← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

الشرح: هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم (١). وقال في الأولى: فكرهنا أن نكذبه. وفي رواية له وابن عمر يسمع: فما قال: لا، ولا هم، سكت، ولمسلم في الأخير عمرة من الحديبية، أو في الحديبية في ذي القعدة. واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في باب: كم اعتمر؟ وإنما يدخل في باب: متى اعتمر؟ قلت: بلى داخل فيه، والزمان وقع استطرادًا، وفي قول مجاهد: دخلت أنا وعروة إلى آخره، ظاهر في سماع مجاهد من عائشة خلافًا لما قاله يحيى القطان وآخرون (٢)، وفي أفراد مسلم من حديث البراء بن عازب: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين (٣). وفي أبي داود بإسناد على شرط الشيخين من حديث عائشة: أنه ﵇ اعتمر في شوال، وأخرجه مالك في "موطئه" أيضًا (٤).

стр. 6897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6898

وفي الدارقطني من حديثها: أنه ﵇ اعتمر في رمضان. وهو غريب (١).

стр. 6899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6901

قال ابن بطال: والصحيح أنه اعتمر ثلاثًا، والرابعة إنما يجوز نسبتها إليه؛ لأنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه اعتمرها بنفسه، ويدل على صحة ذَلِكَ أن عائشة ردت على ابن عمر قوله، وقالت: (ما اعتمر في رجب قط) وأما أنس فإنه لم يضبط المسألة ضبطًا جيدًا، وقد أنكر ذَلِكَ عليه ابن عمر حين ذكر له أن أنسًا حدث أنه ﵇ أهلَّ بعمرة وحجة، فقال ابن عمر: أهلَّ النبي ﷺ وأهللنا به، ذكره البخاري في المغازي (١)، ففي رد ابن عمر على أنس: أنه ﵇ اعتمر مع حجته، ردٌ من ابن عمر على نفسه أيضًا، وقد جاء عن أنس نفسه خلاف فتواه، وهو حديث مروان الأصفر عنه: أنه ﵇ قال لعلي: "لولا أن معي الهدي لأحللت". ذكره في باب: من أهلَّ في زمنه كإهلاله فامتناعه من الإهلال من أجل الهدي (٢) يدل أنه كان مفردًا للحج؛ لأنه اعتذر عن الفسخ فيه بالهدي، ولو كان قارنًا ما جاز أن يعتذر؛ لاستحالة الفسخ على القارن، فكيف يجوز أن ينسب إلى رسول الله ﷺ أنه اعتمر مع حجته؟ إلا على معنى أنه أمر بذلك من لم يكن معه هدي، هذا ما لا ريب فيه ولا شك (٣). وقال أبو عبد الملك: إنه وهم من ابن عمر؛ لاجتماع المسلمين على أنه اعتمر ثلاثًا، وقاله معه أنس. فأما أنس فجعله قارنًا أو متمتعًا.

стр. 6902

واستنانها: قيل: سواكها، والأولى استعمالها الماء. قال ابن فارس: سننت الماء على وجهي: أرسلته إرسالًا (١)، إلا أن يكون استن لم تستعمله العرب إلا في السواك. وقولها: (أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ لك) قرأته بفتح الميم وضمها، وإسكانها مثل: غرفة وحجرة، وعد عمرة الحديبية، ومقتضاه: أنها تامة، لكنه صد ولا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة، والحديبية تخفف ياؤها وتشدد، وكانت في ذي القعدة سنة ست (٢)، وعمرة القضية سنة سبع، سميت بذلك؛ لأنه قاضى أهل مكة أن يعتمر في العام المقبل (٣)، ويقال لها عمرة القضاء، ولا يتوهم أنه القضاء الشرعي، وعمرة الجعرانة سنة ثمان بعد فراغه من حنين، والطائف، وانصرف منها في آخر ذي القعدة. وإنما بيَّن أنس أنهن في ذي القعدة تنبيهًا على الاعتمار في أشهر الحج، وإن أنكره مشركون، ويجوز أن يكون أحرم في شوال وأتمها في ذي القعدة، فنظر أحدهما لوقت الإحرام، والآخر لوقت الإحلال، قاله الداودي، وقيل: إن عمرتين كانتا في شوال، وعمرة في ذي القعدة قال: وقول من قال: اعتمر قبل أن يحج ليس بحجة؛ لأن الحج لم يفرض عليه حَتَّى حج الوداع، ولم يكن المسلمون يتقدمونه بأداء فرضه.

стр. 6903

قلت: الحج فرض سنة ست على المشهور فلا إشكال، وقول أنس: (اعتمر حيث ردوه، ومن القابل عمرة الحديبية، وعمرة في ذي القعدة) أراه وهمًا؛ لأن الصواب أن الذي رد فيها عمرة الحديبية عام ستة، واعتمر من قابل ولم يرد كذا في كتاب ابن التين ولا وهم فيه؛ لأن قوله: (عمرة الحديبية)؛ لبيان التي ردوه فيها. وقوله: (وَعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ) بيان للقابلة، وفي "مسند يعقوب بن شيبة"، قال نافع: ولم يعتمر النبي ﷺ من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف ذَلِكَ على ابن عمر.

стр. 6904

٤ - باب عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ ١٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ -سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا-: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّين مَعَنَا؟ ". قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا- وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ". أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ. [١٨٦٣ - مسلم: ١٢٥٦ - ٣/ ٦٠٣] ذكر فيه حديث ابن عباس: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ -سَمَّاهَا ابن عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا-: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تحجِّي مَعَنَا؟ ". قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا- وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِن عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ". أَوْ (نَحْوًا) (١) مِمَّا قَالَ. هذا الحديث أخرجه مسلم، وقال: "فإن عمرة فيه تعدل حجة" (٢)، وخرجه أيضًا من طريق جابر تعليقًا (٣)، ولهما: "يقضى حجة أو حجة معي"، وسميا المرأة أم سنان الأنصارية (٤)، وللترمذي (٥)، والحاكم:

стр. 6905

أم معقل الأسدية (١) (٢)، وكناها بعضهم أم طليق (٣). وفي رواية للحاكم: "عمرة في رمضان تعدل حجة معي بالحرم"، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين (٤). قلت: فيه عامر الأحول (م والأربعة) وقد أخرج له مسلم، ووثقه أبو حاتم، ولينه أحمد (٥). وفيه: دلالة واضحة على فضل الاعتمار في رمضان، قال إسحاق وهو مثل حديث: "من قرأ ﴿قُل هُوَ اَللهُ أحَد (١)﴾ [الإخلاص: ١]، فقد

стр. 6906

قرأ ثلث القرآن" (١). وفيه: جواز الاعتمار في غير أشهر الحج، والأحاديث السالفة تدل على إباحتها في أشهر الحج، وقيل: الاعتمار قبل الحج أفضل منه بعده، حكاه ابن التين قال: وهذا لمن كان مقيمًا بمكة. وقوله: ("فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ") أي: ثوابها، والمراد حجة التطوع، وثواب الأعمال يزيد بزيادة شرف الوقت، أو خلوص القصد وحضور القلب. قال الزهري: تسبيحةٌ في رمضان خير من سبعين في غيره (٢)، فببركة رمضان حصل هذا الفضل، ويبعد أن يكون خاصًّا بها، فإن كان روى، ما أدري إلى خاصة. والناضح البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يربط به الرشا يجره فيخرج الغرب، ويقال له أيضًا: السانية. وفي مسلم: يسقي عليه غلامنا (٣). قال القاضي: وأراه تحريفًا،

стр. 6907

والصواب: يسقي نخلًا لنا، فتصحف منه غلامنا، بيانه ما في البخاري يسقي عليه أرضًا لنا (١) (٢). فرع: جميع السنة وقت لإحرام العمرة عندنا إلا للعاكف بمنى؛ لاشتغاله بالرمي والمبيت، وقال مالك: من لم يحج من أهل الآفاق له أن يعتمر أيام التشريق ذكره في "المدونة" (٣)، ولم يذكر يوم النحر فيحتمل أن يكون مخصوصًا بالمنع؛ لكونه يوم الحج الأكبر، ويحتمل أن يكون حكمه حكم أيام التشريق، وقال ابن الجلاب: يلزمه العمرة إن أحرم بها بعد الرمي، ويمضي فيها حَتَّى يتمها بعد الغروب.

стр. 6908

٥ - باب عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ (١) ١٧٨٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو. [٢٩٨٥ - مسلم: ١٢١٢ - فتح: ٣/ ٦٠٦] ١٧٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ، عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ، وَمَعَهُ الهَدْيُ فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، يَطُوفُوا بِالبَيْتِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ". وَأَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ. قَالَ: فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ؟! فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ. وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالعَقَبَةِ، وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا، بَلْ لِلأَبَدِ". [انظر: ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٦٠٦] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وُيعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو.

стр. 6909

وحديث جابر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ. وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالعَقَبَةِ، وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هذِه خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: "لَا، بَلْ لِلأَبدِ" (١). حديث عائشة سلف (٢)، وحديث جابر أخرجه مسلم أيضًا (٣). وفقه الباب أن المعتمر المكي لا بد له من الخروج إلى الحل ثم يحرم منه؛ لأن التنعيم أقرب إلى الحل، وشأن العمرة عند الجميع أن يجمع فيها بين الحل والحرم المكي وغيره، والعمرة زيارة وإنما يزار الحرم من خارجه كما يزار المزور في بيته من غير بيته، وتلك سنة الله في عباده المعتمرين، وما بعد من الحل كان أفضل، ويجزئ أقل الحل، وهو التنعيم، وأفضله عندنا الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية. وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم، وجعلوا التنعيم خاصة وقتًا لعمرة أهل مكة، وقال: لا ينبغي لهم أن يجاوزوه كما لا ينبغي لغيرهم أن يجاوز ميقاتًا وقته لهم رسول الله ﷺ (٤)، وخالفهم في ذَلِكَ آخرون، قالوا: وقت لأهل مكة الذين يحرمون منه بالعمرة الحل فمن أي الحل أحرموا أجزأهم ذَلِكَ، والتنعيم وغيره عندهم في ذَلِكَ سواء.

стр. 6910

واحتجوا بأنه قد يجوز أن يكون ﵇ قصد إلى التنعيم في ذَلِكَ؛ لقربه لا أن غيره لا يجزئ، وقد روى من حديث عائشة أنه ﵇ قال لعبد الرحمن: "احمل أختك"، فأخرجها من الحرم، قالت: والله ما ذكر الجعرانة، ولا التنعيم، فلتهلَّ بعمرة، فكان أدنى ما في الحرم التنعيم، فأهللت بعمرة (١). فأخبرت أنه ﵇ لم يقصد إلا الحل لا موضعًا معينًا، وقصد التنعيم؛ لقربه، فثبت أن وقت أهل مكة لعمرهم هو الحل. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه (٢)، والشافعي، وسؤال سراقة يحتمل أن يكون أراد عمرتنا هذِه في أشهر الحج لعامنا هذا، ولا نفعل ذَلِكَ فيما بعد؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة فيما مضى في أشهر الحج، أو للأبد. فقال ﵇: "هي للأبد" أي: لكم أن تفعلوا ذَلِكَ أبدًا، وليس على الفسخ، فقد كان خاصًّا بهم كما سلف. وهكذا رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: عمرتنا لعامنا هذا أم للأبد (٣). وتابعه خصيف والأوزاعي جميعًا، عن عطاء، عن جابر (٤).

стр. 6911

وقال ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وقال ابن جريج، عن عطاء: متعتنا لعامنا أم للأبد؟ (١) وطريق البخاري، عن عطاء، عن جابر سلف أول الباب، وقال الداودي: يعني به جواز التمتع وحمله قوم على الفسخ.

стр. 6912

٦ - باب العُمْرَةِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا ١٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ فَقَالَ لَنَا: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ". قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ". فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦٠٥] ذكر فيه حديث عائشة قالت: خَرَجْنَا مَعَ النبي ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ لنَا: "مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ … " الحديث. فَلَمَّا كَانَت لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. وقد سلف الحديث غير مرة (١)، وهذا الباب قبل باب عمرة التنعيم ثابت في الأصول، لكنا تبعنا فيه ابن بطال (٢). وفقه الباب: أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا تم حجه بعد انقضاء أيام التشريق، وليلة الحصبة: هي التي تلي ليلة النفر الآخر. وقولها: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) كذا هنا وفيما بعد، والذي في أكثر الروايات عنها وعن غيرها أنهم خرجوا لخمس بقين

стр. 6913

من ذي الحجة (١)، فإما أن تكون قالته على المقاربة، أو في هذِه الرواية بعض الوهم. وقولها: (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بعُمْرَةٍ) قد سلف الاختلاف فيما أهلت به، واختلف السلف في العمرة بعدَ أيام الحج: فذكر عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال: سُئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة فقال عمر: هي خير من لا شيء، وقال علي: هي خير من مثقال ذرة، وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة (٢)، وعنها أيضًا: لأن أصوم ثلاثة أيام، أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلى من أن اعتمر بالعمرة التي اعتمرت من التنعيم (٣). وقال طاوس فيمن اعتمر بعد الحج: لا أدري أيعذبون عليها أم يؤجرون (٤)؟ وقال عطاء بن السائب: اعتمرنا بعد الحج فعاب ذَلِكَ علينا سعيد بن جبير، وأجاز ذَلِكَ آخرون، روى ابن عيينة عن الوليد بن هشام قال: سألت أم الدرداء عن العمرة بعد الحج، فأمرتني بها (٥)، وسُئل عطاء عن عمرة التنعيم قال: هي تامة وتجزئه (٦)، وقال القاسم بن محمد: عمرة المحرم تامة (٧). وقد روي مثل هذا المعنى قال: تمت العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، ويومين من أيام التشريق (٨).

стр. 6914

وقال أبو حنيفة: العمرة جائزة السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، للحاج وغيره، ومن حديث عائشة في الباب (١). استحب مالك للحاج أن لا يعتمر حَتَّى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق (٢)؛ لأنه ﵇ كان قد وعد عائشة بالعمرة وقال لها: "كوني في حجك عسى الله أن يرزقكها" (٣)، ولو استحب لها العمرة في أيام التشريق؛ لأمرها بالعمرة فيها، وبه قال الشافعي. وإنما كرهت العمرة فيها للحاج خاصة؛ لئلا يدخل فيها عملًا على عمل؛ لأنه لم يكمل عمل الحج بعد، ومن أحرم بالحج فلا يحرم بالعمرة؛ لأنه لا تضاف العمرة إلى الحج عند مالك وطائفة من العلماء، وأما من ليس بحاج فلا يمنع من ذَلِكَ، فإن قلت: فقد روى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في هذا الباب: (وكنت ممن أهل بعمرة وروى مثله يحيى القطان، عن هشام في الباب بعد هذا، وهذا خلاف ما تقدم عن عائشة أنها أهلت بالحج (٤). قلت: قد قدمنا أن أحاديث عائشة في الحج أشكلت على الأئمة قديمًا، فمنهم من جعل الاضطراب فيها جاء من قِبَلها، ومنهم من جعله من قِبل الرواة عنها. وقد روى عروة، والقاسم، والأسود وعمرة، عن عائشة أنها كانت مفردة للحج، على ما سلف في أوائل الحج في باب التمتع، والقران،

стр. 6915

والإفراد (١)، والحكم لأربعة من ثقات أصحاب عائشة، فالحمل على التضاد أولى من الحكم لرجلين من متأخري رواة حديثها، ويكون قولها: (مكان عمرتي) أي: التي أحرمت بها من سرف ثم منعتها من أجل الحيض.

стр. 6916

٧ - باب الاِعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجِّ بِغَيْرِ هَدْىٍ ١٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ". فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦٠٩] ذكر فيه حديث هشام عن أبيه عن عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ .. الحديث إلى أن قالت: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِض … ، إلى أن قالت: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَة، وَلَا صَوْمٌ. قد سلف الكلام عليه غير مرة. وقولها: (فأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ)، وفي رواية القاسم: فطهرت حين قدمنا منى صبيحة ليلة عرفة يوم النحر بمنى (١). وقولها: (وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ … إلى آخره) لأن عمرتها بعد انقضاء الحج ولا خلاف بين العلماء أن من اعتمر بعد انقضاء الحج

стр. 6917

وخروج أيام التشريق، أنه لا هدي عليه في عمرته؛ لأنه ليس بمتمتع، وإنما المتمتع من اعتمر في أشهر الحج، وطاف للعمرة قبل الوقوف، وأما من اعتمر بعد يوم النحر فقد وقعت عمرته في غير أشهر الحج، فلذلك ارتفع حكم الهدي عنها، والصحيح من قول مالك أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ولم يكن عليها أيضًا في حجها هدي؛ لأنها كانت مفردة على ما روى عنها القاسم والأسود وعمرة، ولم يأخذ مالك بقولها في آخر الحديث: (ولم يكن في شيء من ذَلِكَ هدي). لأنها كانت عنده في حكم القارنة، ولزمها لذلك هدي القرآن، والآخذ بذلك أبو حنيفة أيضًا؛ لأنها كانت عنده رافضة لعمرتها، والرافضة عنده عليها دم للرفض، وعليها عمرة. وقوله: (فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ). إلى آخره، ليس من لفظ عائشة، وإنما هو من لفظ هشام بن عروة حدَّث به بالعراق، ولم يذكر ذَلِكَ أحد غيره ولا يقوله الفقهاء، وقد تقدمت مذاهب العلماء في قوله: "انقضي رأسك وامتشطي" في باب: كيف تهل الحائض والنفساء (١) فراجعه منه.

стр. 6918

٨ - باب أَجْرِ العُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ ١٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: "انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ". [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦١٠] ذكر فيه حديث القَاسِمِ والأَسْوَدِ عن عَائِشَةُ قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: "انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأفعال البر كلها على قدر المشقة والنفقة، ولهذا استحب الشافعي ومالك الحج راكبًا (٢)، ومصداق ذَلِكَ في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾ [التوبة: ٢٠] وفي هذا فضل الغنى، وإنفاق المال في الطاعات، ولما في قمع النفس عن شهواتها من المشقة على النفس، وعد الله الصابرين فقال جل من قائل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

стр. 6919

٩ - باب المُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ العُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ، هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ ؟ ١٧٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا". وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ". قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ. قَالَ: "وَمَا شَأْنُكِ؟ ". قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: "فَلَا يَضُرَّكِ، أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا". قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الحَرَمَ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا". فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "فَرَغْتُمَا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ، قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦١٢] ذكر فيه حديث القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ … إلى قولها: فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ من الحَرَم، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا". فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "فَرَغْتُمَا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ. لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف وخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع كما فعلت عائشة، وأما من أقام بمكة بعد عمرته ثم بدا

стр. 6920

له أن يخرج منها فيستحبون له طواف الوداع. وقولها فيه: (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً). يخالف حديث جابر السالف في باب عمرة التنعيم وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، وكان علي قدم من اليمن ومعه هدي (١).

стр. 6921

١٠ - باب يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الحَجِّ ١٧٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ -يَعْنِي-: عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ -أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ- فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ. فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَ، أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ الوَحْىَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ -وَأَحْسِبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ البَكْرِ- فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ؟ اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكِ". [انظر: ١٥٣٦ - مسلم: ١١٨٠ - فتح: ٣/ ٦١٤] ١٧٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ -، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ -: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَلَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلاَّ، لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. [البقرة: ١٥٨]. زَادَ سُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ١٦٤٣ - مسلم: ١٢٧٧ - فتح: ٤/ ٦١٣] ذكر فيه حديث يعلى بن أمية في قصة الجبة بالخلوق وفي آخره: "وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ" وقد سلف في باب غسل

стр. 6922

الخلوق (١). وحديث هشام عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ -وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ-: أَرَأَيْتِ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] فَلَا أرى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. الحديث. زَادَ سُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. المراد -والله تعالى أعلم- بقوله: ("وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ") من اجتناب المحرمات كما أسلفناه هناك (٢)، ومن أعمال الحج إلا الوقوف فلا وقوف فيها ولا رمي، وأركانها أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، ولهذا قال هشام: (ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة). وقوله: (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ). يريد أنه لم يكن بعد فقه، ولا علم من سُنن رسول الله ﷺ ما يتأول على نص الكتاب والسنة.

стр. 6923

١١ - باب مَتَى يَحِلُّ المُعْتَمِرُ ؟ وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا. [انظر: ١٦٥١، ١٧٨٥] ١٧٩١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبٌ لِي: أَكَانَ دَخَلَ الكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا. [انظر: ١٦٠٠ - فتح: ٣/ ٦١٥] ١٧٩٢ - قَالَ: فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ؟ قَالَ: "بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ". [٣٨١٩ - مسلم: ٢٤٣٣ - فتح: ٣/ ٦١٥] ١٧٩٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٦١٥] ١٧٩٤ - قَالَ: وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٦١٥] ١٧٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ، فَقَالَ: "أَحَجَجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: "أَحْسَنْتَ. طُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ". فَطُفْتُ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ. فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ، حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنْ

стр. 6924

أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. [انظر: ١٥٥٩ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٦١٥] ١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ -مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ- حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ. [انظر: ٦١٥ - مسلم: ١٢٣٥، ١٢٣٧ - فتح: ٣/ ٦١٦] وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا (١). هذا سلف مسندًا في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت بزيادة: إلا من كان معه الهدي (٢). ثم ساق حديث عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى: اعْتَمَرَ النبي ﷺ اعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ فطفنا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ .. الحديث وفيه: وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ. وحديث عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابن عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ وسعى (بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا) (٣)، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ اسْوَة حَسَنَةٌ.

стр. 6925

قَالَ: وَسَألْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. وقد سلف (١). وحديث أَبِي مُوسَى (٢) قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ، فَقَالَ: "أَحَجَجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ .. الحديث. وقد سلف أيضًا (٣). وحديث أَسْمَاءَ ﵂ أنَّها كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ قالت: صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذِ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَاخْتِي عَائِشَةُ وَالزبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ أحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ. الشرح: حديث أسماء أخرجه مسلم مطولًا (٤)، والعمرة في حديث ابن أبي أوفى المراد بها: عمرة القضية، ولم يذكر في حديث جابر السعي، وقد قال بعض السلف: إنه ليس بواجب، واتفق أئمة الفتوى على أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف وسعى، وإن لم يكن حلق، ولا قصر على ما جاء في هذا الحديث، كذا ادعاه ابن بطال ثم قال: ولا أعلم في ذَلِكَ خلافًا إلا شذوذًا، روي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف (٥)، وتبعه ابن راهويه.

стр. 6926

والحجة في السنة لا في خلافها، وقد أسلفنا أن الأظهر عند الشافعي: أن الحلق ركن فيها (١)، واحتج الطبري بحديث أبي موسى على من زعم أن المعتمر يحل من عمرته إذا أكمل عمرته، ثم جامع قبل أن يحلق أنه مفسد لعمرته، فقال: ألا ترى قوله ﵇ لأبي موسى: "طف بالبيت وبين الصفا والمروة، وحل"، ولم يقل: طف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصر من شعرك أو احلق ثم أحل. فبين بذلك أن الحلق والتقصير ليسا من النسك، وإنما هما من معاني الإحلال، كما إن لبس الثياب والطيب بعد طواف المعتمر بالبيت، وسعيه من معاني إحلاله، وكذلك من إحلاله من إحرامه بعد رميه جمرة العقبة لا من نسكه، فتبين فساد قول من زعم أن المعتمر إذا جامع قبل الحلق بعد طوافه وسعيه أنه مفسد عمرته وهو قول الشافعي (٢). قال ابن المنذر: ولا أحفظ ذَلِكَ عن غيره. وقال مالك والثوري والكوفيون: عليه الهدي. وقال عطاء: يستغفر الله ولا شيء عليه. قال الطبري: وفي حديث أبي موسى بيان فساد قول من قال: إن المعتمر إن خرج من الحرم قبل أن يقصر أنَّ عليه دمًا، وإن كان قد طاف وسعى قبل خروجه منه. وفيه أيضًا أنه ﵇ إنما أذن لأبي موسى بالإحلال من عمرته بعد الطواف والسعي، فبان بذلك أن من حل منهما قبل ذَلِكَ فقد أخطأ، وخالف السنة، واتضح به فساد قول من زعم: أن المعتمر إذا دخل الحرم فقد حل، وله أن يلبس ويتطيب، ويعمل ما يعمله الحلال،

стр. 6927

وهو قول ابن عمر وابن المسيب، وعروة، والحسن، وصح أنه من حل من شيء، كان عليه حرامًا قبل ذَلِكَ فعليه الفدية. واختلف العلماء إذا وطئ المعتمر بعد طوافه، وقبل سعيه فقال مالك والشافعي، وأحمد وأبو ثور: عليه الهدي وعمرة أخرى مكانها، ويتم الذي أفسد، ووافقهم أبو حنيفة إذا جامع بعد طواف ثلاثة أشواط، وقال: إذا جامع بعد أربعة أشواط بالبيت أنه يقضي ما بقي من عمرته، وعليه دم، ولا شيء عليه، وهذا الحكم لا دليل عليه إلا الدَّعوى (١). حجة الأولين حديث ابن أبي أوفي في الباب: أنه ﵇ اعتمر مع أصحابه ولم يحلوا حَتَّى طافوا وسعوا، وبذلك أمر ﵇ أبا موسى قال له: ("طف واسع وأحل") فوجب الاقتداء بسنته واتباع أمره، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢) وقد فهم الصحابة الذين تلقوا عنه السنة قولًا وعملًا هذا المعنى منهم: ابن عمر وجابر (٣). وقولها: (فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) أي: حين أمرهم أن يجعلوا إحرامهم بالحج عمرة، فثبتت أسماء على عمرتها، وحاضت عائشة فلم تطف وأُمرت برفض ذكر العمرة، وأن تكون على الحج كما بدأت به أولًا، فأخبرت أسماء عن نفسها وعن غيرها، ولم يدل ذَلِكَ على أن عائشة مسحت البيت معهم؛ لثبوت حيضها فمُنِعت العمرة، ومثله حديث ابن عباس في حديث الفسخ: طفنا بالبيت، وأتينا النساء (٤)؛

стр. 6928

لأنه كان صغيرًا في حجة الوداع قد ناهز الحلم، ومثله لا يأتي النساء، وكذلك قالت عائشة -في حديث الأسود: فلما قدمنا تطوفنا بالبيت (١)، وهي لم تطف حَتَّى طهرت، ورجعت من عرفة؛ لأنها قالت فيه: ونساؤه لم يسقن الهدي، فأهللن فحضت، فلم أطف بالبيت بعد أن قالت: تطوفنا. وعلى هذا التأويل يخرج قول من قال: تمتع رسول الله ﷺ وتمتعنا معه (٢)، يعني: أمر، وقد تقدم معنى قولها: فلما مسحنا البيت، أحللنا (٣)، تريد السعي، وعليه تأوله الفقهاء (٤). وقال الداودي: فيه تقديم وتأخير واختصار، ومعناه اعتمرت أنا والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا بالحج، واعتمرت عائشة بعد أن حلت من حجها؛ لأن الروايات من غير طريق أن عائشة أتت البيت وهي حائض. وقال غيره: مسحنا بالبيت أي: طفنا؛ لأن من طاف به مسح الركن فصار اسمًا له. فائدة: في آخر حديث عبد الله بن أبي أوفى "بَشِّروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب". البيت: القصر، والبيت: الشرف أيضًا، قاله ابن الأعرابي، قال: والقصب: الدر المجوف، وقال الهروي: أراد بشرها بقصر من زمردة مجوفة، أو لؤلؤة مجوفة،

стр. 6929

والصخب: الصوت، والنصب: الإعياء والتعب، فما في الجنة لا تعب فيه ولا آفة. فائدة: معنى قوله لأبي موسى ("أَحَجَجْتَ؟ ") أي: نويت الحج؟ نبه على ذَلِكَ الداودي.

стр. 6930

١٢ - باب مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوِ الغَزْوِ ١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". [٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥ - مسلم: ١٣٤٤ - فتح ٣/ ٦١٨] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوِ أَوْ حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "لَا إله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". هذا الحديث أخرجه مسلم، وعنده: كان إذا قفل من الجيوش، أو السرايا أو الحج، أو العمرة إذا أوفى على ثنية أو فدْفَدٍ كبر ثلاثًا، ثم قال، الحديث، وفي رواية أنه كبر مرتين (١)، وذكره البخاري في آواخر غزوة الخندق أيضًا (٢)، وأخرج معناه من حديث أنس (٣) وجابر (٤)،

стр. 6931

وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه (١). ومعنى: قفل: رجع إلى بلده، ولا يسمى المتوجه من بلده قافلًا بل صائبة، وقال في "النهاية": أكثر ما يستعمل في الرجوع، ويُقال: قفول فيها الشرف العالي (٢). آيبون: يريد نفسه ومن معه من سفرهم، وقيل: لا يكون إلا الرجوع إلى أهله، حكاه في "المحكم": تائبون من كل منهي، عابدون له وحده، حامدون على ما تفضل من النصرة. وقوله: ("وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ") يريد أنه تعالى وعده بإعزاز دينه، وإهلاك عدوه، وغلبة الأحزاب، فيحتمل إرادة الأحزاب، ويحتمل أن يريد به أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن، ويحتمل أن يريد الدعاء كأنه قال: اللهم افعل ذَلِكَ وحدك، وخص استعمال هذا الذكر هنا؛ لأنه أفضل ما قاله النبيون قبله. وفيه من الفقه: استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه، والخضوع له، والثناء عليه عند القدوم من الحج، والجهاد على ما وهب من تمام المناسك، وما رزق من النصر على العدو، والرجوع إلى الموطن سالمين؛ وكذلك يجب إحداث الحمد لله والشكر له على ما يحدث على عباده من نعمه، فقد رضي من عباده بالإقرار له بالوحدانية، والخضوع له بالربوبية، والحمد والشكر عوضًا عما وهبهم من نعمه

стр. 6932

تفضلًا عليهم ورحمة لهم. وفيه: بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء أنه على غير التحريم؛ لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، فيحتمل أن يكون نهيه عن السجع متوجهًا إلى حين الدعاء خاصة خشية أن يشتغل الداعي بطلب الألفاظ، وتعديل الأقسام عن إخلاص النية، وإفراغ القلب في الدعاء، والاجتهاد فيه، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد بيان ذَلِكَ في باب: ما يكره من السجع في الدعاء، إن شاء الله ذَلِكَ وقدَّره (١).

стр. 6933

١٣ - باب اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْتَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ. [٥٩٦٥، ٥٩٦٦ - فتح: ٣/ ٦١٩] ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ (استَقْبَلَة) (١) أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ. وهو من أفراده، أغيلمة: تصغير غلمة، وكان القياس غليمة، ولكنهم ردوها إلى أفعلة أي: أغلمة، ذكره الخطابي (٢)، وقال الداودي: أغلمة: بفتح الألف جمع غلام، وهي اللغة. قالوا: جمع غلام: غلمة، غلمان، ولم يقولوا: أغلمة. وفيه: ركوب الثلاثة فأكثر على الدابة، وروي كراهية ركوب ثلاثة على دابة، ولا يصح (٣). وفيه: جواز حمل الدابة على ما أطاقت. وفيه: تلقي القادمين من الحج إكرامًا لهم وتعظيمًا؛ لأنه ﵇ لم ينكر تلقيهم، بل سر به؛ لحمله لهم بين يديه وخلفه، ويدخل في معنى ذَلِكَ من قدم من الجهاد، أو من سفر طاعة فلا بأس بالخروج

стр. 6934

إليه، وتلقيه تأنيسًا له وصلة. ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب: الثلاثة على الدابة، وسيأتي في كتاب: الزينة (١)، ولا يكلف إلا ما يطيق مما لا يطيقه أصلًا، أو طاقته بكلفة فلا يكلف به.

стр. 6935

١٤ - باب القُدُومِ بِالغَدَاةِ ١٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٦١٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبحَ. هذا الحديث من أفراده، واختار القدوم بالغداة ليتقدم خبره إلى أهله ويتأهبوا للقائه فيقدم على ذَلِكَ.
следующие страницы →