← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة، فحبب إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر، فينسى المألوفات من عادته، فيجد الوحي منه مرادًا سهلًا لا حزنًا وعِرًا، ولمثل هذا المعنى كانت مطالبة الملك لَهُ بالقراءة وضغطه (١). وقال ابن المرابط: تحبيبها لَهُ قيل: إنه من وحي الإلهام (فكان) (٢) يخلو بغار حراء اعتبارًا وفكرة، كاعتبار إبراهيم لمناجاة ربه، والضراعة إليه، ليريه السبيل إلى عبادته عَلَى صحة إرادته. السابع: الغار: النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف، وجمعه: غيران، وتصغيره غوير، والمغار والمغارة بمعنى الغار. الثامن: حراء: بكسر المهملة وتخفيف الراء والمد، وهو مصروف عَلَى الصحيح، ومنهم من منع صرفه، مذكر عَلَى الصحيح أيضًا، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره أيضًا فهذِه ست لغات. قَالَ القاضي عياض: يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، والتذكير أكثر، فمن ذكره صرفه ومن أنثه لم يصرفه، يعني: عَلَى إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل، وضبطه الأصيلي بفتح الحاء والقصر وهو غريب (٣)، وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسارك إِذَا سرت إلى منًى (٤).

стр. 667

فائدة: (حراء) (١) هو الذي نادى رسول الله ﷺ حين قَالَ له ثبير: اهبط عني فإني أخاف أن تقتل عَلَى ظهري فأعذب-: إلىَّ يا رسول الله (٢). فلعل هذا هو السر في تخصيصه التحنث به من بين سائر الجبال، وقال سيدي (أبو عبد الله) (٣) ابن أبي جمرة (٤): لأنه يرى بيت ربه منه، وهو عبادة، وكان منزويًا مجموعًا لتحنثه (٥). فائدة ثانية: ذكر الكلبي (٦) أن حراء وثبيرا سميا بابني عم من عاد الأولى.

стр. 668

التاسع: قولها: (وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ). هذا هو الذي نعرفه (هنا) (١) في البخاري، وأبدل بعض شيوخنا لفظة: (يخلو) بـ (يجاور) ثمَّ تكلم عَلَى مادة جاور وشَرَعَ ينقل الفرق بينه وبين الاعتكاف، بأن المجاورة قَدْ تكون خارج المسجد بخلاف الآعتكاف ولا حاجة إلى ذَلِكَ كله فتنبه له، نعم لفظ الجوار ورد في حديث جابر الآتي في كتاب: التفسير كما ستعلمه (٢)، وفي "صحيح مسلم" فيه: "جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي" الحديث (٣). العاشر: قولها: (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ). هو بحاء مهملة ثمَّ نون ثمَّ مثلثة، وقد فسر في الحديث بأنه التعبد، وهو صحيح، وأصله اجتناب الحنث -وهو: الإثم- وكأنّ المتعبد يلقي بعبادته عن نفسه الإثم، وقال ابن هشام: التحنث: التحنف يبدلون الفاء من الثاء يريدون الحنيفية (٤)، وقال أبو (أحمد) (٥) العسكري: رواه بعضهم: يتحنف -بالفاء- ثمَّ نقل عن بعض أهل العلم أنه قَالَ: سألت أبا عمرو الشيباني عن ذَلِكَ فقال: لا أعرف يتحنث، إنما هو يتحنف من الحنيفية أي: يتتبع دين الحنيفية،

стр. 669

وهو دين إبراهيم ﵇ (١). وقال المازري وغيره: يتحنث: يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، والحنث: الذنب كما أسلفناه ومثله: تَحَرَّجَ، وَتَأَثَّمَ، وتَحَوَّبَ، إِذَا ألقى ذَلِكَ عن نفسه، وفعل فعلًا يخرج به (عن) (٢) الحرج والإثم والحوب، ومنه قوله: فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (٣)، ومنهم من ألحق بها تهجد إِذَا خرج من الهجود -وهو النوم- بالصلاة، كما يقال: تحنث إِذَا احتنثه وتنجس إِذَا فعل به فعلًا يخرج به من النجاسة. وهذِه الأفعال التي ذكرت جاءت مخالفة لسائر الأفعال؛ لأن غيرها من الأفعال إنما يكون بفعل فيه بمعنى: تكسب، لا بمعنى ألقى، وكذا قَالَ السهيلي: التحنث: التبرر، تفعُّل من البر، وتفعل يقتضي الدخول في الشيء وهو الأكثر فيها مثل: تَفَقَّه وتَعَبَّد وتَنَسَّك، وقد جاءت ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وإطراحه، كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء المثلثة؛ لأنه من الحنث، والحنث: الحمل الثقيل وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر، وأما التحنف بالفاء فهو من باب التبرر؛ لأنه من الحنيفية دين إبراهيم، وإن كانت الفاء مبدلة من الثاء فهو من باب التقذر والتأثم، وهو قول ابن هشام (٤)، كما سلف. وقال أبو المعالي (٥) في "المنتهى": تحنث: تعبد مثل: تحنف،

стр. 670

وفلان يتحنث من كذا بمعنى: يتأثم فيه، وهذا أحد ما جاء تفعَّل إِذَا تحنث تجنب الحنف والجور، وتحوب: تجنب الحوب، وقال الثعالبي (١): فلان يتهجد: إِذَا كان يخرج من الهجود، وتنجس إِذَا فعل فعلًا يخرج به عن النجاسة. قُلْتُ: والحاصل من ذَلِكَ ثمانية ألفاظ: تحنث، وتأثم، وتحرج، وتحوب، وتهجد، وتنجس، وتقذر، وتحنف. الحادي عشر: قولها: (وَهُوَ التَّعَبُّدُ). يحتمل أن يكون من تفسير عائشة وأن يكون من تفسير من دونها (٢).

стр. 671

الثاني عشر: قولها: (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ). هو متعلق بيتحنث أي: يتحنث الليالي لا بالتعبد؛ لأنه يفسد المعنى حينئذ: فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي بل يطلق عَلَى القليل والكثير، والليالي منصوب عَلَى الظرف، (وذوات) (١): بكسر التاء فيه علامة (على) (٢) النصب. الثالث عشر: عبادته ﵇ قبل البعثة هل كانت بشريعة أحد أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم وعزي الثاني إلى الجمهور، وانما كان يتعبد بما يُلقى إليه من نور المعرفة. واختار ابن الحاجب (٣) والبيضاوي أنه كلف التعبد بشرع. واختلف القائلون بالثاني: هل ينتفي ذَلِكَ عنه عقلًا أم نقلًا فقيل بالأول؛ لأن في ذَلِكَ تنفيرًا عنه ومن كان تابعًا فبعيد منه أن يكون

стр. 672

متبوعًا وهذا خطأ كما قَالَ المازري (١) فالعقل لا يحيل ذَلِكَ، وقال حذاق أهل السنة بالثاني؛ لأنه لو فعل لنقل؛ لأنه مما تتوفر الدواعي عَلَى نقله ولا فتخر به أهل تلك الشريعة. والقائل بالأول اختلف فيه عَلَى ثمانية أقوال: أحدها: أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم. ثانيها: بشريعة موسى. ثالثها: بشريعة عيسى. رابعها: بشريعة نوح حكاه الآمدي (٢). خامسها: بشريعة آدم كما نقل عن حكايه ابن برهان. سادسها: أنه كان يتعبد بشريعة من قبله من غير تعيين.

стр. 673

سابعها: أن جميع الشرائع شرع له. حكاه بعض شراح "المحصول" عن المالكية. ثامنها: الوقف في ذَلِكَ وهو مذهب أبي المعالي الإمام، واختاره الآمدي (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، المراد: في توحيد الله تعالى وصفاته، (أو) (٢) المراد اتباعه في المناسك، كما علم جبريل إبراهيم، ولا خلاف بين أهل التحقيق كما قَالَ القاضي عياض أنه ﷺ قبل نبوته وسائر الأنبياء منشرحو الصدر بالتوحيد والإيمان، فإنهم لا يليق بهم الشك في شيء من ذَلِكَ ولا الجهل به، ولا خلاف في عصمتهم من ذَلِكَ (٣). فإن قُلْتَ: ما كان صفة تعبده؟ قُلْتُ: لم أر فيه نقلًا بخصوصه، وسمعت بعض مشيختنا يقول: سمعت الشيخ أبا الصبر أيوب السعودي يقول: سألت سيدي أبا السعود: بم كان ﷺ يتعبد في حراء؟ فقال: بالتفكر. وقد أسلفنا هذا في الوجه السادس أيضا. فرع: اختلف الأصوليون: هل كُلِّف بعد النبوة بشرع أحد من الأنبياء؟ والأكثرون عَلَى المنع، واختاره الإمام والآمدي وغيرهما (٤). وقيل: بل كان مأمورًا بأخذ الأحكام من كتبهم ويعبر عنه بأن شَرْعَ

стр. 674

مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا، واختاره ابن الحاجب (١)، وللشافعي في المسألة قولان، أصحهما الأول، واختاره الجمهور (٢). الرابع عثسر: قولها: (قَبْلَ أَنْ يَنْزعَ إِلَى أَهْلِهِ). هو بكسر الزاي أي: يرجع، وقد رواه مسلم كذلك فقال: نزع إلى أهله (٣) إِذَا حَنّ إليهم فرجع إليهم، ونزعوا إليه: حنوا إليه، وهل نزعك غيره؟ أي: هل جاء بك وجذبك سواه! وناقة نازع: إِذَا حنت إلى أوطانها ومرعاها، ونزع بالفتح ينزع بكسر ثالثه قَالَ صاحب "الأفعال" (٤): والأصل في فعل يفعل إِذَا كان صحيحًا وكانت عينه ولامه حرف حلق أن يكون مضارعه مفتوحًا إلا أفعالًا يسيرة جاءت بالفتح والضم مثل: جنح يجنح، ودبغ يدبغ، وإلا ما جاء من قولهم نزع ينزع بالفتح والكسر، وهنأ يهنئ (٥). وقال غيره: (هنَّأني) (٦) الطعام، يَهْنؤُني وَيهْنِئُني بالفتح والكسر. الخامس عشر: قولها: (ثمَّ يَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ). قَالَ أهل اللغة: الزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر ويقال: زودته فتزود.

стр. 675

السادس عشر: فيه مشروعية اتخاذ الزاد ولا ينافي التوكل، فقد اتخذه سيد المتوكلين. السابع عشر: قولها: (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) الضمير في مثلها يعود إلى الليالي، وخديجة ذكر البخاري في المناقب قطعة من مناقبها، وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله الوصول إليه. وهي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، تزوجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي أم أولاده كلهم، خلا إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها حتَّى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين عَلَى الأصح، وقيل: بخمس وقيل: بأربع فأقامت معه أربعًا وعشرين سنة وأشهرًا، ثمَّ توفيت، وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام (١). وروى البخاري في مناقب خديجة عن عروة، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ بعد خديجة بثلاث سنين (٢)، وفيه أيضًا في باب: مناقب عائشة، عن عروة أنه ﷺ لبث بعد موت خديجة سنتين أو قريبًا منها فنكح عائشه (٣)، واسم أم خديجة: فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر بن لؤي، وخديجة أول من آمن من النساء باتفاق، بل

стр. 676

أول من آمن مطلقًا على قولٍ. وفي "الصحيح" من حديث علي مرفوعًا: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ" (١)، وفي البخاري في حديث عن جبريل أنه قَالَ للنبي ﷺ : "هذِه خَدِيجَةُ، فَإِذَا أتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ" (٢). ووقع في كتاب الزبير بن بكار، عن عبد الرحمن بن زيد قَالَ آدم ﵇: مما فضل الله به ابني عليَّ أن زوجه كانت عونًا لَهُ على تبليغ أمر الله، وأن زوجي كانت عونًا لي عَلَى المعصية (٣).

стр. 677

الثامن عشر: قولها: (حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ). أي: الأمر الحق وهو الوحي الكريم، (وللبخاري) (١) في التفسير، ولمسلم: (حتَّى فجئه الحق) (٢). أي: أتاه بغتة، يقول: فجئ يفجأ بكسر الجيم في الأول وفتحها في المضارع، وفَجَأ يفجَأ بالفتح فيهما، وقوله: (فجاءه الملك) يعني: جبريل. فائدة: روى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك عليه بحراء يوم الاثنين، لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسول الله ﷺ يومئذٍ ابن أربعين سنة (٣). التاسع عشر: قوله ﷺ : ("مَا أَنَا بِقَارِئٍ") ما هنا نافية، واسمها "أنا" وخبرها: "بِقَارِئٍ" والباء زائدة لتأكيد النفي أي: ما أُحْسِن القراءة، وقد جاء في رواية: "ما أُحْسِن أن أقرأ" وغلط من جعلها استفهامية لدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل عَلَى ما الاستفهامية، واحتج من (قَالَ) (٤) استفهامية بأنه جاء في رواية لابن إسحاق: "ما أقرأ؟ " (٥) أي: أيٌّ أقرأ؟ ولا دلالة فيه؛ (لجواز أن تكون ما) (٦) هنا نافية أيضًا. وقال السهيلي في "روضه": قوله: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" أي: أنا أميٌّ، فلا أقرأ الكتب، قالها ثلاثا، فقيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ أي: إنك لا تقرؤه بحولك ولا بصفة نفسك ولا بمعرفتك، ولكن

стр. 678

اقرأه مفتتحًا باسم ربك مستعينًا به، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم، ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان. فالآيتان المتقدمتان والأخريان لأمته وهما قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٤ - ٥] لأنها كانت أمة أمية لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن بالقلم، وتعلمه نبيهم تلقيًا (من) (١) جبريل نزله عَلَى قلبه (بإذن الله) (٢) ليكون من المرسلين (٣). العشرون: قوله: ("فَغَطَّنِي") هو بغين معجمة، ثمَّ طاء مهملة مشددة أي: عصرني وضمني، يقال: غطَّني، وغتَّني، وضَغَطَني، وعَصَرَني، وغَمَرَني، وخَنَقَني، كلُّه بمعنًى، قَالَ الخطابي: ومنه الغطُّ في الماء، وغطيط النائم، وهو: ترديد النفس إِذَا لم يجد مساغًا عند انضمام الشفتين (٤)، وقيل: الغت: حبس النفس مرة وإمساك (اليد أو الثوب) (٥) عَلَى الفم والأنف. والغط: الخنق وتغييب الرأس في الماء، (قَالَ) (٦): والغط في الحديث: الخنق. قَالَ (الخطابي) (٧): وفي غير هذِه الرواية "فسأبني" والسأب: الخنق.

стр. 679

وقال السهيلي: ويروى أيضًا "فسأتني" فهذِه ثلاث روايات، قَالَ: وأحسبه (يروى) (١) أيضًا: "فذعتني" وكلها بمعنى واحد وهو: الخنق، والغم، ومن الذعْت حديثه الآخر أن الشيطان عرض لَهُ وهو يصلي "فَذَعتّه حتَّى وجدت برد لسانه ثمَّ ذكرت قول (سليمان أخي) (٢): رب هب لي ملكًا .. " الحديث (٣)، قَالَ: وكان في ذَلِكَ إظهارًا للشدة والجد في الأمر، وأن ياخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة، فإنه أمر ليس بالهوينا. قَالَ: وعلى رواية ابن إسحاق أن هذا الغط كان في النوم (٤)، يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولًا ثمَّ يأتي الفرج والروح، وكذلك كان، لقي ﷺ هو وأصحابه شدة من الجوع في الشِّعب حين تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم (ولا يصلوا إليهم) (٥) وشدة أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل، وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليهم ثمَّ كانت العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين (٦). الحادي بعد العشرين: فيه المبالغة في التنبيه والحض عَلَى التعليم ثلاثًا، وقد كان ﷺ إِذَا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتفهم عنه (٧)، وانتزع بعض التابعين، وهو شريح القاضي من هذا الحديث ألا يضرب الصبي إلا ثلاثًا عَلَى القرآن، كما غطَّ جبريل محمدًا ﷺ ثلاثًا.

стр. 680

الثاني بعد العشرين: قوله: ("حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ") يجوز في الجهد ضم الجيم وفتحها ونصب الدال ورفعها، ومعناه: الغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه: بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه: بلغ الملك مني الجهد، قَالَ في "المحكم" (١): الجَهْدُ والجُهْدُ: الطاقة وقيل: الجَهد: المشقة، والجُهد: الطاقة، وفي "الموعب": الجهد: ما جهد الإنسان من مرض أو من مشاق، والجهد (أيضًا بلوغك) (٢) غاية الأمر الذي لا يألو عن الجهد فيه (وجهدته: بلغت مشقته وأجهدته) (٣) عَلَى أن يفعل كذا. وقال ابن دريد (٤): (جهدته) (٥) (حملته) (٦) عَلَى أن يبلغ مجهوده. وقال

стр. 681

ابن الأعرابي (١): جهد في العمل وأجهد. وقَالَ أبو عمرو: وأجهد في حاجتي وجهد، وقال الأصمعي (٢): جهدت لك نفسي، وأجهدت نفسي. الثالث بعد العشرين: الحكمة في الغط شَغْلُه عن الألتفات إلى شيء من أمور الدنيا، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله (له) (٣)، وقيل: أراد أن يوقفه عَلَى أن القراءة ليست من قدرته، ولو أكره، وكلما أمره بالقراءة فلم يفعل شدد عليه، فلما لم يكن عنده ما يقرأ كان ذَلِكَ (تنبيهًا لَهُ على أن القراءة ليست من قدرته ولا من طاقته ووسعه، فكان الغط) (٤) تنبيهًا لَهُ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، لئلا يلحقه ريب عند انقلابها حية، فكذلك (أراد جبريل) (٥) أن يعلمه أن ما ألقي إليه ليس في قدرته إذ قَدْ عجز بعد الثلاث، وهي حَد (للإعذار) (٦)، (وقد روى) (٧) ابن سعد

стр. 682

بسنده أنه ﷺ كان يقول: "كان الوحي يأتيني عَلَى نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقى الرجل عَلَى الرجل، فذاك ينفلت مني، ويأتيني في شيء مثل (صوت) (١) الجرس حتَّى يخالط قلبي، فذلك (الذي) (٢) لا ينفلت مني" (٣) وقيل: سببه أن التخيل (والوهم) (٤) والوسوسة إنما تقع بالنفوس لا بالجسم فوقع ذَلِكَ بجسمه؛ ليعلم أنه من الله تعالى. الرابع بعد العشرين: يؤخذ منه أنه ينبغي للمعلم والواعظ أن يحتاط في تنبيه المتعلم، وأمره بإحضار قلبه. الخامس بعد العشرين: قوله: ("فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١)﴾ ") هذا دليل الجمهور أنه أول ما نزل، وقول من قَالَ: إنما نزل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] بعد ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥]، عملًا بالرواية الآتية في الباب، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ محمول عَلَى أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، كما هو ظاهر إيراد الحديث. وأَبْعَدَ من قَالَ: إن أول ما نزل الفاتحة. بل هو شاذ (٥)، وجمع

стр. 683

بعضهم بين القولين الأولين بأن قَالَ: يمكن أن يقال: أول ما نزل من التنزيل في تنبيه الله عَلَى صفة خلقه: ﴿اقْرَأْ﴾، وأول ما نزل من الأمر بالإنذار: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. وذكر ابن العربي عن كريب قَالَ: وجدنا في كتاب ابن عباس: أول ما نزل من القرآن بمكة: اقرأ، والليل، ونون، ويا أيها المزمل، ويا أيها المدثر، وتبت، وإذا الشمس، والأعلى، والضحى، وألم نشرح، والعصر، والعاديات، والكوثر، والتكاثر، والدين، والكافرون، ثم الفلق، ثمَّ الناس، ثمَّ ذكر سورًا كثيرة، ونزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة، وسائرها بمكة، وكذلك يروى عن ابن الزبير. وقال السخاوي (١): ذهبت عائشة (والأكثرون) (٢) إلى أن أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثمَّ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ إلى قوله: ﴿ويبصرون﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، والضحى، ثم نزل باقي سورة اقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، و ﴿يَا أَيُّهَا المزمل﴾ (٣). السادس بعد العشرين: (قولها) (٤): (فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 684

يَرْجُفُ فُؤَادُهُ). الضمير في (بها) يعود إلى الآيات: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى آخرهن. ومعنى (يرجف): يخفق. والرَّجَفان: شدة التحرك والاضطراب. قَالَ صاحب "المحكم": رَجَفَ الشيءُ يَرْجُفُ رجفًا ورجُوفًا ورَجَفانًا ورَجِيفًا، وأَرْجَفَ: خَفَقَ واضْطَرَبَ اضْطِرا بًا شديدًا (١). السابع بعد العشرين: الفؤاد: القلب عَلَى المشهور، وفي قولِ: إنه عين القلب، وفي قولٍ: باطنه. وفي قول: غشاؤه. فهذِه أربعة أقوال فيه. وقال الليث: القلب مُضغةٌ من الفؤاد مُعَلَّقَةٌ بالنَّياط، سمي قلبًا لتقلبه، وأنشدوا: مَا سُمّيَ القَلْبُ إلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ … (فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويل) (٢) الثامن بعد العشرين: قوله ﷺ : ("زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي") هكذا هو في الروايات بالتكرار، والتزمل: الاشتمال والتلفف، و (مثله) (٣) التدثر، ويقال لكل ما يلقى عَلَى الثوب الذي يلي الجسد: دثار، وأصلهما المتدثر والمتزمل، أدغمت التاء فيما بعدها، وجاء في أثرِ أنهما من أسمائه ﷺ ، وقال ذَلِكَ ﷺ ؛ لشدة ما لحقه من هول الأمر، وشدة (الضغط) (٤)، ولولا ما جبل عليه ﷺ من الشجاعة والقوى ما استطاع عَلَى تلقي ذَلِكَ؛ لأن الأمر جليل. وللبخاري في التفسير من حديث جابر، ومسلم أيضًا: "دثروني وصبوا عليَّ ماءً باردًا فدثروني وصبوا عليَّ ماءً باردًا"، فنزلت:

стр. 685

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (١). التاسع بعد العشرين: ينعطف عَلَى ما مضى. قَالَ السهيلي: وفي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: دليل من الفقه (وجوب) (٢) استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنه أمر مبهم لم يبين لَهُ بأي اسم من أسمائه يستفتح حتَّى جاء البيان بعد (بقوله) (٣): ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] ثم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، ثمَّ بعد ذَلِكَ كان (ينزل جبريل) (٤) ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة عَلَى ذَلِكَ، وحين نزلت ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة: ١] سبحت الجبال، فقالت قريش: سحر محمد الجبال (٥)، ذكره النقاش (٦)، وإن

стр. 686

صح ما ذكره (فلذلك) (١) معنى وذلك أنها آية أنزلت على آل داود ﵇، وقد كانت الجبال تسبح معه بنص القرآن العظيم (٢). الثلاثون: ذكر ابن إسحاق في "السيرة" أن جبريل ﵇ أتاه بنمط (٣) من ديباج فيه كتاب (٤)، وهو دليل -كما قَالَ السهيلي-، وإشارة إلى أن هذا الكتاب به يفتح عَلَى أمته ملك الأعاجم ويسلبونهم الديباج والحرير الذي كان زينتهم (وزَّيهم) (٥) وبه يُنال أيضًا ملك الآخرة، إذ لباس أهل الجنة فيها الحرير والديباج. وفي (سير) (٦) موسى بن عقبة، و (سليمان) (٧) بن المعتمر (٨): وأتاه بدُرْنُوك (٩) من ديباج منسوج بالدر والياقوت فأجلسه عليه غير أن موسى بن عقبة قَالَ: ببساط. ولم يقل: بدُرْنُوك. وقال ابن المعتمر: فمسح جبريل ﵇ صدره وقال: اللهم اشرح صدره، وارفع ذكره، وضع عنه وزره. ويصححه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ الآيات، كأنه يشير إلى ذَلِكَ الدعاء الذي كان من جبريل (١٠).

стр. 687

فائدة: قَالَ بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]: إنه إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل حين قَالَ له: اقرأ. الحادي بعد الثلانين: قولها: (فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) (الروع) (١) هو بفتح الراء: وهو الفزع: قَالَ صاحب "المحكم": الرَّوْعُ والرُّوَاعُ والتَّرَوُّعُ: الفَزَعُ. (٢) وقال الهروي: هو بالضم: موضع الفزع من القلب. (٣) الثاني بعد الثلاثين: كونه لم يخبر بشيء حتَّى ذهب عنه الروع، يؤخذ منه أن الفازع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتَّى يزول عنه فزعه، حتَّى قَالَ مالك: إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره (٤). الثالث بعد الثلاثين: قوله ﷺ : ("لَقَدْ خَشِيتُ على نَفْسِي") ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله تعالى، كما قَالَ القاضي، لكنه خشي (أن) (٥) لا يقوى عَلَى مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل أعباء الوحي، فتزهق نفسه وينخلع قلبه؛ لشدة ما لقيه أولًا عند لقاء الملك (أو يكون هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك) (٦)، وتحققه رسالة ربه، فيكون خاف أن يكون من الشيطان،

стр. 688

فأما بعد أن جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز الشك عليه ولا يخشى تسلط الشيطان عليه. وعلى هذا الطريق يحمل كل ما ورد من مثل هذا في حديث المبعث (١)، وضعف النووي هذا الاحتمال؛ لأنه جاء في الحديث مبينًا أنه كان بعد غط الملك وإتيانه بـ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٢). (قَالَ) (٣): ويحتمل أن يكون معنى الخشية: الإخبار بما حصل لَهُ أولًا من الخوف لا أنه في الحال خائف، وجزم بما ضعفه النووي ابن الجوزي (٤) في "كشف مشكل الصحيحين" فقال: كان ﷺ يخاف في (بداءة) (٥) الأمر أن يكون ما يراه من قبل الشيطان؛ لأن الباطل قَدْ

стр. 689

يلتبس بالحق وما زال يستقريء الدلائل، (ويسبر) (١) الآيات إلى أن وضح لَهُ الصواب، وكما يجب عَلَى أحدنا أن يسبر صدق الرسول إليه وينظر في دلائل صدقه من المعجزات، فكذلك الرسل يجب عليها أن تسبر حال المرسل إليها هل هو ملك أو شيطان؟ فاجتهادها في تمييز الحق من الباطل أعظم من اجتهادنا، ولذلك عَلَت منازل الأنبياء لعِظَمِ ما ابتُلوا به من ذَلِكَ. قَالَ: وكان نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قَدْ نفر في بدايته من جبريل. ونسب الحال إلى الأمر المخوف، وقال لخديجة: "قَدْ خشيت عَلَى نفسي" إلى أن بان لى أن الأمر حق، ثمَّ استظهر بزيادة الأدلة حتَّى بان لَهُ اليقين، ثمَّ ساق بإسناده من حديث حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر قَالَ: كان النبي ﷺ بالحجون فقال: "اللَّهُمَّ أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها من قريش" فقيل له: ادع هذِه الشجرة فدعاها، فأقبلت عَلَى عروقها فقطعتها، ثمَّ أقبلت تخد الأرض حتَّى وقفت بين يديه ﷺ ثمَّ قالت: ما تشاء؟ ما تريد؟ قَالَ: "ارجعي إلى مكانك" فرجعت إلى مكانها، فقَالَ: "والله ما أبالي من كذبني من قريش" (٢).

стр. 690

وقيل: إن الخشية كانت من قومه أن يقتلوه. حكاه السهيلي، ولا غرو أنه بشر يخشى من القتل والأذى، ثمَّ يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة (١)، وقيل: إنها كانت (خوف) (٢) أن لا ينهض بأعباء النبوة ويضعف عنها، ثم أذهب الله خشيته ورزقه الأيد والقوة والثبات، حكاه السهيلي أيضًا، وقال قبل ذَلِكَ: تكلم العلماء في معنى هذِه الخشية بأقوال كثيرة، منها ما ذهب إليه أبو بكر الإسماعيلي أنها كانت منه قبل أن يحصل لَهُ العلم الضروري بأن (الذي) (٣) جاءه ملك من عند الله تعالى، وكان أشق شيء عليه أن يقال عنه شيء أو أنه خشي عَلَى الناس، -يعني: من وقوعهم فيه- ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في مبدأ الأمر؛ لأن العلم الضروري لا يحصل دفعة واحدة، وضرب مثلًا بالبيت من الشعر تسمع أوله ولا تدرى (أنثر هو أم نظم؟) (٤) فإذا استمر الإنشاد عَلِمْتَ قطعًا (أنه قُصِدَ به) (٥) قَصْدُ الشعر، فكذلك لما استمر الوحي واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي حصل العلم القطعي، وقد أثنى الله عليه بهذا العلم، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فإيمانه ﷺ بالله

стр. 691

وملائكته إيمان كسبي، موعود عليه بالثواب الجزيل كما وعد عَلَى سائر أفعاله المكتسبة، كانت من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح (١). [وقال سيدي أبو عبد الله بن أبي جمرة: يحتمل أن تكون خشيته من الوعك الذي أصابه من قبل الملك (٢). والأظهر أنها من الكهانة لكثرتها في زمنه، ثمَّ ظهر لَهُ الحق بعد ذَلِكَ وأمر بالإنذار (٣)، وفي "السيرة" من حديث عمرو بن شرحبيل أنه ﷺ قَالَ لخديجة: "إني إِذَا خلوت وحدي

стр. 692

سمعت نداءً، وقد خشيت والله أن يكون هذا أمرًا" فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل ذَلِكَ، إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث (١)] (٢). الرابع بعد الثلاثين (٣): قولها: (فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا والله .. ) إلى آخره، معنى كلا (هنا) (٤): النفي والإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تكون بمعنى: حقَّا، وبمعنى: ألا، التي للتنبيه، يستفتح بها الكلام، وقد جاءت في القرآن عَلَى أقسام، جمعها ابن الأنباري في باب من كتاب "الوقف والابتداء" له. الخامس بعد الثلاثين: قولها: (والله مَا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا). هو بضم الياء وبالخاء المعجمة، وكذا رواه مسلم في "صحيحه" من رواية يونس وعقيل، عن الزهري (٥)، وهو من الخزي، وهو الفضيحة والهوان، وأصل الخزي عَلَى ما ذكره ابن سيده: الوقوع في بلية وشهرة تذله (٦). وأخزى الله فلانًا: أبعده، (قاله) (٧) في "الجامع". ورواه مسلم من رواية معمر عن الزهري: يحزنك (٨)، بالحاء المهملة وبالنون من الحزن، ويجوز عَلَى هذا فتح الياء وضمها.

стр. 693

يقال: حزنه وأحزنه لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع. قَالَ اليزيدي (١): أحزنه لغة تميم، وحزنه لغة قريش، قَالَ تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] من حزن، وقال: ﴿لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] من أحزن عَلَى قراءة من قرأ بضم الياء وهو الحزن (٢)، والحزن وهو خلاف السرور يقال: حزن -بالكسر- يحزن حزنا إِذَا اغتم وحزنه غيره وأحزنه، مثل شكله وأشكله، وحكي عن أبي عمرو أنه قَالَ: إِذَا جاء الحزن في موضع نصب فتحت الحاء، وإذا جاء في موضع رفع وجر ضممت، وقرأ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]، وقال: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢]. قال الخطابي: وأكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما عَلَى اختلافهما يتقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون عَلَى أمر قَدْ وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع ولا يكون بعد (٣)، وقولها: (أبدًا). هو منصوب عَلَى الظرف.

стр. 694

السادس بعد الثلانين: قولها: (إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ) هو بكسر الهمزة من: إنك عَلَى الابتداء، وكذا الرواية وهو الصواب، قَالَ القزاز: يقال: وصل رحمه صلة، وأصله: وصلة، فحذف الواو، وكما قالوا: زنة من وزن، كذا أصل صلة من وصل، ومعنى: (لتصل الرحم): تحسن إلى قراباتك، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان كيفية صلة الرحم في بابها وبيان اختلاف طرقها. السابع بعد الثلاثين: قولها: (وَتَحْمِلُ الكَلَّ) هو بفتح الكاف وأصله الثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦] وأصله من الكلال وهو الإعياء ويدخل في حمل الكل الإنفاق عَلَى الضعيف واليتيم والعيال وغير ذَلِكَ، والمعنى: إنك تنفق عَلَى هؤلاء وتعينهم، وقال الداودي: الكَلُّ: المنقطع. الثامن بعد الثلاثين: قولها: (وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ) هو بفتح التاء المثناة فوق عَلَى الصحيح المشهور في الرواية والمعروف في اللغة، وروي بضمها، وفي معنى المضموم قولان: أصحهما: معناه: تكسب غيرك المال المعدوم. أي: تعطيه له تبرعًا. ثانيهما: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال: أكسبت مالًا وأكسبتُ غيري مالًا، وفي معنى المفتوح قولان أصحهما: أن معناه كمعنى المضموم يقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالا، والأول أفصح وأشهر، ومنع القزاز الباقي وقال: إنه حرف نادر وأنشد عَلَى الثاني: وأكسبني مالًا وأكسبته حمدًا (١)

стр. 695

وقول الآخر: يُعاتِبُني في الدَّيْنِ قَوْمي وإِنما … دُيونيَ في أَشياءَ تَكْسِبُهم حَمْدا روي بفتح التاء وضمها (١)، والثاني: أن معناه تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ثمَّ تجود به وتنفقه في وجوه المكارم، وكانت العرب تتمادح بذلك وعرفت قريش بالتجارة، وضعف هذا بانه لا معنى لوصف التجارة بالمال في هذا الموطن إلا أن يريد أنه يبذله بعد تحصيله، وأصل الكسب طلب الرزق، يقال: كسب يكسب كسبًا وتكسب واكتسب. وقال سيبويه (٢) فيما حكاه ابن سيده: (كسب) (٣): أصاب، و (اكتسب) (٤): تصرف واجتهد (٥).

стр. 696

وقال صاحب "المجمل": يقال: كسبت الرجل مالًا فكسبه، وهذا مما جاء عَلَى فعلته ففعل (١). التاسع بعد الثلاثين: (الْمَعْدُومَ) كما قاله صاحب "التحرير": عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، وسماه معدومًا لكونه كالميت؛ حيث لم يتصرف في المعيشة، وذكر الخطابي أن صوابه (المعدم) بحذف الواو، أي: تعطي العائل وتَرْفُده؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال (٢)، وفيه نظر لا جرم. قَالَ النووي: ليس كما قَالَ الخطابي بل ما رواه الرواة صواب (٣). الأربعون: قولها: (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) هو بفتح الياء تقول: قريت الضيف أقريه، قرى بكسر القاف والقصر، وقراء بفتح القاف والمد، ويقال للطعام الذي (يضيف) (٤) به: قرى بالكسر والقصر، وفاعله قارٍ كقضى فهو قاض، وقال ابن سيده: قَرى الضيف قِرى، وقراء: أضافه، واستقراني واقتراني (وأقراني) (٥) طلب مني القِرى، وإنه لقري للضيف، والأنثى قَرِيّة عن اللحياني، وكذلك إنه لمقرًى للضيف، ومِقراء، والأنثى مقراة، الأخيرة عن اللحياني (٦). وفي "أمالي الهجري": ما اقتريت الليلة يعني: لم آكل من القرى شيئًا، أي: لم آكل طعامًا. الحادي بعد الأربعين: قولها: (وَتُعِينُ على نَوَائِبِ الحَقِّ) أي: تعين بما تقدر عَلَى من أصابته نوائب حق أعنته فيها، والنوائب جمع نائبة: وهي الحادثة والنازلة، ناب الأمر نوبة: نزل، وهي النوائب والنوب،

стр. 697

وإنما قالت: نوائب الحق؛ لأنها تكون في الحق والباطل، قَالَ لبيد ﷺ : فلا الخير ممدود ولا الشر لازب … نوائب من خير وشر كلاهما الثاني بعد الأربعين: معنى كلام خديجة ﵂: إنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من مكارم الأخلاق، وجميل الصفات، ومحاسن الشمائل. وذكرت ضروبًا من ذَلِكَ، وفي هذا أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء والمكاره، فمن كَثُرَ خيره حسنت عاقبته، ورجي لَهُ سلامة الدين والدنيا، وفيه مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، وشرطه في غير الأنبياء انتفاء الفتنة أيضًا. الثالث بعد الأربعين: ذكر البخاري في كتاب التفسير من "صحيحه" خصلة أخرى، وهي: وتَصْدُقُ الحديث (١) وذكرها مسلم هنا (٢)، وهي من أشرف خصاله وكان يُدْعى بها من صغره، وفي "السيرة" زيادة: (إنك لتؤدي الأمانة) ذكرها من حديث عمر بن شرحبيل (٣)، وقد سلفت. الرابع بعد الأربعين: فيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت لَهُ مخافة من أمر وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له، وأنّ من نزلت به نازلة لَهُ أن يشارك فيها من يثق بنُصْحِهِ ورأيه. الخامس بعد الأربعين: فيه أيضًا أبلغ دليل وأظهر حجة عَلَى كمال خديجة، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وعظيم فقهها. السادس بعد الأربعين: قولها: (فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ

стр. 698

وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزى ابن عَمِّ خَدِيجَةَ)، إنما كان ابن عمها: لأنها خديجة بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد، فـ (ابن عم) تابع لورقة لا لعبد العزى، فينصب ابن، ويكتب بالألف لأنه بدل من ورقة. ولا يجوز جر ابن، ولا كتابته بغير ألف؛ لأنه يصير صفة لعبد العزى، فيكون عبد العزى ابن عمها وهو باطل، كما نبه عليه النووي ﵀، ومثله عبد الله بن مالك ابن بحينة، ومحمد بن علي ابن الحنفية، والمقداد بن عمرو ابن الأسود، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وإسحاق بن إبراهيم (ابن راهويه) (١)، وعبد الله بن يزيد ابن ماجه؛ لأن بحينة أم عبد الله، وكذلك الحنفية، والأسود ليس بجده، وراهويه لقب إبراهيم، وعُلية أم إسماعيل، وماجه لقب يزيد، فكل ذَلِكَ يكتب بالألف ونعربه بإعراب الأول، ومثل ذَلِكَ عبد الله بن أُبي ابن سلول ينون اُبي ويكتب ابن سلول بالألف ويعرب إعراب عبد الله؛ لأن سلول أم عبد الله، هذا هو الصحيح، وفيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، ومقصودهم في كل هذِه الأسماء تعريف الشخص بوصفه جميعًا ليكمل تعريفه، فقد يكون الإنسان معروفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فإذا جمعا تم تعريفه لكل أحد. السابع بعد الأربعين: اسم أم ورقة هند بنت أبي كبير بن عدي بن قصي ولا عقب له، وروينا في "مستدرك الحاكم" من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قَالَ: "لا تسبوا ورقة فإنه كان لَهُ جنة أو (جنتان) (٢) "

стр. 699

ثمَّ قَالَ: هذا حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين (١). وفي كتاب الزبير من حديث عبد الله بن معاذ، عن الزهري، عن عروة قَالَ: سُئِلَ النبي ﷺ عن ورقة بن نوفل، كما بلغنا قَالَ: "لقد رأيته في المنام عليه ثياب بيض، فقد أظن أنه لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض". ورواه الترمذي في كتاب الرؤيا من "جامعه" من حديث عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن ورقة فقالت لَهُ خديجة: إنه كان صدقك ولكنه مات قبل أن تظهر، فقال النبي ﷺ : "رأيته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو

стр. 700

كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذَلِكَ" ثمَّ قَالَ: حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي (١). وقال السهيلي: في إسناده ضعف، لأنه يدور عَلَى عثمان هذا، ولكن يقويه قوله ﷺ : "رأيت القس -يعني: ورقة وعليه ثياب حرير؛ لأنه أول من آمن بي وصدقني" (٢) ذكره ابن إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (٣). وقال المرزباني (٤): كان ورقة من علماء قريش وشعرائهم، وكان يدعى القس، وقال النبي ﷺ : "رأيته وعليه حلة خضراء يرفل في الجنة"، وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية ويسبحه، فمن ذَلِكَ قوله:

стр. 701

لقد نصحت لأقوامٍ وقلت لهم … أنا النذير فلا يغرركم أحد لا تعبدن إلهًا غير خالقكم … فإن دعوكم فقولوا بيننا جدد سبحان ذي العرش سبحانًا يعود له … وقبله سبح الجودي والجمد مسخر كل ما تحت السماء له … لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله وبودى المال والولد لم يغن عن هرمز يومًا خزائنه … والخلد قَدْ حاولت عادٌ فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له … والإنس والجن فيما بينها برد أين الملوك التي كانت لعزتها … من كل أوبٍ إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب … لابد من ورده يومًا كما وردوا نسبه أبو الفرج إلى ورقة، وفيه أجات تنسب إلى أمية بن أي الصلت، ومن قوله أيضًا فيما خبرت به خديجة عن النبي ﷺ : يا للرجال لصرف الدهر والقدر … وما لشيء قضاه الله من غِيَرِ حتَّى خديجة تدعوني لأخبرها … أمرًا أراه سيأتي الناس من أُخر فخبرتني بأمر قَدْ سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعُصُر بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل: إنك مبعوث إلى البشر فقلت: عَلَّ الذي ترجين ينجزه … لك الإله فرجِّي الخير وانتظري وأرسلته إلينا كي نسائله … عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقًا عجبًا … يَقِفُّ منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني … في صورة أكملت من أهيب الصور ثمَّ استمر فكان الخوف يذعرني … مما يُسلم ما حولي من الشجر فقلت ظني وما أدري أيصدقني … أن سوف تبعث تتلو منزل السور وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا مُرٍّ ولا كدر ذكره بطوله الحاكم في "مستدركه"، ذكره عقيب حديث ابن عباس

стр. 702

السالف، وقال: والغرض فيه ما حدثنيه ثمَّ ساقه بإسناده (١). وقال ابن منده (٢): اختلف في إسلامه (٣)، وظاهر الحديث يدل عَلَى إسلامه من قوله: (يا ليتني كنت فيها جذعًا). وما بعده، وذكر ابن إسحاق أنه ﷺ لما أخبره قَالَ له ورقة: إنك والذي نفسي بيده لنبي هذِه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، وذكر الحديث، قَالَ: ثمَّ أدنى رأسه منه فقبل يافوخه (٤). الثامن بعد الأربعين: قولها: (وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ). أي: صار نصرانيًا وترك عبادة الأوثان وفارق طرائق الجاهلية، والجاهلية: ما قبل نبوة نبينا محمد ﷺ ، سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش الجهالات. التاسع بعد الأربعين: قولها: (وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ) هكذا وقع هنا العبراني والعبرانية، ووقع في موضع آخر من "صحيح مسلم": العربي، فيكتب بالعربية من

стр. 703

الإنجيل (١)، وفي كتاب التعبير والتفسير من البخاري: يكتب الكتاب العبراني، فيكتب (بالعربية) (٢) من الإنجيل. وكله صحيح، أي: كان يكتب من الإنجيل ما شابهها لتمكنه من معرفة دينهم وكتابتهم، وقال الداودي: يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي، فنسبه إلى العبرانية إذ بها كان يتكلم عيسى ﵇. وقولها: (وَكَانَ قَدْ عَمِيَ) فيه جواز ذكر العاهة التي بالشخص ولا يكون ذَلِكَ غيبة. الخمسون: قولها: (يَا ابن عَمِّ) كذا وقع هنا، ووقع في مسلم: (يا عم) (٣) والأول صحيح؛ لأنه ابن عمها كما سلف، والثاني صحيح أيضًا سمته عمها مجازًا للاحترام وهذِه عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بيا عم احترامًا له ورفعًا لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: يا ابن عم، فعلى هذا يكون تكلمت باللفظين (٤). الحادي بعد الخمسين: قوله: (هذا النَّامُوسُ الذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى) كذا هو في الصحيحين، وغيرهما، وجاء في غير الصحيح: (نزل الله عَلَى عيسى) (٥). وكلاهما صحيح. أما عيسى فلقرب زمنه،

стр. 704

وأما موسى فأبدى لَهُ السهيلي معنًى آخر وهو أن ورقة قد تنصر والنصارى لا يقولون في عيسى: إنه نبيٌّ يأتيه جبريل، وإنما يقولون: إن أقنومًا من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح عَلَى اختلافٍ بينهم في ذَلِكَ الحلول، وهو أقنوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارة عن العلم، فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب ويخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب، فلما كان هذا مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه، ولاعتقاده أن جبريل كان ينزل عَلَى موسى، قَالَ: لكن ورقة قَدْ ثبت إيمانه بمحمد ﷺ ثمَّ ساق حديث الترمذي السالف (١). الثاني بعد الخمسين: (النَّامُوسُ) بالنون والسين المهملة وهو

стр. 705

صاحب السر كما ذكره البخاري في أحاديث الأنبياء (١)، قَالَ صاحب "المحكم" و"المجمل" وأبو عبيد (٢) في "غريبه": ناموس الرجل: صاحب سره (٣)، وقال ابن سيده: الناموس: السر (٤). وقال صاحب "الغريبين" (٥): هو صاحب سر الملك. وقيل: إن الناموس والجاسوس بمعنى واحد حكاه القزاز في "جامعه" وصاحب "الواعى"، وقال الخشني في "شرح السيرة": أصل الناموس: صاحب سر الرجل في خيره وشره، وقال ابن الأنباري في "زاهره": الجاسوس: الباحث عن أمور الناس وهو بمعنى تحسس سواء. وقَالَ بعض أهل اللغة: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس، وبالحاء المهملة الاستماع لحديث القوم، وقيل: هما سواء، قَالَ
следующие страницы →