← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

القبلية والجوفية متصلتان بهما، ولذلك حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة، جمع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال: لنا حرة مأطورة بجبالها … بني العز فيها بيته فتأهلا (١) وقوله: مأطورة يعني: مقطوعة بجبالها؛ لاستدارتها، وإنما جبالها الحجارة السود التي تسمى الحرار (٢)، وقالوا: أسود لوبي ونوبي، منسوبة إلى اللوبة والنوبة، حكاه في "المحكم" (٣). ثالثها: فإن قلت: ما إدخال حديث أنس في بناء المسجد في هذا الباب بعد قوله: "لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا". قلت: وجهه كما قال المهلب: ليعرفك أن قطع النخل كان ليبوئ المسلمين مسجدًا. ففيه من الفقه: أن من أراد أن يتخذ جنانًا في حرم المدينة ليعمرها ويغرس فيها النخل، ويزرع فيها الحبوب، أنه لا يتوجه إليه النهي عن قطع شجرها ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعراء (٤) وشوكها؛ لأنه يبتغي الصلاح والتأسيس للسُكنى في موضع العمارة، فهذا يبين وجه النهي أنه موقوف على المفسد لبهجة المدينة ونضرتها وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه ويرتاح بمبانيها، وإن كان ابتهاجه بمسجده الذي هو بيت الله ، ومنزل ملائكته، ومحل وحيه أعظم، والسرور به أشد.

стр. 7177

وقيل: قطعه ﷺ للنخيل من موضع المسجد يدل على أن النهي توجه إلى ما أنبته الله تعالى من الشجر، مما لا صنع فيه لآدمي؛ لأن النخيل التي قطعت من موضع المسجد كان لغرس الآدميين؛ لأنه طلب شراء الحائط من بني النجار إذ كان ملكًا لهم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، وعلى هذا التأويل حمل نهيه ﷺ عن قطع شجر مكة (١). واستضعف بعضهم جواب المهلب أن القطع كان للبناء، وفيه مصلحة المسلمين، وقال: يلزمه أن يقول به في حرم مكة أيضًا ولا قائل به، ثم ادَّعى أنه هو ما فهمه البخاري، أنها ليست حرامًا، إذ لو كانت كذلك لم يقطع شجرها، وهو بعيد. رابعها: اتفق مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم في المدينة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: صيدها غير محرم، وكذلك قطع شجرها، فخالف أحاديث الباب (٢)، واحتج الطحاوي (٣) بحديث أنس أنه ﷺ دخل دارهم، وكان لأنس أخ صغير، وكان له نغير يلعب به، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " (٤) ولا حجة فيه؛ لأنه ممكن أن يصاد ذلك النغير من

стр. 7178

غير حرم المدينة، قالوا: وبدخوله الحرم صار حرميًّا، ولا نسلم لهم ذلك، وروي عن عائشة: كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض (١). قالوا: فحبس الوحش، وإغلاق الباب عليه دليل على إباحته، وفي البيهقي من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش، وأهدي لحومها إلى رسول الله ﷺ . وفيه: فقال لي رسول الله ﷺ : "لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت" (٢) قال البيهقي: حدث به موسى بن إبراهيم، وهو حديث ضعيف، وهو مخالفُ حديث سعد بن أبي وقاص في العقيق (٣). حجة الجماعة أن الصحابة فهمت من النبي ﷺ تحريم الصيد في حرم المدينة؛ لأنهم أُمِروا بذلك وأفتوا به، وهم القدوة الذين يجب اتباعهم.

стр. 7179

ورووه أيضًا أبو هويرة وغيره ممن سلف، وسعد في مسلم، ورافع بن خديج، وجابر، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وسهل بن حنيف، وأبو سعيد الخدري، وعدي بن حاتم، وعبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت (١)، وروى جعفر بن محمد قال: اطلع عليَّ علىُّ بن حسين وأنا أنتف صدغي عصفور فقال: خل سبيله هذا حَرَمُ رسول الله ﷺ . وروي عن أبي سعيد الخدري: كان يضرب بنيه إذا صادوا فيه، ويرسل الصيد (٢). وأخذ سعد بن أبي وقاص سلب من صاد في حرمها وقطع شجرها، ورواه عن النبي ﷺ (٣)، إلا أن أئمة الفتوى لم

стр. 7180

يقولوا بأخذ سلبه، وإن كان هو المختار. قال أبو عمر: واحتج لأبي حنيفة بحديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "من وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع شجرها فخلوا سبيله" (١) قال: وقد اتفق العلماء على أنه لا يؤخذ سلبُ من صاد في المدينة، فدل على أنه منسوخ. قال: ويحتمل أن يكون معنى النهي عن صيدها وقطع شجرها؛ لأن الهجرة كانت إليها، وكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في (تزينها) (٢) ويدعو إلى إلفها، كما روى ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة (٣)، قال: وليس في حديث سعد حجة؛ لضعفه، ولو صح لم

стр. 7181

يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة (١). وقوله: ("حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِها عَلَى لِسَانِي") يريد أن تحريمها كان بالوحي، فوجب تحريم صيدها وقطع شجرها، إلا أن جمهور العلماء -كما قاله المهلب- على أنه لا جزاء في حرمها، لكنه آثم عندهم من استحله، فإن قال الكوفيون: لما أجمعوا على سقوط الجزاء في حرمها دل أنه غير محرم، فالجواب: أنه لا حجة في هذا؛ لأن صيد مكة قد كان محرمًا على غير هذِه الأمة، ولم يكن عليهم فيه جزاء، وإنما الجزاء على أمة محمد، فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم. وشذ ابن أبي ذئب، وابن نافع صاحب مالك، والشافعي في أحد قوليه، فأوجبوا فيه الجزاء، و (استدل) (٢) على سقوطه بأنه ﷺ لمَّا حرمها وذكر ما ذكر، لم يذكر جزاءً على من قتل الصيد، وما كان من جهته ﷺ ليس ببيان لما في القرآن، فليس بمحرم تحريم القرآن، وإنما هو مكروه حتى يكون بين تحريمه وبين تحريم القرآن فرق. وحديث سعد السالف في أخذ سلبه فلم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة، ولو صح لأوجب الجزاء على من لا سلب له،

стр. 7182

ولو لم يكن على القاتل إلا ما يستر به عورته لم يجز أخذه، وكشف عورته، فثبت أن الصيد ليس مضمونًا أصلًا، ألا ترى أن صيد مكة لما كان مضمونًا لم يفترق حكم الغني والفقير، ومن له سلب ومن لا سلب له في أنه مضمون عليه أي وقت قدر، وقد قال مالك: لم أسمع أن في صيد المدينة جزاء، ومن مضى أعلم ممن بقي، فقيل له: فهل يؤكل؟ فقال: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لا أكرهه. خامسها: قول عَلِيٍّ ﵁ (قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ سوى كِتَابُ اللهِ، وَما فِي هذِه الصَّحِيفَةُ). فيه: رد على ما يدَّعيه الشيعة من أن عليًّا عنده وصية من سيدنا رسول الله ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد من الدين. وفيه: جواز كتابة العلم. سادسها: في حديث أنس وعلي لعنة أهل المعاصي والمعاند لأوامر الشرع، وفيه: أن المحدث في حرم المدينة والمئوي للمحدث في الإثم سواء كما في حرم مكة، وأن من فعل ذلك فهو كبيرة؛ لأن اللعن لا يكون إلا عليها، لاسيما ما في هذا من المبالغة في الطرد والإبعاد عن الجنة لا عن الرحمة، كلعن الكفار. والمراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه. قال الخطابي: روي: محدَثًا -بفتح الدال، معناه: الرأي المحدث في الدين والسنة، أراد الإحداث نفسه، قال: ويروى بكسر الدال، يريد: الذي أحدث وفعله وجاء به (١). قال أبو عبيد: الحدث كل حد لله تعالى يجب على صاحبه أن يقام

стр. 7183

عليه، وهو شبيه بحديث في الرجل يأتي حدًّا من الحدود ثم يلجأ إلى الحرم أنه لا يقام عليه فيه، ولكنه يلجأ حتى يخرج منه، فإذا خرج منه أقيم عليه، فجعل الشارع حرمة المدينة كحرمة مكة في المأثم في صاحب الحد أن لا يئويه أحد حتى يخرج منه فيقام عليه الحد (١). وقد سلف ما في هذا. وقوله: ("آوى") قال القاضي: أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدي أشهر وأفصح وبالأفصح جاء القرآن (٢)، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] فهذا في اللازم، وقال في المتعدي ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. سابعها: في قول بني النجار: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله). فيه من الفقه: إثبات الأحباس المراد بها وجه الله؛ لأنهم وهبوا البقعة للمسلمين حبسا موقوفًا عليهم، وطلبوا الأجر على ذلك من الله. ثامنها: في حديث أبي هريرة من الفقه: أن للعالم أن يقول على غلبة الظن، ثم ينظر فيصحح النظر ويقول بعد ذلك، كما قال ﷺ لبني حارثة. تاسعها: قوله: ("لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْف وَلَا عَدْلٌ") هذا يمكن أن يكون في وقت دون وقت إن أنفذ الله عليه الوعيد، ليس هذِه حالهُ عند الله أبدًا؛ لأن الذنوب لا تخرج من الدين إنما يخرج منه الكفر، أعاذنا الله منه. ومعنى "أَخْفَرَ مُسْلِمًا" نقض عهده. قال الخليل: أخفرت الرجل إذا لم تف بذمته، والاسم الخفور (٣)، قال ابن فارس، يقال: أخفر عهده:

стр. 7184

نقضه، وخفره إذا أمنه، وأخفرته: جعلت معه خفيرًا. قال: وأخفرت الرجل: نقضت عهده (١). والذمة: العهد والأمان، فأمان المسلم للكافر صحيح ويحرم التعرض له ما دام في الأمان. وقوله: "يسعى بها أدناهم" حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة وهو مذهب مالك والشافعي، لأنهما أدنى من الأحرار الذكور، وأبى ذلك أبو حنيفة فقال: إلا أن يكون سيده أذن له في القتال (٢). والصرف والعدل قال أبو عبيدة: العدل: الحيلة. وقيل: المثل. وقيل: الصرف: الدية، والعدل: الزيادة. وقال أبو عبيد عن مكحول: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. قال أبو عبيد: تصديقه في القرآن قوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وأما الصرف فلا أدري قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. [الفرقان: ١٩] من هذا أم لا، وبعض الناس يحمله على هذا. ويقال: إن الصرف النافلة، والعدل: الفريضة. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أشبه بالمعنى (٣). وعكس الحسن فقال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال الأصمعي: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، وروي ذلك مرفوعًا (٤).

стр. 7185

وقال يونس: الصرف: الاكتساب، والعدل: الفدية. وقال أبو علي البغدادي: الصرف: الحيلة والاكتساب، والعدل: الفدية والدية، صحيح في الاشتقاق، فأما من قال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، والصرف: الدية، والعدل: الزيادة على الدية، فغير صحيح في الاشتقاق. وقال الطبري: الصرف مصدر من قولك: صرفت نفسي عن الشيء، أصرفها صرفًا. وإنما عني به في هذا الموضع صرف راكب الذنب وهو المحدث في الحرم حدثًا من سفك دم، أو استحلال محرمٍ، فلا تقبل توبته، والعدل: ما يعدله من الفدية والبدل، وكل ما عادل الشيء من غير جنسه وكان له مثلًا من وجه الجزاء لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة فهو له عدل -بفتح العين- ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] بمعنى وإن تفد كل فدية. وأما العدل -بكسر العين- فهو مثل الحمل المحمول على الظهر، يقال: عندي غلام عِدل غلامك، وشاة عِدل شاتك -بكسر العين- إذا كان يعدله، وذلك في كل مثل الشيء من جنسه، فإذا أراد أن عنده قيمته من غير جنسه فتحت العين، فتقول: عندي عَدل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنهم يكسرون العين من العِدل الذي هو الفدية، وذلك لتقارب معنى العدل عندهم.

стр. 7186

وفي "المحكم": الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل: الصرف: القيمة، والعدل: الاستقامة (١). قال عياض: قيل في معنى ذلك: أي لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى وإن قبلت قبول جزاء. وقيل: القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بها. قال: وقد تكون بمعنى الفدية هنا؛ لأنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من شاء منهم بأن يفديه من النار، يهودي أو نصراني (٢)، كما ثبت في الصحيح (٣). وقال ابن التين: تحصلنا على ستة أقوال في الصرف: الحيلة، النافلة، التوبة، الفريضة، الاكتساب، الوزن، والعدل أربعة: النافلة، الفدية، الفريضة -قاله البخاري وغيره- الكيل، قاله القزاز عن غيره. وقال ابن فارس: العدل: الفداء هنا (٤). عاشرها: معنى قوله: "غَيْرِ مَوَالِيهِ" يحتمل الحلف والموالاة، ولم يجعل إذن الموالي شرطًا في جواز ادعاء نسب أراد، لكن ذكره توكيدًا للتحريم، يبينه الحديث الآخر: "مَنْ تَوَلَّى غيرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ" (٥).

стр. 7187

٢ - باب فَضْلِ المَدِينَةِ، وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ ١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". [مسلم: ١٣٨٢ - فتح: ٤/ ٨٧] ذكر فيه حديث مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١) قال ابن عبد البر: كذا هو في "الموطأ" عند جماعة الرواة، ورواه إسحاق بن عيسى الطباع، عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وهو خطأ (٢). ورواه الدارقطني في "غرائب مالك" كما رواه الطباع من حديث أحمد بن بكر بن خالد السلمي، عن مالك، وأخرجه مسلم بلفظ: "ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها نفي الكبير خبث الحديد" (٣). وفي كتاب "أسباب الحديث" لعبد الغني بن سعيد أنه ﷺ قال هذا لما جاءه الأعرابي يستقيله البيعة. وفي "الموطأ" للدارقطني: قال يونس: قال ابن وهب: قلت

стр. 7188

لمالك: "ما تأكل القرى؟ " قال: تفتحها. وفي رواية ابن حبيب عنه: بفتح القرى، وتفتح منها القرى؛ لأن من المدينة افتتحت المدائن كلها بالإسلام. وقال ابن بطال: معنى "تأكل القرى" أي: بفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم، ويقتلون مقاتلتهم، وهذا من فصيح كلام العرب، تقول: أكلنا بني فلان، وأكلنا بلد كذا. إذا ظهروا على أهله وغلبوهم، وقال الخطابي: "تأكل القرى" يريد أن الله ينصر الإسلام بأهل المدينة وهم الأنصار- وتفتح على أيديهم القرى، ويغنمها إياهم فيأكلونها، وهذا في الاتساع والاختصار كقوله تعالى: ﴿وَسئَلِ اَلقَريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهلها. وكان ﷺ قد عرض نفسه على قبائل العرب أيهم ينصره فيفوز بالفخر في الدنيا والثواب في الآخرة، فلم يجد في القوم من يرضى بمعاداة من جاوره، ويبذل نفسه وماله لله، فمثل الله تعالى المدينة في منامه، ورأى أنه يؤمر بالهجرة إليها، ووصف ذلك للصديق، وقد كان عاقد قومًا من أهلها، وسألوه أن ينظروا فيما يريدون أن يعقدوا معه، فخرج مع الصديق إلى المدينة، ففتح الله بها جميع الأمصار، حتى مكة التي كانت موطنه (١). وقال ابن التين: معنى "تأكل القرى": تفتحها منها، ويأكل أهلها غنائم القرى. قال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا رجوع فضلها عليها وزيادتها على غيرها. وقال النووي: معناه: أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، وأن

стр. 7189

أكلفا وميرتها يكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها (١). وقوله: ("أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ") يريد: أمرت بالهجرة إليها، قاله ابن بطال (٢)، وابن التين، فإن كان قاله بمكة فلا نسخ، وإن كان بالمدينة فبسكناها. وقوله: ("يَقُولُونَ: يَثْرِبُ") يعني: أن بعض الناس من المنافقين يسمونها كذلك، فكره أن تسمى باسمها في الجاهلية، وسماها الله فلا تسمى بغير ما سماها، وكانوا يسمونها يثرب باسم أرض بها، فغير النبي ﷺ اسمها وسماها طيبة وطابة (٣)؛ لحسن لفظها؛ كراهة التثريب، وهو التوبيخ والملامة، وإنما سميت في القرآن بها على وجه الحكاية لتسمية المشركين، وفي "مسند أحمد" كراهية تسميتها بذلك (٤)، وقد روي عنه أنه قال: "من قال: يثرب فكفارته أن يقول: المدينة، عشر مرات" (٥)، يريد بذلك التوكيد أن يقال لها: المدينة،

стр. 7190

وصارت معرفة بالألف والسلام لأنها انفردت بجميع خصال الإسلام، ولا يقول أحد: المدينة لبلد فيعرف ما يريد القائل إلا لها خاصة. وقال عيسى بن دينار: من سماها بذلك كتبت عليه خطيئة. قلت: كان سيدنا رسول الله ﷺ يحب الاسم الحسن ويكره القبيح (١)، وطيبة من الطيب، وهو الرائحة الحسنة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، وقال الخطابي: لطهارة تربتها، وقيل: من طيب العيش بها. وقال البكري في "معجمه": سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها (٢). وفي "مختصر الزاهر" لأبي إسحاق الزجاجي (٣): سميت بيثرب بن

стр. 7191

(قابلة) (١) بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام؛ لأنه أول من سكنها عند الغرق وبناها، ونزل أخوه خيبر بن قابلة بخيبر. واشتقاق المدينة من دان إذا أطاع، أو من مدن بالمكان إذا أقام به، وجمعها: مدن بإسكان الدال وضمها، ومدائن بالهمز وتركه، وهو الفصيح، وبه جاء القرآن. قال ابن سيده: المدينة: الحصين يبنى في أُصْطُمَّةِ الأرض، وعن الفارسي: مدينة، فعيلة، وإذا نسب إلى المدينة فالرجل والثوب مدني، والطير ونحوه مديني (٢). قال سيبويه: وأما قولهم: مدائني، كأنهم جعلوا هذا البناء اسمًا للبلد. وفي "الجامع": قيل: هي مفعلة، أي: تملكت وفي "الصحاح": إذا نسبت إلى مدينة المنصور قلت: مديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائني (٣). وفي "مختصر العين": رجل مديني، وحمام مدني. وقوله: ("تَنْفِي النَّاسَ") قال ابن فارس: نفي الشيء ينفيه نفيًا، وانتفي هما (٤). وحكى الهروي عن أبي منصور: نفيت الشيء نفيًا، قال: وهو حرف صحيح غريب في اللغة.

стр. 7192

ومعنى الحديث: من أراد الله نقص حظه من الأجر قيضه للخروج منها؛ رغبة عنها. قال ابن عبد البر: وأراد شرارهم، ألا ترى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكبير في الحديد، والكير إنما ينفي رديء الحديد، وخبثه ولا ينفي جيده. قال: وهذا عندي -والله أعلم- إنما كان في حياته، فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة؛ رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه، وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار (١). وكذا قال القاضي: الأظهر أنه يختص بزمنه؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه (٢). قال النووي: وهذا ليس بظاهر؛ لأن في "صحيح مسلم": "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكبير خبث الحديد" (٣) وهذا -والله أعلم- زمن الدجال (٤). والكير هو قار الحديد والصائغ، وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرًا، قال أهل العلم باللغة: ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة مرفوعًا: "الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار" (٥).

стр. 7193

وفي "المحكم": الكبير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد، والجمع: أكيار وكيرة. وأما ثعلب فقال في "فسيره" مقاديم كيران ضخام الأرانب: إن مقاديم الكيران تسوَد من النار، فكسَّر كيرًا على كيران. قال: وليس ذلك بمعروف في كتب اللغة، إنما الكيران جمع الكور، وهو الرحل. ولعل ثعلبًا إنما قال: مقاديم الأكيار (١). قلت: قد ذكر ابن دريد وغيره أكيارًا في الجمع. وفي "الجامع" للقزاز: الكبير هو الذي ينفخ فيه؛ ولذلك قال الشاعر: غير مستعار، وإنما يريد الزق. وقال قوم: الكبير: الزق، والكور: هو البناء، وأنكره أكثرهم. وفي الحديث ما يدل على صحة اللغتين. وفي "الصحاح" و"المجمل": عن أبي عمرو: كير الحداد، هو زق أو جلد غليظ ذو حافات (٢). وقال ابن التين: إنه الفرن المبني يحمى، فيخرج منه خبث الحديد، وفيه لغتان: كير وكور، ثم ذكر ما نقله القزاز السالف قبل، والصواب أن يكون الكبير المذكور في الحديث الفرن؛ لأنه هو الذي يسبك فيه الحديد، ففيه يخرج الخبث.

стр. 7194

ومثله الحديث الآخر: "مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكبير، إن لم يلحقك شرره لحقك نتنه" (١) قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: هذا الحديث حجة لمن فضَّل المدينة على مكة؛ لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام، فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة، وروي عن أحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وقد أوضحنا المسألة في باب: فضل مسجد مكة والمدينة، فراجعه. قال أبو محمد ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن سيدنا رسول الله ﷺ جابر وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عدي -منهم ثلاثة مدنيون- بأسانيد في غاية الصحة (٢)، قال: وهو قول

стр. 7195

جماعة الصحابة وجمهور العلماء (١). واحتج (٢) مقلدو مالك بأخبار ثابتة، منها قوله: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم" (٣).

стр. 7196

وهذا لا حجة لهم فيه، إنما فيه الحرمة فقط، وبقوله: "اللهم بارك لنا في تمرنا ومدنا" (١) وبقوله: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة" (٢) ولا حجة فيه، إنما فيه الدعاء للمدينة، وليس من باب الفضل في شيء، وبقوله: "المدينة كالكير" (٣) ولا حجة فيه؛ لأن هذا إنما هو في وقت دون وقت، وقوم دون قوم، وخاص دون عام، وبقوله في النسائي: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا المدينة ومكة" (٤) ومعنى وطئه: أَمره وتقويه، لا يمكن غير هذا تفسير لما أسلفناه. قلت: لكن ظاهر حديث فاطمة بنت قيس في مسلم: "فلا يدع قرية إلا هبطها" (٥) يخالفه، وفي "الأوسط" للطبراني من حديث أبي هريرة وابن عمر مرفوعًا "ينزل الدجال خندق المدينة، فأول من يتبعه النساء والإماء" الحديث (٦).

стр. 7197

وفي حديث النواس بن سمعان في الصحيح: شدة إسراعه (١). وبقوله: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" (٢) وهذا إنما هو إخبار أنها لهم خير من اليمن والشام والعراق، وهو أيضًا في خاص لا عام. وبقوله: ("تَأْكُلُ القُرى") وهذا إنما هو المدينة تفتح الدنيا، وقد فتحت خرسان وسجستان وفارس وكرمان من البصرة وليس في ذلك دلالة على فضل البصرة على مكة، وبقوله: "إن الإيمان يأرز إلى المدينة كلما تأرز الحية إلى جحرها" (٣) وهذا إنما هو خبر عن وقت دون وقت، وفيه زيادة توضح لو صح ما ذكرناه رواها مسلم: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها" (٤) ففيه بيان أن الإيمان يأرز بين المسجدين: مسجد مكة والمدينة، وبقول أنس: كان ﷺ إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته من حبها (٥)، وهذا ليس

стр. 7198

فيه إلا حبها فقط، وبقوله: "لا يكيد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" (١) وقال: "لا يريد أحد أهل المدينة بشر إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص" (٢) "ومن أخاف أهل المدينة أخافه الله" (٣) وقال مثل هذا فيمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، وهذا إنما فيه الوعيد لمن كاد أهلها، ولا يحل كيد مسلم، وبقوله: "لا يثبت على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" (٤). وإنما فيه الحث على الثبات على شدتها، وأنه يكون له شفيعًا، وقد صح أنه شفيع لجميع أمته (٥)، وبقوله: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" (٦) وإنما هذا دعاء لا تفضيل، وبقوله: "لقاب قوس أحدكم

стр. 7199

من الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١) وقال أيضًا: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" (٢) وأرادوا أن يبينوا من هذا أن مكة من الدنيا كموضع قاب قوس من تلك الروضة خير من مكة، وليس كما ظنوه، ولو كانت كذلك لكانت مصر والكوفة وهيت (٣) خيرًا من مكة والمدينة؛ لأنه قد صح أنه قال: "سيحان وجيحان والفرات والنيل من أنهار الجنة" (٤) (٥) وهذا ما لا يجوز قوله، وليس هذان الحديثان كما يظنه بعض الأغبياء أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة، وأن هذِه الأنهار تهبط من الجنة، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى يقول في الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ الآية [طه: ١١٨]. فهذِه صفة الجنة بلا شك، وليست هذِه صفة الأنهار المذكورة

стр. 7200

ولا تلك الروضة، فصح أن قوله: "من الجنة" إنما هو لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة. وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة. قلت: قد أخرجه ابن ماجه من طريق ابن عمر، والبزار من طريق جابر: "أحنوا إلى المعز فإنها من دواب الجنة" (١) ومن طريق أم هانئ في "الأوسط" نحوه، وكما قال ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف" (٢) فهذا في أرض الكفر بلا شك، وليس في هذا فضل لها على مكة، ثم لو صح ما ادعوه لما كان الفضل إلا لتلك الروضة خاصة لا لسائر المدينة (٣)،

стр. 7201

وهذا خلاف قولهم، فإن قالوا: ما قرب منها أفضل مما بعد. قلنا: فلزمكم أن تقولوا: الجحفة ووادي القرى وخيبر أفضل من مكة؛ لأنها أقرب من تلك الروضة إلى مكة، وهذا لا يقولونه. وقد روينا من طريق النسائي من حديث عطاء بن السائب عن ابن جبير، عن ابن عباس يرفعه: "إن الحجر الأسود من الجنة" (١) فهذا بمكة كالذي بالمدينة أنه في كل منهما شيء من الجنة. واحتجوا أيضًا بقوله: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (٢) وتأولوه أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من مكة بدون "ألف". وقلنا نحن: بل هذا الاستثناء؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة، وكلاهما محتمل.

стр. 7202

وفيه: تأويل ثالث وهو: "إلا المسجد الحرام" فإن الصلاة فيهما سواء، فلا يجوز المصير إلى أحد هذِه التأويلات دون الآخر إلا بنص آخر. وبقوله: "لا يدخلها الطاعون" (١) وليس فيه تفضيل عليها؛ لأنه أخبر أن مكة لا يدخلها الدجال أيضًا (٢) -قلت: الكلام في الطاعون، مع أنه ورد بإسناد ضعيف أنها لا يدخلها طاعون أيضًا (٣) - وبقوله: "هي طيبة" (٤) وما لهم خبر صحيح سوى ما ذكر، وكلها لا حجة في شيء منها على ما بينا. واحتجوا بالخبر الصحيح أن عمر قال لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال له عبد الله: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته، فقال له عمر: لا أقول في حرم الله ولا بيته شيئًا (٥).

стр. 7203

وهذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن ابن عياش لم ينكر لعمر أنه قال ما قرره عليه بل احتج لقوله ذلك بما لم يعترض فيه، فصح أن ابن عياش -وهو صحابي (١) - كان يقول بأن مكة أفضل من المدينة، وليس في قول عمر تفضيل لإحداهما على الأخرى وإنما فيه تقرير عبد الله على قوله فقط ونحن نوجدهم عن عمر تصريحًا بأن مكة أفضل منها، ثم ساق بإسناده عنه: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد رسول الله" (٢) قال: وهذا سند كالشمس في الصحة، فهذان صاحبان لا يعرف لهما من الصحابة مخالف، ومثل هذا حجة عندهم. وعن ابن المسيب: من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد المدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه (٣) فهذا فقيه أهل المدينة يفضل مكة على المدينة. قال: واحتجوا بأحاديث موضوعة يجب التنبيه عليها والتحذير منها، منها: أنه رأى رجلًا دفن بالمدينة فقال: "لمن تربتها خلق" وهو خبر موضوع بسبب ابن زبالة، وهو ساقط بالجملة متفق على إطراحه (٤)،

стр. 7204

ثم هو من طريق أنيس بن يحيى، ولا ندري من أنيس (١) هذا (٢).

стр. 7205

وروي أيضًا من طريق أبي خالد -وهو مجهول- عن يحيى البكاء -وهو ضعيف (١) - ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه إنما كان يكون

стр. 7206

الفضل لغيره فقط، وإلا فقد دفن فيها المنافقون ودفن معظم الأنبياء بالشام، ولا يقول مسلم إنها أفضل من مكة. ومنها: "فتحت المدائن بالسيف والمدينة بالقرآن" من وضع ابن زبالة (١)، ثم لو صح فاليمن والبحرين وصنعاء والجند وغيرها لم يفتحوا (بالسيف، فتحن) (٢) بالقرآن، وليس ذلك بموجب فضلها على مكة. قلت: تابعه محمد بن موسى الأنصاري وغيره (٣)، كما بينه ابن

стр. 7207

عساكر في "مجموع الرغائب". ومنها: "ما على الأرض بقعة أحب إليَّ من أن يكون قبري فيها منها" وآفته ابن زبالة (١)، ثم لو صح فالشارع كره للمهاجرين وهو سيدهم أن يرجعوا إلى مكة ليحشروا غرباء مطرودين عن وطنهم في ذاته، فلهذا أراد ذلك. ومنها: "فأسكني في أحب البلاد إليك" وهو موضوع من رواية ابن زبالة ومرسل (٢).

стр. 7208

ومنها: "المدينة خير من مكة" كذا تصريحا رويناه من طرق، فمنها ابن زبالة صاحب هذِه الفضائح كلها، المنفرد بوضعها (١)، ومنها: محمد بن عبد الرحمن، وهو مجهول لا يدريه به أحد (٢)، ومنها: عبد الله بن نافع، وهو ضعيف بلا خلاف (٣).

стр. 7209

وهذا الخبر رويناه من طريق مسلم بإسناد في غاية الصحة: خطب مروان فذكر مكة وأهلها وحرمتها فناداه رافع بن خديج، فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمها، وقد حرم رسول ﷺ ما بين لابتيها (١)، فبدله أهل الجهل قال: ومما. يدل على فضله، فذكر أمورًا. منها: عن ابن عمر مرفوعًا في حجة الوداع: "أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ " قالوا: لا إلا بلدنا هذا، الحديث (٢) وعن جابر أيضًا (٣)، فهذان ابن عمر وجابر يشهدان أن رسول الله ﷺ قرر الناس على أي بلد أعظم حرمة فأجابوه بأنه مكة، فصدقهم فيه، وهذا إجماع في إجابتهم من جميع الصحابة له أنه بلدهم ذلك، وهم بمكة، وذكر حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عدي بن الحمراء قال رسول الله ﷺ : "إنك خير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو تركت فيك ما خرجت منك" (٤) ثم

стр. 7210

قال: وهذا خبر في غاية الصحة، رواه عن رسول ﷺ هذان (١).

стр. 7211

٣ - باب المَدِينَةُ طَابَةُ ١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ". [انظر: ١٤٨١ - مسلم: ١٣٩٢ - فتح ٤/ ٨٨] ذكر فيه حديث أَبِي حُمَيْدٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: "هذِه طَابَةُ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا مطولا. وفي آخره: "هذا أحد جبل يحبنا ونحبه" (١). وطابة مشتقة من الطيب، ووزن طَيبة: فعلة، وقد يقال لها أيضًا: طيبة، وزنها فِعلة وفَعلة وفِعّلة، يتعاقبان على معنًى واحد، فاشتق لها ﵇ هذا الاسم من الطيب، وكره اسم يثرب، لما فيه من التثريب وقد أوضحنا ذلك في الباب قبله. وقد قال بعض أهل العراق: وأمر المدينة عجيب في ترابها، وهو أنها دليل شاهد وبرهان على قوله: "إنها طيبة، تنفي خبثها وينصع طيبها" (٢)؛ لأن من دخلها وأقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة ليس لها اسم في الأرائح، وبذلك السبب طاب طيبها، والمعجونات من الطيب فيها أحد رائحة، وكذلك العود وجميع البخور يتضاعف طيبه في تلك البلدة على كل بلدة استعمل ذلك الطيب بعينه فيها.

стр. 7212

٤ - باب لَابَتَيِ المَدِينَةِ ١٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ". [انظر: ١٨٦٩ - مسلم: ١٣٧٢ - فتح: ٤/ ٨٩] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ ترتع بِالمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ النبي ﷺ : "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا كما أسلفناه (١)، وأسلفنا أيضًا تفسير الآية. و (ذعرتها): نفرتها، فالإذعار والتنفير هو أقل ما ينهى عنه من أمر الصيد، وما فوقه من الأذى للصيد وقتله أكثر من الإذعار، وإنما أخذ أبو هريرة ذلك من قوله في مكة "لا ينفر صيدها" (٢) والتنفير والإذعار واحد. وقال ابن التين: معنى ذعرتها: أخفتها، وهو بمعناه، والذعر: الفزع، وذعر فهو مذعور.

стр. 7213

٥ - باب مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدِينَةِ ١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ - يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا". [مسلم: ١٣٨٩ - فتح: ٤/ ٨٩] ١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". [مسلم: ١٣٨٨ - فتح: ٤/ ٩٠] ذكر فيه حديث أَبَي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا". وحديث سفيان بن أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ

стр. 7214

خير لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". الشرح: الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١)، والكلام عليهما من أوجه: وسفيان هذا فرد (٢) في الصحابة أزدي من أزد شنوءة (٣). أحدها: العافية والعفاة والعفا: الأضياف وطلاب المعروف، قاله ابن سيده وقيل: هم الذين يعتفونك، أي: يأتونك يطلبون مما عندك (٤). والعافي أيضًا الرائد والوارد؛ لأن ذلك كله طلب. والعافية: طلاب الرزق من الدواب والطير، وعن الأخفش: واحدها: عافية، والمذكر: عاف. وقال ابن الجوزي: اجتمع في العوافي شيئان: طلبها لأقواتها، وطلبها العفا، وهو المكان الخالي الذي لا أنيس به ولا ملك عليه. ثانيها: في مسلم: "يتركون المدينة على خير ما كانت" (٥) روي بتاء الخطاب، ومراده غير المخاطبين، لكن نوعهم من أهل المدينة ونسلهم،

стр. 7215

وبياء الغيبة، ذكرهما القرطبي (١). ومعنى "على خير ما كانت" أي على أحسن حال كانت بعده من الرخاء، وكثرة الثمرة والخيرات، وفي معدن الخلافة وموضعها، ومقصد الناس، ومعقلهم وحين تنافسوا فيها وتوسعوا في خططها، وغرسوا وسكنوا فيها ما لم يسكن قبل، وبنوا وشيدوا، وحملت إليها الخيرات، فلما انتهت حالها انتقلت الخلافة منها إلى الشام فغلبت عليها الأعراب، وتعاورتها الفتن، خاف أهلها فارتحلوا عنها. وذكر أهل الأخبار أنها خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي كما أخبر الصادق، ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلوها عدت الكلاب على سواري المسجد. وعن مالك: في هذا الحديث: "لتتركن المدينة خير ما كانت، حتى يدخل الكلب أوالذئب فيعدي على بعض سواري المسجد" (٢). وقال: الظاهر أن هذا الترك يكون في آخر الزمان (٣). وقال عياض: هذا ما جرى في العصر الأول وانقضى، وهذا من معجزاته (٤). ثالثها: فيه دلالة كما قال المهلب أنها تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات لقصد هذين الراعيين بعنزهما إلى المدينة، وهذا يكون قريب قيام الساعة، وأن آية قيام الساعة عند موت هذين الراعيين أحرى أن يصير غنمهما وحوشًا.
следующие страницы →