← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه (١). ومعنى: قفل: رجع إلى بلده، ولا يسمى المتوجه من بلده قافلًا بل صائبة، وقال في "النهاية": أكثر ما يستعمل في الرجوع، ويُقال: قفول فيها الشرف العالي (٢). آيبون: يريد نفسه ومن معه من سفرهم، وقيل: لا يكون إلا الرجوع إلى أهله، حكاه في "المحكم": تائبون من كل منهي، عابدون له وحده، حامدون على ما تفضل من النصرة. وقوله: ("وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ") يريد أنه تعالى وعده بإعزاز دينه، وإهلاك عدوه، وغلبة الأحزاب، فيحتمل إرادة الأحزاب، ويحتمل أن يريد به أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن، ويحتمل أن يريد الدعاء كأنه قال: اللهم افعل ذَلِكَ وحدك، وخص استعمال هذا الذكر هنا؛ لأنه أفضل ما قاله النبيون قبله. وفيه من الفقه: استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه، والخضوع له، والثناء عليه عند القدوم من الحج، والجهاد على ما وهب من تمام المناسك، وما رزق من النصر على العدو، والرجوع إلى الموطن سالمين؛ وكذلك يجب إحداث الحمد لله والشكر له على ما يحدث على عباده من نعمه، فقد رضي من عباده بالإقرار له بالوحدانية، والخضوع له بالربوبية، والحمد والشكر عوضًا عما وهبهم من نعمه

стр. 6932

تفضلًا عليهم ورحمة لهم. وفيه: بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء أنه على غير التحريم؛ لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، فيحتمل أن يكون نهيه عن السجع متوجهًا إلى حين الدعاء خاصة خشية أن يشتغل الداعي بطلب الألفاظ، وتعديل الأقسام عن إخلاص النية، وإفراغ القلب في الدعاء، والاجتهاد فيه، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد بيان ذَلِكَ في باب: ما يكره من السجع في الدعاء، إن شاء الله ذَلِكَ وقدَّره (١).

стр. 6933

١٣ - باب اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْتَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ. [٥٩٦٥، ٥٩٦٦ - فتح: ٣/ ٦١٩] ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ (استَقْبَلَة) (١) أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ. وهو من أفراده، أغيلمة: تصغير غلمة، وكان القياس غليمة، ولكنهم ردوها إلى أفعلة أي: أغلمة، ذكره الخطابي (٢)، وقال الداودي: أغلمة: بفتح الألف جمع غلام، وهي اللغة. قالوا: جمع غلام: غلمة، غلمان، ولم يقولوا: أغلمة. وفيه: ركوب الثلاثة فأكثر على الدابة، وروي كراهية ركوب ثلاثة على دابة، ولا يصح (٣). وفيه: جواز حمل الدابة على ما أطاقت. وفيه: تلقي القادمين من الحج إكرامًا لهم وتعظيمًا؛ لأنه ﵇ لم ينكر تلقيهم، بل سر به؛ لحمله لهم بين يديه وخلفه، ويدخل في معنى ذَلِكَ من قدم من الجهاد، أو من سفر طاعة فلا بأس بالخروج

стр. 6934

إليه، وتلقيه تأنيسًا له وصلة. ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب: الثلاثة على الدابة، وسيأتي في كتاب: الزينة (١)، ولا يكلف إلا ما يطيق مما لا يطيقه أصلًا، أو طاقته بكلفة فلا يكلف به.

стр. 6935

١٤ - باب القُدُومِ بِالغَدَاةِ ١٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٦١٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبحَ. هذا الحديث من أفراده، واختار القدوم بالغداة ليتقدم خبره إلى أهله ويتأهبوا للقائه فيقدم على ذَلِكَ.

стр. 6936

١٥ - باب الدُّخُولِ بِالعَشِيِّ ١٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ اِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يدخلُ إِلَّا غُدْوَةَ أَوْ عَشِيَّةَ. [مسلم: ١٩٢٨ - فتح: ٣/ ٦١٩] ذكر فيه حديث أنس: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يدخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الجهاد (١)، والنسائي في عِشرة النساء (٢). والدخول بالعشي مباح، وإنما النهي عنه أن يطرق القادم أهله ليلًا. ومعني لا يطرق أهله: لا يأتيهم ليلًا. يقال: طَرق يطرُق بضم الراء طَرْقًا، ورجل طرقه: إذا كان يسري حَتَّى يطرق أهله ليلًا. وسيأتي حديث جابر بعد هذا: نهى النبي ﷺ أن يطرق أهله ليلًا (٣)، وأتى به على التأكيد، وإن كان ابن فارس حكى عن بعضهم طرق بالنهار أيضًا (٤)، فعلى هذا يكون على البيان.

стр. 6937

١٦ - باب لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ إِذَا بَلَغَ المَدِينَةَ ١٨٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٣/ ٦٢٠] سلف حديث جابر في الباب قبله، وقد جاء في الحديث بيان المعنى الذي من أجله نهى عن هذا، وهو لكي تمتشط الشَّعِثة وتستحد المغيبة. كما أخرجه الشيخان من حديثه كراهية أن يهجم منها على ما يقبح عنده اطلاعه عليه فيكون سببًا إلى شنآنها وبغضها، فنبههم على ما تدوم به الألفة بينهم، وتتأكد المحبة، فينبغي لمن أراد الأخذ بأدب نبيه أن يجتنب مباشرة أهله في حال البذاذة وغير النظافة، وأن لا يتعرض لرؤية عورة يكرهها منها، ألا ترى أن الله تعالى أمر من لم يبلغ الحلم بالاستئذان في الأحوال الثلاثة في الآية (١)، لما كانت هذِه أوقات التجرد والخلوة خشية الاطلاع على العورات، وما يكره النظر إليه، وعن ابن عباس أنه قال: آية لم يؤمن بها أكثر الناس، آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذِه أن تستأذن علي (٢).

стр. 6938

١٧ - باب مَنْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ إِذَا بَلَغَ المَدِينَةَ ١٨٠٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: زَادَ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جُدُرَاتٍ. تَابَعَهُ الَحارِثُ بْنُ عُمَيْرِ. [١٨٨٦ - فتح: ٣/ ٦٢٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أنَسًا يَقُولُ: كَانَ النبي ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) (١): زَادَ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. حَدَّثَنَاُ قتيْبَةُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ قَالَ: جُدُرَاتٍ. تَابَعَهُ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ. هذا الحديث من أفراده، نعم في مسلم، عن أنس لما وصف قفوله ﷺ من خيبر، فانطلقنا حَتَّى أتينا حيدر المدينة هششنا إليها فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله ﷺ مطيته (٢). وزيادة الحارث أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في "مستخرجه" من حديث ابن أبي شيبة: ثَنَا خالد بن مخلد، ثَنَا الحارث بن عميرة ومحمد بن جعفر، عن محمد بن جعفر، عن حميد، عن أنس فذكره وأخرجها أيضًا الترمذي عن علي بن حجر الإسماعيلي جعفر عن حميد

стр. 6939

عن أنس وقال: صحيح غريب (١). واعترض الإسماعيلي على الترجمة فقال: ليس بصحيح. إذ يقول أسرع بناقته (٢). قلت: لا اعتراض عليه، فأسرع يتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى، كما نبه عليه صاحب "المحكم" (٣)، ودوحات بالدال والواو والحاء المهملة، وفي رواية المستملي، والنسفي: والكافة: (درجات) بالدال والراء، قال صاحب "المطالع": يعني: المنازل، والأشبه جدرات، والدوحات (٤) جمع دوحة: وهي الشجرة العظيمة المتسعة، والجمع: دوح، وأدواح: جمع الجمع. وقال أبو حنيفة: الدوائح العظام وكأنه جمع: دائحة. وقال ابن سيده: وإن لم يتكلم به، والدوحة: المظلة العظيمة، والدوح بغير هاء: البيت الضخم الكبير من الشجر (٥). وقال ابن الأنباري في "شرح المقامات": يقال: شجرة دوحة إذا كانت عظيمة كثيرة الورق والأغصان. وقوله: "أَوْضَعَ نَاقَتَهُ" سار بها سيرًا سهلًا سريعًا، ذكره ابن فارس (٦)، وغيره يقول: أسرع. وقوله: (مِنْ حُبِّهَا) أي لأنها وطنه، وفيها أهله، وولده الذين هم أحب الناس إليه، وقد جبل الله النفوس على حب الأوطان، والحنين إليها. وفيه: الأمر بسرعة الرجوع إلى الأهلين عند انقضاء مأربهم.

стр. 6940

١٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] ١٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. [٤٥١٢ - مسلم: ٣٠٢٦ - فتح: ٣/ ٦٢١] ذكر فيه حديث البراء: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، ولكن مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، وفي بعض ألفاظ البخاري عنه: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله الآية (٢)، وقال مجاهد: كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نقب كوة في ظهر بيته، وجعل سلمًا فيدخل منها، وقال معمر عن الزهري: كان الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذَلِكَ، وكان الرجل حين يخرج مهلًا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته، فيرجع لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه،

стр. 6941

حَتَّى بلغنا أن النبي ﷺ أهل من الحديبية بالعمرة فدخل حجرته، فدخل رجل من الحمس من ورائه، فقال له الأنصاري: وأنا أحمس، يقول: وأنا على دينك؛ لأن الحمس كانت لا تبالي ذَلِكَ فأنزل الله الآية (١)، والرجل من الأنصار: هو رفاعة بن تابوت، كذا أخرجه عبد في "تفسيره"، عن قيس بن جرير (٢). وأخرج الحاكم وقال: على شرط الشيخين، أنه قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري السلمي (٣). وفي "مقامات التنزيل" لأبي العباس: الذي دخل مع رسول الله ﷺ وقال: إني أحمس رجل من المشركين، قال: وفي رواية الزهري: أن الآية نزلت في الحديبية حين أحرم بها. وقال محمد بن كعب القرظي -فيما حكاه ابن أبي حاتم في "تفسيره"-: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فنزلت الآية، وحكى أيضًا عن عطاء قال: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا البيوت من ظهورها، ويرون أن ذَلِكَ أدنى البر فنزلت الآية (٤)، وعن الحسن: إذا أراد أحدهم سفرًا ثم بدا له فنزلت (٥). وقال الزجاج: كان قوم من قريش وجماعة منهم من العرب إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضها، ولم يتيسر له رجع، فلم يدخل من باب بيته يفعل ذَلِكَ طيرة فأعلمهم الله تعالى أن هذا غير بر.

стр. 6942

وقال الأكثر من أهل التفسير: وهم قوم من قريش، وبني عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة، كانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط ولا ينتفون الوبر، ولا يسلون السمن، وإذا خرج أحدهم في الإحرام لم يدخل من باب بيته، فنزلت الآية.

стр. 6943

١٩ - باب السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ ١٨٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ". [٣٠٠١، ٥٤٢٩ - مسلم: ١٩٢٧ - فتح: ٣/ ٦٢٢] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتفرد به مالك عن سمي ولا يصح لغيره، كما قاله أبو عمر قال: وانفرد به سمي أيضًا فلا يحفظ عن غيره، وهكذا هو في "الموطأ" (٢) عند جماعة الرواة بهذا الإسناد، ورواه ابن مهدي، (و) (٣) بشر، عن مالك مرسلًا، وكان وكيع يحدث به عن مالك حينًا مرسلًا وحينًا مسندًا كما في "الموطأ"، والمسند صحيح ثابت احتاج الناس فيه إلى مالك، وليس له غير هذا الإسناد من وجه يصح. وروى عبيد الله بن المنتاب، عن سليمان بن إسحاق (الطلحيِّ) (٤)،

стр. 6944

عن هارون الفروي، عن عبد الملك بن الماجشون قال: قال مالك: ما بال أهل العراق يسألونني عن حديث "السفر قطعة من العذاب؟ " قيل له: لم يروه غيرك، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت به. ورواه (عصام) (١) بن رواد بن الجراح، عن أبيه، عن مالك، عن ربيعة، عن القاسم، عن عائشة (٢)، وعن مالك، عن سمي كما سلف مرفوعًا به قال: وحديث رواد غير محفوظ، لا أعلم رواه عن مالك غيره، وهو خطأ ليس رواد ممن يحتج به (٣)، ولا يعول عليه، وقد رواه خالد بن مخلدٍ، عن محمد بن جعفر الوركاني، عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولا يصح لمالك عن سهيل عندي، إلا أنه لا يبعد أن يكون عن سهيل أيضًا، وليس

стр. 6945

بمعروف لمالك عنه، وقد روي عن عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح أيضًا عندي، وإنما هو لمالك، عن سمي، لا عن سهيل، ولا عن ربيعة، ولا عن أبي النضر، وقد رواه بعض الضعفاء عن مالك قال: وليتخذ لأهله هدية، وإن لم يلق إلا حجرًا فليلقه في مخلاته قال: والحجارة يومئذٍ تضرب بها القداح. قال أبو عمر: وهذِه زيادة منكرة لا تصح، ورواه ابن سمعان (١)، عن زيد بن أسلم، عن جمهان، عن أبي هريرة مرفوعًا: "السفر قطعة من العذاب" (٢) وابن سمعان كان مالك يرميه بالكذب (٣)، قال: وقد رويناه عن الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة بإسناد صالح، لكنه لا تقوى الحجة به. وفيه: "وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام والدواب" (٤).

стр. 6946

قال: وفيه دلالة على أن طول التغرب عن الأهل لغير حاجة أكيدة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز، وإنَّ من انقضت حاجته لزمه الاستعجال إلى أهله الذين يقوتهم. وقد روى وكيع عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر، إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين"، وقال: هذا حديث غريب لا أصل له من حديث مالك ولا غيره (١) (وهو حديث حسن) (٢) ومما يدخل في هذا الباب قوله: "سافروا تغنموا" (٣). قلت: أخرجه ( ...... ) (٤) ابن عباس وابن عمر مرفوعًا (٥)، وقد ظنه قوم معارضًا

стр. 6947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6948

لهذا الحديث، وليس كذلك لاحتمال أن يكون العذاب وهو: التعب، والنصب ها هنا (مسندًا) (١) للصحة (٢). لأن في الحركة والرياضة منفعة لا سيما لأهل الدعة، والرفاهية كالدواء المر المعقب للمصلحة، وإن كان في تناوله كراهية. والنهمة بفتح النون وسكون الهاء: الحاجة، قال صاحب "الموعب": والنهمة أيضًا بلوغ الهمة بالشيء وهو منهوم بكذا أي: مولع. وفيه: حجة لمن رأى تغريب الزاني بعد جلده، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وأراد بمنعه طعامه وشرابه ونومه في وقت يريده؛ لاشتغاله بمسيره.

стр. 6949

وفيه: الحث على ترك الأسفار غير سفر الطاعة؛ لما فيه من فوت الجماعات، والتقصير في العبادة. وفيه: كما سلف حض أكيد وندب على سرعة رجوع المسافر إلى أهله عند انقضاء حاجته، وقد بين ﵇ المعنى في ذَلِكَ بقوله: "يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه"، وامتناع هذِه الثلاثة التي هي أركان الحياة مع ما ينضاف إليها من مشقة السفر، وتعبه، هو العذاب، الذي أشار إليه ﵇ فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله؛ لكي يتعوض من ألم ما ناله من ذَلِكَ للراحة والدعة في أهله، والعرب تشبه الرجل في أهله بالأمير. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] قال: من كان له دار وخادم فهو داخل في معنى الآية، وقد أخبر الله تعالى بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فقيل: المودة: الجماع، والرحمة: الولد. فائدة: من طُرَف ما وقع لي أن إمام الحرمين سأله بعضهم -لما جُعِل مكان والده- عن معنى قوله: ("السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ") فأجاب في الحال؛ لأن فيه فراق الأحباب، وهو من عجيب الأجوبة.

стр. 6950

٢٠ - باب المُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ ١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ، فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٣/ ٦٢٤] ذكر فيه عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابن عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفيَّةَ بِنْتِ أبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، .. الحديث. وسلف في باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر، مطولًا (١). وفيه: جواز الإسراع على الدواب عند الحاجة؛ لغرض، ولا سيما عن خبر مقلق بلغه عن أهله. قال ابن التين: والأولى أن يكون ابن عمر تأول جمعه ﵇ بالمزدلفة.

стр. 6951

٢٧ كِتابُ المُحصَر

стр. 6952

باب المُحْصَرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَالَ عَطَاءٌ: الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يَحْبِسُهُ. تقدم في باب: طواف القارن الكلام على الحصر، فراجعه من ثَمَّ، وأن أصله المنع والحبس، وقد يكون بعدو وقد يكون بمرض. وأثر عطاء رواه ابن أبي شيبة: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج عنه قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس (١). وحَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن هشام، عنه في المحصر: إذا ذبح هديه حل من كل شيء هو بمنزلة الحلال (٢).

стр. 6953

وقد أسلفنا الاختلاف اللغوي: هل يقال من العدو: حصر فهو محصور، ومن المرض: أحصر فهو محصر، وهو قول الكسائي وأبي عبيد، أو أحصر من المرض ومن العدو ومن كل شيء حبس الحاج، كما قال عطاء، وهو قول النخعي والثوري والكوفيين (١)، وهو قول الفراء وأبي عمرو، والحجة لذلك الآية المذكورة، وإنما نزلت في الحديبية، وكان حبسهم يومئذٍ بالعدو. وقال أبو عمرو: يقال حصرني الشيء وأحصرني: حبسني. وحكم الإحصار بعدو مخالف لحكم الإحصار بمرض عند الجمهور على ما يأتي بيانه بعد. وفي بعض نسخ البخاري بعد قوله: (وجزاء الصيد) ﴿وَحَصُورًا﴾: لا يأتي النساء، وهو قول سعيد بن جبير (٢) وعطاء (٣) ومجاهد (٤) في تفسير الآية، وهو بمعنى: محصور كأنه منع مما يكون من الرجال، وفعول بمعنى: مفعول كثير في كلام العرب، كحلوب وركوب.

стр. 6954

وعن سعيد بن المسيب لما قرأ الآية أخذ من الأرض شيئًا ثم قال: الحصور الذي ليس له إلا مثل هذا (١)، وقيل: الحابس نفسه عن المعاصي. وقال ابن عباس: هو الذي لا يُنْزِل (٢). قلت: والظاهر أنه الذي لا يقع منه مع القدرة؛ لأن العنة عيب، والأنبياء يصانون عنه (٣)، والآية حجة لأبي حنيفة والشافعي وأشهب في أن المحصور بعذر عليه الهدي (٤)، وانفرد أشهب بذلك بين أصحابه (٥)، والآية محمولة عند مالك وأصحابه على المرض (٦)، وفسر العزيزي الآية بالمنع من السير لمرض أو عدو أو غيره من العوائق. ومذهب ابن عمر وابن عباس وأهل المدينة: أنه لا يكون إلا من عدو. وابن مسعود وأهل الكوفة: أنه منه ومن المرض (٧)، وعليهما الهدي واجب على من منع لعدو، والمعنى فرضيته للمحصر.

стр. 6955

١ - باب إِذَا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ ١٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ قَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤] ١٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُبَيْدَ، اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ العَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ البَيْتِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ العُمْرَةَ، إِنْ شَاءَ اللهُ أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ. فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي. فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَهْدَى، وَكَانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤] ١٨٠٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللهِ قَالَ لَهُ لَوْ أَقَمْتَ. بِهَذَا. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤] ١٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. [فتح: ٤/ ٤]

стр. 6956

ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: أَنَّ ابن عُمَرَ لما خَرَجَ إِلَى مَكَةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ فقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وأَهَلَّ بِعُمْرَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ. ثانيها: حديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا كلَّمَا عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ العَامَ .. الحديث، وقد سلفا. ثالثها: حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحِ -هو الوحاظي (١) - ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله ﷺ فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. ومحمد هذا قيل: إنه ابن إدريس أبو حاتم الرازي الحافظ، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، كذا هو بخط الدمياطي على حاشية الصحيح مقتصرًا عليه. وقال أبو مسعود الدمشقي: محمد هذا هو محمد بن مسلم بن وارة، وقال الحاكم: هو الذهلي. وقال الكلاباذي: هو محمد بن إدريس أبو حاتم الرازي، وقال: قاله لي ابن أبي سعيد السرخسي وذكر أنه رآه في أصلٍ عتيق (٢). قلت: يؤيده أن الإسماعيلي رواه في "مستخرجه" عن عبد الله بن

стр. 6957

محمد بن مسلم، عن أبي حاتم الرازي، ثنا يحيى بن صالح، ومن جهته رواه ابن طاهر مرسخًا لكونه أبا حاتم (١)، وكذا قال أبو نعيم في "مستخرجه": حَدّثَنَا أبو أحمد، ثَنَا عبد الله بن محمد بن مسلم، ثَنَا أبو حاتم، فذكره. إذا تقرر ذَلِكَ: فغرض البخاري من هذِه الترجمة الرد على من قال: إن من أحصر في العمرة بعدو، أنه لا بد من الوصول إلى البيت والاعتمار؛ لأن السنة كلها وقت للعمرة بخلاف الحج، ولا إحصار في العمرة، ويقيم على إحرامه أبدًا، وهو قول لبعض السلف، حكي عن مالك وهو مخالف لفعله ﵇؛ لأنه كان معتمرًا بالحديبية هو وجميع أصحابه وما حلوا دون البيت، والفقهاء على خلافه حكم الإحصار في العمرة والحج عندهم سواء. واختلف فيمن أحصر بعدو، فقال مالك والشافعي: لا حصر إلا حصر العدو (٢)، وهو قول ابن عباس (٣) وابن عمر (٤). ومعنى ذَلِكَ: أنه لا يحل لمحصر أن يحل دون البيت إلا من حصره العدو،

стр. 6958

كما فعل الشارع، وكان حصره بالعدو، واحتج الشافعي فقال: على الناس إتمام الحج والعمرة، ورخص الله تعالى في الإحلال للمحصر بعدو، فقلنا: في كل بأمر الله ولم نعد بالرخصة موضعها كما لم نعد بالرخصة المسح على الخفين، ولم يجعل عمامة ولا قفازين قياسًا على الخفين. وخالف الشافعي مالكًا، فأوجب عليه الهدي، ينحره في المكان الذي حصر فيه، وقد حل، كما فعل النبي ﷺ بالحديبية، وهو قول أشهب، وقال أبو حنيفة: الهدي واجب عليه ينحره في الحرم. وقد حل كما أسلفناه فيما مضى، واحتجوا في إيجاب الهدي عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فأجابهم الكوفيون: أن هذا إحصار مرض، ولو كان إحصار عدو لم يكن لهم في نحر أهل الحديبية حجة؛ لأن ما كان معهم من الهدي لم يكونوا ساقوه لما عرض لهم من حصر العدو؛ لأنه ﵇ لم يعلم حين قلده أنه يصد، وإنما ساقه تطوعًا فلما صد أخبر الله عن صدهم وحبسهم الهدي عن بلوغ محله. وكيف يجوز أن ينوب هدي قد ساقه قبل أن يصد عن دم وجب بالصد، ولم يأمرهم الشارع بهدي؛ لحصرهم، قاله جابر (١)، ولو وجب عليهم الهدي لأمرهم به كما أمرهم بالهدي الذي وجب عليهم، فكيف ينقل الحلق ولا ينقل إيجاب الهدي؟ وهو يحتاج إلى بيان من معه هدي: ما حكمه؟ ومن لا هدي معه، ما حكمه؟ وأما قول أبي حنيفة: ينحره في الحرم بقوله تعالى: ﴿وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] يدل أن التقصير عن بلوغ المحل سواء كان ذَلِكَ في الحل

стр. 6959

أو الحرم اسم التقصير واقع عليه إذا لم يبلغ مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقول ابن عمر: إنما شأنهما واحد، يعني: الحج والعمرة في اجتناب ما يجتنب المحرم بالحج وفي العمل لهما؛ لأن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا يجزئ القارن عنده. واختلفوا فيمن أحصر بمرض؛ فقال مالك: لا يجوز له التحلل دون البيت بالطواف والسعي، ثم عليه حج قابل والهدي، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقال أبو حنيفة: المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو، يبعث بهديه إلى الحرم، فإذا علم أنه نحر عنه حل في مكانه من غير عمل عمرة، وإنما لم ير عليه عمرة؛ لأنه محرم والعمرة تحتاج إلى إحرام مستأنف ولا يدخل إحرام على إحرام. وهو قول النخعي وعطاء والثوري (١). واحتجوا بالحديث السالف هناك "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل" (٢)، فيحتمل أن يكون معناه: فقد حل له أن يحل إذا نحر

стр. 6960

الهدي في الحرم لا على معنى: أنه قد حل بذلك من إحرامه كما يقال: حلت فلانة للرجال إذا خرجت من عدتها، ليس على معنى: أنها قد حلت للأزواج فيكون لهم وطؤها، ولكن على معنى: أنه قد حل لهم تزويجها فيحل لهم حينئذٍ وطؤها وهو سائغ في الكلام، وهذا موافق معنى حديث ابن عمر أنه ﵇ لم يحل من عمرته بحصر العدو إياه حَتَّى نحر الهدي (١). ومعنى هذا الحديث عند أهل المقالة الأولى: وقد حل يعني: وصل البيت وطاف وسعى حلًا كاملًا، وحل له بنفس العرج والكسر أن يفعل ما شاء من إلقاء التفث ويفتدي، وليس للصحيح أن يفعل ذَلِكَ. قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا إسناد صالح من أسانيد الشيوخ، ولكن أحاديث الثقات تضعفه، حَدَّثَنَا سليمان بن حرب: حَدَّثَنَا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: خرجت معتمرًا حَتَّى إذا

стр. 6961

كنت بالرثينة وقعت عن راحلتي فانكسرت، فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر أسألهما فقالا: ليس لها وقت كوقت الحج، يكون على إحرامه حَتَّى يصل إلى البيت (١). وحَدَّثَنَا علي، ثَنَا سفيان، قال عمرو: أخبرني ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو. ورواه ابن جريج ومعمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (٢)، فقد بان بما رواه الثقات أنه خلاف ذَلِكَ؛ لأن ابن عباس حصر الحصر بالعدو دون غيره، فبان أن مذهب مالك كمذهب ابن عمر، ومن الحجة له في أن المحصر بمرض لا يحله إلا البيت، قوله تعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، فأعلمنا تعالى أنهم حبسوا الهدي عن بلوغ محله فينبغي أن يكون بلوغ محله شرطًا فيه مع القدرة عليه، وأما قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] والمخاطب بذلك: الآمن الذي يجد السبيل إلى الوصول إلى البيت، والمريض آمن يمكنه ذَلِكَ، وقول الكوفيين ضعيف، وفيه تناقض؛ لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا بمرض أن يحل حَتَّى ينحر هديه في الحرم، وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث هديه ويواعد حامله يومًا ينحر فيه، فيحلق، ويحل أجازوا له الإحلال بغير يقين من نحر الهدي وبلوغه، وحملوه على الإحلال بالظنون.

стр. 6962

والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه فرض أن يخرج منه بالظن، والدليل على أن ذَلِكَ ظن قولهم: أنه لو عطب الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد، أنه يعود حرامًا، وعليه جزاء ما صاد، وأباحوا له فساد الحج بالجماع، وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه وهذا تناقض بلا شك. واحتج الكوفيون بحديث ابن عباس في الباب، حَتَّى اعتمر عامًا قابلًا في وجوب قضاء الحج أو العمرة على من أحصر في أحدهما بعدو، وقال أهل الحجاز: معنى قوله: حَتَّى اعتمر إلى آخره، هو ما عقده معهم في صلح الحديبية أنه لا يمنعوه البيت عامًا قابلًا، ولا يحال بينهم وبينه، فإما أن يكون ما فعلوه من العمرة قضاء عن عمرة الحديبية، ففيه النزاع، فيحتاج إلى ذَلِكَ، وسيأتي ما للعلماء فيه قريبًا في باب: من قال: ليس على المحصر بدل. وقول ابن عباس: (قد أحصر رسول الله ﷺ ) حجة على من قال: لا يقال: أحصره العدو، وإنما يقال: حصره العدو وأحصره المرض، واحتج بقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، واحتج به ابن القصار (١) فيقال له: هذا ابن عباس قال: قد أحصر رسول الله ﷺ . وقام الإجماع أنه ﵇ لم يحصر بمرض، وإنما أحصر بعدو عام الحديبية (٢)، فثبت أنه يقال: حصره العدو وأحصره لغتان. وقوله: (أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي). فهو حجة لمثبت القياس، ولمن قال: أن الحج يرتدف على العمرة، وروى معمر، عن منصور، عن مالك بن الحارث قال: لقيتُ عليًا، وقد أهللت بالحج

стр. 6963

فقلت له: هل أستطيع أن أضيف إلى حجتي عمرة؟ قال: لا ذَلِكَ لو كنت بدأت بالعمرة ضممت إليها حجًّا (١)، وهذا قول مالك وأبي حنيفة قالا: ويصير قارنًا (٢)، قال مالك: ولا تدخل العمرة على الحج، وهو قول أبي ثور وإسحاق. وقال الكوفيون: تجوز ويصير قارنًا، وقال الشافعي بالعراق كقول الكوفي، وقال بمصر: أكثر من لقيت يقول: ليس له ذَلِكَ. قال ابن المنذر: والحجة لقول مالك: أن أصل الأعمال أن لا يدخل عمل على عمل ولا صلاة على صلاة، ولا صوم على صوم ولا حج على حج، ولا عمرة على عمرة إلا ما خصت السنة في إدخال الحج على العمرة، وعلى الذي يحرم بعمرة إذا ضم إليها حجًّا فقد ضم إلى العمل الذي كان قد دخل فيه، وألزم نفسه أعمالًا لم تكن لزمته حين أحرم بالعمرة، مثل الخروج إلى منى والوقوف بالموقفين، ورمي الجمار، والمقام بمنى، وغير ذَلِكَ من أعمال الحج، والذي يضم إلى الحج عمرة لم يضم إليها عملًا؛ لأن عمل المفرد والقارن واحد، والذي يعتمد عليه في هذا الباب السنة وإجماع الأمة (٣).

стр. 6964

وقوله: (في الفتنة) يريد فتنة الحجاج ونزوله على ابن الزبير. وقوله: (صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ )، يريد أنه يحل دون البيت، ويجزئ عنه نسكه ولو لم يكن محرمًا ما دخل فيه؛ لأنه بمنزلة من تعرض لفوات النَّسك وإبطاله، ويحتمل كما قال ابن التين: أن يكون ابن عمر لم يتيقن نزول الجيش، وإنما كان يتيقيه ويخاف أن يكون، ويحتمل أن يكون تيقن نزوله، ولم يتقين صدَّه له؛ لما كان عليه من اعتزال الطوائف، ويبينه قوله: (إن صددت عن البيت) ولو لم يتيقن العذر المانع لما جاز أن يحرم؛ لأنه تلبس بعبادة يتيقن أنها لا تتم فيكون كالقاصد غير البيت بنسكه أو ملتزمًا لتمام النسك، ومطرحًا للإحلال بالحصر وعلى من فعل ذَلِكَ إتمام نسكه، ولا يحل دون البيت، قاله ابن الماجشون (١)، ومما يبينه أنه ﵇ لم يتيقن أن يصد عام الحديبية؛ لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما قصد العمرة ولم تكن قريش تمنع من قصد الحج والعمرة. وقوله: (أليس حسبكم). أي: أليس تكفيكم سنة رسول الله ﷺ ؟ لأن الحسب الكفاية، ومنه حسبنا الله أي: كافينا. وقال ابن عبد البر: اتفق مالك والشافعي على أن المحصر ينحر هديه حيث حبس وصد في الحل كان أو في الحرم، وخالفهما أبو حنيفة وأهل الكوفة، واختلفوا في موضع نحره يوم الحديبية هل كان في الحل أو في الحرم؟ فكان عطاء يقول: لم ينحر هديه يومها إلا في الحرم، وهو قول ابن إسحاق، وقال غيره من أصحاب المغازي: لم ينحره إلا في الحل وهو قول الشافعي (٢)، وقد سلف الخلاف فيه هناك.

стр. 6965

وذكر يعقوب بن سفيان: أخبرنا ابن أبي أويس عن مجمع بن يعقوب (١)، عن أبيه قال: لما حبس رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا، فبعث الله ريحًا عاصفًا فحملت شعورهم وألقتها في الحرم (٢). قال: فهذا بيَّن أنهم حلقوا في الحل (٣). وأكثر أهل العلم على أن المحصر عليه الهدي، خلافًا لمالك. وقال الطحاوي: إذا نحر المحصر هديه هل يحلق رأسه أم لا؟ فقال قوم: ليس عليه أن يحلق؛ لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال آخرون: بل يحلق فإن لم يحلق فلا شيء عليه، وهو قول أبي يوسف -وفي ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه ﵇ لما أحصر، ونحر الهدي حلق رأسه (٤)، وهذا يأتي- وقال آخرون: يحلق ويجب عليه ما يجب على الحاج والمعتمر -وهو قول مالك- فكان من حجة أبي حنيفة أنه قد سقط عنه بالإحصار جميع مناسك الحج، وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه، ألا ترى أنه إذا طاف يوم النحر حل له أن يحلق، فيحل له بذلك الطيب واللباس، فلما كان ذَلِكَ مما يفعله حين يحل يسقط ذلك عنه بالإحصار، سقط عنه سائر ما يحل به المحرم بسبب الإحصار، وكان من حجة الآخرين عليهم في ذَلِكَ أن

стр. 6966

تلك الأشياء من الطواف والسعي والرمي قد صد عنه المحرم، وحيل بينه وبينه فسقط عنه أن يفعله، والحلق لم يحل بينه وبينه وهو قادر على فعله فما كان يصل إلى فعله فحكمه فيه في حال الإحصار كحكمه في غير حال الإحصار، وما لا يستطيع أن يفعله في حال الإحصار فهو الذي يسقط عنه (١). وقد ثبت عنه ﷺ أنه حلق حين صد في حديث ابن عمر والمسور (٢)، وليس لأحد قياس مع وجود السنة الثابتة، وقد دعا رسول الله ﷺ للمحلقين يوم الحديبية ثلاثًا لأنهم لم يشكوا، وللمقصرين مرة (٣)، فثبت بتفضيله من حلق منهم على من قصَّر، أنه كان عليهم ذَلِكَ كما يكون عليهم لو وصلوا البيت، ولولا ذَلِكَ لما كانوا فيه إلا سواء، ولا كان لبعضهم في ذَلِكَ فضيلة على بعض، فبان أن حكم الحلق والتقصير لا يزول بالإحصار، وقد روى الطبراني والنسائي أيضًا، من حديث ناجية بن جندب، قال: أتيت رسول الله ﷺ حين صد الهدي. فقلت: يا رسول الله، أتبعث معي بالهدي فلأنحرنه بالحرم. قال: "كيف تصنع به؟ " قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون عليه، فانطلقت حَتَّى نحرته بالحرم (٤)، وقد ثبت عنه حين صد في حديث المسور:

стр. 6967

أنه حلق، قال (١): وذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم ذبح في غيره (٢) احتجاجًا بحديث ابن عباس، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره. وقالوا: إنما نحر هديه بالحديبية إذ صد دل أن من (لم) (٣) يمنع من إدخال هديه في الحرم أن يذبحه في غير الحرم. وهذا قول مالك (٤)، وروى سفيان من حديث أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: خرجت مع علي وعثمان فاشتكى الحسن بالسقيا وهو محرم فأصابه برسام (٥) فأومأ إلى رأسه فحلق ونحر جزورًا (٦)، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد فلم يذكر عثمان ولا أن الحسن كان محرمًا (٧) (٨).

стр. 6968

٢ - باب الإِحْصَارِ فِي الحَجِّ ١٨١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٨] ذكر فيه حديث سَالِمٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَحُجَّ قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. يريد حبس بمرض. وقوله: (طاف .. ) إلى آخره ويكون محصرًا بمكة. مذهب مالك والشافعي: أن المحصر بمرض لا يحل حَتَّى يطوف ويسعى (١)، وقال أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر (٢)، دليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والإتمام يقتضي الوجوب؛ ولأنه متلبس بالحج لم يصد عنه بيد عادية، فلم يحل دون البيت المخطي الوقت أو الطريق، فإن شرط التحلل بالمرض، فالمشهور عنه أنه يتحلل به لحديث ضباعة في ذَلِكَ (٣)، خلافًا لمالك.

стр. 6969

وقوله: (فيهدي). أي للآية السالفة ولا يذبحه إلا بمكة أو منى خلافًا للشافعي، وقد سلف، فإن بقى على إحرامه إلى قابل. ففي الهدي قولان عن مالك، فإن تحلل بعمرة في أشهر الحج، ففي تحلله قولان لابن القاسم، فإن صححناه. فاختلف قوله: هل يكون متمتعًا أم لا (١)؟ واحتج ابن عمر فيمن أحصر في الحج أنه يلزمه ما يلزم من أحصر في العمرة، وحكمهما سواء في ذَلِكَ، قاس الحج على العمرة، والشارع لم يحصر إلا في عمرة، وهو أصل في إثبات القياس كما سلف واستعمال الصحابة له. واختلف العلماء فيمن أحصر بمكة، فقال الشافعي وأبو ثور: حكم الغريب والمكي سواء يطوف ويسعى ويحل ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر، وأوجبها مالك على المحصر المكي، وعلى من أنشأه من مكة، وقال: لا بد لهم من الخروج إلى الحل لاستئناف عمرة التحلل؛ لأن الطواف الأول لم يكن نواه للعمرة، فلذلك يعمل بهذا، وفرق بين هؤلاء وبين الغريب يدخل من الحل محرمًا، فيطوف، ويسعى، ثم يحصره العدو عن الوقوف، أنه لا يحتاج إلى الخروج إلى الحل؛ لأن منه دخل ولم يحل من إحرامه، ويتحلل بعمرة ينشئها من مكة. وقال أبو حنيفة: لا يكون محصرًا من بلغ مكة؛ لأن الإحصار عنده من منع من الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال بموضعه، وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج يحل بعمرة، وعليه الحج من قابل ولا هدي عليه؛ لأن الهدي يجبر ما أدخله على نفسه، ومن

стр. 6970

حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصًا. وقال الزهري: إذا أحصر المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة وإن نعش نعشًا. وفي حديث ابن عمر رد على الزهري؛ لأن المحصر لو وقف بعرفة لم يكن محصرًا، ألا ترى قول ابن عمر: طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يذكر الوقوف بعرفة (١). وفيه أيضًا: رد قول أبي حنيفة: أن من كان بمكة لا يكون محصرًا، وقد استدل ابن عمر على أنه يكون محصرًا بقوله: (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج؟!) والحبس عنه: هو الإحصار عند أهل اللغة، وقول ابن عمر: ثم حل من كل شيء حَتَّى يحج عامًا قابلًا، ويهدي هديًا، معناه عند الحجازيين: إن كان ضرورة، ومعنى الهدي للضرورة: إذا قضى الحج إنما هو من أجل وقوع الحبس الذي كان يقع له في سفر واحد في سفرين، وكذلك معنى هدي الإحصار لمرض.
следующие страницы →