← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

أسامة- قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدًا؟ في حجته فقال: "وهل ترك لنا عقيل منزلًا" (١) أخرجه في الجهاد عن محمود، عن عبد الرزاق، أنا معمر والأوزاعي، عن الزهري به، وقلادة ثم قال: قال الزهري: والَخيْف: الوادي (٢)، وقال (٣): الصواب من حديث مالك: عمرو وقال البخاري: عمُر وهم (٤). قلت: وقال الدارقطني في "موطآته": رواه روح بن عبادة وخالد بن مخلد ومكي بن إبراهيم عن مالك فسماه عَمرًا. وفي رواية القعنبي ويحيى بن بكير، عن مالك: عُمر، أو عَمرو على الشك. وفي رواية إسحاق الطباع: قال مالك: أنا أعرف به، كان عمر بن عثمان جاري، وقد أخطأ من سماه عمرًا. وقال أبو حاتم الرازي فيما ذكره عنه ابنه في "علله ": تفرد الزهري برواية هذا الحديث (٥). إذا تقرر ذلك فالكلام على البابين من أوجه: أحدها: ظاهر الإضافة في قوله: (أين تنزل غدًا؟) من دارك. وفي أخرى ذكرها ابن التين: من ربع آبائك وأجدادك الملكية، يؤيده "هل ترك لنا عقيل من رباع" (٦)؟ فأضافها إلى نفسه وظاهرها يقتضي

стр. 6407

الملك، فيحتمل أن يكون عقيل أخذها وتصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين. قال الداودي: كان (عقيل باع) (١) ما كان لرسول الله ﷺ لمن هاجر من بني عبد المطلب، فعلى هذا يكون قوله ﵇ ذلك تحرجًا أنْ يرجع في شيء خرج منه لأجل الله، ولفظه يقتضي الاستفهام، ومعناه النفي، أي: ما ترك لنا شيئًا. وأبعد من قال: يحتمل أنه حكم لها بحكم الدار، فإنها خرجت عن ملكه لمَّا ملكها المسلمون، كما يقوله مالك والليث في هذِه المسألة لا في هذا الحديث، وسبب بُعده أنه يكون تعليله بأخذ عقيل لا يوافق، ويخرج عن أن يكون جوابًا لما سأله. وقيل: كان أصلها لأبي طالب فأمسكه ﵇ مدة حياته إياها، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب (٢)، واستولى عليها عقيل لما هاجر ﵇ بحكم ميراثه من أبيه. وعلى هذا فتكون إضافتها إليه مجازية؛ لأنه كان يسكنها لا أنه ملكها، والقول الأول أولى كما قاله القرطبي (٣). وقال عياض: احتواء أبي طالب على أملاك عبد المطلب لأنه كان أكبر ولده حين وفاته على عادة أهل الجاهلية (٤). الثاني: فيه دلالة على أن مكة -شرفها الله- فتحت صلحًا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأصحابه إلى ذلك، وذهب

стр. 6408

أبو حنيفة والأوزاعي ومالك وغيرهم إلى أنها فتحت عنوة (١). قال ابن بزيزة: وهو الصحيح، ونقله غيره عن الأكثرين. وفي حديث أبي شريح الكعبي دلالة على ذلك أيضًا (٢). وقيل: إن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها صلحًا، كفوا عن الزبير والتزموا شرط أبي سفيان، فلما دخل رسول الله ﷺ التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل، فلذلك استجار بأم هانئ رجلان، فلو كان الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك. وفي "الإكليل" لأبي عبد الله الحاكم: والأخبار تدل أن سيدنا رسول الله ﷺ نزل يوم الفتح في بيت أم هانئ ابنة عمه، وكان عمر بن الخطاب يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة فيما حكاه السهيلي أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج، فإنَّ ذلك لا يحل لهم، وعن مالك: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة لا ينهاهم أحد. ولابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإنَّ دور مكة كانت تدعى السوائب، من احتاج سكن (٣)، ومن استغنى أسكن. وإسناده على شرطهما، ورماه البيهقي بالانقطاع (٤).

стр. 6409

وللدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه: "من كل كراء بيوت مكة أكل نارًا" رواه عنه ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار، ولم يدركه (١). وفي "المصنف" عن مجاهد قال النبي ﷺ : "مكة حرم حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها" (٢). وكان عطاء يكره إجارة بيوتها، والقاسم، وعبد الله بن عمرو (٣)، وروي عن (محمد) (٤) بن علي: لم يكن لدور مكة أبواب (٥). قال السهيلي: وهذا كله منتزع من أصلين، أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وقال ابن عباس وابن عمر: الحرم كله مسجد (٦). الثاني: أنه ﵇ دخلها عنوة، غير أنه مَنَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء،

стр. 6410

لأنها مخالفة لغيرها من وجهين: أولهما: ما خص الله به رسوله حيث قال: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ثانيهما: ما خصَّ الله به مكة من أنه لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لقطتها، وهي حرم الله وأمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد افتتح بلدًا أن يسلك بها سبيل مكة، فأرضها إذًا ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله تعالى عليهم أن يوسعوا على الحجاج إذا قدموها من غير كراء فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحًا، وإن كان ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة. وقال ابن شعبان: أجمعوا أنّ النبي ﷺ لم يجعلها فيئًا كغيرها. وقال الطحاوي: عن أبي يوسف لا بأس ببيع أرضها وإجارتها كسائر البلدان، ذكر ذلك بعد أن قال: اختلف العلماء في بيعها وكرائها. فروي عن عطاء ومجاهد وطاوس أنه لا يحل بيع أرض مكة، ولا كراؤها، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومحمد (١). وكره مالك بيعها وكراءها، وخالفهم آخرون فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها كسائر البلدان، هذا قول أبي يوسف، وذكره ابن المنذر عن الشافعي، وعن طاوس إباحة الكراء (٢)، وقال مجاهد: لا أرى به بأسًا. ذكره ابن أبي شيبة (٣)، وحكي عن عثمان أنه قال: رباعي التي بمكة يسكنها بني ويسكنها من

стр. 6411

أحبوا (١). وكان أحمد بن حنبل يتوقى الكراء في الموسم، ولا يرى بأسًا بالشراء، واحتج بأن عمر اشترى دار السجن بأربعة آلاف درهم (٢). واحتج من أجاز بيعها وكراءها بحديث أسامة، لأنه (٣) ذكر ميراث عقيل لما تركه أبو طالب فيها من رباع ودور (٤). وقال الشافعي: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه (٥). قال الطحاوي: واعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام الذي كل الناس فيه سواء، لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء، ولا يحتجر منه موضعًا، وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك، وجميع الناس فيها سواء، ألا ترى أنَّ عرفة لو أراد [رجل] (٦) أن يبني في الموقف بناءً لم يكن له ذلك، وكذا منى، وقد قال ﵇ لمَّا قيل له: ألا تتخذ لك بمنى بيتًا تستظل به؟ "لا، منى مُناخُ من سبق" حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم (٧). وكذا فعلت عائشة لمَّا

стр. 6412

سُئلت في ذلك (١). وفي كتاب ابن أبي حاتم من حديث منصور بن شيبة عن أمه عن عائشة أنها قالت: لا يوضع حجر على حجر بمنى إلا أن يتخذ الرجل كنيفًا. قال أبي: هو بلا عائشة، وهو منصور عن أبيه أشبه عندي، ومتن الكلام مشهور عن عائشة (٢). ورأينا مكة على غير ذلك قد أُجيز البناء فيها. وقال رسول الله- ﷺ يوم دخلها: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" (٣) فأثبت لهم أملاكهم، فصفتها إذًا صفة المواضع التي تجرى فيها الأملاك، وشراء عمر سبق، وقد اشتراه من صفوان، ومحال أن يشتري منه ما لا يجوز له ملكه، وقد ثبت عن الصحابة أنهم كانت لهم الدور بمكة، منهم الصديق، والزبير، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاصي، وصفوان بن أمية وغيرهم، وتبايع أهل مكة لدورهم قديمًا أشهر من أن يخفي. واحتج من كره ذلك بحديث علقمة بن نضلة السالف. قال إسماعيل بن إسحاق: وما تأول مجاهد في الآية وظاهر القرآن يدل على أنه المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر في دورها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقال: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ﴾: أي: وعن المسجد

стр. 6413

الحرام، فدل ذلك كله على أنَّ الذي كان المشركون يفعلونه هو التملك عن المسجد الحرام، وادعاؤهم أنهم أربابه وولاته، وأنهم يمنعون منه من أرادوا ظلمًا، وأنَّ الناس كلهم فيه سواء، فأمَّا المنازل والدور فلم تزل لأهل مكة غير أنَّ المواساة تجب عند الضرورة، ولعل عمر فعل هذا على سبيل المواساة عندها. ومناظرة الشافعي مع إسحاق بن راهويه في ذلك مشهور. واعلم أنَّ الروياني في "بحره" قال في باب بيع الكلاب: لا يكره بيع شيء من الملك المطلق إلَّا أرض مكة، فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف. وتورع فيه، واستغربت الكراهة، والأحسن أن يقال خلاف الأولى؛ لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء، والحصر المذكور غير صحيح، فإنَّ بيع المصحف مكروه خلافًا له، وكذا الشطرنج. قال الروياني وغيره: ومحل الخلاف بين العلماء في بيع دور مكة وغيرها من الحرم، وهو في بيع نفس الأرض، وأمَّا البناء فهو مملوك، فيجوز بيعه بلا خلاف. الثالث: قال ابن أبي صفرة: هذا الحديث حجة في أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر، ثم غزا مع المسلمين بلده، أنَّ أهله وماله وولده على حكم البلد، كما كانت دار النبي ﷺ على حكم البلد، ولم ير ﵇ نفسه أحق بها. وهذا قول مالك والليث، وقد سلف. وقال أشهب: ليس بفيء. وقيل: إن ضمه إليهم أهل الحرب ففيء

стр. 6414

وإلَّا فلا. وسيأتي اختلاف العلماء فيه في الجهاد، في باب: إذا غنم المشركون مال المسلم (١)، وبيان مذاهبهم فيها. الرابع: فيه: أنَّ المسلم لا يرث الكافر وهو قول كافة الفقهاء حاشا معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنيفية، وإبراهيم النخعي. فإنهم قالوا: يرثه كالنكاح، كما حكاه ابن التين عنهم. وقال في "شرح المهذب": وهو قول العلماء كافة، إلَّا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف أنَّ المسلم يرثه (٢)، وأجمعوا أنَّ الكافر لا يرث المسلم (٣). وعن أحمد: أنَّ اختلاف الدين لا يمنع الإرث بالولاء. وحكاه الإمام عن علي، وقال: هو غريب لا أصل له (٤). قلت: بل له أصل أصيل، وهو حديث جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم النصراني، إلَّا أن يكون عبده أو أمته" أخرجه النسائي وصححه

стр. 6415

الحاكم (١)، وسيأتي -إن شاء الله- في الفرائض مبسوطًا. واحتجاج ابن شهاب في الكتاب بالآية مراده أنهم لا يتوارثون مع كافر، ومعنى ﴿هَاجَرُوا﴾ في الآية إمَّا هجروا قومهم، أو راحوا إلى الحبشة، ثم إلى مكة ثم لا هجرة منها إذ صارت دار أمان. الخامس: قوله إثر حديث أبي هريرة: (وقال سلامة) إلى أنْ قال: (وقالا: بني هاشم وبني المطلب) إنما أتى به لعدم التشكيك في بني عبد المطلب أو بني المطلب كما أسلفته قبل، ولهذا قال إثره: بنو المطلب أشبه. وقال الداودي: قوله بني عبد المطلب وهم. وقوله: (وذلك أنَّ قريشًا وكنانة تحالفت). لو قال تحالفتا أو تحالفا لكان أوضح، وكان حصر بني هاشم لمَّا بلغ قريشًا فعل النجاشي بجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم، كبر ذلك عليهم وغضبوا وأجمعوا على قتل رسول الله ﷺ ، وكتبوا كتابًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري فشلت يده، قاله في "الطبقات" (٢)، وهو ما في ابن إسحاق أنَّه منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد العُزى (٣). وقال الزبير في "أنسابه": اسمه بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

стр. 6416

وقال الكلبي: هو منصور بن عامر بن هاشم أخو عكرمة بن عامر بن هاشم. وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة. وقيل: بل كانت عند أم الجلاس بنت الخربة الخطلية (١) خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شِعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين النبوة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شِعبه، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأنَّ الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما فيها من ذكر الله. وفي لفظ: ختموا على الكفر ثلاثة خواتم، وفي لفظ: سنتين، وآخر: سنين، فذكر ذلك سيدنا رسول ﷺ لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني قط- أنَّ الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فلحست ما كان فيها من جور وظلم، وبقى فيها كل ما ذكر به الله (٢)، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته لكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فإذا هي كما قال ﵇، فسقط في أيديهم، ونكثوا على رءوسهم، فقال

стр. 6417

أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر، فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، منهم: مطعم بن عدي، وعدي بن قيس، وربيعة بن الأسود، وأبو البختري بن هاشم (١) وزهير بن أمية، ولبسوا السلاح لهم، ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلمَّا رأت قريش ذلك سقط في أيديهم، وعرفوا أن لن يُسلموهم، وكان خروجهم في الشعب في السنة العاشرة، ثم أذن ﵇ بالخروج بالهجرة إلى المدينة (٢). والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن السبيل وبه سُمى مسجد الخيف، ويقال: هو وادٍ بعينه وسيأتي في البخاري في الجهاد عن الزهري أنه قال: الخيف: الوادي (٣)، وقيل: هو المحصَّب.

стр. 6418

٤٦ - باب قَوْلِ اللِّه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا﴾ إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧] الآيَةَ. [فتح: ٣/ ٤٥٤] هذا الباب حذفه شيخنا علاء الدين من شرحه، وأدخله ابن بطال في الباب بعده وجعلهما بابًا واحدًا (١)، وتقدم تفسير الأمن. ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ قرأه الجحدري بقطع الألف، معناه: اجعلني جانبًا وثبتنا على توحيدك، كقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بسببهن، وهن لا يعقلن. ﴿بَيْتِكَ﴾: الذي لا يملكه غيرك ﴿المُحَرَّمِ﴾؛ لأنه يحرم فيه ما يباح في غيره ﴿أَفْئِدَةً﴾ جمع فؤاد، وهو القلب، أو جمع وفود ﴿تَهْوِي﴾: تحن، أو تهواهم وتنزل عليهم، طلب ذلك ليميلوا إلى سكناها فيصير بلدًا محرمًا أو ليحجوا. قال ابن عباس: لو أن إبراهيم قال: أفئدة الناس لغلبكم عليه الترك والديلم (٢)، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أجابه بما في الطائف من الثمار، ويجلب إليهم من الأمصار.

стр. 6419

٤٧ - باب قَوْلِ اللِّه تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ وَالهَدْيَ وَالقَلَائِدَ﴾ الآيه [المائدة: ٩٧] ١٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ". [١٥٩٦ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح ٣/ ٤٥٤] ١٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ -هُوَ: ابْنُ المُبَارَكِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ". [١٨٩٣، ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٣٨٣١، ٤٥٠٢، ٤٥٠٤ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٣/ ٤٥٤] ١٥٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ". تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ". وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ، سَمِعَ قَتَادَةُ عَبْدَ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ أَبَا سَعِيدٍ. [فتح: ٣/ ٤٥٤] ثم ذكر حديث أبي هريرة: "يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَة". وحديث عائشة من طريقين: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ

стр. 6420

رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ". حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، ثَنَا أَبي، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ الحَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ" قال أبو عبد الله: سمع قتادة عبد الله، وعبد الله أَبا سعيد، تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ". وَالأَوَّلُ أكْثَرُ. الشرح: أما الآية فقوله: (﴿قِيَامًا﴾) أي: قوامًا لدينهم، وعصمة لهم، وقيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا أو يقومون بشرائعها ﴿وَالشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ لا يقاتلون فيه وهو: رجب أو ذو القعدة، أو الأشهر الحرم، ﴿وَالهَدْيَ﴾ كل ما يهدى للبيت من شيء، أو ما يقلد من النعم، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده، ﴿وَالقَلَائِدَ﴾ قلائد الهدي، أو كانوا إذا حجوا تقلدوا من (لحاء) (١) الشجر ليأمنوا في ذهابهم وإيابهم، أو كانوا يأخذون لحاء سمر الشجر إذا خرجوا فيتقلدونه، ليأمنوا فنهوا عن نزع شجر الحرم. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ الآية، ومجانسته هذا للأول أن الذي ألهمهم هذا يعلم ذلك. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا (٢).

стр. 6421

وحديث أبي سعيد من أفراده، وله من حديث ابن عباس يأتي بعد أيضًا: "كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا" (١). وأحمد (خ. د. س) السالف هو ابن حفص بن عبد الله بن راشد السلمي مولاهم، قاضي نيسابور، مات سنة ستين، كذا بخط الدمياطي (٢). وقال غيره؛ ثماني وخمسين ومائتين، وهو ما في "الكاشف" (٣). وإبراهيم هو ابن طهمان، وحجاج هو الأحول الثقة مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله ألقاب: الأسود، وزق العسل، والعسلي، وقيل: هما اثنان، وعبد الله هو مولى أنس مصري صدوق، ولأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة بإسناد جيد: "يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده، وهم الذين يستخرجون كنزه" (٤). ولأبي نعيم بسند فيه مجهول: "كأني انظر إلى أصيلع أفدع أفحج على ظهر الكعبة يهدمها بالكرزنة". ولأحمد من حديث ابن عمرو: "يسبيها (٥) حليها ويجردها من

стр. 6422

كسوتها وكأني انظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله" (١). ولابن الجوزي من حديث حذيفة مرفوعًا: "خراب مكة من الحبشة على يد حبشي، أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، معه أصحابه، ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها البحر -يعني الكعبة- وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد". وفي "غريب أبي عبيد" عن علي: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع أو أصمع (٢) حمش الساقين قاعد عليها، وهي تهدم" (٣). ورفعه الحاكم، وفيه: "أصمع أفدع، بيده معول، وهو يهدمها حجرًا حجرًا" (٤). وذكر الحُليمي: أنَّ ذلك يكون زمن عيسى، وأنَّ الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين قد سار إلى البيت يهدمه، فيبعث عيسى ﵇ طائفة بين الثمان إلى التسع. وفي "منسك الغزالي" وحكاه ابن التين عن بعضهم: لا تغرب الشمس في يوم إلَّا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلَّا طاف بهذا البيت واحد من الأوتاد، وإذا انقطع

стр. 6423

ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف ثم من القلوب، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى فيقتله، والساعة عند ذلك كالحامل المقرب ولادتها. وفي كتاب "الفتن" لنعيم بن حمَّاد: حدثنا بقية، عن صفوان، عن شريح، عن كعب: يخرج الحبشة خرجةً يهبون فيها إلى البيت، ثم يفزع إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض في أودية بني علي، وهي قريبة من المدينة حتى إنَّ الحبشي يباع بالشملة. قال صفوان: وحدثني أبو اليمان، عن كعب قال؛ يخربون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك فيقتلهم الله (١). وفيه: يخرجون بعد يأجوج (ومأجوج) (٢). وعن عبد الله بن عمرو: تخرج الحبشة بعد نزول عيسى، فيبعث عيسى طليعة فيهزمون (٣)، وفي رواية: تهدم مرتين، ويرفع الحجر في المرة الثالثة (٤)، وفي رواية: ويرفع في الثالثة (٥)، وفي رواية: ويستخرجون كنز فرعون يمنعه من الفسطاط، ويقتلون بوسيم (٦).

стр. 6424

وفي لفظ: فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس أو أسبس (١)، وقيل: خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وصححه القرطبي قال: ولا تعارض بين هذا وبين كون الحرم آمنًا؛ لأنِّ تخريبها إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعله لا يبقى إلَّا شرار الخلق، فيكون آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى. وتحقيقه أنه لا يلزم من الأمن الدوام، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما فقد صدق ذلك. وأما حديث: "ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامةج فالحكم بالحرمة والأمن لم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها فقد وُجد من ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرًا (٢). وقال عياض: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أي: إلى قرب القيامة (٣). وقيل: يخص منه قصة ذي السويقتين. فإنْ قلت: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في الإسلام بما صنع بها الحَجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ قلت: الجواب ما ذكره ابن الجوزي أن حبس الفيل كان من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ولتتأكد الحجة عليهم، بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الجيش أيضًا دلالة على وجود الناصر.

стр. 6425

وقال ابن المنير: دخول هذا الحديث تحت ما ترجم له؛ ليبين أن الأمر المذكور مخصوص بالزمن الذي شاء الله فيه بالأمان، وأنه إذا شاء الله رفعه عند خروج ذي السويقتين، ثم إذا شاء أعاده بعد (١). وقال ابن بطال: حديث أبي هريرة مبين لقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] أي: غير وقت تخريبه؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا باستباحة حرمتها. وتغلبه عليها، ثم تعود حرمتها ويعود الحج كما أخبر خليله إبراهيم فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] فهذا شرط الله لا ينخرم ولا يحول، وإن كان في خلاله وقت يكون فيه خوف فلا يدوم، ولا بدَّ من ارتفاعه، ورجوع حرمتها وأمنها وحج العباد إليها، كما كان إجابة لدعوة خليله ﵇، يدل عليه حديث أبي سعيد في الكتاب. وعلى ذلك لا تضاد، ولو صح ما ذكره قتادة: لا يحج البيت، لكان ذلك وقتًا من الدهر، ويحتمل أنْ يكون ذلك وقت تخريبها بدليل حديث أبي سعيد (٢). وقال ابن التين: قيل: هذا ليس باختلاف قد ينقطع ثم يعود، قال: وفي حديث آخر: "لا تزول مكة حتى تزول أخشباها" يعني: جبليها، أي: لا يزول الحج، ومعنى خرابه له في وقت يدعه الله إلى ذلك، ابتلاءً منه شقوة له وليسود وجهه، وليعلم من يرتاب من ذلك، ولعله هو الذي يخسف بجيشه، وكأنه مفهوم البخاري فيما ترجمه بعد من

стр. 6426

باب: هدم الكعبة، وذكر عن عائشة رفعته "يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم" (١). وروي عن علي مرفوعًا: "قال الله : إذا أردت أن أخرب الدنيا، بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره" (٢). ويخرب رباعي بضم الياء. قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] وقد منع الله صاحب الفيل في الوقت الذي شاء كما سلف. ويغزوه جيش كما ذكرناه، ويأذن في هذا الوقت الذي شاء ثم يعود، ولا فرق بين هذا وبين إدالة المشركين على المؤمنين، وقتل الأنبياء، وكلٌ ابتلاء. والحبش: جنس من السودان، وهم الأحباش والحبشان، وقد قالوا: الحبشة، وليس بصحيح في القياس؛ لأنه لا واحد له على مثال فاعل، فيكون مكسرًا على فعلة، والأحبوش: جماعة الحبش، وقيل: هم الجماعة أيّا كانوا؛ لأنهم إذا تجمعوا اسودوا. قال الجوهري: الحبش والحبشة جنس من السودان (٣). وقال ابن دريد: الحبشة على غير قياس، وقد قالوا: حبشان أيضًا، ولا أدري كيف هو (٤).

стр. 6427

وقال الرشاطي: هم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. روى سفيان بن عيينة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا خير في الحبش، إنْ جاعوا سرقوا، وإنْ شبعوا زنوا، وإنَّ فيهم حسنتين: إطعام الطعام، والبأس يوم البأس" (١). وقال ابن هشام في "تيجانه": أول من جرى لسان الحبشة على لسانه سُحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن كوش بن حام بن نوح، ثم تولدت من هذِه اللسان ألسن استخرجت منه، وهذا هو الأصل. وقوله في حديث ابن عباس الذي سقناه من عند البخاري: "كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا" يعني: الكعبة. والأفحج بحاء ثم جيم: البعيد ما بين الرجلين، وذلك من نعوت الحبشان، ولذلك قال: ذو السويقتين؛ لأن في سوقهم حموشة أي: دقة، وصغرهما لدقتهما ونقصهما، وأتى بالتاء لأنّ الساق مؤنثة، وذكره أبو المعالي في "المنتهى" في الحاء والجيم كما أسلفناه، وقال: هو تداني صدور القدمين، وتباعد العقبين، وفتح الساقين. قال: وهو عيب في الخيل، وقال في الجيم والحاء: الفجح بالتحريك تباعد ما بين الساقين، ومن الدواب ما بين العرقوبين، وهو أقبح من الفحج أي من الأول، وذكره في "المحكم" في الحاء والجيم

стр. 6428

أيضًا، وقال في الثاني: هو تباعد ما بين القدمين (١)، وفي "المخصص": هو تباعد ما بين الفخذين رجل أفحج وامرأة فحجاء. وعن أبي حاتم فخذ فخجاء بخاء معجمة: وهي التي بانت من صاحبتها، والمصدر، الفخج، وقد يكون في إحدى الفخذين (٢). وفي "الجامع": الجمع فحج. وقال ابن دريد: هو تباعد بين الرجلين (٣). وفي "المجمل" و"المغرب": هو تباعد ما بين أوساط الساقين في الإنسان والدابة (٤)، واقتصر عليه ابن بطال (٥). وأما حديث عائشة فهو مصدق للآية، ومعناه: أن المشركين كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور والكسوة، ويقدمون إليها كلما يفعل المسلمون. وقال الإسماعيلي: جمع أبو عبد الله فيه بين حديث عقيل وابن أبي حفصة في المتن، ولم يبين، وحديث ستر الكعبة في حديث ابن أبي حفصة وحده ثم ساقه، وحديث عقيل ليس فيه ذكر الستر ثم ساقه بدونه. قال: فإن كان أراد بيان اسم الكعبة التي تذكر في الآية فذاك، وإلَّا فليس ما في الباب من الترجمة في شيء.

стр. 6429

قلتُ: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته، وإن كان ظاهره غير مطابق للترجمة. وادعى بعضهم أنه أراد من حديث عقيل التصريح بسماع ابن شهاب من عروة، وليس كما ذكر، فإنه لم يأت به. نعم هو عند الإسماعيلي وأبي نعيم.

стр. 6430

٤٨ - باب (١) كِسْوَةِ الكَعْبَةِ ١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِى بِهِمَا. [٧٢٧٥ - فتح: ٣/ ٤٥٦] ذكر فيه حديث أبي وائل من طريقين: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وفي لفظ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هذا المَجْلِسَ عُمَر ﵁ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا. هذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام في باب الاقتداء بالسنة، وفيه: ما أنت بفاعل؟ قال: لم؟ قلتُ: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يقتدي بهما (٢)، وهذا الحديث جعله الحميدي (٣) وأبو مسعود الدمشقي وقبلهما الطبراني من مسند شيبة (٤)، وهو ابن عثمان بن أبي طلحلة الحجبي، أسلم يوم الفتح، ومات سنة تسع وخمسين (٥)،

стр. 6431

وخالف ذلك خلف فذكره في مسند عمر بن الخطاب. وتقديم البخاري الإسناد الأول لمعنيين: أولهما: تصريح سفيان فيه -وهو ابن سعيد- بالسماع. ثانيهما: من عادة الأئمة غالبًا الابتداء بالنازل، ثم العالي (١)، وهو كذلك في الأول إلى أبي وائل أربعة، وفي الثاني: ثلاثة. وعند ابن ماجه عن أبي وائل قال: بعث رجل معي بدراهم هدية إلى البيت، فدخلت البيت، وشيبة جالس على كرسي فناولته إياها فقال: ألك هذِه؟ قلتُ: لا، ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما لئن قلت ذاك، لقد جلس عمر مجلسك الذي أنت فيه، وقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، الحديث. وفيه: فقلت: لأنه ﵇ قد رأى مكانه، وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام كما هو فخرج (٢). وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر لكسوة الكعبة ذكر.

стр. 6432

قلتُ: الجواب -كما أفاده ابن بطال-: لأنَّ منْ المعلوم أنَّ الملوك في كل سنة كانوا يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أنَّ عمر لمَّا أراد قسمة الذهب والفضة الموقوفين بها على أهل الحاجة صوابًا، كان حكم الكسوة حكم المال يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة على أهل الحاجة من قسمة المال، إذ قد يمكن نفقة المال فيما تحتاج إليه الكعبة في إصلاح ما وَهَى منها، وفي (وقيد) (١) وأجرة قيم، والكسوة لا تدعو إليها ضرورة، ويكفي منها بعضها (٢). ونحا نحوه ابن المنير فقال: يحتمل أنْ يكون مقصوده بالترجمة التنبيه على أنَّ كسوة الكعبة مشروعة ومأثورة، ولم تزل تقصد بمال يوضع فيها على معنى الزينة والجمال؛ إعظامًا لحرمتها في الجاهلية والإسلام، والكسوة من هذا القبيل. ويحتمل أن يريد التنبيه على حكم الكسوة، وهل يجوز التصرف فيما عتق منها كما يصنع الآن؟ فنبَّه على أنه موضع اجتهاد، وأنَّ مقتضى رأي عمر أن يقسم في المصالح، وأنَّ رأي الشارع والصديق يخالف رأيه. قال: والظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض لفسادها بخلاف النقدين، وإذ لا جمال في كسوة عتيقة مطوية، ويؤخذ من قول عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوة في هذِه الأزمنة أهم؛ إذ الأمور المتقادمة تتأكد حرمتها في النفوس، وقد صار تركها في العرف غضا في الإسلام،

стр. 6433

واضعًا لقلوب المسلمين (١). ولك أن تقول: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته في الاستنباط وهو قوله عند ابن ماجه: "مال الكعبة" (٢) وهي داخلة فيه. يؤيده قوله ﵇: "وهل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت" (٣). فجعل اللبس وهو الكسوة مالًا. قال صاحب "التلخيص": لا يجوز بيع أستارها، وكذا قال أبو الفضيل بن عبدان: لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من ذلك، ولا يجوز نقله ولا بيعه ولا شراؤه، قال: ومن عمل شيئًا من ذلك كما تفعله العامة يشترونه من بني شيبة لزمه رده، ووافقه الرافعي. وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاء. واحتج بما ذكره الأزرقي: أنَّ عمر كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج (٤). وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا: تباع كسوتها، ويجعل منها في سبيل الفقراء والمساكين وابن السبيل، قالا: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجُنب وغيرهما، وكذا قالته أم سلمة (٥). وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى -وسُئل عن رجل سرق من الكعبة- فقال: ليس عليه قطع (٦).

стр. 6434

وذكر محمد بن إسحاق في "سيره" تبان أسعد كرب، وهو تُبَّعُ الآخر، وجده تُبَّع الأول، ثم ساق نسبه إلى يعرب بن قحطان، قال: كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، وجه إلى مكة حتى إذا كان بين عسفان وأمجَ أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا: ألا ندلك على بيت مال داثر؟ قال: بلى، قالوا: مكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه؛ ما عرفوا هلاك من أراده من الملوك، فقال له حبران كانا معه: إنما أراد هؤلاء هلاكك، قال: فبماذا تأمراني؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تحلق وتطوف وتنحو، ففعل، وأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم، فَأُرِيَ في المنام أنْ يكسو البيت، فكساه الخصف، ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أُريَ أنْ يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت. وقال في موضع آخر عن ابن إسحاق: أول من كساها الديباج الحجاج، وذكر ابن قتيبة أنَّ هذِه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة. وفي "معجم الطبراني" من حديث ابن لهيعة ثنا أبو زرعة بن عمرو سمعت سهل بن سعد رفعه: "لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم". وقال: لا يروى عن سهل إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة (١). وفي "مغائص الجوهر في أنساب حمير": كان يدين بالزبور. وذكر ابن أبي الأزهر في "تاريخه": أول من كساها عدنان بن أدد، وفي كتاب الكلبي: تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب، وهو تبع

стр. 6435

الأصغر، وآخر التبابعة، أتى مكة وطاف بها وحلق كالذي فعل جده تبع الأوسط، وكسا البيت الملاء والخز والديباج، وهو القائل: كسونا البيت الذي حرَّم الله … .................... وقيل: بل قائله تبع الأوسط، والأول أصح وأكثر، وهو الذي عليه العلماء باليمن. وزعم الزبير أنَّ أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، زاد أبو بكر التاريخي وغيره جوفها أجمع، وكان يصب الطيب فيما بين أضعاف البنيان. وذكر بعض الحجبة أنه وجد قطعة ديباج من ديباج الكعبة فيها بما أمر به أبو بكر أمير المؤمنين، وكان ينقل بنفسه الحجارة لبنائها، قال عامر ابنه: رأيته يشرب الماء وهو نائم من اللغب. قال أبو بكر بإسناده إلى عمر أنه كان ينزع كسوة الكعبة كل عام يقسمها في الحاج، فيستترون بها ويستظلون بها على الشجر، وهذا سلف في "أخبار مكة وفتوحها" للفاكهي (١)، ويقال: أول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان. وفي "الأوائل" لأبي عروبة الحراني من حديث الأشعث، عن الحسن قال: أول شيء كسية الكعبة أن سيدنا رسول الله ﷺ كساها قباطي. وذكر الدارقطني أنَّ نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، ففعلت ذلك حين وجدته، وكانت من بيت مملكة (٢).

стр. 6436

وللأزرقي عن ابن جريج: كان تبع أول من كسا البيت كسوة كاملة، أُرِيَ في المنام أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أُرِي أن يكسوها ثياب حبرة من عصب اليمن (١). ثم كساها الناس بعده في الجاهلية، ثم ذكر أيضًا أن النبي ﷺ كساها، ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ومعاوية بن أبي سفيان وابن الزبير الديباج، وكانت تُكسى يوم عاشوراء ثم صار معاوية يكسوها مرتين، والمأمون كان يكسوها ثلاثًا: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان (٢). وذكر الماوردي أن أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب، أخذ لطيمة (٣) تحمل البر ووجد فيها أنماطًا فعلقها على الكعبة. وذكر الجاحظ أن أول من خلَّقها عبد الله بن الزبير. وفي كتاب ابن اسحاق أول من جلاها عبد المطلب بن عبد مناف، لمَّا حفرها بالغزالين اللذين وجدهما من ذهب (٤). وفي ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عجوز من أهل مكة قالت: أُصيب ابن عفان وأنا ابنة أربع عشرة سنة، قالت: ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلا ما يكسوه الناس الكساء الأحمر يطرح عليه، والثوب الأصفر والكساء الصوف، وما كسي من شيء علق عليه، ولقد رأيته وما عليه ذهب ولا فضة، قال

стр. 6437

محمد: لم يُكسَ البيت على عهد أبي بكر ولا عمر، وأن عمر بن عبد العزيز كساه الوصائل والقباطي. وعن ليث بن أبي سليم قال: كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله ﷺ الأنطاع والمسوح (١). وقال ابن دحية: كساها المهدي القباطي والخز والديباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها (٢). وفي ابن بطال: قال ابن جريج: زعم بعض علمائنا أن أول من كساها إسماعيل، قال: وبلغني أن تبعًا أول من كساها، ولم تزل الملوك في كل زمن يكسونها بالثياب الرقيقة، ويقومون بما تحتاج إليه من المؤنة؛ تبركا بذلك، فرأى عمر أن ما فيها من الذهب والفضة لا تحتاج إليه الكعبة لكثرته، فأراد أن يصرفه في منافع المسلمين؛ نظرًا لهم، فلمَّا أخبره شيبة بأنه ﵇ وأبا بكر لم يتعرضا لذلك أمسك، وصوب فعلهما، وإنما تركا ذلك والله أعلم؛ لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغيير الأوقاف عن وجوهها، ولا صرفها عن طرقها، وفي ذلك أيضًا تعظيم للإسلام وحرماته، وترهيب على العدو (٣). وقد روى ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لو أخذنا ما في هذا البيت -يعني الكعبة- فقسمناه، فقال له أُبي بن كعب: والله ما ذلك لك. قال: ولم؟ قال: لأن الله بين

стр. 6438

موضع كل مال، وأقره رسول الله ﷺ . قال: صدقت (١). وفي الحديث حجة لمن قال: إنه يجوز صرف ما جعل سبيل من سبل الله في سبيل آخر من سُبل الله، إذا كان ذلك صوابًا، وفي فعله ﵇ وفعل أبي بكر حجة لمن رأى بقاء الأموال على ما سبلت عليه، وترك تغييرها عما جُعلت له. وفي قوله: (هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بهما)، من الفقه ترك خلاف كبار الأئمة، وفضل الاقتداء بهما، وأن ذلك فعل السلف. وقوله: (الْمَرْآنِ): يقال هذا مرء صالح، وفيه لغة بالضم، ولا يجمع على لفظه، وبعضهم يقول: المرءون. فإن جئت بألف الوصل كان فيه ثلاث لغات: فتح الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، حكاهما الفراء، وضم الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، تقول: هذا امرؤٌ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئ، ولا جمع له من لفظه، وهذِه امرأة، مفتوحة الراء على كل حال.

стр. 6439

٤٩ - باب هَدمِ الكَعْبَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ". [انظر: ٢١١٨] ١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا". [فتح: ٣/ ٤٦٠] ١٥٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ". [انظر: ١٥٩١ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح: ٣/ ٤٦٠] ثم ذكر حديث ابن عباس السالف، وحديث أبي هريرة السالف أيضًا، وقد سبقا. والتعليق الأول عنده مسند وكذا عند مسلم (١). وفيه: إخبار عما يكون من الحدثان والأشراط؛ وذلك يكون في أوقات مختلفة، فحديث عائشة هو في وقت غير هدمها، ويمكن أن يكون هدمه لها عند اقتراب الساعة، ولا يدل ذلك على انقطاع الحج، فقد سلف من حديث أبي سعيد أنه يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج، وعيسى يحج ويعتمر بعد ذلك (٢).

стр. 6440

٥٠ - باب مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ ١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [١٦٠٥، ١٦١٠ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٦٢] ذكر فيه حديث عابس بن ربيعة، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رسول الله ﷺ يُقبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله ابن سرجس عن عمر (١)، والنسائي من حديث ابن عباس عنه، وعنده: قبله ثلاثًا (٢)، وعند الحاكم: وسجد عليه، ثم صحح إسناده (٣)، وعند الترمذي عنه: "نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" ثم قال: حسن صحيح (٤)، وعنده عنه: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق" وقال: حسن (٥).

стр. 6441

والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١)، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "يأتي الركن والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان، يكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها عباده" (٢). قال: وقد روي لهذا الحديث شاهد مفسر غير أنه ليس من شرطهما، فذكره من حديث أبي سعيد الخدري (٣). وذكر على شرط مسلم من حديث جابر: بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء وقبَّله ووضع يده عليه، ومسح بها وجهه (٤). وفي "فضائل مكة" للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه. ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة: فمن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله. وللطبراني من حديث إبراهيم بن يزيد المكي زيادة: ما حادى به عبد مسلم يسال الله خيرا إلا أعطاه إياه.

стр. 6442

ومن حديث معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن مجاهد أنه قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أُحد، فيناديان بأعلى صوتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء. وعن أنس رفعه: "الركن والصفا يقوتتان من ياقوت الجنة". قال الحاكم: صحيح الإسناد (١). وعن ابن عمرو مرفوعًا: "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" ذكره شاهدًا (٢)، وأخرجه البيهقي بإسناد جيد بزيادة "ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، وما مسهما من ذي عاهة إلا شفي، وما على الأرض من الجنة غيره" (٣). قال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه على عبد الله بن عمرو، ورجاء بن صبيح الذي رفعه ليس بقوي (٤). وعن عبد الله بن السائب: سمعت النبي ﷺ فيما بين ركن بني جُمح والركن الأسود يقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٥). وعن ابن عباس يرفعه كان يدعو بين الركن: "رب قنعني بما رزقتني،

стр. 6443

وبارك لي فيه، واختلف علي كل غائبة لي بخير" وقال: صحيح الإسناد (١). وعن أبي هريرة يرفعه: "وُكِّلَ بالحجر الأسود ملكًا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا آمين" رواه ابن ماجه بإسناد فيه: إسماعيل بن عياش، بلفظ "من فاوضه -يعني الركن الأسود- فإنما يفاوض يد الرحمن" (٢). وعن ابن عباس مرفوعًا "ما مزرت على الركن إلَّا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولو ا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة" الحديث. ذكره ابن مردويه في "تفسيره" (٣)، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال: استلم الحجر والركن في كل طواف. صحيح الإسناد (٤). وعند الجندي عن سعيد بن المسيب: الركن والمقام حجران من حجارة الجنة.

стр. 6444

وعن ابن عمر أنه ﵇ أتى الحجر الأسود فاستلمه، ووضع شفتيه عليه وبكى بكاءً طويلًا ثم التفت فإذا عمر يبكي خلفه فقال: "يا أبا حفص ها هنا تسكب العبرات"، قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد (١). وعنده -أعني: الجندي- عن مجاهد: الركن من الجنة ولو لم يكن منها لغني. وعن ابن عباس رفعه: "لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأوساخها وأيدي الظلمة والأثمة؛ لاستشفي به من كل عاهة، ولألفاه اليوم كهيئة يوم خلقه الله تعالى وإنما غيَّره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وإنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة والأرض يومئذ طاهرة، لم يعمل فيها بشيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفًا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه؛ لأنه شيء من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم، محدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم" (٢). وللطبراني عن عائشة مرفوعًا "استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة وإنه لا ينبغي لشيء خرج منها أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة".

стр. 6445

ولأحمد عن عمر أنه عليه ﷺ قال": "إنك رسول قوى فلا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبل وكبر وهلل" (١). وللدارقطني عن عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبَّلوا أيديهم (٢). ولمسلم عن ابن عباس يرفعه "يستلم الركن بمحجن، ويقبل المحجن" (٣). وللطبراني: أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال: بسم الله، والله أكبر (٤). وعنده من حديث الحارث عن علي أنه كان إذا استلم الحجر قال: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وسُنة نبيك ﷺ (٥). إذا تقرر ذلك: فإنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام.
следующие страницы →