← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

وفيه أيضًا: أن المرأة ليس عليها تغطية وجهها وإنما على الناس أن يصرفوا أعينهم عن النظر إليها (١). وفيه: أن إحرام المرأة في وجهها ويديها وهو قول الجماعة، وكان الفضل من أجمل أهل زمانه كما سلف. وفيه: جواز الإرداف إذا كانت مطيقة. وأبعد من قال: إنه خاص بها على اشتراط الاستطاعة، وهي القدرة كما كان سالم مولى أبي حذيفة مخصوصًا برضاعه في حال الكبر (٢)، مع اشتراط تمام الرضاعة في الحولين، وقد أسلفنا هناك اختلاف العلماء في الذي لا يستطيع أن يستوي على الراحلة لكبر أو ضعف أو زمانة، وقد أتى رجل عليًّا فقال: كبرت وضعفت وفرطت في الحج. فقال: إن شئت جهزت رجلًا فحج عنك. وأن مالكًا وغيره منع النيابة، وأن الثلاثة قالوا بها، وبذل الولد الطاعة استطاعة، خلافًا لأبي حنيفة. واحتج من أجاز بحديث الباب، وفيه دليلان على وجوب الحج على المعضوب أنها قالت: (إن فريضة الله في الحج أدركت أبي) فأقرها ﵇ على ذَلِكَ، ولو لم يلزمه، وهي قد أدعت وجوبه على أبيها بحضرته لأنكره وأنه شبهه بالدين في رواية عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن النبي ﷺ حين أمر أن يحج عن الشيخ الكبير، قيل: أو ينفعه ذَلِكَ؟ قال: "نعم كما يكون على أحدكم الدين

стр. 7142

فيقضيه وليه عن" (١)، والدين الذي يقضى عن الإنسان يكون واجبًا عليه، ومن قضاه أسقط الفرض والمأثم، فكذا هنا؛ لقولها فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ وروى عبد الرزاق: أينفعه أن أحج عنه؟ قال: "نعم" واعترض بأنها قالت: أدركت. ولم تقل: فرضت على أبي. وإنما قالت: إنها نزلت وأبي شيخ، أي: فرضت في وقت أبي شيخ كبير لا يلزمه فرضها، فلم ينكر قولها، أو أنها توهمت أن الذي فرض على العباد يجوز أن يدخل فيه أبوها، غير أنه لا يقدر على الأداء، ولا يمتنع أن يتعلق الوجوب بشريطة القدرة على الأداء، فيكون الفرض وجب على أبيها، ثم وقت الأداء كان عاجزًا؛ لأن الإنسان لو كان واجدًا للراحلة والزاد وكان قادرًا ببدنه لم يمتنع أن يقال له في المحرم: قد فرض عليك الحج، فإن بقيت كذلك إلى وقت الحج لزمك الأداء وإلا سقط عنك. ومعلوم أن فرض الحج نزل في غير وقت الحج المضيق، فإنما سألته في وقت الأداء عن ذَلِكَ. وقولها: (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فقالَ: "نَعَمْ") لا يدل أن الأداء كان مقررًا عليه فسقط بفعلها، ولكنه أراد أنها إن فعلت ذَلِكَ نفعه ثواب ما يلحقه من دعائها في الحج، كما لو تطوعت بقضاء دينه، إلا أنه مثل الدين في الحقيقة؛ لأنه حق لآدمي يسقط بالإبراء، ويؤدى عنه مع القدرة والعجز، وبأمره مع الصحة وغير أمره، ولو كان كالدين إذا حجت عنه ثم قوي وصح سقط عنه، كما يقضى دين المعسر ويستغني. وراجع ما أسلفناه تجد الجواب.

стр. 7143

واختلف العلماء في المريض يأمر من يحج عنه ثم يصح بعد ذَلِكَ ويقدر، فقال الكوفيون والشافعي وأبو ثور: لا يجزئه، وعليه أن يحج. وقال أحمد وإسحاق: يجزئه الحج عنه. وكذلك إن مات من مرضه وقد حج عنه، فقال الكوفيون وأبو ثور: يجزئه من حجة الإسلام (١). قال ابن بطال: وللشافعي قولان أحدهما: هذا، والثاني: لا يجزئ عنه، قال: وهو أصح القولين (٢).

стр. 7144

٢٥ - باب حَجِّ الصِّبْيَانِ ١٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. [انظر: ١٦٧٧ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٤/ ٧١] ١٨٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ٤/ ٧١] ١٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. [فتح: ٤/ ٧١] ١٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ . [٦٧١٢، ٧٣٣٠ - فتح: ٤/ ٧١] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. وحديثه أيضا: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانِ لِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدى بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ .. الحديث. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.

стр. 7145

وحديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَنَا ابن سَبْعِ سِنِينَ. وفي لفظ: حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ . الشرح: الحديث الأول سلف في الباب (١)، والثاني في الصلاة (٢)، والثالث من أفراده. والثقل بفتح الثاء والقاف، قال ابن فارس: ارتحل القوم بثقلهم (٣). وضبطه بما ذكرناه، وفي الأصل فيه بإسكان القاف أي: بأمتعتهم، وقال غيره: الثقل في القول، وفي الحديث: يجد للوحي ثقلًا (٤). و (ناهزت): قاربت، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وأشهر، ومات رسول الله ﷺ وهو ابن أربع عشرة بخلاف، وهذِه الأحاديث دالة على أن الصبي حجه حج؛ خلافًا لأبي حنيفة، ويعضد هذا حديث ابن عباس في مسلم وهو من أفراده أن النبي ﷺ لقي ركبًا بالروحاء فرفعت امرأة إليه صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٥) وكالصلاة. وقد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا وجوب عليه حَتَّى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء، وعلى هذا المعنى حمل العلماء أحاديث الباب. وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه (٦) -كما سلف- ولا يلزمه شيء

стр. 7146

عليه بارتكاب محظوره، وإنما يفعل به ذَلِكَ، ويجنب محظوراته على وجه التعليم له، والتمرين عليه، كما قالوا في الصلاة أنها لا تكون صلاة أصلًا، وشذ من لا يعد خلافه فقال: إذا حج الصبي قبل بلوغه أجزأه ذَلِكَ عن حجة الإسلام؛ واحتج بحديث ابن عباس الذي ذكرناه، والحجة عليه في نفيه عنه حج التطوع هذا الحديث، وأضاف الحج الشرعي إليه، فوجب أن تتعلق به أحكامه، وأكد هذا بقوله "ولك أجر" فأخبر أنها تستحق الثواب على إحجاجه، وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل حج بابن صبي له أصاب حمامًا في الحرم: اذبح عن ابنك شاة (١). وقام الإجماع على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم، وأولوا الحديث أنه ﵇ أوجب للصبي حجًّا. قال الطحاوي: وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجًّا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك يجوز أن يكون له حج ولا يكون فريضة عليه، قال: وإنما الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، وأما من يقول أنه له حجًّا، وأنه غير فريضة فلم يخالف الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفه خاصة (٢). وقال الطبري: جعل له ﵇ حجًّا مضافًا إليه كما يضاف إليه القيام والقعود والأكل، وإن لم يكن ذَلِكَ من فعله على الوجه الذي يفعله أهل التمييز باختيار.

стр. 7147

قال الطحاوي: وهذا ابن عباس وهو راوي الحديث قد صرف حج الصبي إلى غير الفريضة، ثم روي عن ابن خزيمة بإسناده إلى (أبي الصقر) (١) قال: سمعت ابن عباس يقول: يا أيها الناس، أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا فتقولوا: قال ابن عباس: أيما غلام حج به أهله، فمات فقد قضى حجة الإسلام فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام، فإن عتق فعليه الحج. وقد أجمعوا (٢) أن صبيًّا لو دخل وقت صلاة فصلاها ثم بلغ في وقتها أن عليه أن يعيدها، فكذلك الحج (٣). قلت: لا؛ فالأصح فيها لا إعادة. وذكر الطبري: أن هذا تأويل سلف الأمة. وروي أن الصديق حج بابن الزبير في خرقة (٤)، وقال عمر: أحجوا هذِه الذرية (٥)، وكان ابن عمر يجرد صبيانه عند الإحرام، ويقف بهم المواقف، وكانت عائشة تفعل ذَلِكَ (٦)، وفعله عروة بن الزبير (٧).

стр. 7148

وقال عطاء: يجرد الصغير ويلبى عنه، ويجنب ما يجنب الكبير، ويقضى عنه كل شيء إلا الصلاة، فإن عقل الصلاة صلاها، فإذا بلغ وجب عليه الحج (١). واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان بالحج، ثم يحتلم الصبي ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام ويتماديان عليه، ولا يجزئهما عن حجة الإسلام. وقال الشافعي: إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأهما. وعند مالك أنهما لو استأنفا الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه لا يجزئهما من حجة الإسلام، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يصح عنده رفض الإحرم، وحجة مالك: أن الرب ﷻ أمر كل من دخل في حج أو عمرة بإتمامه تطوعًا كان أو فرضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن رفض إحرامه لم يتم حجًّا ولا عمرة، وحجة الشافعي في إسقاط تجديد النية أنه جائز عنده لكل من نوى بإهلاله أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة؛ لأنه ﵇ أمر أصحابه المهلين بالحج أن يفسخوه في عمرة (٢)، فدل أن النية في الأحرام ليست كالنية في الصلاة. وحجة أبي حنيفة: أن الحج الذي كان فيه لما لم يكن يجزئ عنده، ولم يكن الفرض لازمًا له في حين إحرامه، ثم لما لزمه حَتَّى بلغ استحال أن يشتغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه، كمن دخل في نافلة فأقيمت عليه مكتوبة ويخشى فوتها قطعها ودخل في المكتوبة

стр. 7149

وأحرم لها، فكذلك الحج يلزمه أن يجدد له الإحرام؛ لأنه لم يكن فرضًا (١). تنبيه: نقل ابن التين عن الشافعي أن الزائد عن نفقة الحضر في مال الصبي، وهو قول له، قال: وكذا ما لزمه من جزاء، والأشهر عندهم أنه لا يركع عنه. قال ابن القاسم: ولا يرمل به في الطواف، وخالفه أصبغ، ولو حمله رجل ونوى الطواف عنهما أجزأه عند ابن القاسم ويعيد الرجل أستحبابًا، وقال أصبغ: وجوبًا (٢)، وعن مالك: لا يجزئ عن واحد منهما، والسعي كذلك، وفي الحج بالرضيع قولان عندهم.

стр. 7150

٢٦ - باب حَجِّ النِّسَاءِ ١٨٦٠ - وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [بْنَ عَوْفٍ]. [فتح: ٤/ ٧٢] ١٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٧٢] ١٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يدخلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ. فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا". [٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣ - مسلم: ١٣٤١ - فتح: ٤/ ٧٢] ١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: "مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟ ". قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ -تَعْنِي: زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِى أَرْضًا لَنَا. قَالَ: "فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي". رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ١٧٨٢ - مسلم: ١٢٥٦ - فتح: ٤/ ٧٣] وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ عَبدِ الكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الَملِكِ بْنِ عُمَيْرِ، عَنْ

стр. 7151

قَزَعَةَ -مَوْلَى زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ -غَزْوَةً -قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَانَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ: الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٤/ ٧٣] وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ. ثم ساق بإسناده (١) من حديث عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ومن حديث أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاس- عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم، وَلَا يدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ. فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا". ومن حديث عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأنْصَارِيَّةِ: "مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟ " .. الحديث، وقد سلف في العمرة، رواه ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس،

стр. 7152

عن النبي ﷺ (١). وقال عبيد الله عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ . ومن حديث زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - فَأعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلًاتيْنِ: بَعْدَ العَصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصبحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأقصَى". الشرح: التعليق الأول أسنده البيهقي من حديث عبدان، أنا إبراهيم -يعني: ابن سعد- به، وفي آخره: فنادى الناس عثمان: ألا لا يدن منهن أحد ولا ينظر إليهن إلا مد البصر وهن في الهوادج على الإبل، وأنزلهن صدر الشعب، ونزل عثمان وابن عوف بذنبه فلم يتعد إليهن أحد، ثم قال: رواه -يعني: البخاري في "الصحيح"- عن أحمد بن محمد، عن إبراهيم بن سعد مختصرًا (٢). وقال الجياني: أحمد هذا هو ابن محمد بن الوليد الأزرقي أبو محمد المكي (٣). و [إبراهيم] (٤) قال الحميدي في "جمعه" عن البرقاني (٥): إنه

стр. 7153

إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. ثم قال: وفيه نظر (١). وحديث عائشة من أفراده، وسيأتي في باب: جهاد النساء (٢)، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقيل: إن أبا معبد أصدق مواليه، وليس في مواليه ضعيف جدًّا إلا شعبة، قال مالك: لم يكن يشبه الفراء. وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وقد سلف في باب: مسجد بيت المقدس (٥)، وإذن عمر الظاهر أنه في الحج. وقال الداودي: أذن في التقديم ليلًا من مزدلفة إلى مني. وحديث أبي داود "هذِه ثم ظهور الحصر" (٦) قاله في حجة الوداع

стр. 7154

يحمل على ملازمة البيوت، فحديثها هنا صريح في الإذن؛ لقوله: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ مَبْرُورٌ" ولما سمعت صفية هذا القول منه لم تحج بعدها. وأعجنني وآنقنني معناهما واحد، قال المهلب: وقوله: "لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور" يبطل إفك المتشيعين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب عليه ﷺ أنه قال لأزواجه في حجة الوداع: "هذِه ثم ظهور الحصر". قلتُ: قد أسلفنا أن أبا داود أخرجه، قال: وهذا ظاهر الاختلاف؛ لأنه ﵇ حضهن على الحج، وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن في الحج، ومسير عثمان وغيره من أئمة الهدى معهن حجة قاطعة على الإجماع على ما كَذَّب به الشارع في أمر عائشة، والتسبب إلى عرضها المطهر. وكذا قولهم: تقاتلي فلانًا وأنت ظالمة، إفك وباطل لا يصح (١). وأما سفرها إلى مكة مع غير ذي محرم منها من النسب؛ فالمسلمون كلهم أبناؤها وذوو محارمها بكتاب الله، وكيف أنها كانت تخرج في رفقة

стр. 7155

مأمونة وخدمة كافية، هذِه الحال ترفع تحريج التنازع على النساء المسافرات بغير ذي محرم، كذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي: تخرج المرأة في حجة الفريضة مع جماعة النساء في رفقة مأمونة، وإن لم يكن معها محرم. وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ، وكان ابن عمر تحج معه نسوة من جيرانه (١)، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصري (٢)، وقال الحسن: المسلم محرم ولعل بعض من ليس بمحرم أوثق من المحرم، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم. وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وإبراهيم والحسن وفقهاء أصحاب الحديث (٤)، قال أبو حنيفة: إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام. نقله ابن التين عنه، وحملوا نهيه على العموم في كل سفر، وحمله مالك وجمهور الفقهاء على الخصوص، وأن المراد بالنهي الأسفار غير الواجبة عليها، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فدخلت المرأة في هذا الخطاب ولزمها فرض الحج، ولا يجوز أن تمنع المرأة من الفروض كما لا تمنع من الصلاة والصيام، ألا ترى أن عليها أن تهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا أسلمت فيه بغير محرم، وكذلك كل واجب

стр. 7156

عليها لها أن تخرج فيه، فثبت بهذا أن نهيه عن سفرها مع غير ذي محرم أنه أراد بذلك سفرًا غير واجب عليها، ثم اعلم أنه جاء في حديث ابن عباس: المحرم. وفي حديث أبي سعيد: الزوج. وسلف في باب كم تقصر الصلاة: "ليس معها حرمة" (١)، وهنا: مسيرة يومين، وهناك: ثلاثة أيام (٢)، ويوم وليلة (٣)، ولمسلم: ليلة (٤). ولأبي داود: بريد (٥). واختلافهما إما بحسب السائل أو لاختلاف المواطن، فأجاب في كلٍّ بما يواقعه، أو يوم وليلة مع جمعهما، أو يكون تمثيلًا لأقل الأعداد وأكثره وجمعه، ويجوز أن يكون الثلاث أولًا ثم رأى المصلحة فيما دونها فمنع من مطلق ما يسمى سفرًا. وعن أحمد رواية ثانية: أن المحرم ليس من شرط لزوم السفر دون الوجوب. وثالثة: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب، ومذهبه الأولى كما قال ابن قدامة (٦)، وعن الأوزاعي أن القوافل العظيمة والطرق العامرة، مثل البلاد فيها الأسواق والتجار يحصل الأمن لها دون محرم أو امرأة. فرع: قال ابن بطال: اتفق الفقهاء أن ليس للرجل منع زوجته حجة الفريضة، وأنها تخرج للحج بغير إذنه، وللشافعي قول أنها لا تخرج

стр. 7157

إلا بإذنه، قال: وأصح قوليه ما وافق سائر العلماء (١). قلت: الذي صححه المتأخرون الثاني، وأن له منعها. وفيه حديث في الدارقطني من حديث ابن عمر، لكن في إسناده مجهول (٢). وقد أجمعوا أنه لا يمنعها من صلاة ولا صيام فرض (٣)، فكذا الحج (٤).

стр. 7158

فرع: سفرها مع عبدها كالمحرم؛ لأنه محرم، وفي حديث أبي داود: "إنما هو أبوك وزوجك ومولاك" (١). وأخرج البزار من حديث إسماعيل بن عياش، عن بزيع بن عبد الرحمن، عن عمر مرفوعًا: "سفر المرأة مع عبدها حجة ضيعة" (٢).

стр. 7159

فرع: قوله في حديث ابن عباس: "اخْرُجْ مَعَهَا" هو للندب لا للوجوب، كما ستعلمه في بابه من الجهاد إن شاء الله تعالى. فرع: احتج أبو حنيفة بحديث الباب على أنه أقل ما تقصر فيه الصلاة، ورده البخاري وغيره بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "يومًا وليلة" كما سلف في موضعه. فائدة: قد أسلفنا: أن ابن مسلمة أضاف إليهن رابعًا وهو: مسجد قباء. أخرى: قوله: "مَسْجِدِ الأقصَى" هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ففيه المذهبان المشهوران.

стр. 7160

٢٧ - باب مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ ١٨٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ ". قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: "إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ". [وَ] أَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. [٦٧٠١ - مسلم: ١٦٤٢ - فتح: ٤/ ٧٨] ١٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ ﵇: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ". قَالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الَخيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ. فَذَكَرَ الَحدِيثَ. [مسلم: ١٦٤٤ - فتح: ٤/ ٧٨] حَدَّثَنَا محمد بْنُ سَلَامٍ، أنا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ أخبرني ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى شَيخًا يُهَادى بَينَ ابنيهِ قَالَ: "مَا بَالُ هذا؟ ". قَالُوا: نَذَرَ أن يَمشِيَ. قَالَ: "إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ". وَأَمَرَهُ أن يَركَبَ. ثم ساق حديث أَبي الخَيْرِ -وهو مرثد بن عبد الله اليزني (١) - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ ﵇: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ". قَالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. ثم ذكره بسند آخر (٢).

стр. 7161

الشرح: هذا الحديث يأتي في الأيمان والنذور أيضًا (١)، والفزاري هذا هو أبو إسحاق أو مروان بن معاوية، قاله ابن حزم (٢)، وكلاهما ثقة إمام، وأما خلف وأبو نعيم والطرقي في آخرين فذكروا أنه مروان، وأخرجه مسلم في النذور عن أبي عمر، ثنا مروان، ثنا حميد، فذكره (٣)، وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي أيضًا (٤)، وللترمذي أيضًا من حديث عمران القطان، عن حميد، عن أنس، محسنًا: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله تعالى، فسئل نبي الله ﷺ ذَلِكَ فقال: "إن الله لغني عن مشيها مروها فلتركب" (٥). والرجل المهادى هو أبو إسرائيل كما قال الخطيب (٦)، وقال النووي:

стр. 7162

اسمه قيس (١)، وقيل قيصر. قلت: لم أر في الصحابة من اسمه قيصر (٢)، وقيل يسير. وحديث عقبة أخرجه مسلم أيضًا وقال: أن تحج حافية (٣). ولما أسنده الإسماعيلي قال: حديث هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب -يعني: طريق البخاري- هذا الحديث مما لا يعرف ويخشى أن يكون غلطًا، وتابع سعيد بن أبي أيوب يحيى بن أيوب، وليس من شرط أبي عبد الله في هذا الكتاب، وأبو عاصم وروح تابعا هشامًا وهما ثقتان. يعني: وقد اتفقا على خلاف سعيد. قلت: ورواه ابن عباس عن عقبة أخرجه أحمد بزيادة، وشكى إليه ضعفها. وفيه: "فلتركب ولتهد بدنة" (٤)، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث

стр. 7163

ابن عباس أن أخت عقبة. وفيه: "فإنها لا تطيق ذَلِكَ". وفيه: "ولتهد هديًا" (١)، ورواه عبد الله بن مالك اليحصبي عن عقبة. أخرجه الترمذي محسنًا بلفظ: نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام" وذكره أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مالك من غير ذكر نسبه (٢)، وزعم ابن عساكر أنه عبد الله بن مالك أبو تميم الجيشاني، وابن أبي حاتم وغيره يفرقون بين هذين الرجلين، وأما ابن يونس فجعلهما واحدًا. وذكر بعضهم أن قول ابن يونس أولى بالصواب. ورواه أبو موسى المديني في "الصحابة" من حديث يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد الرعيني، عن

стр. 7164

عبد الله بن مالك الجهني أن عقبة بن مالك أخبره أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختصرة، فذكره (١). وللطحاوي: نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها (٢). وأخت عقبة اسمها أم حبان -بكسر الحاء المهملة، ثم باء موحدة- وذكر أنها من المبايعات (٣). إذا تقرر ذَلِكَ، فأهل الظاهر أخذوا بحديث أنس وعقبة بن عامر وقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه اتباعًا للسنة في ذَلِكَ، قالوا: ولا يثبت شيء في الذمة إلا بيقين، وليس المشي مما يوجبه نذر؛ لأن فيه تعب الأبدان، وليس الماشي في حال مشيته في حرمه إحرام فلم يجب عليه المشي ولا بدل منه. قال ابن حزم: من نذر أن يمشي إلى مكة أو إلى مكان ذكره من الحرم على سبيل التقرب، أو الشكر لله تعالى لا على سبيل اليمين، ففرض عليه المشي إلى حيث نذر للصلاة هنالك أو الطواف بالبيت فقط، ولا يلزمه أن يحج ولا أن يعتمر إلا أن ينذر ذَلِكَ وإلا فلا، فإن شق عليه المشي إلى حيث نذر من ذَلِكَ فليركب ولا شيء عليه، فإن ركب في الطريق كله بغير مشقة في طريقه فعليه هدي، ولا يعوض من ذَلِكَ صيامًا ولا طعامًا، فإن نذر أن يحج ماشيًا فليمش من

стр. 7165

الميقات حَتَّى يتم حجه (١). قلت: قد أسلفنا ذكر الصيام، وأما سائر الفقهاء فلهم في هذِه المسألة ثلاثة أقوال غير هذا: أولها: روي عن علي وابن عمر: أن من نذر المشي إلى بيت الله فعجز أنه يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة (٢)، وهو قول عطاء والحسن (٣)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: وكذلك إن ركب وهو غير عاجز، ويكفر عن يمينه لحنثه، وقال الشافعي: الهدي في هذِه احتياط من قبل أنه من لم يطق شيئًا سقط عنه (٤)، وحجتهم ما رواه همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فسأله النبي ﷺ عن ذَلِكَ فقال: "إن الله لغني عن نذر أختك فلتركب ولتهد" (٥). ثانيها: يعود فيحج مرة أخرى ثم يمشي ما ركب ولا هدي عليه، هذا قول ابن عمر، ذكره مالك في "الموطأ" (٦)، وروي عن ابن عباس وابن الزبير والنخعي وسعيد بن جبير (٧).

стр. 7166

ثالثها: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، روي عن ابن عباس أيضًا (١)، وروي عن النخعي (٢) وابن المسيب، وهو قول (عن) (٣) مالك جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطًا؛ لموضع تفريقه بالمشي الذي كان لزمه في سفر واحد، فجعله في سفرين قياسًا على التمتع والقران. وقال ابن التين: مذهب مالك: إذا عجز عن مشي البعض فإن ركب الكثير فعنه: يبتدئ المشي كله، وعنه: يرجع فيمشي ما ركب، وإن ركب يومًا وليلة رجع فمشى ما ركب، وإن ركب أقل من ذَلِكَ فليس عليه الرجوع، ويجزئه الهدي (٤)، ويمكن أن يتأول لحديث أنس وعقبة بوجه موافق لفقهاء الأمصار حَتَّى لا ينفرد أهل الظاهر بالقول بهما، وذلك أن في نصهما ما يبين المعنى فيهما وهو أنه ﵇ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه فقال: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه" فبان واتضح أنه كان غير قادر على المشي، وممن لا ترجى له القدرة عليه، ومن كان غير قادر على شيء سقط عنه. والعلماء متفقون: أن الوفاء بالنذر إنما يكون فيما هو لله تعالى طاعة، والوفاء به بر، ولا طاعةَ ولا برَّ، في تعذيب أحد نفسه، فكأن هذا الناذر قد نذر على نفسه ما لا يقدر على الوفاء به، وكان في معنى أبي إسرائيل الذي نذر ليقومن في الشمس ولا يستظل ويصوم ذَلِكَ اليوم، فأمره رسول الله ﷺ : أن يجلس ويستظل ويصوم، ولم يأمره بكفارة.

стр. 7167

وقد روي في حديث عقبة بن عامر ما يدل أن أخته كانت غير قادرة على المشي فلذلك لم يأمرها ﵇ بالهدي، روى الطبري من حديث محمد بن أبي يحيى الأسلمي: حَدَّثَني إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة وهي امرأة ثقيلة والمشي يشق عليها، فذكر ذَلِكَ عقبة لرسول الله ﷺ فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتركب" (١). فصح التأويل أنها نذرت، وهي في حال من لا ترجى له القدرة على الوفاء بما نذرت كأبي إسرائيل. والعلماء مجمعون على سقوط المشي عمن لا يقدر عليه فسقوط الهدي أحرى، وإن كان مالك يستحب الهدي لمن عجز عن المشي. قال الطحاوي: ونظرنا في قول من قال: ليس الماشي في حرمة إحرام، فرأينا الحج فيه الطواف والوقوف بعرفة وجمع، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل في حال من إحرامه، وهو طواف الزيارة، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه، وهو طواف الصدر، وكان ذَلِكَ من أسباب الحج قد أريد أن يفعله الرجل ماشيًا، وكان إن فعله راكبًا مقصرًا، وجعل ﵇ هذا إذا فعله من غير علة فإن فعله من علة فالناس مختلفون في ذَلِكَ، قال أبو حنيفة وصاحباه: لا شيء عليه، وقال غيرهم: عليه دم؛ وهو النظر عندنا؛ لأن العلل إنما تسقط الآثام في انتهاك الحرمات ولا تسقط الكفارات كحلق الرأس في الإحرام (٢)، إن حلقه من غير عذر يسقط الإثم والكفارة، فإن اضطر إلى حلقه فعليه الكفارة ولا إثم عليه، وكذلك المشي الذي قبل

стр. 7168

الإحرام، فما كان من أسباب الحج كان حكمه حكم المشي الواجب في الإحرام، يجب على تاركه الدم. وفيه: وجوب الوفاء بالنذر، وأن من نذر ما لا يستطيع لم يلزمه، وكذا ما يجهده، وإن حلف ولم ينذر ذلك وحلف بالمشي إلى مكة لزمه المشي عند سائر أصحاب مالك، وما يعزى لابن القاسم أنه أفتى في النذر بكفارة يمين، لا يصح. وقال الشافعي: يلزمه المشي بالنذر، ومن حلف به وجبت فعليه كفارة يمين (١)، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم. وفيه: قبول خبر الواحد.

стр. 7169

٢٩ فضائل المدينة

стр. 7170

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢٩ - كتاب] فضائل المدينة ١ - باب مَا جَاءَ في حَرَمِ المَدِينَةِ ١٨٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المَدِينَةُ حَرَمٌ، مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". [٧٣٠٦ - مسلم: ١٣٦٦ - فتح: ٤/ ٨١] ١٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي". فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. فَأَمَرَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٤/ ٨١] ١٨٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي". قَالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: "أَرَاكُمْ

стр. 7171

يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ". ثُمَّ التَفَتَ فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ". [١٨٧٣ - مسلم: ١٣٧٢ - فتح: ٤/ ٨١] ١٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "المَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". وَقَالَ: "ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". [قَالَ أبُو عبدِ اللهِ: عَدلٌ: فِدَاءٌ]. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ٤/ ٨١] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: عن عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ أَنَس بْنِ مالك ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المَدِينَةُ حَرَمٌ، مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". ثانيها: حديثه أيضًا من حديث أَبِي التَّيَّاحِ -واسمه يزيد بن حميد- قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: "يَا بَني النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي". فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى الله. فَأمَرَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ. ثالثها: حديث أَبِي هُريرَةَ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي". وَأَتَى النَّبِي ﷺ بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: "أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ". ثُمَّ التَفَتَ فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ".

стр. 7172

رابعها: حديث عَلِيٍّ ﵁ قَال: مَا عِنْدَنَا شَيءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وهذِه الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ .. " الحديث بطوله. الشرح: حديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في الاعتصام (٢)، وحديث أنس الثاني سلف في المساجد (٣). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم لكن بزيادة حدها. وهذا لفظه: حَرَّم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى (٤). وفي رواية له: "ما بين لابتي المدينة حرام" (٥)، وفي رواية أيضًا: "المدينة حرم" (٦). وحديث علي أخرجه مسلم مطولًا أيضًا بلفظ: "المدينة حرم ما بين عير وثور" (٧). ولم يذكر البخاري ثورًا، وإنما عبر عنه بكذا في طرقه كلها، إلا في رواية الأصيلي في كتاب الجزية والموادعة، فإنه وقع له فيها: "إلى ثور".

стр. 7173

إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه في وجوه: أحدها: قوله: ("مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا") وفي رواية: "مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا" (١) وأسلفنا "ما بين عير إلى ثور" بإسقاط الألف واختلف الناس فيهما هل هما بالمدينة أو بمكة، والحق أنهما بالمدينة وأنهما معروفان. قال ابن المنير: قوله: "من عير إلى كذا" سكت عن النهاية، وقد جاء في طريق آخر: "ما بين عير إلى ثور" (٢). قال: والظاهر أن البخاري أسقطها عمدًا لأن أهل المدينة ينكرون أن يكون بها جبلٌ يسمى ثورًا، وإنما ثور بمكة، فلما تحقق عنده أنه وهم أسقطه وذكر بقية الحديث، وهو مفيد يعني: بقوله: "من عير إلى كذا" (٣) إذ البداءة يتعلق بها حكم، فلا تترك؛ لإشكال سنح في حكم النهاية (٤). قلت: قد أسلفنا أنه ذكرها في الجزية والموادعة، نعم أنكر مصعب الزبيري وغيره هاتين الكلمتين -أعني: عيرًا وثورًا- وقالوا: ليسا بالمدينة، عير بمكة. قال صاحب "المطالع": بعض رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا إذ اعتقدوا الخطأ في ذكره. وقال أبو عبيد: كان الحديث "من عير إلى أحد".

стр. 7174

قلت: وكذا رواه الطبراني في "أكبر معاجمه" من حديث عبد الله بن سلام (١)، وقد ذكر البكري عن أبي عبيد أيضًا أنه بالمدينة (٢)، فلعله رجع آخرًا. وذكر الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه لما خرج رسولًا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبلة، فلما وصل إلى أحد، إذا بقربه جبيل صغير فسأله: ما اسم هذا الجبل؟ قال: هذا يسمى ثورًا. قلت: فصح الحديث، ولله الحمد. وقال المحب الطبري: هو جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته. ولما ذكر ياقوت قول عياض قال بعضهم: ليس بالمدينة، ولا على مقربة منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين. قال: قلت أنا: وهذا من قائله وهمٌ، فإن عيرًا جبل مشهور بالمدينة (٣). قال عياض: وبيَّض آخرون موضع ثور في الحديث، ومنهم من روى "من كذا إلى كذا" (٤). وفي رواية النسفي وابن السكن: "من عير إلى كذا وكذا"، وفي وراية أبي علي من رواية أبي كثير. وقال آخرون: بل الرواية الصحيحة أنه حرم ما بين عير إلى أحد، وأن ثورًا بمكة وعيرًا بالمدينة، وما بين ذلك بإجماعهم غير محرم. وعير اسم جبل بقرب المدينة، وهو بفتح العين، ثم مثناة تحت ساكنة، ثم راء مهملة.

стр. 7175

قاله ابن السيد في "مثلثه" (١) وأغرب ابن قدامة حيث قال: يحتمل أن يكون قد أراد قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة، ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة، وسمَّاهما عيرًا وثورًا تجوُّزًا، وهما احتمالان بعيدان، وعند ثبوت ذلك ومعرفتهما فلا اعتراض ولا احتمال. وكذا قال ابن بطال: عاير جبل بقرب المدينة، ويروى عير، قال: وثور: جبل معروف أيضًا (٢). وكذا قال الداودي: عير؛ جبل بالمدينة. وخالف ابن فارس فقال: بمكة (٣). وقيل: إنه بريد في بريد في جوانبها كلها، نقله ابن التين عن الشيخ أبي محمد، ولما رأى بعض الحنفية هذا الاختلاف عده اضطرابًا ورتب عليه أن لا حرم لها، ولا يسلم له. ثانيها: حرم مدينة سيدنا رسول الله ﷺ ما ذكرناه (٤). واللابتان: الحرتان، وهي أرض بركتها حجارة سود، وهما الطرفان. قال أبو عبيد: وجمعها: لاب ولوب كقارة وقور، وجمعت أيضًا على لابات، ما بين الثلاث إلى العشر، وهما غربية وشرقية (٥). قال ابن حبيب: وتحريم رسول الله ﷺ لابتي المدينة إنما ذلك في الصيد، فأما في قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كله، كذلك أخبرني مطرف عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وللمدينة حرتان أيضًا؛ حرة في القبلية وحرة في الجوف، وترجع كلها إلى الحرتين؛ لأن

стр. 7176

القبلية والجوفية متصلتان بهما، ولذلك حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة، جمع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال: لنا حرة مأطورة بجبالها … بني العز فيها بيته فتأهلا (١) وقوله: مأطورة يعني: مقطوعة بجبالها؛ لاستدارتها، وإنما جبالها الحجارة السود التي تسمى الحرار (٢)، وقالوا: أسود لوبي ونوبي، منسوبة إلى اللوبة والنوبة، حكاه في "المحكم" (٣). ثالثها: فإن قلت: ما إدخال حديث أنس في بناء المسجد في هذا الباب بعد قوله: "لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا". قلت: وجهه كما قال المهلب: ليعرفك أن قطع النخل كان ليبوئ المسلمين مسجدًا. ففيه من الفقه: أن من أراد أن يتخذ جنانًا في حرم المدينة ليعمرها ويغرس فيها النخل، ويزرع فيها الحبوب، أنه لا يتوجه إليه النهي عن قطع شجرها ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعراء (٤) وشوكها؛ لأنه يبتغي الصلاح والتأسيس للسُكنى في موضع العمارة، فهذا يبين وجه النهي أنه موقوف على المفسد لبهجة المدينة ونضرتها وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه ويرتاح بمبانيها، وإن كان ابتهاجه بمسجده الذي هو بيت الله ، ومنزل ملائكته، ومحل وحيه أعظم، والسرور به أشد.

стр. 7177

وقيل: قطعه ﷺ للنخيل من موضع المسجد يدل على أن النهي توجه إلى ما أنبته الله تعالى من الشجر، مما لا صنع فيه لآدمي؛ لأن النخيل التي قطعت من موضع المسجد كان لغرس الآدميين؛ لأنه طلب شراء الحائط من بني النجار إذ كان ملكًا لهم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، وعلى هذا التأويل حمل نهيه ﷺ عن قطع شجر مكة (١). واستضعف بعضهم جواب المهلب أن القطع كان للبناء، وفيه مصلحة المسلمين، وقال: يلزمه أن يقول به في حرم مكة أيضًا ولا قائل به، ثم ادَّعى أنه هو ما فهمه البخاري، أنها ليست حرامًا، إذ لو كانت كذلك لم يقطع شجرها، وهو بعيد. رابعها: اتفق مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم في المدينة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: صيدها غير محرم، وكذلك قطع شجرها، فخالف أحاديث الباب (٢)، واحتج الطحاوي (٣) بحديث أنس أنه ﷺ دخل دارهم، وكان لأنس أخ صغير، وكان له نغير يلعب به، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " (٤) ولا حجة فيه؛ لأنه ممكن أن يصاد ذلك النغير من

стр. 7178

غير حرم المدينة، قالوا: وبدخوله الحرم صار حرميًّا، ولا نسلم لهم ذلك، وروي عن عائشة: كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض (١). قالوا: فحبس الوحش، وإغلاق الباب عليه دليل على إباحته، وفي البيهقي من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش، وأهدي لحومها إلى رسول الله ﷺ . وفيه: فقال لي رسول الله ﷺ : "لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت" (٢) قال البيهقي: حدث به موسى بن إبراهيم، وهو حديث ضعيف، وهو مخالفُ حديث سعد بن أبي وقاص في العقيق (٣). حجة الجماعة أن الصحابة فهمت من النبي ﷺ تحريم الصيد في حرم المدينة؛ لأنهم أُمِروا بذلك وأفتوا به، وهم القدوة الذين يجب اتباعهم.

стр. 7179

ورووه أيضًا أبو هويرة وغيره ممن سلف، وسعد في مسلم، ورافع بن خديج، وجابر، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وسهل بن حنيف، وأبو سعيد الخدري، وعدي بن حاتم، وعبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت (١)، وروى جعفر بن محمد قال: اطلع عليَّ علىُّ بن حسين وأنا أنتف صدغي عصفور فقال: خل سبيله هذا حَرَمُ رسول الله ﷺ . وروي عن أبي سعيد الخدري: كان يضرب بنيه إذا صادوا فيه، ويرسل الصيد (٢). وأخذ سعد بن أبي وقاص سلب من صاد في حرمها وقطع شجرها، ورواه عن النبي ﷺ (٣)، إلا أن أئمة الفتوى لم

стр. 7180

يقولوا بأخذ سلبه، وإن كان هو المختار. قال أبو عمر: واحتج لأبي حنيفة بحديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "من وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع شجرها فخلوا سبيله" (١) قال: وقد اتفق العلماء على أنه لا يؤخذ سلبُ من صاد في المدينة، فدل على أنه منسوخ. قال: ويحتمل أن يكون معنى النهي عن صيدها وقطع شجرها؛ لأن الهجرة كانت إليها، وكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في (تزينها) (٢) ويدعو إلى إلفها، كما روى ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة (٣)، قال: وليس في حديث سعد حجة؛ لضعفه، ولو صح لم
следующие страницы →