← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وفي حديث الهيثم بن خارجة أن العليا بالضم والقصر (١)، وتابعه على ذلك وهيب وأبو أسامة. وقال عبيد بن إسماعيل: دخل من كداء -بالمد والفتح- في المغازي، ودخل من كدى بالضم والقصر، وقال ابن قرقول: وكذا عند عامتهم في حديث عبيد بالفتح، وهو الصواب، إلا أن الأصيلي ذكره عن أبي زيد بالعكس: دخل من كدى، وخالد بن الوليد: من كداء، وهو مقلوب، وفي حديث ابن عمر: دخل من كداء ممدود مصروف، وكذا في حديث عائشة، وعند الأصيلي: هو الموضع مهمل في هذا الموضع، وعند أبي ذر: القصر في الأول مع الضم، وفي الثاني: الفتح مع المد. وعن عروة من حديث عبد الوهاب: أكثر ما يدخل من كُدى. مضموم مقصور، للأصيلي والحموي وأبي الهيثم، ومفتوح مقصور للقابسي والمستملي، وعند محمود: دخل من كدى، وخرج من كداء، كذا لكافتهم، وللمستملي عكس ذلك، وهو أشهر، وعند مسلم: دخل يوم الفتح من كداء من أعلاها بالمد للرواة، إلا السمرقندي، فعنده: كدى بالضم والقصر، وفيه قال هشام: أكثر ما كان أبي يدخل من كدى بالضم، كذا رويناه، ورواه غيري بالمد والفتح (٢). وقال القرطبي: اختلف في ضبط هاتين الكلمتين، والأكثر منهم على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر، وقيل: بالعكس (٣).

стр. 6372

وقال ابن التين: العليا بفتح الكاف، وضبطت في بعض الأمهات بالمد من غير صرف، والسفلى بالضم. وقال الخطابي: الرواة قلما يقيمون هذين الاسمين، وإنما هو كداء وكُدى (١). وذكر ابن ولاد أن كداء ممدود: جبل أو موضع، وكدى بالضم والقصر جمع، قال: وهو الموضع الغليظ الصلب (٢)، ورواية: دخل من كداء وخرج من كدى من أعلى مكة. فيه تقديم وتأخير، وإنما أراد أنه دخل من أعلاها من كداء، وخرج من أسفلها من كدى، وما روي عن عروة أنه كان يدخل من كلتيهما، فإنما أراد أن يعرف أن ذلك ليس بفرض، وإنما هو سنة. واقتصر ابن بطال من هذا الاختلاف على قوله: إذا فتحت الكاف مددت، وإذا ضممتها قصرت، وقد قيل: كدى بالضم وهو أعلى مكة، وقيل: بل بالفتح وهو أصح (٣). وقال ابن حزم: الممدود عند المحصب، وبضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طوى، وهي الثنية السفلى، قال الحازمي وغيره: تقول الثنية السفلى هي كدى مصغر. وقوله: (كلاهما). كذا في الأصل، وفي نسخة: كليهما. وقوله قبله: (وكان عروة يدخل على كلتيهما) هو الصواب. وقال ابن التين: في "الأمهات": كلتاهما، والصواب كلتيهما، والحكمة في الدخول من العليا، والخروج من السفلى أن نداء أبينا إبراهيم كان من جهة العلو، وأيضًا فالعلو مناسب للمكان العالي الذي قصده، والسفل مناسب لمكانه الذي يذهب إليه؛ لأنه سفل بالنسبة إليه. وقيل: إن من جاء

стр. 6373

هذِه الجهة كان مستقبلًا البيت، وقيل: لأنه ﵇ لمَّا خرج مختفيًا أراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا. وقال المهلب: إنما فعله؛ ليعلم الناس السعة في ذلك، وأن ما يمكن له منه فمجزئ عنهم، ألا ترى أن عروة كان يفعل ذلك. وقال غيره: ليتبرك به الطريقان، أو ليغيظ المنافقين بظهور الدين وعز الإسلام، أو تفاؤلًا بتغير الحال، أو ليشهد له الطريقان كما في العيد (١). قلت: وروى الطبراني في "الأوسط" عن العباس أنه ﵇ لما بعث، قال العباس لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا. فقال: لا والله حتى أرى الخيل تطلع من كداء. قال العباس: قلت له: ما هذا؟ قال: شيء يطلع بقلبي؛ لعلمي أن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا. قال: فلما طلع رسول الله ﷺ من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره. وروى البيهقي من حديث ابن عمر أنه ﵇ قال لأبي بكر: "كيف قال حسان بن ثابت؟ " فأنشد: عدمت بنيتي إن لم يروها … تسير النقع عن كنفي كداء فتبسم رسول الله ﷺ فقال: "ادخلوها من حيث قال حسان" (٢)، ومن حديث عروة نحوه، وأجاب كعب بن مالك أبا سفيان بقوله: فلا تعجل أبا سفيان وارقب … جياد الخيل تطلع من كداء

стр. 6374

٤٢ - باب فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ إلى قوله: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٦ - ١٢٨]. [فتح: ٣/ ٤٣٨] ١٥٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: "أَرِنِي إِزَارِي". فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٦٤ - مسلم: ٣٤٠ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ". فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ". [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩]

стр. 6375

١٥٨٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَنَقَضْتُ البَيْتَ، ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا". قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفًا يَعْنِي: بَابًا. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٦ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ". فَذَلِكَ الذيِ حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ أُرِيكَهُ الآنَ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَا هُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ﴿مَثَابَةً﴾: مجمعًا، أو من الثواب، أو مرجعًا، أو لا يقضون فيه وطرًا، وأصلها؛ مثوبة، وقرئ (مثابات). ﴿وَأَمْنًا﴾ أي؛ يأمن من دخله، وكان معاذًا له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وكان الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ولم يعرض له حتى يخرج منه. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وحديث: "إن إبراهيم حرم مكة" (١) المراد:

стр. 6376

أظهر حرمتها، وإلا فهي حرام منذ خلق الله السموات والأرض كما ستعلم، فهو آمن من عقوبة الله، وعقوبة الجبابرة، وسأل إبراهيم أن يؤمنه من الجدب والقحط، دليله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقيل: بل كانت حلالًا قبل دعائه، وهو حرمها كما حرم نبينا المدينة. وقوله: (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) [البقرة: ١٢٥] قيل: هو المقام الذي يصلي فيه الأئمة اليوم، وقيل: الحج كله مقام إبراهيم. قاله ابن عباس وعطاء (١). ومصلى أي: مدعى، قاله مجاهد (٢)، والأظهر: الصلاة. ﴿وَعَهِدْنَا﴾ أمرنا وأوحينا. ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أي: من الآفات والريبة، أو من الأوثان، أو من الشرك. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ببيتي، ﴿وَالعَاكِفِينَ﴾: المجاورين، أو أهل البلد. و ﴿القَوَاعِدَ﴾: الأساس، والجدر. ﴿مَنَاسِكَنَا﴾: ذبائحنا أو متعبداتنا. ﴿وَأَرِنَا﴾: بكسر الراء وإسكانها. ثم ذكر فيه خمسة أحاديث: أحدها: حديث جابر بن عبد الله: لَمَّا بُنيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ والعباس يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَي الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: "أرِنِي إِزَارِي". فَشَدَّهُ عَلَيْهِ.

стр. 6377

ولفظ زكريا بن إسحاق في أول كتاب الصلاة: فقال له العباس: ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فعله، فجعله على منكبه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رُئي بعد ذلك عريانًا. وسلف شرحه هناك في باب: كراهة التعري في الصلاة وغيرها (١)، ورواه الإسماعيلي بلفظ: لما بنت قريش الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس لرسول الله ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك (٢) من الحجارة، ففعل، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه. الحديث. ثم قال: قد جعل عبد الرزاق وضع الإزار على رقبة رسول الله ﷺ وتابعه أبو عاصم (٣)، وجعل البرساني الإزار على رقبة العباس. قلت: أخرجه مسلم من طريق محمد بن بكر كرواية عبد الرزاق (٤). فإن قلت: هذا الحديث مرسل صحابي؛ لأنه من المعلوم أنه لم يكن ثم، ولا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله. قلت: مرسله حجة إلا من شذ كما سلف هناك، وقد رواه سماك عن عكرمة عن مولاه، حدثني أبي العباس، فذكره. أخرجه البيهقي في "دلائله"، وفيه: "نهيت أن أمشي عريانًا" (٥)، وأخرجه ابن جرير في "تهذيبه" أيضًا. ولابن إسحاق حدثني والدي عمن حدثه عن رسول الله ﷺ أنه قال فيما يذكر من حفظ الله تعالى إياه: "إني لمع غلمان هم أسناني قد جعلنا أزرنا على

стр. 6378

أعناقنا لحجارة ننقلها (١) إذ لكمني لاكم لكمة شديدة" ثم قال: "اشدد عليك إزارك" (٢). ويجوز أن يكون المراد بقول ابن عباس: أول شيء رآه من النبوة أن قيل له: استتر، وهو غلام (٣). هذا وفي خبر آخر ذكره السهيلي (٤) أنه لما سقط ضمه العباس إلى نفسه، وسأله عن نفسه، فأخبره أنه نودي من السماء: أن اشدد عليك إزارك يا محمد. قال: وإنه لأول ما نودي. وفي "طبقات محمد بن سعد" من حديث ابن عباس وغيره، قالوا: بينا رسول الله ﷺ ينقل معهم الحجارة -يعني للبيت- وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، فلبط -أي: سقط من قيام- ونودي: عورتك. وكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، اجعل إزارك على رأسك. فقال: "ما أصابني ما أصابني إلا في تعدّيّ" (٥). وليس في الحديث- كما قال ابن الجوزي- دلالة على كشف عورة، وإنما فيه كشف الجسد، وهو الظاهر، وفي رواية: أن الملك نزل فشد عليه إزاره.

стр. 6379

وطمحت عيناه: شخصت وارتفعت. قال ابن سيده: طمح ببصره يطمح طمحًا: شخص، وقيل: رمى به إلى الشيء، ورجل طماح: بعيد الطرف (١). وقوله: ("أرني إزاري")، قال ابن التين: ضبط بإسكان الراء وبكسرها، والإسكان أحسن عند بعض أهل اللغة؛ لأن معناه أعطني، وليس معناه الرؤيا، وإنما قال: ناولني إزاري. ووقع في "شرح ابن بطال": إزاري، إزاري مكررًا (٢). ومعناه صحيح إن ساعدت الرواية ولم نره. قال ابن بطال في الصلاة: لو كان نهي عن التعري مطلقًا لكان نهيًا عن التعري للغسل في الموضع الذي أمن أن يراه فيه أحد إلا الله تعالى، ولكنه نهي عن التعري حيث يراه أحد، ولذلك نهى عن دخول الحمام بغير مئزر (٣). وحديث القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا "لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري لواريتها" (٤) إن صح فمحمول على الندب، وكذا قول علي: إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك (٥)، وكذا قول أبي موسى الأشعري: إني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي حياءً من

стр. 6380

ربي (١). فمحمولان أيضًا على الندب، والمبالغة في الحياء والستر، وكل هذا أسلفناه هناك، وأعدناه لبعد العهد به. ثم أعلم أن الرب ﷻ ذكر فضل مكة في غير موضع من كتابه، ومن أعظم فضلها أنه ﷻ فرض على عباده حجها، وألزمهم قصدها، أو لم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبالها، وهي قبلة أهل دينه أحياءً وأمواتًا. وفي حديث عائشة معرفة بنيان قريش للكعبة، وقد بناها إبراهيم قبل ذلك، وبنته الملائكة قبل آدم، وحجه آدم ثم الأنبياء، ما من نبي إلا حجه، وفي "الروض" أول من بناه شيث، وكانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم ويأنس بها؛ لأنها أنزلت من الجنة (٢)، وقيل: إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين؛ لأن السيل كان قد صدَّعَ حائطه. قال: وقيل: لم يكن بنيانًا إنما كان إصلاحًا لما وَهى منه، وجدارًا بني بينه وبين السيل، بناه عامر الجادر. وفي "أنساب الزبير": لما بني قصي الكعبة بنيانًا لم يَبْنِ مثله أحد؛ ذكر شعرًا، وبناها عبد الله بن الزبير لما كانت عائشة ترويه؛ ولأنه لما نصب عليها المنجنيق الحصين بن بشر وهت جدرانها، وقيل: بل طارت شررة من مجمره في أستارها فاحترقت، فلمَّا أمر عبد الملك بهدمها وبناها الحجاج على البناء الأوَّل، أخبر عبدَ الملك أبو سلمة وغيره عن عائشة ما كان عمدة ابن الزبير في هدمها، فندم لذلك، وقال: ليتنا تركناه وما تولى، فلمَّا ولي أبو جعفر أراد أن يهدمها ويردها إلى بناء ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك فتركه، وفي

стр. 6381

"صحيح الحاكم"، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "استمتعوا من هذا البيت، فإنه هدم مرتين ويرفع في الثالثة" (١). وقال عطاء -فيما حكاه ابن جريج-: إن آدم قال: أي ربِّ، إني لا أسمع أصوات الملائكة. فقال: اهبط إلى الأرض فابن لي بيتًا ثم احفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماءِ، قال: فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، ولبنان (٢). فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم، وعن عبد الله بن عمرو: لما أهبط آدم قال: إني مهبط معك أو مُنزل معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عليه كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان رُفعَ، فكانت الأنبياء يحجون ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله لإبراهيم وأعلمه بمكانه، فبناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، ولبنان، والطور، وجبل الخمر (٣)، قال الطبري: هو جبل الشام، وعن قتادة: ذكر لنا أنه بني من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، وجودي، وحراء. وذكر لنا أن قواعده من حراء (٤). وعن عطاء: لمَّا أهبط آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاء هم، يانس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله، فخفضه

стр. 6382

إلى الأرض، فلمَّا بعد ما كان يسمع منهم استوحش، فشكى إلى الله، فوجه إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به، فلمَّا كان الطوفان رفع الله تلك الياقوتة حتَّى بعث الله إبراهيم فبناه (١)، وعن أبان: أن البيت أُهبط ياقوتة أو درة واحدة (٢). وقال مجاهد: كان موضع البيت على الماء قبل خلق السماوات والأرض مثل الزبدة البيضاء، ومن تحته دحيت الأرض (٣). وقال عمرو بن دينار: بعث الله رياحًا، فصفقت الماء، فأبرزت موضع البيت عن حشفة كأنها القبة، فهذا البيت منها، فلذلك هي أم القرى (٤). وعن ابن عباس، قال: وضع البيت على أركان الماء، على أربعة أركان قبل خلق الدنيا بألفي عامٍ (٥)، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله لمَّا بوأ لإبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، ومعه إسماعيل وأمه، وهو طفل يرضع، وحملوا على البراق، ومعه جبريل يدله على مواضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال: بهذِه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عِضَاه سلمٍ وسمر، وبها أناس يقال: لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذٍ ربوة حمراء مدرة،

стр. 6383

فقال إبراهيم لجبريل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشًا (١). قال ابن إسحاق: ويزعمون -والله أعلم- أن ملكًا من الملائكة أتى هاجر قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت فأشار لهما إلى البيت، وهو ربوة حمراء، فقال لهما: هذا أول بيت وضع في الأرض، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه (٢). قال مجاهد: خلق الله موضع البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة (٣). وقال كعب: كان البيت غثاءً على الماء قبل أن تخلق الأرض بأربعين سنة (٤). وعن عليٍّ أن إبراهيم أقبل من أرمينية ومعه السكينة تدله حتى تبوأ البيت، كما تبوأ العنكبوت بيتًا، فرفعت من أحجار يطيقه أولًا يطيقه ثلاثون رجلًا، قيل لابن المسيب رواية عنه: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: كان ذلك بعد (٥).

стр. 6384

وفي كتاب "التيجان": لما عتت قوم نوح وهدموا الكعبة، قال تعالى له: انتظر الآن هلاكهم إذا فار التنور. وقال ابن عبَّاس: كان إبراهيم يبني، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته (١). وعن السدي: أخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا يقال لها: الخجوج لها جناحان ورأس، في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة، وعن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فلمَّا بنت القواعد، وبلغا مكان الركن، قال: يا إسماعيل، اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه هنا، قال: يا أبت إني لَغِبٌ، قال: عليَّ ذلك، وانطلق يطلب حجرًا، فجاء جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة، ولما جاءه إسماعيلُ بحجر قال: يا أبتِ من جاء بهذا؟ قال: من هو أنشط منك (٢). وقال عليٌّ: لمِّا أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلمَّا قدم رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي، أو على قدري، ولا تزد ولا تنقص، فلمَّا بني خرج وخلف إسماعيل مع أمه، فقالت: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق؛ فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا. قال: فصعدت هاجر الصفا فنظرت، فلم تر شيئًا، ثم أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا ففعلت ذلك سبعًا، فقالت لولدها: مُتْ حيث لا أراك، فناداها جبريل: من أنت؟ قالت: هاجر أمُّ ولد إبراهيم، قال: إلى من

стр. 6385

وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ، ففحص الأرض بإصبعه؛ فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رواءٌ (١). وقال ابن هشام في "التيجان": كان إبراهيم وإسماعيل يبنيان، وهاجر تسقي لهما الماء من زمزم، وتعجن لهما الطين وتعينهما، قال: وإن إبراهيم سار إلى القدس بإسماعيل وهاجر؛ ليسكنهما فيه، فإذا كان وقت الحج يحجون من بيت المقدس إلى البيت الذي بناه. فلمَّا نزل بالقدس أُريَ أن يذبح إسماعيل، فخرج به إلى الطور، وهاجر تقول: أحدٌ أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد، رب ولدي كبدي اربط على قلبي بالصبر، فلمَّا فُديَ بالكبش، قال لها إبراهيم: كلي من كبده يهدئ روعك، فأول من أكل منه هاجر، ثم إبراهيم وإسماعيل. قال وهب: الذبيح إسماعيل، ثم ولد بعده إسحاق، على ما في القرآن العظيم، فلما كان وقت الحج حج إبراهيم من بيت المقدس، ومعه إسماعيل وهاجر، وأمر الله أن يؤذن في الناس بالحج، فأذن ثم صار إلى بابل. وذكر الواقدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: أن إبراهيم نصب أنصاب الحرم، يريه جبريل، ثم جددها إسماعيل، ثم قصي، ثم سيدنا رسول الله ﷺ فبعث عام الفتح رجلًا من خزاعة فجددها، ثم عمر. وعن ابن عباس: أن جبريل أرى إبراهيم موضع أنصاب الحرم، فنصبها ثم جددها إسماعيل إلى آخره (٢).

стр. 6386

وروى الجندي من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رفعه: "كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من ياقوت الجنة، له بابان من زمرد أخضر: باب شرقي، وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة، والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون منه إلى يوم القيامة حذاء البيت الحرام، ولما أهبط آدم إلى موضع الكعبة، وهو مثل الفلك من شدة رعدته، وأنزل عليه الحجر الأسود يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه استئناسًا به، ثم أخذ الله تعالى من بني آدم ميثاقهم، فجعله في الحجر ثم أنزل على آدم العصا، ثم قال: يا آدم، تخطَّ فتخطى، فإذا هو بأرض الهند، فمكث ما شاء الله، ثم استوحش إلى البيت، فقيل له: احجج يا آدم، فلمَّا قدم مكة تلقته الملائكة، فقالت: برَّ حِجَّك يا آدمُ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، فقال: ما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله كبر. فكان آدم إذا طاف قالهنَّ وكان يطوفُ سبعة أسابيع بالليل، وخمسة أسابيع بالنهار، وقال: ربِّ اجعل لهذا البيت عُمَّارًا يعمرونه من ذريتي، فأوحى الله جلَّ وعز أني معمره نبيًّا من ذريتك اسمه إبراهيم، أقضي على يده عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه مواقفه، وأعلمه مناسكه" (١). وفي "الدلائل" للبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا لي بيتًا فخطه لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى أصابه الماء فنودي من تحت: حسبك يا آدم، فلمَّا بنيا أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس،

стр. 6387

وهذا أوَّل بيت" (١). ثم تناسخت القرون حتَّى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه. قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا (٢)، وقال أبو الطفيل: كانت الكعبة قبل أن تبنيها قريش برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق، وتوضع الكسوة على الجُدر، ثم تدلى، ثم إن سفينة للروم انكسرت بالشعبية، فأخذت قريش خشبها، وروميًّا -يقال له: باقوم- نجار، بأن يبنيها، ونقلوا الحجارة من أجياد (٣). وعن عليٍّ: فلمَّا بناه إبراهيم مرَّ عليه الدهُر فانهدم، فبنته العمالقة، فمَّر عليه الدهرُ فانهدم، فبنته جرهم، فمرَّ عليه الدهرُ فانهدم، فبنته قريش، ورسول الله ﷺ يومئذٍ شابٌّ. صحح الحاكم أصل هذا الحديث (٤). وقال ابن شهاب: لمَّا بلغ رسول الله ﷺ الحُلُمَ أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها، فلمَّا اختلفوا في وضع الركن دخل رسول الله ﷺ هو غلام عليه وشاح نمرة، فحكَّموه، فأمر بثوبٍ .. الحديث. وفيه: فوضعه هو في مكانه،

стр. 6388

ثم طفق لا يزداد على السر إلا رضي حتى دعوه الأمين (١). ولموسى بن عقبة: كان بنيانها قبل النبوة بخمس عشرة سنة (٢)، وكذا روي عن مجاهد (٣) وجماعات (٤). وفي "الطبقات": كانت الجرف مظلةً على الكعبة، وكان السيلُ يدخلُ من أعلاها حتى يدخل البيت، فانصدع فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حية وغزالٌ من ذهب كان عليه درٌّ وجوهر، فأقبلت سفينة فيها رومٌ رأسهم باقوم، وكان بانيًا، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر فابتاعوا خشبها، وكلَّموا باقوم فقدم معهم (٥). وفي كتاب الأزرقي: جعل إبراهيم طول بناء الكعبة في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا، وكانت بغير سقف، ولمَّا بنتها قريش جعلوا طولها ثماني عشرة ذراعًا في السماء، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرًا تركوها في الحجر، ولما بناها ابن الزبير جعل طولها في السماء سبعًا وعشرين ذراعًا، فلم يغير الحجاج طولها حين هدمها، وهو إلى الآن (٦). وذكر أهل السير أن قريشًا لمَّا ابتنت الكعبة وبلغت موضع الركن اختصمت في الركن: أي القبائل تلي رفعه؟ قالوا: تعالوا نحكِّم أوَّلَ

стр. 6389

رجلٍ يطلع علينا، فطلع رسول الله ﷺ فحكموه وسموه الأمين، وكان في ذلك الوقت ابن خمس وثلاثين فيما ذكر ابن إسحاق. فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه ﵇ بيده، فعجبت قريش من سداد رأيه، وكان الذي أشار بتحكيم أول رجل يطلع عليهم أبو أمية بن المغيرة والد أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين، وكان عامئذٍ أسنَّ قريش كلها (١). وقد روي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بناه الحجاج من الكعبة، وأن يرده إلى بناءِ ابن الزبير، فقال له: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن (لا) (٢) تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحدٌ منهم إلَّا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس (٣). الحديث الثاني: حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "أَلمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلتُ". فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئنْ كَانَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَتْ هذا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَا أُرى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ استِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبرَاهِيمَ. هذا الحديث ذكره كذلك في التفسير (٤)، واختلف في إسناده كما

стр. 6390

قال ابن الحذاء فقال بعضهم: عن سالم، عن عائشة، وقال بعضهم: عبد الله بن أبي بكر. ورواه ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن نافع: سمعت عبيد الله بن أبي بكر يحدث ابن عمر، عن عائشة، والصحيح رواية مالك، عن محمد يعني المذكور هنا وهناك. ومعنى ("اقتصروا"): لم يستوعبوا. يعني: قريشًا حين بنوا البيت الذي كان لها، وهذا البناء شهده رسول الله ﷺ كما سلف، ووضعت قريش الحجر الأسود في حائطه بحكم رسول الله ﷺ بينهم بذلك البنيان الذي اقتصرت فيه قريش على بعض القواعد وتركت شيئًا منها خارجًا عن بنيانها، وسبب ذلك قصر النفقة الحلال بهم كما ستعلمه بعد. وقوله: ("لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت"): يريد أنهم لقرب عهدهم بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقيض شيئًا في دينهم، وهو كان يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام، وقد بَوَّب عليه البخاري باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه (١)، فرأى ترك ذلك، وأمر باستيعاب البيت بالطواف؛ لقربه إلى سلامة أحوال الناس، وإصلاح أديانهم؛ لأنَّ استيعاب بنيانه ليس من الفروض، ولا من أركان الشريعة التي لا تقام إلَّا به، وهو ممكن مع بقائه على حالته. ومن طاف ببعض البيت لم يجزئه عند مالك والشافعيِّ (٢).

стр. 6391

وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة أعاد طوافه (١). وقال ابن بطال عنه: قضى ما بقي عليه، وإن تباعد ورجع إلى بلده جبره بالدم (٢). وأجزأه إذا طاف بالحجر طوافًا واحدًا، دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا يقتضي الطواف بجميعه ومن طاف بالحجر فإنما يطوف بالبعض. وقول ابن عمر: (لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ يريد إن كان عبد الله بن محمد بن أبي بكر سلم من السهو في نقله عن عائشة وكانت عائشة سمعته من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك ذلك .. ) إلى آخره، فأخبر ابن عمر أنه ﵇ ترك استلامها، ومقتضاه: أنه قصد تركهما، وإلَّا فلا يسمى تاركًا في عرف الاستعمال من أراد شيئًا فمنعه منه مانع فكأن ابن عمر علم ترك رسول الله ﷺ ولم يعلم علته، فلمَّا أخبره عبد الله بن محمد بخبر عائشة هذا عرف علَّة ذلك، وهو كونهما ليسا على القواعد، بل أخرج منه بعض الحجر، فلم يبلغ به ركن البيت الذي في تلك الجهة، فالركنان اللذان اليوم من جهة الحجر لا يستلمان كما لا يستلم سائر الجدر؛ لأنه حكم يختصُّ بالأركان، وسيأتي عن عروة ومعاوية استلام الكل، وأنه ليس من البيت شيءٌ مهجورًا (٣). وعن ابن الزبير أيضًا (٤)، وذكر ذلك عن جابر، وابن عباس،

стр. 6392

والحسن، والحسين. وقال أبو حنيفة: لا يستلم إلا الركن الأسود خاصة ولا يستلم اليماني؛ لأنه ليس بسنة فإن استلمه فلا بأس، دليلنا ما في الكتاب. وسيأتي (١) ذكر استلام الأركان في موضعه إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث: حديثها أيضًا: سَأَلْتُ رسول الله ﷺ عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُو؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُمتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النفَقَةُ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعَا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيث عَهْدُهُمْ بالجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ ألصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ". وقد سلف ما فيه قبله، والجدر: الجدار، وأرادت الحجر: بكسر الحاءِ. قال الخطابي: وضبطه بفتح الدال في البخاري، والذي ذكر أهل اللغة سكونها، وكذا في بعض روايات البخاري، وكذا قال الجوهري: الجدر والجدار: الحائط (٢). وقال ابن فارس: الجدار: الحائط، والجدر أصل الحائط والجدرة: حيٌّ من الأزد بنوا جدار الكعبة (٣). وقولها: (فما شأن بابه مرتفعًا) .. إلى آخره، وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت الوليد بن عطاء يحدث عن الحارث، عن ابن

стр. 6393

عبد الله بن ربيعة، عن عائشة: أنه ﵇ قال لها: "وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: لا. قال: "تعززًا؛ لئلَّا يدخلها إلَّا من أرادوا، وكان الرجل إذا كرهو اأن يدخلها يدعوه حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط" (١). وفيه: أن الناس غير محجوبين عن البيت، متى شاءوا دخلوه، ولكنه تركه على ما كان وسلم مفتاحه لبني عبد الدار، وقال: "خذوها خالدة تالدة" (٢)، فأمَّا ما يأخذه حُجَّابه من جُعْلٍ على فتح بابه ورؤية الحجر الذي قام عليه إبراهيم ونحوه، فليس بسائغ، وإنما أجرهم في تحصينه وتجميره، وتطييبه، وقد روي في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] أنه للكعبة (٣) والجمهور أنه ذكر للتبرك. الحديث الرابع: حديثها أيضًا، أن النبي ﷺ قال لها: "لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم، فإن قريشًا استقصرت بناءه وجعلت له خلفا" وقال أبو معاوية: ثنا هشام: خلفًا يعني: بابًا.

стр. 6394

الحديث الخامس: حديثها أيضًا، أن رسول الله ﷺ قال لها: "يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم وأدخلت فيه ما أخرج منه .. " الحديث بطوله. تعليق أبي معاوية أسنده مسلم عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية (١). والحديث الثاني: هو من رواية جرير بن حازم، ثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عنها. أخرجه الإسماعيلي من حديث أحمد بن الأزهر، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي قال: سمعت يزيد بن رومان يحدث عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، فذكره، ثم قال: كان يزيد بن رومان رواه عن عبد الله وعروة ابني الزبير إن كان ابن الأزهر حفظه. قال ابن التين: ولم يضبط "أساس" بفتح الهمزة، ولا بكسرها، ويحتمل أن يكون بفتحها، ويكون واحدًا، وهو أصل البناء كما قاله ابن فارس (٢)، وعن صاحب "الصحاح ": أنه جمع أس (٣). ويحتمل أن يكون بكسرها، وهو جمع إس، عن صاحب "الصحاح". وقال ابن بطال: الجدر: واحد الجدور وهي الحواجز التي بين السواقي التي تمسك الماء (٤). وقوله: "بابًا"، يريد أي: من خلفه، يدخل الناس من وجهه، ويخرجون من خلفه، وخلفًا، بإسكان اللام. "وجعلت له" بضم التاء. وقال ابن التين: في كتاب أبي الحسن بفتح اللام وسكون التاء عطفًا

стр. 6395

على فعل قريش، وليس ببين، والصحيح: سكونها مع ضم التاء، على أنه فعل رسول الله ﷺ ، معطوفا على "لبنيت". وقول عروة: (حجارة كأسنمة الإبل). قد أسلفنا عن قتادة أن قواعده من حراء. وقوله: (قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها). قد اختلفت الروايات فيه، وسيأتي إن شاء الله ما فيه. وفيه: أن الحجر من البيت، وإذا كان كذلك فإدخاله واجب في الطواف. وقد اختلف العلماء فيمنْ سلك في الحجر في طوافه، فكان عطاء ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يبني على ما طاف قبل أنْ يسلك فيه، ولا يعتد بما طاف في الحجر (١). وفصَّل أبو حنيفة كما سلف (٢). واحتج المهلب وأخوه له فقالا: إنما عليه أن يطوف بما بُني من البيت؛ لأنَّ الحكم للبنيان لا للبقعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ الآية [الحج: ٢٩] فأشار إلى البناء، والبقعة دون البناء لا تسمى بيتًا. والشارع إنما طاف بالبيت ولم يكن على الحجر علامة، وإنما علمها عمر إرادة استكمال البيت، ذكره عبيد الله بن أبي يزيد (٣) وعمرو بن دينار في باب: بنيان الكعبة في آخر مناقب الصحابة (٤)، كما ستعلمه.

стр. 6396

قالا: ولم يكن حول البيت حائط إنما كانوا يصلّون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصير، فبناه ابن الزبير؛ ولذلك كان الطواف قبل تحجير عمر حول البيت الذي قصرته قريش عن القواعد، كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] والطواف فرضه البيت المبني، ولو كان ذراعًا منه، وقد حج الناس من زمن الشارع إلى زمن عمر فلم يأمر أحدًا بالرجوع من بلده إلى استكمال البيت. وقد قال مالك: من حلف أن لا يدخل دار فلان فهدمت فدخلها أنه لا يحنث. فهذا دال أنَّ الدار والبيت إنما يختص بالبنيان لا بالبقعة. قال المهلب: ومعنى ما سلف أنه لم يكن حول البيت حائط أي حائط يحجز الحجر من سائر المسجد، حتى حجزه عمر بالبنيان، ولم يبنه على الجدر الذي كان علامة للناس، بل زاد ووسع قطعًا للشك أنَّ الجدر على آخر قواعد إبراهيم، فلمَّا لم يكن عند عمر أن ذلك الجدر هو آخر قواعد إبراهيم التي رفعها إبراهيم وإسماعيل على يقين ونقلٍ كافة، مع معرفته أن قريشًا كانت قد هدمت البيت وبنته على غير القواعد، خشي أن يكون الجدر من بنيان قريش القديم، فزاد في الفسحة استبراءً للشك، ووسع الحجر حتى صار الجدر في داخل الحجر. وقد بان هذا في حديث جرير، وهو قوله: (فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها)، والحائط الذي بناه عمر حول الحجر ليس بحائط مرتفع، هو من ناحية الحجر نحو ذراعين، ومن الجرف خارجه نحو أربعة أذرع إلى صدر الواقف من خارجه، ولم يكن الجدر الذي ظهر من الأساس مرتفعًا، إنما كان علامة كالنجم والهدف لا بنيانا. والحجة لمالك ومنْ تبعه كما سلف، وإخبار الشارع أن البيت قصر به

стр. 6397

عن القواعد ولم يتم عليها لمن طاف في الحجر جعل طائفًا ببعضه؛ لأن البيت يضم ما خط آدم، وبناه إبراهيم. وقد قال عمر وابنه عبد الله: لولا أن الحجر من البيت ما طفت به. وقال ابن عباس: الحجر من البيت، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ورأيت رسول الله ﷺ طاف من وراء الحجر (١). يدل على أنه إجماع. ومن لم يستوف الطواف بالبيت وجب أن لا يجزئه كما لو فتح بابًا في البيت فطاف وخرج منه (٢).

стр. 6398

٤٣ - باب فَضْلِ الحَرَمِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [القصص: ٥٧]. ١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الَحمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا". [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٣/ ٤٤٩] ثم ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُلْتَقِط لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". أما الآية الأولى فقال الزجاج: قرئ ﴿الَّتِى﴾ وهي قليلة و ﴿الَّذِى﴾ في موضع نصب من صفة ورَلمحث هَد، ﴿وَالَّتِي﴾ في موضع خفض من نعت البلدة. وقال ابن التين: وقع في رواية أبي الحسن ﴿الَّتِى﴾ (١) وقال: ﴿الَّذِى﴾ قرأنا في السبعة. وروي أنَّ ابن عباس قرأها كذلك، وذلك غير بعيد جعله نعتا للبلدة. وأمَّا الآية الثانية فكانوا آمنين قبل الإسلام، فلو أسلموا لكان أوكد، قال قتادة: وكان أهل الحرم آمنين يخرج أحدهم فإذا عرض له قال: أنا

стр. 6399

من أهل الحرم فيترك، وغيرهم يُقتل ويُسلب (١). وقال الفراء: قال بعض قريش: يا محمد، ما منعنا أنْ نؤمن بك ونصدقك إلا أنَّ العرب على ديننا فنخاف أن نصطلم (٢) إذا آمنا بك. فأنزل الله هذِه الآية. يعني: ألم نسكنهم حرمًا آمنا لا يخاف من دخله أن يقام عليه حدّ ولا قصاص، فكيف يخافون أن تستحل العرب قتالهم فيه؟! (٣). وقوله: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ذكرت ﴿يُجْبَىَ﴾ وإنْ كانت الثمرات مؤنثة، لأنك فرقت بينهما بالنية. قال الشاعر: إنَّ الذي غره منكن واحدة … بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور قال ابن عباس: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ ثمرات الأرضين (٤). وقد قيل: إنَّ البلدة اسم خاص بمكة، ولها أسماء كثيرة، ذكرتها في "لغات المنهاج" نحو الأربعين، فلتراجع منه. وفيه: التصريح بتحريم الله مكة والحرم، وتخصيصها بذلك من بين البلاد. وقد اعترض قوم من أهل البدع وقالوا: قد قتل خلق بالحرم والبيت من الأفاضل كعبد الله بن الزبير ومن جرى مجراه، ولا تعلق لهم بذلك؛ لأنه خرج مخرج الخبر، والمراد به الأمر بأمان من دخل البيت، وأن لا يقتل، ولم يرد الإخبار بأن كل داخل إليه آمن، وعلى مثل هذا

стр. 6400

خرج قوله ﵇"من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل الكعبة أو دار أبي سفيان فهو آمن" (١) فإنما قصد الأمر بأمان من ألقى سلاحه ودخل في ذلك، ولم يرد بذلك الخبر، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني بذلك الأمر لهن بالتربص دون الخبر عن تربص كل مطلقة؛ لأنها قد تعصي الله ولا تتربص، فلذلك قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي أمنوا من دخله، فهو داخل على صفة من يجب أنْ يؤمن، فمن لم يفعل ذلك عصى وخالف، ومتى جعلنا هذا القول أمرًا بطل تمويههم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وقد يجوز أن يكون أراد تعالى كان آمنا يوم الفتح، وقت قوله: "من ألقى سلاحه فهو آمن .. " إلى آخره فلا يناقض عدم الأمن في غير ذلك الوقت وجوده فيه، فيكون الأمن في بعض الأوقات دون جميعها، وسيأتي في باب: لا يحل القتال بمكة (٢)، زيادة في هذا المعنى. وأما حديث الباب فذكره في اللقطة معلقًا فقال: وقال طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها" (٣) وقد أسنده هنا كما تراه وسيأتي حكمه -إن شاء الله- وفي الحج أيضًا.

стр. 6401

٤٤ - باب تَوْرِيد دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَأَنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾ الآية [الحج: ٢٥]. البَادِي: الطَّارِي، مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا. ١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ ". وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ ﵄ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآيَةَ. [٣٠٥٨، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤ - مسلم: ١٣٥١ - فتح: ٣/ ٤٥٠] ثم ذكر حديث ابن شهاب، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنِ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ في دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لنا عَقِيل مِنْ رِبَاعٍ" .. الحديث. أما الآية: فخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، المعنى: هلكوا، أي: وعن المسجد الحرام، واختلف في العاكف والبادي، فقال مجاهد: العاكف: النازل، والبادي: الجائي (١).

стр. 6402

وقال الحسن وعطاء: العاكف: من كان من أهل مكة، والبادي: من كان بغيرها (١). قال مجاهد: أي هما في تعظيمها وحرمتها سواء (٢). وقال عطاء: ليس أحد أحق به من الآخر، ونحوه عن ابن عباس، وقيل: هما في إقامة المناسك سواء، وقيل: لا فضل لأحد على الآخر، وتأوله عمر بن عبد العزيز على أن بيوت مكة لا تكرى (٣)، وروي عن عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحج، وأن الناس كانوا ينزلون فيها وحيث وجدوه فارغًا (٤). وقيل: إنَّ المراد بالآية المسجد الحرام خاصة دون الدور؛ لأنهم كانوا يمنعون منه، ويدّعون أنهم أربابه. وأما حديث أسامة فأخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: وكان طالب وعقيل كافرين (٥)، والباقي بما زاده البخاري عليه، وفي موضع آخر "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٦) وفي رواية لمسلم: وذلك في حجته حين دنوا من مكة، وفي لفظ آخر له: وذلك زمن الفتح (٧). وقال البخاري: لم يقل يونس: حجته، ولا زمن الفتح. وهو ما ساقه في الكتاب من طريقه.

стр. 6403

وقال الطرقي: رواية الأكثرين من أصحاب الزهري: زمن الفتح، ويحتمل كما قال القرطبي: تكرر السؤال والجواب (١)، وفيه بُعد. وقد ترجم البخاري أيضًا، وأخرجه مع البخاري مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٢).

стр. 6404

٤٥ - باب نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ ١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: "مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ". [١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩ - مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٤٥٢] ١٥٩٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ". يَعْنِي: ذَلِكَ المُحَصَّبَ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِى هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ -أَوْ بَنِي المُطَّلِبِ- أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ . وَقَالَ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ. وَقَالَا: بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بَنِي المُطَّلِبِ أَشْبَهُ. [انظر: ١٥٨٩ - مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٤٥٣] ثم ساق من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: "مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ". وبه قال (١) قال: النبي ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". يعني بذلك: المحصَّب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب .. الحديث. وقال سلامة: عن عقيل ويحيى بن الضحاك، عن الأوزاعي، أخبرني ابن

стр. 6405

شهاب، وقالا: بني هاشم وبني المطلب. قال أبو عبد الله: بني المطلب أشبه. قلت: ويحيى بن الضحاك هو يحيى بن عبد الله بن الضحاك (١) البابلتي، مات سنة ثماني عشرة ومائتين (٢)، وسلامة هو ابن روح بن خالد بن أخي عقيل، كنيته أبو خربق بالخاء المعجمة، ثم راء، ثم باء موحدة، ولم يسمع من عقيل، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة (٣)، ولم يسمع يحيى من الأوزاعي كما قاله يحيى بن معين (٤)، لكنه كان في حجره، لا جرم قال أبو عبد الرحمن: حديث الأوزاعي غير محفوظ، وخرج طرفًا منه عن مالك عن الزهري (٥) -أي: عن علي بن الحسين، عن عمرو، عن

стр. 6406

أسامة- قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدًا؟ في حجته فقال: "وهل ترك لنا عقيل منزلًا" (١) أخرجه في الجهاد عن محمود، عن عبد الرزاق، أنا معمر والأوزاعي، عن الزهري به، وقلادة ثم قال: قال الزهري: والَخيْف: الوادي (٢)، وقال (٣): الصواب من حديث مالك: عمرو وقال البخاري: عمُر وهم (٤). قلت: وقال الدارقطني في "موطآته": رواه روح بن عبادة وخالد بن مخلد ومكي بن إبراهيم عن مالك فسماه عَمرًا. وفي رواية القعنبي ويحيى بن بكير، عن مالك: عُمر، أو عَمرو على الشك. وفي رواية إسحاق الطباع: قال مالك: أنا أعرف به، كان عمر بن عثمان جاري، وقد أخطأ من سماه عمرًا. وقال أبو حاتم الرازي فيما ذكره عنه ابنه في "علله ": تفرد الزهري برواية هذا الحديث (٥). إذا تقرر ذلك فالكلام على البابين من أوجه: أحدها: ظاهر الإضافة في قوله: (أين تنزل غدًا؟) من دارك. وفي أخرى ذكرها ابن التين: من ربع آبائك وأجدادك الملكية، يؤيده "هل ترك لنا عقيل من رباع" (٦)؟ فأضافها إلى نفسه وظاهرها يقتضي

стр. 6407

الملك، فيحتمل أن يكون عقيل أخذها وتصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين. قال الداودي: كان (عقيل باع) (١) ما كان لرسول الله ﷺ لمن هاجر من بني عبد المطلب، فعلى هذا يكون قوله ﵇ ذلك تحرجًا أنْ يرجع في شيء خرج منه لأجل الله، ولفظه يقتضي الاستفهام، ومعناه النفي، أي: ما ترك لنا شيئًا. وأبعد من قال: يحتمل أنه حكم لها بحكم الدار، فإنها خرجت عن ملكه لمَّا ملكها المسلمون، كما يقوله مالك والليث في هذِه المسألة لا في هذا الحديث، وسبب بُعده أنه يكون تعليله بأخذ عقيل لا يوافق، ويخرج عن أن يكون جوابًا لما سأله. وقيل: كان أصلها لأبي طالب فأمسكه ﵇ مدة حياته إياها، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب (٢)، واستولى عليها عقيل لما هاجر ﵇ بحكم ميراثه من أبيه. وعلى هذا فتكون إضافتها إليه مجازية؛ لأنه كان يسكنها لا أنه ملكها، والقول الأول أولى كما قاله القرطبي (٣). وقال عياض: احتواء أبي طالب على أملاك عبد المطلب لأنه كان أكبر ولده حين وفاته على عادة أهل الجاهلية (٤). الثاني: فيه دلالة على أن مكة -شرفها الله- فتحت صلحًا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأصحابه إلى ذلك، وذهب

стр. 6408

أبو حنيفة والأوزاعي ومالك وغيرهم إلى أنها فتحت عنوة (١). قال ابن بزيزة: وهو الصحيح، ونقله غيره عن الأكثرين. وفي حديث أبي شريح الكعبي دلالة على ذلك أيضًا (٢). وقيل: إن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها صلحًا، كفوا عن الزبير والتزموا شرط أبي سفيان، فلما دخل رسول الله ﷺ التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل، فلذلك استجار بأم هانئ رجلان، فلو كان الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك. وفي "الإكليل" لأبي عبد الله الحاكم: والأخبار تدل أن سيدنا رسول الله ﷺ نزل يوم الفتح في بيت أم هانئ ابنة عمه، وكان عمر بن الخطاب يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة فيما حكاه السهيلي أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج، فإنَّ ذلك لا يحل لهم، وعن مالك: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة لا ينهاهم أحد. ولابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإنَّ دور مكة كانت تدعى السوائب، من احتاج سكن (٣)، ومن استغنى أسكن. وإسناده على شرطهما، ورماه البيهقي بالانقطاع (٤).

стр. 6409

وللدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه: "من كل كراء بيوت مكة أكل نارًا" رواه عنه ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار، ولم يدركه (١). وفي "المصنف" عن مجاهد قال النبي ﷺ : "مكة حرم حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها" (٢). وكان عطاء يكره إجارة بيوتها، والقاسم، وعبد الله بن عمرو (٣)، وروي عن (محمد) (٤) بن علي: لم يكن لدور مكة أبواب (٥). قال السهيلي: وهذا كله منتزع من أصلين، أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وقال ابن عباس وابن عمر: الحرم كله مسجد (٦). الثاني: أنه ﵇ دخلها عنوة، غير أنه مَنَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء،

стр. 6410

لأنها مخالفة لغيرها من وجهين: أولهما: ما خص الله به رسوله حيث قال: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ثانيهما: ما خصَّ الله به مكة من أنه لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لقطتها، وهي حرم الله وأمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد افتتح بلدًا أن يسلك بها سبيل مكة، فأرضها إذًا ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله تعالى عليهم أن يوسعوا على الحجاج إذا قدموها من غير كراء فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحًا، وإن كان ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة. وقال ابن شعبان: أجمعوا أنّ النبي ﷺ لم يجعلها فيئًا كغيرها. وقال الطحاوي: عن أبي يوسف لا بأس ببيع أرضها وإجارتها كسائر البلدان، ذكر ذلك بعد أن قال: اختلف العلماء في بيعها وكرائها. فروي عن عطاء ومجاهد وطاوس أنه لا يحل بيع أرض مكة، ولا كراؤها، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومحمد (١). وكره مالك بيعها وكراءها، وخالفهم آخرون فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها كسائر البلدان، هذا قول أبي يوسف، وذكره ابن المنذر عن الشافعي، وعن طاوس إباحة الكراء (٢)، وقال مجاهد: لا أرى به بأسًا. ذكره ابن أبي شيبة (٣)، وحكي عن عثمان أنه قال: رباعي التي بمكة يسكنها بني ويسكنها من
следующие страницы →