك على جهة التخفيف على الناس، لا لأن ذلك أفضل من غيره. وقد روى مغيرة عن إبراهيم قَالَ: كانوا يكرهون السير أمام الجنازة، وتأولوا في تقديم عمر بن الخطاب للناس في جنازة زينب أم المؤمنين، أن ذلك كان من أجل النساء اللاتي كن خلفها، فكره عمر للرجال مخالطتهن؛ لا لأن المشي أمامها أفضل. وقد روى يونس، عن ابن وهب أنه سمع من يقول ذلك، قَالَ إبراهيم: كان الأسود إذا كان في الجنازة نساء مشى أمامها، وإذا لم يكن معها نساء مشى خلفها (٢). ولا فرق عندنا بين الماشي والراكب، وخالف الخطابي (٣)، وتبعه الرافعي في "شرح المسند" فقال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف. وعبارة ابن الحاجب: وفي التشييع (٤). ثالثها: المشهور المشاة يتقدمون، وأما النساء فيتأخرون، وفي "المصنف" قيل لعلقمة: يكره المشي خلف الجنازة؟ قَالَ: إنما يكره السير أمامها (٥).

стр. 5428

وعن ابن عون: كان الحسن وابن سيرين لا يسيران أمامها (١)، وقال سويد بن غفلة: الملائكة يمشون خلف الجنازة (٢). وعن أبي الدرداء أن من تمام أجر الجنازة تشييعها من أهلها، والمشي خلفها (٣). وقال أبو معمر في جنازة ابن ميسرة: امشوا خلف جنازته، فإنه كان مشاءً خلف الجنائز (٤). وعن مسروق مرفوعًا مرسلًا: "لكل أمة قربان، وقربان هذِه الأمة موتاها، فاجعلوا موتاكم بين أيديكم". وقال أبو أمامة: لأن لا أخرج معها أحب إليَّ من أن أمشي أمامها (٥). ولأبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تتبعوا الجنازة بصوت ولا نار، ولا يُمشى بين يديها" (٦). وللدارقطني من حديث عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فذكر أن أمه توفيت وهي نصرانية وهو محب، فقال له ﷺ : "اركب دابتك، وسر أمامها، فإنك إذا سرت أمامها لم تكن معها" (٧). وفي "صحيح الحاكم" من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قَالَ: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي عن يمينها وشمالها قريبًا منها، والسقط يُصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة" ثم قَالَ:

стр. 5429

صحيح على شرط البخاري (١). وقال البيهقي: مشكوك في رفعه (٢). وكان يونس يَقِفُه على زياد. فان قلتَ: الشارع أمر باتباع الجنازة، ولفظ الاتباع لا يقع إلا على التالي، ولا يسمى المتقدم تابعًا بل هو متبوع، قلتُ: لا نسلم ذلك. فإن قيل: حق الشفيع أن يتقدم على الشافع، والقوم شفعاء، قلتُ: ينتقض بالصلاة عليه، فإنهم شفعاء فيها وقد تأخروا عنه، والشفاعة في الصلاة لا في التشييع. قَالَ ابن شاهين: هذا باب مشكل من القطع فيه بنسخ، فيجوز أن يكون مشى ﷺ بين يديها لعلة وخلفها لعلة، كما كان إذا صلى سلم واحدة، فلما كثر الناس عن يمينه وخلا اليسار سلم عن يمينه وشماره، ثم جاءت الرخصة منه بأنه يمشي حيث شاء، وقد جاء في المشي خلفها من الفضل ما لم يجيء في المشي أمامها، ولا يسلم له ذلك (٣). فصل: قوله: (وقال غيره: قريبًا منها). أي: لأنه إذا بعد لم يكن مشيعًا، فإن بعد عنها فإن كان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة، حصل له فضل المتابعة، وإلا فلا، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها على ما قررناه عند الشافعي ومتابعيه. فصل: وقوله في الحديث: ("فشر تضعونه عن رقابكم") يعني: تعب

стр. 5430

حمله، ويحتمل أن يراد به من أهل النار. وقيل: إن الميت السعيد إذا سمع من يقول: على رفقكم -يعني: المهل- أنه كان القائل أبغض الخلق إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. والشقي عكس ذلك، إذا سمع من يقول: أسرعوا. كان أبغض الناس إليه ولو كان أحبهم إليه في الدنيا. وإذا قَالَ: على رفقكم كان أحبهم إليه. فرع: قَالَ ابن المنذر: ومن تبع الجنازة حيثما مشى فيها، فليكثر ذكر الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعد للموت وما بعده (١). وسمع أبو قلابة صوت قاص في جنازة فقال: كانوا يعظمون الموت بالسكينة (٢). وآلى ابن مسعود أن لا يكلم رجلًا رآه يضحك في جنازة (٣). وقال مطرف بن عبد الله: كان الرجل يلقى الخاص من إِخوانه في الجنازة له عهد عنده، فما يزيد على التسليم ثم يعرض عنه، حَتَّى كأن له عليه موجدة اشتغالًا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة سأله عن حاله ولاطفه. وفي سماع أشهب: قَالَ أسيد بن حضير: لو كنت في حالتي كلها مثلي في ثلاث: إذا ذكرت النبي ﷺ ، وإذا قرأت سورة البقرة (٤).
следующие страницы →