← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لقد نصحت لأقوامٍ وقلت لهم … أنا النذير فلا يغرركم أحد لا تعبدن إلهًا غير خالقكم … فإن دعوكم فقولوا بيننا جدد سبحان ذي العرش سبحانًا يعود له … وقبله سبح الجودي والجمد مسخر كل ما تحت السماء له … لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله وبودى المال والولد لم يغن عن هرمز يومًا خزائنه … والخلد قَدْ حاولت عادٌ فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له … والإنس والجن فيما بينها برد أين الملوك التي كانت لعزتها … من كل أوبٍ إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب … لابد من ورده يومًا كما وردوا نسبه أبو الفرج إلى ورقة، وفيه أجات تنسب إلى أمية بن أي الصلت، ومن قوله أيضًا فيما خبرت به خديجة عن النبي ﷺ : يا للرجال لصرف الدهر والقدر … وما لشيء قضاه الله من غِيَرِ حتَّى خديجة تدعوني لأخبرها … أمرًا أراه سيأتي الناس من أُخر فخبرتني بأمر قَدْ سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعُصُر بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل: إنك مبعوث إلى البشر فقلت: عَلَّ الذي ترجين ينجزه … لك الإله فرجِّي الخير وانتظري وأرسلته إلينا كي نسائله … عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقًا عجبًا … يَقِفُّ منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني … في صورة أكملت من أهيب الصور ثمَّ استمر فكان الخوف يذعرني … مما يُسلم ما حولي من الشجر فقلت ظني وما أدري أيصدقني … أن سوف تبعث تتلو منزل السور وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا مُرٍّ ولا كدر ذكره بطوله الحاكم في "مستدركه"، ذكره عقيب حديث ابن عباس

стр. 702

السالف، وقال: والغرض فيه ما حدثنيه ثمَّ ساقه بإسناده (١). وقال ابن منده (٢): اختلف في إسلامه (٣)، وظاهر الحديث يدل عَلَى إسلامه من قوله: (يا ليتني كنت فيها جذعًا). وما بعده، وذكر ابن إسحاق أنه ﷺ لما أخبره قَالَ له ورقة: إنك والذي نفسي بيده لنبي هذِه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، وذكر الحديث، قَالَ: ثمَّ أدنى رأسه منه فقبل يافوخه (٤). الثامن بعد الأربعين: قولها: (وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ). أي: صار نصرانيًا وترك عبادة الأوثان وفارق طرائق الجاهلية، والجاهلية: ما قبل نبوة نبينا محمد ﷺ ، سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش الجهالات. التاسع بعد الأربعين: قولها: (وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ) هكذا وقع هنا العبراني والعبرانية، ووقع في موضع آخر من "صحيح مسلم": العربي، فيكتب بالعربية من

стр. 703

الإنجيل (١)، وفي كتاب التعبير والتفسير من البخاري: يكتب الكتاب العبراني، فيكتب (بالعربية) (٢) من الإنجيل. وكله صحيح، أي: كان يكتب من الإنجيل ما شابهها لتمكنه من معرفة دينهم وكتابتهم، وقال الداودي: يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي، فنسبه إلى العبرانية إذ بها كان يتكلم عيسى ﵇. وقولها: (وَكَانَ قَدْ عَمِيَ) فيه جواز ذكر العاهة التي بالشخص ولا يكون ذَلِكَ غيبة. الخمسون: قولها: (يَا ابن عَمِّ) كذا وقع هنا، ووقع في مسلم: (يا عم) (٣) والأول صحيح؛ لأنه ابن عمها كما سلف، والثاني صحيح أيضًا سمته عمها مجازًا للاحترام وهذِه عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بيا عم احترامًا له ورفعًا لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: يا ابن عم، فعلى هذا يكون تكلمت باللفظين (٤). الحادي بعد الخمسين: قوله: (هذا النَّامُوسُ الذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى) كذا هو في الصحيحين، وغيرهما، وجاء في غير الصحيح: (نزل الله عَلَى عيسى) (٥). وكلاهما صحيح. أما عيسى فلقرب زمنه،

стр. 704

وأما موسى فأبدى لَهُ السهيلي معنًى آخر وهو أن ورقة قد تنصر والنصارى لا يقولون في عيسى: إنه نبيٌّ يأتيه جبريل، وإنما يقولون: إن أقنومًا من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح عَلَى اختلافٍ بينهم في ذَلِكَ الحلول، وهو أقنوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارة عن العلم، فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب ويخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب، فلما كان هذا مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه، ولاعتقاده أن جبريل كان ينزل عَلَى موسى، قَالَ: لكن ورقة قَدْ ثبت إيمانه بمحمد ﷺ ثمَّ ساق حديث الترمذي السالف (١). الثاني بعد الخمسين: (النَّامُوسُ) بالنون والسين المهملة وهو

стр. 705

صاحب السر كما ذكره البخاري في أحاديث الأنبياء (١)، قَالَ صاحب "المحكم" و"المجمل" وأبو عبيد (٢) في "غريبه": ناموس الرجل: صاحب سره (٣)، وقال ابن سيده: الناموس: السر (٤). وقال صاحب "الغريبين" (٥): هو صاحب سر الملك. وقيل: إن الناموس والجاسوس بمعنى واحد حكاه القزاز في "جامعه" وصاحب "الواعى"، وقال الخشني في "شرح السيرة": أصل الناموس: صاحب سر الرجل في خيره وشره، وقال ابن الأنباري في "زاهره": الجاسوس: الباحث عن أمور الناس وهو بمعنى تحسس سواء. وقَالَ بعض أهل اللغة: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس، وبالحاء المهملة الاستماع لحديث القوم، وقيل: هما سواء، قَالَ

стр. 706

ابن ظفر (١)، في "شرح المقامات": صاحب سر الخير: ناموس، وصاحب سر الشر: جاسوس، وقد سوى بينهما رؤبة وهو الصحيح. ونقل النووي في "شرحه" عن أهل اللغة والغريب الفرق بينهما وأن الناموس في اللغة صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، قَالَ: ويقال: نمست السر -بفتح النون والميم- أنمسه -بكسر الميم- نمسًا أي (كتمته) (٢)، ونمست الرجل ونامسته أي: ساررته، واتفقوا على أن جبريل يسمى الناموس وعلى أنه المراد في هذا الحديث، قَالَ الهروي: سُمِّي بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحي الذي لا يطلع عليه غيره (٣). قَالَ ابن الأعرابي فيما حكاه القاضي: لم يأت في الكلام فاعول لام الكلمة فيه سين إلا الناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس للشر، والجاروس: الكثير الأكل، والفاعوس: الحية، والبابوس: الصبي الرضيع، والداموس: القبر، والقاموس: وسط البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والعاطوس: دابة يتشاءم بها، والفانوس: النمام، والجاموس: ضرب من البقر، وقيل: أعجمي تكلمت به العرب،

стр. 707

وقيل: الحاسوس بالحاء غير المعجمة (من تجسس بالجيم) (١)، وفي "صحيح مسلم": إن كلماتك بلغن ناعوس البحر (٢). الثالث بعد الخمسين: قوله: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا)، الضمير فيها يعود إلى أيام النبوة ومدتها، قَالَ ابن مالك (٣): وأكثر الناس تظن أن يا التي تليها [ليت] (٤) حرف نداء. والمنادى (حُذف فتقديره) (٥) يا محمد، ليتني كنت فيها حيًّا، وهذا الرأي عندي ضعيف؛ لأن القائل: يا ليتني قَدْ يكون وحده ولا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف (٦)، ولأنه لم يقع ملفوظًا به حتَّى يؤنس بالتقدير. الرابع بعد الخمسين: قوله: (جَذَعًا). يعني: شابًّا قويًّا حتَّى أبالغ في نصرتك ويكون لي كفاية تامة لذلك، والجذع في الأصل للدواب، وهو هنا استعارة، قَالَ ابن سيده: قيل: الجذع الداخل في السنة الثانية، ومن الإبل: فوق الحِقّ، وقيل: الجذع من الإبل لأربع

стр. 708

سنين، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لسنة والجمع جُذعان وجِذعان وجِذاع (١). قَالَ الأزهري (٢) في "تهذيبه": والدهر يسمى جذعًا؛ لأنه جديد الدهر (٣). وقيل معناه: يا ليتني أدرك أمرك، فأكون أول من يقوم بنصرك، كالجذع الذي هو أول الأسنان، قَالَ صاحب "المطالع": والقول الأول أبين. الخامس بعد الخمسين: قوله: (جَذَعًا). هكذا الرواية المشهورة هنا، وفي "صحيح مسلم" بالنصب (٤)، ووقع للأصيلي، هنا ولابن ماهان (٥) في "صحيح مسلم": (جذع)، بالرفع، فعلى الرفع لا إشكال، وفي النصب اختلفوا في وجهه على ثلاثة أوجه:

стр. 709

أحدها: نصبه عَلَى أنه خبر (كان) المقدرة، تقديره: ليتني أكون جذعًا، قاله الخطابي (١) والمازري وابن الجوزي في "مشكله"، وهي تجيء عَلَى مذهب الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن ﴿خَيْرًا﴾ في الآية منصوب بفعل مضمر يدل عليه ﴿انْتَهَوْا﴾ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراء: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم. وضعف هذا الوجه بأنَّ كان الناصبة لا تضمر إلا إِذَا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرًا فخير. ثانيها: أنه منصوب عَلَى الحال وخبر ليت قوله: فيها، والتقدير: ليتني كائن فيها. أي: مدة الحياة في هذا الحال شبيبة وصحة وقوة لنصرتك، إذ (قَدْ كان) (٢) أسن وعمي عند هذا القول، ورجح هذا القاضي عياض، وقال: إنه الظاهر (٣)، وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون (٤). ثالثها: أن تكون ليت عملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قَالَ الكوفيون وأنشدوا: يا لَيْتَ أَيامَ الصِّبا رَواجِعَا السادس بعد الخمسين: قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ). استعمل فيه إذ في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح كما نبه عليه ابن مالك، وقال: غفل عنه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر: ١٨]

стр. 710

وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١] قَالَ: وقد استعمل كل منهما في موضع يعني: إذ وإذا، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١]، و ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٩٢]. السابع بعد الخمسين: قوله ﷺ : ("أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ") هو بفتح الواو وتشديد الياء آخره وهو جمع مخرج، ويجوز تخفيف الياء عَلَى وجه، والصحيح التشديد، وبه جاءت الرواية، ويجوز في الياء المشددة الفتح والكسر وهو نحو قوله تعالى: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقرئ بهما في السبعة (٢) فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم وفتحت للتخفيف لئلا تجتمع الكسرة وياءان بعد كسرتين، وقال ابن مالك: الأصل فيه: أومخرجوني هم (٣)، سقطت نون الجمع بالإضافة، واجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء وأدغمت، ثمَّ أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة تكميلًا للتخفيف، وفتحت الياء في "مُخْرِجِيَّ" للتخفيف (٤). لئلا تجتمع الأمثال الكثيرة وياءان بعد كسرتين، وقال السهيلي: لابد من تشديد الياء في: "مُخْرِجِيَّ" لأنه جمع (٥).

стр. 711

ثمَّ ها هنا أمران: أحدهما: وهو الثامن بعد الخمسين: الأصل تقديم حرف العطف عَلَى الهمزة كغيرها من أدوات الاستفهام، كما نبه عليه ابن مالك نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ)﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذا المثل، وهي معطوفة عَلَى ما قبلها من الجمل ومثله: فأتطمعون لأن همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام فيقال: (وأمخرجي) (١) والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف، لكن خصت الهمزة بتقدمها عَلَى حرف العطف؛ تنبيهًا عَلَى أنها أصل أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام لَهُ صدر الكلام، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠]، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]. وقال الزمخشري (٢): بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة ومعطوف عليها بالعاطف ما بعده تقديره: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا؟ وكذلك يقدر بقية المثل ما يحسن فيها، وفيه من التكلف ومخالفة الأصول ما لا يخفى كما نبه عليه ابن مالك (٣).

стр. 712

الثاني: وهو التاسع بعد الخمسين: ("مُخْرِجِيَّ") خبر مقدم و"هم" مبتدأ ولا يجوز العكس كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن "مُخْرِجِيَّ" نكرة فإن إضافته غير محضة، وهو اسم فاعل بمعنى الاستقبال فيؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة من غير مصحح (١). ويجوز أن يكون "هم" فاعلًا سد مسد الخبر، و"مُخْرِجِيّ" مبتدأ عَلَى لغة: أكلوني البراغيث. ولو روي "مُخْرِجِيَّ" بسكون الياء أو فتحها مخففة عَلَى أنه مفرد. وقد سلف جوازه؛ لصحَّ جعله مبتدَأ ومَا بعدهَ فاعلًا سد مسد الخبر كما تقول: أومخرجي بنو فلان؟ لاعتماده عَلَى حرف الاستفهام كقوله ﷺ : "أحيٌّ والداك؟ " (٢) والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر، ومنه قول الشاعر: أمنجز أنتم وعدًا وثِقْتُ به … أم اقْتَفَيْتُم جميعًا نهج عُرْقُوب (٣) وجزم السهيلي بأنه خبر مبتدأ مقدم، قَالَ: ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا لجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأ (٤). الستون: إنما قَالً: "أو مُخْرِجِيَّ هم؟ ")؛ لأنها حرم الله، وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه، فأتى بهمزة الاستفهام على وجه الإنكار والتفجع لذلك والتألم، وقد ذكر ابن إسحاق في "السيرة" عن ورقة أنه قَالَ بعد قوله: ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء

стр. 713

موسى: وليكذبنه وليؤذينه وليخرجنه (١). لما قال: ليكذبنه وليؤذينه، ولم يقل شيئًا فلما قَالَ (الثالثة) (٢) قَالَ ذَلِكَ، فاستبعد ﷺ إخراجه من غير سبب فإنه لم يكن منه فيما مضى ولا فيما يأتي سبب يقتضي ذَلِكَ، بل كان منه أنواع المحاسن والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله ما هو لائق بمحله -أنفسنا لَهُ الفداء- لكن العادة أن كلما أتي للنفوس بغير ما تحب وتألف وإن كان ممن تحب وتعتقد تعافه وتطرده، وقد قَالَ تعالى حكاية عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. الحادي بعد الستين: قوله: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) يعني: أن أهل الحق لا يخلو من أهل باطل يعادونه، وذكره في التفسير بلفظ: أوذي (٣)، من الأذى، وقوله: (وإن يدركني يومك) أي: وقت (إخراجك) (٤) أو وقت انتشار نبوتك (أنصرك نصرًا مؤزرًا) هو بضم الميم ثمَّ بهمزة مفتوحة ثمَّ زاي مفتوحة، أي: قويًّا بالغًا من الأزر وهو: القوة والعون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: قوَّاه، وفي "المحكم": آزره ووازره: أعانه عَلَى الأمر، الأخير عَلَى البدل وهو شاذ (٥). وقال ابن قتيبة: مما يقوله العوام بالواو وهو بالهمز آزرته عَلَى الأمر، أي: أعنته فأما وازرته فبمعنى: صرت له وزيرًا (٦).

стр. 714

الثاني بعد الستين: وقع في "السيرة": إن أدرك ذَلِكَ اليوم أنصرك نصرًا مؤزرًا (١)، وما في البخاري هو القياس؛ لأن ورقة سابق بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء "أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي" (٢) نبه عَلَى ذَلِكَ السهيلي قَالَ: ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى: إن أر ذَلِكَ اليوم فسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تراه عَلَى أحد القولين (٣). الثالث بعد الستين: قولها: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الوَحْيُ) أما ينشب فبياء مفتوحة ثمَّ نون ساكنة ثمَّ شين معجمة مفتوحة ثمَّ موحدة، ومعناه: لم يلبث، كأن المعنى فجئه الموت قبل أن ينشب في فعل شيء، وهذِه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة والعجلة. وفتر معناه: احتبس بعد متابعته وتواليه في النزول، قَالَ ابن سيده: فتر الشيء يفتُر ويفتِر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدة ولان بعد شدة و (فتر) (٤) هو، والفتر الضعف (٥)، ولعل الحكمة في إبطائه ذهاب ما حصل لَهُ من الروع والتشوف إلى عوده كما سيأتي، ففي "السيرة" أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم وقال: لئن

стр. 715

قتلتموه لأتّخِذَنّه حنانا (١)، وفي هذا مخالفة (لقولها) (٢): (فلم ينشب ورقة أن توفي)، فتأمله. الرابع بعد الستين: لم يذكر هنا مقدار الفترة، وقد جاء في حديث مسند كما أفاده السهيلي أنها كانت سنتين ونصفًا، وبهذا يجمع بين قول أنس أنه أقام بمكة عشرًا (٣) وقول ابن عباس أنه أقام ثلاث عشرة سنة (٤)، وكان قَدْ ابتدئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر فمن عد مدة الفترة وأضاف إليها الأشهر الستة كان كما قَالَ ابن عباس، ومن عدها من حين حمي الوحي وتتابع كما في حديث جابر (٥) كانت عشر سنين، ووجه ثان: وهو أن الشعبي قَالَ: وُكِّلَ إسرافيل بنبوة محمد ﷺ ثلاث سنين ثمَّ جاءه جبريل بالقرآن، وقد أسلفنا ذَلِكَ ورواه أبو عمر في "استيعابه" (٦) وإذا صح فهو أيضًا وجه (من) (٧) الجمع بينهما (٨). الخامس بعد الستين: زاد البخاري في هذا الحديث عند ذكره لَهُ في

стр. 716

التعبير عن معمر قَالَ: وفتر الوحي فترة حتَّى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا [حزنا] (١) غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى لَهُ جبريل ﵇ فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه حتَّى يرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذَلِكَ فإذا أوفى بذروة جبل يتراءى لَهُ جبريل فقال لَهُ مثل ذَلِكَ (٢). وهذا من بلاغات معمر، ولم يسنده ولا ذكر راويه ولا أنه ﷺ قاله، ولا يعرف هذا إلا من النبي ﷺ مع أنه قَدْ يحمل عَلَى أنه كان في أول الأمر قبل رؤية جبريل كما جاء مبينًا عن ابن إسحاق عن بعضهم (٣)، أو أنه فعل ذَلِكَ لما أحرجه تكذيب قومه كما قَالَ تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]، أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذَلِكَ بنفسه، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذَلِكَ فيُعترض به، ونحو هذا فرار يونس حين تكذيب قومه، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي عياض (٤). السادس بعد الستين: فيه جواز تزكية الرجل بما فيه من الخير للأوصاف السالفة التي ذكرتها خديجة، وليس بمعارض لحديث: "احثوا في وجوه المداحين التراب" (٥) فإن ذَلِكَ إذا مدح بباطل وبما ليس في الممدوح.

стр. 717

تتمات: أحدها: في جبريل تسع لغات جمعها ابن الأنباري قرى ببعضها، أفصحها: جبرئيل، وبها قرأ أهل الكوفة واسمه بالعربية عبد الله، واسم ميكائيل (عبيد) (١) الله كذا رواه عبد بن حميد في "تفسيره" عن عكرمة (٢)، وقال السهيلي: هو سرياني ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز كذا جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا والموقوف أصح، وأكثر الناس عَلَى أنه آخر الاسم منه هو الله تعالى وهو إيل، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذِه الأسماء مقلوبة. وإيل هو العبد وأوله اسم من أسمائه تعالى، والجبر عند العجم هو (إصلاح) (٣) ما وَهَى فوافق معناه من جهة العربية فإن في الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهَى من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة ولا بأرض العرب؛ ولهذا (أنه) (٤) ﷺ لما ذكره لخديجة انطلقت لتسأل من عنده علم من الكتاب كعَدّاس ونسطور الراهب فقالا: قدوس قدوس ومن أين هذا الاسم (بهذِه) (٥) البلاد (٦). ثانيها: ذكر ابن إسحاق في "السيرة" رؤيته لجبريل ﵉ عند قوله: "اقرأ" وهو صاف قدميه (٧)، وفي حديث جابر أنه رآه عَلَى

стр. 718

رفرف بين السماء والأرض، وفي رواية: واقفًا بينهما، وفي رواية: على عرش بين السماء والأرض (١) وفي رواية لمسلم: فإذا هو عَلَى العرش في الهواء (٢). وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر "الجامع" أنه حين فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال -أي: عاليها- يهم بأن يلقي نفسه منها فكان جبريل يتراءى لَهُ بين السماء والأرض فيقول له: يا محمد أنت رسول الله (٣). ثالثها: نقلنا عن "السيرة" فيما مضى أن ورقة قَالَ: ليكذبنه وليؤذينه، وينبغي أن يعلم أنه لا ينطق بهذِه الهاء إلا ساكنة؛ لأنها هاء السكت وليست بهاء إضمار كما نبه عليه السهيلي (٤)، وقال الخشني (٥): كذا الرواية وقد كان يحتمل أن يكون ضمير انتصب بالفعل. رابعها: في "السيرة" من حديث عمرو بن شرحبيل أن الصديق دخل عَلَى خديجة وليس رسول الله، ثمَّ ذكرت خديجة لَهُ ما رآه فقالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل ﷺ أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال: "ومش أخبرك؟ "، فقال: خديجة،

стр. 719

فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: "إِذَا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأرض"، فقال له: لا تفعل إِذَا أتاك فاثبت حتَّى تسمع ما يقول ثمَّ ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١ - ٢] حتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذَلِكَ له، فقال لَهُ ورقة: أبشر ثمَّ أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، إنك عَلَى مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذَلِكَ لأجاهدن معك، فلما توفي ورقة قَالَ ﷺ : "لقد رأيتُ القسَّ في الجَنَّةِ عليه ثياب الحرير، لأنه آمَنَ بي وصدَّقني"، يعني: ورقة (١). وروينا في "سير سليمان بن طرخان التيمي" أنها ركبت إلى بحيرا بالشام فسألته عن جبريل فقال لها: قدوس يا سيدة قريش، أنَّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلي وابن عمي أخبرني أنه يأتيه، فقال: ما علم به إلا نبي فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به ولا أن يتسمى باسمه. وفي "الأوائل" لأبي هلال من حديث سويد بن سعيد: حَدَّثَنَا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن خديجة خرجت إلى الراهب وورقة وعداس فقال ورقة: أخشى أن يكون أحد شبه بجبريل فرجعت وقد نزل: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] فلما قرأ ﷺ هذا على ورقة قَالَ: أشهد أن هذا كلام الله. فيجمع بين هذِه الأخبار بأن خديجة ﵂ ذهبت به مرة، وأرسلته مع

стр. 720

الصديق أخرى وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرة أخرى، وهذا لشدة اعتنائها بسيد المرسلين صلوات الله وسلامه (عليه) (١). خامسها: روى ابن إسحاق في "السيرة" من حديث عبد الله بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين أن خديجة أدخلته بين ثوبيها لتختبر الملك بذلك لنفسها لا لَهُ ﷺ ، وقيل: إن ورقة أمرها أن تختبر الأمر بذلك (٢). سادسها: قوله فيما مضى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، قَالَ أبو عبيدة المعنى: اقرأ اسم ربك والباء زائدة، قَالَ المفسرون يعني: اذكر اسمه مفتتحًا به قراءتك، وإنما قَالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]؛ لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم، والإنسان ها هنا: ابن آدم، والعلق: جمع علقة وهي دم عبيط جامد، وقيل: إنما سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، ولما كان الإنسان في معنى الجماعة ذكر العلق جمعًا، وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣]، تكرير للتاكيد ثمَّ استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وهو الذي لا يوازيه كريم ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ يعنى الكتابة، ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ هو: الخط والصنائع.

стр. 721

٤ - باب ٤ - قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن ان جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيَّ قَالَ- وَهُوَ يحدث عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ على كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأبو صَالِحِ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَر: بَوَادِرُة. [٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٢٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤ - مسلم ١٦١ - فتح ١/ ٢٧] الحديث الرابع: قَالَ البخاري ﵀: قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْت: زَمِّلُو نِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتتابَعَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث اتفقا عليه، أخرجه البخاري هنا وفي الأدب (١)، وفي التفسير أتم من هذا، وأوله عن يحيى بن أبي كثير قَالَ: سألت

стр. 722

أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ مثل الذي قُلْتَ. فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حَدَّثَنَا رسول الله ﷺ ، قَالَ: "جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري" ثمَّ ذكر نحوه (١). وقال في التفسير: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب ح، و (ثنا) (٢) عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري أخبرني فذكره (٣)، وأخرجه مسلم بالفاظ (٤). ثانيها: في التعريف برجاله: أما جابر بن عبد الله فهو أبو عبد الله ويقال: أبو محمد ويقال: أبو عبد الرحمن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالحاء المهملة والراء- (٥) بن عمرو بن شاردة بن تزيد -بالتاء المثناة فوق- بن جُشَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن الخزرج الأنصاري السلمي -بفتح السين واللام وحكي في لغة كسرها- المدني أحد الستة المكثرين. رُوي لَهُ عن النبي ﷺ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، أخرجا لَهُ مائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها عَلَى ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وهو من فضلاء الصحابة وكبارهم. روى عنه بنوه محمد

стр. 723

وعقيل وعبد الرحمن وغيرهم. شهد العقبة مع أبيه -يعني: الثانية- مع السبعين وكان أبوه أحد النقباء الاثني عشر، وكان جابر أصغرهم يومئذ. وقال عن نفسه: غزوت مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي. أخرجه مسلم (١)، واستغفر لَهُ النبي ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة (٢)، أمه نُسَيْبة بنت عقبة بن عدي. مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو أربع أو تسع وسبعين وقيل: سنة ثلاث وستين وكان عمره أربعًا وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة. وكان أبيض الرأس واللحية يصفرهما بالورس. وكان يحفي شاربه ويؤم قومه وهو أعمى، وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وقال أبو نعيم: إنما هو آخر العقبيين موتًا بالمدينة (٣)، وقال يعقوب بن

стр. 724

سفيان الفسوي (١): آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سناد (٢)، لا جابر هذا. فائدة: جابر بن عبد الله في الصحابة ثلاثة: هذان، وجابر بن عبد الله الراسبي، نزيل البصرة (٣)، وأما جابر في الصحابة فأربعة وعشرون نفرًا. فائدة ثانية: جابر بن عبد الله في غير الصحابة خمسة: أحدهم: سلمي يروي عن أبيه، عن كعب الأحبار. ثانيهم: محاربي عنه الأوزاعى. ثالثهم: غطفاني روى عن عبد الله بن الحسن العلوي. رابعهم: مصري، عنه يونس بن عبد الأعلى.

стр. 725

خامسهم: يروي عن الحسن البصري وكان كذابًا. فائدة ثالثة: جابر يشتبه بجاثر -بالمثلثة بدل الموحدة-، وبخاتر -بخاء معجمة ثمَّ ألف ثمَّ مثناة فوق ثمَّ راء- فالأول: القبيلة التي بعث الله منها صالحًا وهم ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح وأخوه جَديس بن جاثر، والثاني: سابر خاتر مغن لَهُ أخبار وحكايات مشهورة. وأما أبو سلمة فهو عبد الله أو إسماعيل -أو اسمه كنيته أقوال- بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المدني التابعي الإمام الجليل المتفق عَلَى إمامته وجلالته وثقته، وهو أحد الفقهاء السبعة عَلَى أحد الأقوال كما سلف في ترجمة عروة، سمع جمعًا من الصحابة والتابعين، وعنه خلائق من التابعين منهم الشعبي فمن بعدهم، قَالَ ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث (١). وقال الزهري فيما حكاه ابن أبي خيثمة: كان (أبو سلمة) (٢) يماري ابن عباس فحُرم من ذَلِكَ علمًا كثيرًا (٣). وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب: قدم علينا أبو سلمة وكان صبيحًا كأن وجهه دينار هرقلي (٤)، أمه تُماضر -بضم التاء المثناة فوق وكسر المعجمة- بنت الأصبغ الكلبية من أهل دومة الجندل، وهي أول كلبية نكحها قرشي وهي التي طلقها عبد الرحمن بن عوف في

стр. 726

مرضه فورثها عثمان، وخالفه ابن الزبير. وروى ابن سعد بإسناده أنه ﷺ بعث عبد الرحمن بن عوف إلى كلب وقال له: "إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو سيدهم" فلما قدم عبد الرحمن دعاهم إلى الإسلام فاستجابوا وأقام من أقام عَلَى إعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الإصبغ بن عمرو ملكهم (١)، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة. مات بالمدينه سنة أربع وتسعين عن اثنتين وتسعين في خلافة الوليد، قَالَ ابن سعد: وهذا أثبت من قول من قَالَ: إنه توفي سنة أربع ومائة (٢). وأما الزهري فسلف في الحديث قبله. فائدة: هذا الإسناد كله مدنيون، وفيه أيضًا رواية تابعي عن تابعي. الوجه الثالث: الأنصاري سلف في الحديث الأول بيان نسبة الأنصار وسبب تسميتهم. الرابع: في ألفاظه ومعانيه وفوائده: الأول: فترة الوحي احتباسه بعد متابعته وتواليه في النزول كما سلف في آخر الحديث قبله. الثاني: قوله: ("بَيْنَا أَنَا أَمْشِي") قَالَ الجوهري: (بينا) فَعْلَى، أشبعت الفتحة فصارت ألفا ويزاد عليها (ما) فيقال: بينما والمعنى

стр. 727

واحد تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، وكان الأصمعي يخفض بعد بينا إِذَا صلح في موضعه بين، وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما عَلَى الابتداء (١). الثالث: قوله: ("فَرُعِبْتُ مِنْهُ") هو بضم الراء وكسر العين ويجوز فتح الراء وضم العين قَالَ القاضي عياض (٢): قيده الأصيلي بهذا وغيره بالأول عَلَى ما لم يسم فاعله وهما صحيحان، حكاهما الجوهري (٣). قالَ يعقوب: رَعُبَ، ورُعِبَ. واقتصر النووي في القطعة التي لَهُ على هذا الكتاب، عَلَى الأول وقال بعضهم: الرواية بضم العين واللغة بفتحها حكاه السفاقسي (٤)، والرعب: الخوف، تقول: رعبته فهو مرعوب إِذَا أفزعته، ولا يقال: أرعبته، تقول: رَعَبَ الرجل على وزن فعل كضرب بمعنى خوفه، هذا إِذَا عديته فإن ضممت العين قُلْتَ: رَعُبْتُ منه وإن بنيته لما لم يسم فاعله ضممت الراء فقلت: رُعِبْتُ منه، وفي البخاري في التفسير (٥) ومسلم هنا: "فجُئِثْتُ منه" بالجيم ثمَّ همزة مكسورة بعدها مثلثة (٦)، قَالَ القاضي: كذا هو للكافة في الصحيحين، ولبعضهم بجيم ثمَّ مثلثتين قَالَ: ومعناها فرعبت

стр. 728

منه (١)، وفي بعض الروايات: ("حتَى هويت إلى الأرض") أي: سقطت، أخرجها مسلم (٢)، وفي بعضها "فأخذتني رجفة" (٣) وهي كثرة الاضطراب، والمعنى في كلها متقارب. الرابع: قوله: ("فَقُلْتُ زَمِّلونِي زَمِّلونِي") كذا هو في أكثر الأصول. وفي بعضها: "زَمِّلُونِي" مرة، وللبخاري في التفسير (٤)، ولمسلم أيضًا: "دثروني" (٥) وهو كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الخامس: قوله ("فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ ") وهذا مما اغتر به جماعة فزعموا أن أول ما نزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ وقد سلف بيان ذَلِكَ في الحديث قبله، وأنه أيضًا مما أنزل من القرآن أول. قَالَ أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه": ليس بين الخبرين تضاد إذ الله أنزل: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] وهو في الغار بحراء، فلما رجع إلى بيته دثرته خديجة وصبت عليه الماء البارد، فأنزل عليه في بيتها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٦). وكذا قَالَ أبو العباس القرطبي: إن حديث جابر أولى من حديث عائشة؛ إذ حديثها بحراء وحديثه بعد أن رجع إلى خديجة فدثروه (٧). والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى، وسماه تعالى بذلك

стр. 729

إيناسًا وتلطفا، ثمَّ الجمهور عَلَى أن معناه: المدثر بثيابه. وحكى الماوردي عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها (١). ومعنى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾: حذر العذاب من لم يؤمن، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التعقيب، وإنما أمر بالإنذار دون البشارة وهو ﷺ قد أرسل بشيرًا ونذيرًا؛ لأن البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣]، أي: عَظّمه ونَزّهه عما لا يليق به. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، إما من النجاسة -عَلَى مذهب الفقهاء- وإما تقصيرها، وقيل المراد بالثياب: النفس أي: طهرها من كل نقص أي: اجتنب النقائص. ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بكسر الراء في قراءة الأكثرين، وقرأ حفص عن عاصم بضمها (٢)، وهي: الأوثان في قول الأكثر، وفي مسلم التصريح به (٣)، وفي التفسير عن أبي سلمة التصريح به (٤)، وقيل: الشرك وقيل: الذنب وقيل: الظلم، وأصل الرجز في اللغة: العذاب، وسمي عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزًا؛ لأنه سبب العذاب. السادس: قوله: (فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر، وحَمِي -بفتح الحاء وكسر الميم- معناه: كثر نزوله وازداد من قولهم: حميت النار والشمس أي: كثرت حرارتها، ومنه قولهم: حمي الوطيس. والوطيس: التنور، استعير للحرب، وإنما عبرت

стр. 730

بقولها: فحمي تتميمًا منها للتمثيل الذي مثلت به أولًا، وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح؛ فإن الضوء لا يشتد إلا مع قوة الحر وألحقت ذَلِكَ بقولها: وتتابع، لئلا يقع التمثيل بالشمس من كل الجهات؛ لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما وشمس الشريعة باقية عَلَى حالها لا يلحقها نقص. السابع: قوله: ("فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ") الكرسي معروف، وضَمُّ كافِهِ أفصح، والأشهر من كسرها، وجمعه: كراسي بتشديد الياء وتخفيفها لغتان، وكذا كل ما كان من هذا النحو مفرده مشددًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كسرية وعارية ونظائرهما، كما نبه عليه ابن السكيت (١) في "إصلاحه"، ورواية العرش التي أسلفناها في أواخر الحديث الذي قبله يفسرها الكرسي المذكور. وقال أهل اللغة: العرش: السرير، وقال الماوردي في "تفسيره": أصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم: كراسة (٢). وقيل في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: علمه (٣)، من

стр. 731

قولهم: كرس الرجل إِذَا ازدحم علمه على قلبه، وقرأ طاوس كرسيه بالكسر (١). الثامن: قوله: ("جَالِسٌ") كذا الرواية في البخاري، وفي مسلم "جالسًا" (٢)، قَالَ النووي: كذا هو في الأصول وهو منصوب على الحال (٣). التاسع: قَالَ القاضي: في هذا الحديث تحقيق العلم بتصور الملائكة على صور مختلفة وإقدار الله لهم عَلَى التركيب في أي شكل شاءوا من صور بني آدم وغيرهم، وأن لهم صورًا في أصل خلقهم مخصوصة بهم، كل منهم عَلَى ما خلق عليه (٤). وقد جاء في مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قَالَ: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح (٥). وذكره البخاري في

стр. 732

بدء الخلق أيضًا (١)، قَالَ العلماء: رآه على هذِه الصورة مرتين، قَالَ تعالى: ﴿رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١] قَاَل اهل التفسير: أى فى خلق الملائكه فى الأجنحة كجبريل ونحوه من الملائكة، وكذا جاء في إلبخاري في بدء الخلق، عن ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (٢). وفي حديث عائشة: رأى جبريل سادًّا ما بين الأفق (٣). العاشر: فيه إظهار لقدرة الله تعالى؛ إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاءوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاءوا، فهو ممسكهما بقدرته وأراه ذلك بقوته له؛ حتَّى يرجع إلى عين اليقين (٤). قَالَ البخاري ﵀: تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَال بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ. الكلام عليه من وجوه: الأول: الضمير في: (تابعه) أولًا، يعود عَلَى يحيى بن بكير شيخ البخارى،

стр. 733

ومعناه: أن عبد الله وأبا صالح تابعا يحيى بن بكير. فرواه عن الليث ثلاثة يحيى وعبد الله وأبو صالح، والضمير في قوله: (وتابعه) ثانيًا يعود على عقيل أي: تابع هلال عقيلًا، رواه عن الزهري أيضًا، وهو متابعتان (في مرتين) (١)، والمتابعة الأولى أقوى كما أسلفناه في الفصول أول هذا الشرج. وطريقتك في معرفة المتابعة الأولى: أن تنظر طبقة المتابع -بكسر الباء- فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته؛ بحيث يكون صالحًا لذلك، ولهذا لم يُسم البخاري هنا المتابع عليه بخلاف الثانية فإنه سماه. الثاني: قوله: (وَقَالَ يُونسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُةُ.) مراده: أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذِه اللفظة، فروى عقيل، عن الزهري في الحديث: يرجف فؤاده. كما سلف (٢)، وتابعه عَلَى هذِه اللفظة هلال بن رداد (٣)، وخالفه يونس ومعمر فرويا عن الزهري: ترجف بوادره (٤). الثالث: في التعريف بأحوال هؤلاء الرواة: وقد سلف التعريف بالزهري في الحديث الثالث، وبعبد الله بن يوسف في الحديث الثاني.

стр. 734

وأما أبو صالح فاسمه عبد الغفار بن داود بن مهران بن زياد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عمير البكري الحراني، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها، فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث من حماد بن سلمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه فسمع من الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما، وسمع بالشام إسماعيل بن عياش، و (بالجزيرة) (١) موسى بن أعين، واستوطن مصر وحدث بها فروى عنه جماعة من أهلها ومن الغرباء، وكان يكره أن يقال له: الحراني، وإنما قيل له: الحراني؛ لأن أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها ولم يزالا بها، وحران مدينة بالجزيرة من ديار بكر، سميت بحران بن آزر أخي إبراهيم ﵇ (٢). روى عنه يحيى بن معين والبخاري. وروى أبو داود عن رجل عنه وخرج له النسائي، وابن ماجه أيضًا. مات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين (٣). فائدة: أبو صالح في الرواة في مجموع الكتب الستة بزيادة أربعة عشر، هذا وأبو صالح الأشعري الشامي، وأبو صالح الأشعري أيضا ويقال: الأنصاري، وأبو صالح الجهني المصري -كاتب الليث بن سعد- اسمه عبد الله بن صالح -وأبو صالح الحارثي، وأبو صالح الحنفي اسمه عبد الرحمن بن قيس، ويقال: إنه ماهان، وأبو صالح الخوزي لا نعرف اسمه، وأبو صالح السمان ذكوان، وأبو صالح الغفاري

стр. 735

سعيد بن عبد الرحمن، وأبو صالح المكي محمد بن زنبور، روى عن عيسى بن يونس، وأبو صالح مولى طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وأبو صالح مولى عثمان بن عفان، وأبو صالح مولى ضباعة اسمه مينا، وأبو صالح مولى أم هانى اسمه باذان، وكلهم تابعيون خلا ابن زنبور وكاتب الليث، وبعضهم عدَّ الأخير صحابيًّا وله حديث رواه الحسن بن سفيان (١) في "مسنده"، وليس في الصحابة على تقديرها من يكتني بهذِه الكنية غيره، واحترزت بقولي: في الكتب الستة بزيادة عن أبي صالح الواقع في غيرها فإنهم جماعات فوق العشرة وقد بين ذَلِكَ الرامهرمزي في "فاصله" (٢). وأما هلال بن رداد (٣) فبراء في أوله وبدالين الأولى مشددة، وهو طائي حمصي الكناني الكاتب، أخرج له البخاري هنا متابعة لعقيل، وليس لَهُ ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة، روى عن الزهري، وعنه ابنه أبو القاسم محمد. قَالَ الذهلي: كان كاتبًا لهشام، ولم يذكره البخاري في "تاريخه"، ولا ابن

стр. 736

أبي حاتم في كتابه، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ولده محمدًا (١)، وليس لَهُ ذكر في الكتب الستة، قَالَ ابن أبي حاتم: هلال بن رداد مجهول. ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصحيح رأسا. وأما يونس فهو أبو يزيد يونس بن يزيد، ويقال بعد يزيد: ابن مشكان بن أبي النجاد -بكسر النون- الأيلي -بفتح الهمزة وبالمثناة- القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان، وأخو أبي علي بن يزيد، وعم عبسة بن خالد بن يزيد سمع خلقًا من التابعين، منهم: القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم، وعنه الأعلام جرير بن حازم وهو تابعي فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأوزاعي والليث وخلق، وكان الزهري إِذَا قدم أيلة نزل عليه وإذا سار إلى المدينة زامله يونس، وقال أحمد: ما أجد أعلم بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس فإنه كتب كل شيء. وقال يحيى: يونس أسند من معمر وهما ثقتان وكان معمر أَجَل، وفي رواية عنه: يونس أسند من الأوزاعي -يعني: عن الزهري- وقال يحيى أيضًا: أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وابن عيينة، وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا. وأما وكيع فقال: ذاكرت يونس بأحاديث الزهري المعروفة فجهدت أن يقيم لي حديثًا فما أقامه، وفي لفظ: فلم يكن يحفظ. حكاه العجلي (٢).

стр. 737

وقال خالد بن نزار (١) فيما حكاه المنتجالي: كان الأوزاعي يحصي على يونس بن يزيد. مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة (٢). فائدة: في يونس ستة أوجه بتثليث النون مع الجمزة وعدمه، والضم بلا همز أفصح (٣). وأما معمر فهو أبو عروة معمر بن أبي عمرو، راشد الحداني الأزدي مولاهم عالم اليمن شهد جنازة الحسن البصري، وسمع خلقًا من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأيوب وقتادة، وعنه جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأبو إسحاق السبيعي وأيوب ويحيى بن أبي كثير وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، وعنه أيضا جماعات غيرهم منهم: ابن جريج وشعبة وابن المبارك، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، وآخر من حدث عنه محمد بن كبير

стр. 738

الصنعاني. قَالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه حديثًا إلا كأنه ينقش في صدري. ولما دخل معمر اليمن كرهوا أن يخرج من بينهم فقال رجل: قيدوه فزوجوه. مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة، عن ثمان وخمسين سنة، وقيل: مات سنة خمسين ومائة. وقال أبو القاسم الطبراني (١): كان معمر بن راشد وسلم بن أبي الذيال فقدا فلم ير لهما أثر (٢)، قَالَ الخطيب: حدث عنه عمرو بن دينار المكي وعبد الرزاق بن همام وبين وفاتيهما ست -وقيل: خمس- وثمانون سنة (٣)، ثم أعلم أن معمرًا له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن، قَالَ أبو حاتم: صالح الحديث وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط (٤)، وضعفه يحيى بن معين في روايته عن ثابت (٥).

стр. 739

فائدة: ليس في الصحيحين معمر بن راشد غير هذا بل ليس فيهما من اسمه معمر غيره، نعم في "صحيح البخاري" معمر بن يحيى بن سام الضبي وقيل: إنه بتشديد الميم روى له البخاري حديثًا واحدًا في الغسل (١)، وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر (٢)، وفي الرواة معمر في الكتب الأربعة ستة (٣)، وفيها مُعَمَّر بالتشديد يخلف خمسة (٤)، وفي غيرها خلق: معمر بن بكار شيخ لمُطَيَّن في حديثه وهم (٥)، ومعمر بن

стр. 740

الحسن الهذلي مجهول وحديثه منكر (١)، ومعمر بن زائدة لا يتابع على حديثه (٢)، ومعمر بن زيد مجهول (٣)، ومعمر بن أبي سرح مجهول (٤)، ومعمر بن عبد الله، عن شعبة لا يتابع عَلَى حديثه (٥)، وغير ذَلِكَ مما ذكرته في "مشتبه النسبة" (٦). فائدة ثانية: هاتان المتابعتان اشتملتا على مدني ومصري وحمصي ويمني كما أوضحته لك. الوجه الرابع: البوادر بفتح الباء الموحدة جمع بادرة وهي: اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان، قَالَ أبو عبيدة: تكون من الإنسان وغيره، وقال الأصمعي: الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، التي لا تزال ترعد من الدابة وجمعها فرائص. وقال ابن سيده في "المخصص": البادرتان من الإنسان لحمتان فوق
следующие страницы →