← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أبي حاتم في كتابه، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ولده محمدًا (١)، وليس لَهُ ذكر في الكتب الستة، قَالَ ابن أبي حاتم: هلال بن رداد مجهول. ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصحيح رأسا. وأما يونس فهو أبو يزيد يونس بن يزيد، ويقال بعد يزيد: ابن مشكان بن أبي النجاد -بكسر النون- الأيلي -بفتح الهمزة وبالمثناة- القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان، وأخو أبي علي بن يزيد، وعم عبسة بن خالد بن يزيد سمع خلقًا من التابعين، منهم: القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم، وعنه الأعلام جرير بن حازم وهو تابعي فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأوزاعي والليث وخلق، وكان الزهري إِذَا قدم أيلة نزل عليه وإذا سار إلى المدينة زامله يونس، وقال أحمد: ما أجد أعلم بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس فإنه كتب كل شيء. وقال يحيى: يونس أسند من معمر وهما ثقتان وكان معمر أَجَل، وفي رواية عنه: يونس أسند من الأوزاعي -يعني: عن الزهري- وقال يحيى أيضًا: أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وابن عيينة، وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا. وأما وكيع فقال: ذاكرت يونس بأحاديث الزهري المعروفة فجهدت أن يقيم لي حديثًا فما أقامه، وفي لفظ: فلم يكن يحفظ. حكاه العجلي (٢).

стр. 737

وقال خالد بن نزار (١) فيما حكاه المنتجالي: كان الأوزاعي يحصي على يونس بن يزيد. مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة (٢). فائدة: في يونس ستة أوجه بتثليث النون مع الجمزة وعدمه، والضم بلا همز أفصح (٣). وأما معمر فهو أبو عروة معمر بن أبي عمرو، راشد الحداني الأزدي مولاهم عالم اليمن شهد جنازة الحسن البصري، وسمع خلقًا من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأيوب وقتادة، وعنه جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأبو إسحاق السبيعي وأيوب ويحيى بن أبي كثير وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، وعنه أيضا جماعات غيرهم منهم: ابن جريج وشعبة وابن المبارك، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، وآخر من حدث عنه محمد بن كبير

стр. 738

الصنعاني. قَالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه حديثًا إلا كأنه ينقش في صدري. ولما دخل معمر اليمن كرهوا أن يخرج من بينهم فقال رجل: قيدوه فزوجوه. مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة، عن ثمان وخمسين سنة، وقيل: مات سنة خمسين ومائة. وقال أبو القاسم الطبراني (١): كان معمر بن راشد وسلم بن أبي الذيال فقدا فلم ير لهما أثر (٢)، قَالَ الخطيب: حدث عنه عمرو بن دينار المكي وعبد الرزاق بن همام وبين وفاتيهما ست -وقيل: خمس- وثمانون سنة (٣)، ثم أعلم أن معمرًا له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن، قَالَ أبو حاتم: صالح الحديث وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط (٤)، وضعفه يحيى بن معين في روايته عن ثابت (٥).

стр. 739

فائدة: ليس في الصحيحين معمر بن راشد غير هذا بل ليس فيهما من اسمه معمر غيره، نعم في "صحيح البخاري" معمر بن يحيى بن سام الضبي وقيل: إنه بتشديد الميم روى له البخاري حديثًا واحدًا في الغسل (١)، وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر (٢)، وفي الرواة معمر في الكتب الأربعة ستة (٣)، وفيها مُعَمَّر بالتشديد يخلف خمسة (٤)، وفي غيرها خلق: معمر بن بكار شيخ لمُطَيَّن في حديثه وهم (٥)، ومعمر بن

стр. 740

الحسن الهذلي مجهول وحديثه منكر (١)، ومعمر بن زائدة لا يتابع على حديثه (٢)، ومعمر بن زيد مجهول (٣)، ومعمر بن أبي سرح مجهول (٤)، ومعمر بن عبد الله، عن شعبة لا يتابع عَلَى حديثه (٥)، وغير ذَلِكَ مما ذكرته في "مشتبه النسبة" (٦). فائدة ثانية: هاتان المتابعتان اشتملتا على مدني ومصري وحمصي ويمني كما أوضحته لك. الوجه الرابع: البوادر بفتح الباء الموحدة جمع بادرة وهي: اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان، قَالَ أبو عبيدة: تكون من الإنسان وغيره، وقال الأصمعي: الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، التي لا تزال ترعد من الدابة وجمعها فرائص. وقال ابن سيده في "المخصص": البادرتان من الإنسان لحمتان فوق

стр. 741

الرغثاوين وأسفل الثندوة. قَالَ: وقيل: هما جانبا الكركرة، وقيل: هما عرقان يكتنفانها (١)، قَالَ: والبادرة من الإنسان وغيره. وقال في "أماليه": ليست للشاة بادرة، ومكانها صردغة للشاة وهما الأوليان تحت صليفي العنق لا عظم فيها، وادعى الداودي أن البوادر والفؤاد واحد، والذي عند أهل اللغة ما سقناه. وحين انقضى الكلام عَلَى حديث عائشة وجابر في بدء الوحي فلنختمه بدرر التقتطها من بحر سيدي أبي محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي بلدي، والدي تغمدهما الله برحمته، وهو حديث اشتمل على أحكام وآداب وقواعد من أصول الدين والسلوك والترقي: والدرة الأولى: أن الهداية منه لا بسبب؛ لأنه ﷺ جبل عَلَى الخير ابتداء من غير أن يكون معه من يحرضه عليه فحبب إليه الخلاء، لأنها عبادة. الثانية: مداومة العبادة لتحنثه الليالي. الثالثة: أن التبتل الكلي والانقطاع الدائم ليس من السنة، فإنه ﷺ لم ينقطع في الغار وترك أهله. الرابعة: أن العبادة لا تكون إلا مع إعطاء الحقوق الواجبة وتوفيتها؛ لأنه ﷺ لم يكن يرجع إلى أهله إلا لإعطاء حقهم، فكذا غيره من الحقوق. الخامسة: أن الرجل إِذَا كان صالحًا في نفسه تابعًا للسنة يرجى (أن) (٢) الله تعالى يؤنسه بالمرائي الحميدة إِذَا كان في زمان مخالفة وبدع.

стр. 742

السادسة: أن البداءة ليست كالنهاية؛ لأنه ﷺ أول ما بدئ في نبوته بالمرائي ثم ترقى حتَّى جاءه الملك يقظة، ثمَّ ما زال في الترقي حتَّى كان كقاب قوسين أو أدنى. كذلك الأتباع يترقون في مقام الولايات ما عدا مقام النبوة حتَّى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، فمن نال مقامًا فدام عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، ويشهد لذلك ما حكي عن بعضهم أنه ما زال في الترقي إلى أن سرى سره من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى فنودي: هنا سري بذات محمد السنية حيث سري بسرك (١).

стр. 743

السابعة: أن المربي أفضل من غيره. الثامنة: أن الأولى بأهل البداءة الخلوة والاعتزال ولما صار مآله ﷺ إلى ما صار كان إِذَا سجد غمز أهله فتضم رجلها حيث سجد. التاسعه: أن الخلوة عون الإنسان عَلَى تعبده وصلاحه (١). العاشرة: مشروعية التسبب في الزاد لدخول الخلوة أو المعتكف، إظهار لوصف العبودية وفي مخالفته نوع ادعاء، ولهذا كان بعض أهل الطريق إِذَا دخل خلوته أخذ رغيفًا وألقاه تحت وسادته، وواصل

стр. 744

أيامًا. ولأن في اتخاذه أيضًا قطع تشوف النفس وقلقها والفيض من الله. الحادية عشرة: أن المرء إذا خرج لتعبده يُعلِم أهله؛ لأنه معرض هو وهم للآفات، ولأن فيه إدخال السرور عليهم (بإعلامه لهم) (١)، وفيه أيضًا الإعلام بموضعه ليرافق في التعبد والانقطاع. الثانية عشرة: أن الشغل اليسير الضروري لا يكون قاطعًا للعبادة؛ لأنها أخبرت أنه ﷺ كان يتحنث الليالي ولم تذكر ذَلِكَ في رجوعه إلى أهله، فدل عَلَى أن ذَلِكَ هو الكثير. الثالثة عشرة: جواز التورية، وهي إظهار شيء والمراد خلافه إِذَا كان فيه مصلحة؛ لأن جبريل كان يعلم أنه ﷺ غير قارئ، ولكن قَالَ له ذَلِكَ؛ ليتوصل به إلى ما يريد من الغط كما سلف، وكذلك كان ﷺ إِذَا خرج إلى جهة ورى بغيرها، ولو كان غطه له بغير سبب؛ لكان ذَلِكَ زيادة في النفور والوحشة. الرابعة عشرة: أن أمر السائل إِذَا كان يحتمل وجهين أو وجوهًا فيجاب بأظهرها ويترك ماعداها؛ لأنه لما كان لغط جبريل ﵇ يحتمل طلب القراءة منه ﷺ ابتداء وهو الأظهر ويحتمل طلبها منه لما يلقى إليه، وهو المقصود في هذا الموضع لما ظهر بعد، أجاب ﷺ بالأظهر وهو المعهود من الفصحاء في مخاطباتهم. الخامسة عشرة: فيه دلالة لمن ذهب من العلماء أن أول الواجبات الإيمان دون النظر، والاستدلال شرط كمال لا شرط صحة؛ لأن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، تمت به الفائدة وحصل به الإيمان المجزئ، وقوله بعده ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق ١: ٢]

стр. 745

هو طلب النظر والاستدلال وهو زيادة كمال الإيمان؛ لأنهم أكمل الناس إيمانًا، ويشهد لذلك الحديث الصحيح: "أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله" (١) ولم يشترط نظرًا ولا استدلالًا. السادسة عشرة: سر نزول هذِه السورة أولًا: أنها دلت منطوقًا ومفهومًا على ما تضمنه القرآن إجمالًا، فإن كل ما في القرآن من آيات الإيمان والتوحيد والتنزيه دل عليه مضمون اسم الربوبية، وما كان فيه من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والندب والإرشاد، والمحكم والمتشابه دل عليه مضمون مقتضى حكمة الربوبية، وما كان فيه من استدعاء الفكر والنظر والاستدلال وما أشبه ذَلِكَ دل عليه متضمن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق:١ - ٢]، وما كان فيه من المغفرة والرحمة والإيناس والإنعام والترجي والإحسان والإباحة، وما أشبه ذَلِكَ دل عليه متضمن كرم الربوبية، ثمَّ بعد هذا الإجمال نزلت الآيات مفصلة ولما كملت قَالَ الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. السابعة عشرة: فيه إشارة إلى التسلي والصبر عند نزول الحوادث والوعد بالنصر كما في خلقه أولًا علقة، ثمَّ طوره وأخرجه إلى الوجود، فالإخراج يقابله الخروج، والتطوير يقابله التغيير. الثامنة عشرة: جواز تأديب المعلم للمتعلم وقد مضى.

стр. 746

التاسعة عشرة: أن كتاب الله تعالى لا يؤخذ إلا بقوة؛ لأن جبريل ضمه ﷺ إليه ليتلقى الأمر بأهبة، ويأخذه بقوة، وقد قَالَ تعالى ليحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. العشرون: أن بالغط يحصل في الباطن قوة تعين عَلَى حمل الملقى إليه. الحادية بعد العشرين: مذهب أهل السنة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة (١)، وإنما حصل لجبريل هذِه القوة؛ لأنه كان حاملًا لكلام الله تعالى في ذَلِكَ الوقت.

стр. 747

الثانية بعد العشرين: فيه دلالة لما تقوله الصوفية أن التحلي لا يكون بعد التخلي فتخلى أولًا بالجهد ثمَّ تحلى بإلقاء الوحي إليه (١). الثالثة بعد العشرين: حكمة الغط ثلاثًا من غير زيادة ولا نقصان

стр. 748

وجهان: أحدهما: أن البشرية فيها عوالم مختلفة منها العقل وموافقة الملك، ومنها النفس والطبع والشيطان وموافقتهم الهوى والغفلة والعادة المذمومة، وهي أشدها لقول الأمم الماضية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وقد قَالَ الأطباء: إن العادة طبع خامس، فكانت تلك الغطات مذهبة لتلك الخصال الثلاثة وموافقيها، وبقي العقل والملك (اللذين) (١) هما قابلان للحق والنور، وإن كان ﷺ مطهرًا من الشيطان ومثل ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] وثيابه لا شك في طهارتها عَلَى كل تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشرية وترقيها. الثاني: أن (الدين) (٢) عَلَى ثلاث مراتب إيمان وإسلام وإحسان، فكانت تلك الغطات مبالغة في التحلي بكلها؛ لأن إيمانهم أقوى من إيمان أتباعهم لعلو مقامهم. الرابعة بعد العشرين: فيه دلالة عَلَى أن التحلي مكتسب وفيض من الرب ﷻ ، وقد جمعا له ﷺ بالتحنث والغط، وقد يجتمعان لأفراد من أمته، وقد ينفرد بعض بالكسب وبعض بالفيض كالفضيل (٣)

стр. 749

وابن أدهم (١) وكثير ما هم (٢). الخامسة بعد العشرين: أن الإنسان إنما يخاطب أولًا بما يعرف أنه يصل إلى فهمه بسرعة من غير مشقة ولا بحث يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى قد أحال نبيه ﷺ عَلَى أن ينظر أولًا في خلق نفسه بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ٢] ولم يقل له: الذي خلق السموات والأرض والأفلاك وغير ذلك، وإنما قَال له ذَلِكَ بعد ما تقرر له خلق نفسه. السادسة بعد العشرين: أن الفكرة أفضل الأعمال؛ لأن في ضمن قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ ما يستدعي الفكرة فيما قبل حتى يحصل بذلك القطع. وليس الإيمان به بعد الفكرة كالإيمان به بديهة. ولهذا المعنى أشار ﷺ فيما روي عنه: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" (٣) وفي

стр. 750

لفظ: "خير من عبادة الدهر" (١)؛ لأن المرء إِذَا تفكر قوي إيمانه. السابعة بعد العشرين: أن المتفكر ينظر بعد العظمة والجلال في العفو والكرم؛ لأنه عَقّب ما مضى بقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ [العلق: ٣].

стр. 751

الثامنة بعد العشرين: أن من أصابه أمرٌ له أن يتداوى بحسب ما اعتاد ما لم يكن حرامًا؛ لأنه ﷺ لما أن أصابه الرعب رجع إلى ما اعتاد من التدثير وقال: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي". التاسعة بعد العشرين: طلب الاختصار لقوله، وأخبرها الخبر ولم يأت به الراوي مفصلًا. الثلاثون: أن الواقع إِذَا وقع لأهل الطريق، وكان يحتمل التخويف والبشارة بحثوا عن الخوف وإن كان ضعيفًا. الحادية بعد الثلاثين: جواز الحكم بالعادة، وذلك حيث لا خلل؛ لأن خديجة حكمت بما أجرى الله تعالى من عادته فيما ادعته، وورقة أخبر بأنه الناموس عملًا بالعادة. الثانية بعد الثلاثين: جواز الحلف عَلَى العادة المجراة عَلَى العباد. الثالثة بعد الثلاثين: أن المرء إذا أصابه أمر مهم له أن يحدث بذلك أهله ومن يعتقد من أصحابه إِذَا كانوا ذَا دين ونظر. الرابعة بعد الثلاثين: أن من ادعى شيئًا فعليه أن يأتي بالدليل عَلَى صدق دعواه. الخامسة بعد الثلاثين: أن المرء إذا وقع له واقع أن يسأل عنه أهل العلم والنهي. السادسة بعد الثلاثين: جواز خروج المرأة مع زوجها. السابعة بعد الثلاثين: أن من وصف أمرًا لا يزيد عَلَى ما فيه من الصفات الحميدة؛ لأن الراوي أخبر عن ورقة بما فيه من غير زيادة. الثامنة بعد الثلاثين: أن أهل الفضل إِذَا استشاروا امرأ في شيء بادر المستشار في عونهم ومشاركتهم؛ لأن خديجة بادرت إلى الخروج من

стр. 752

غير أن تقول: امضى إلى فلان. التاسعة بعد الثلاثين: أن المرء إِذَا عرضت له حاجة عند أهل الفضل فالسنة فيه أن يقدم إليه من يدل عليهم إن وجد ذَلِكَ؛ لأنه ﷺ لم يمض وحده لورقة وإنما مضى مع خديجة التي هي من قرابة ورقة. الأربعون: أن من كان سفيرًا بين أهل الفضل أن يتحرز في كلامه بينهم ويعطي لكل واحد منهم مرتبته ومنزلته؛ لأن خديجة قالت لورقة: (اسمع من ابن أخيك)؛ لأنه أعز وأرفع له ﷺ ، ولهذا لم تعبر بالابن لاقتضائه رفعة الأب عليه، ولا بالأخ؛ لاقتضائه المساواة. الحادية بعد الأربعين: التقدم في الكلام عن أهل الفضل نيابة عنهم وترفيعًا لهم؛ لأن خديجة بادرت في الكلام لورقة قبله ﷺ خدمة له وتكريما. الثانية بعد الأربعين: أن صاحب الواقعة أولى بذكرها من غيره؛ لأن خديجة ﵂ أحالت عليه ﷺ . الثالثة بعد الأربعين: تمني الخير لنفسه؛ لأن ورقة تمنى أن يكون جذعًا عند الرسالة. الرابعة بعد الأربعين: أن العالم بالشيء يعرف مآله عَلَى جري العادة، له أن يحكم بالمآل إِذَا رأى المبادئ؛ لأن ورقة لما أن علم برسالته علم بإخراجه، وفيه أيضًا الحكم بالعادة. الخامسة بعد الأربعين: أن التجربة تحدث علمًا زائدًا؛ فإنه ﷺ طرد الحُكْم وقاس عليه، وورقة أخبر بما جرت به العادة وأفادته التجربة، ولهذا قَالَ لقمان لولده: يا بني عليك بذوي التجارب.

стр. 753

السادسة بعد الأربعين: فيه دلالة للصوفية (١) في قولهم استصحاب العمل وترك الالتفات ودوام الإقبال؛ لأن النظر إلى (كثرة) (٢) العمل تورث الكسل، فكيف به إِذَا كان النظر لغير العمل؟ ومنه قولهم للوقت: سيف. المراد: اقطع الوقت بالعمل؛ لئلا يقطعك بالتسويف (٣).

стр. 754

٥ - باب ٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِى عَائِشَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ -فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِى صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِىُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ. [٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤ - مسلم ٤٤٨ - فتح ١/ ٢٩] الحديث الخامس: قال البخاري ﵀: ثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، ثنَا سَعِيدُ بْن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قَالَ: كَانَ رسول اللهِ ﷺ يعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّة، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -قَالَ ابن عَبَّاس: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَك كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كان ابن عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَركَ شَفَتَيْهِ -فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعُهُ لَك فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا كان قَرَأَ.

стр. 755

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، عن موسى، عن أبي عوانة، وفي التفسير، وفضائل القرآن، عن قتيبة، عن جرير، كلهم عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير (١). وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة وغيرهما، عن جرير، وعن قتيبة، عن أبي عوانة كلاهما عن موسى بن أبي عائشة به (٢). ولمسلم: فإذا ذهب قرأه كما وعده الله (٣). وللبخاري في التفسير: ووصف سفيان: يريد أن يحفظه (٤)، وفي أخرى: يخشى أن يتفلت منه (٥) ولمسلم في الصلاة: (لتعجل به) أخذه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧]، إن علينا أن نجمعه في صدرك آية (وقرآنه) فتقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾. قَالَ: أنزلناه فاستمع له ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نبينه بلسانك (٦). ورواه الترمذاي من حديث سفيان بن عيينة، عن موسى، عن سعيد، عن ابن عباس قَالَ: كان رسول الله ﷺ إِذَا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه

стр. 756

يريد أن يحفظه، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: فكان يحرك به شفتيه، وحرك سفيان شفتيه، ثمَّ قَالَ: حديث حسن صحيح (١). الوجه الثاني: في التعريف برجاله: أما ابن عباس فهو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ ، أمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث (٢)، أخت ميمونة أم المؤمنين، كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه، وترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، دعا له رسول الله ﷺ بالحكمة (٣)، والتفقه في الدين (٤) وتعلم التأويل (٥)، أي: تأويل القرآن، فأخذ عنه الصحابة

стр. 757

ذَلِكَ ودعا له أيضًا فقال: "اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين" (١)."اللَّهم زده علمًا وفقهًا" (٢) وهي أحاديث صحاح كلها كما قاله أبو عمر بن عبد البر (٣)، وفي البخاري أنه ﷺ ضمه إليه وقال: "اللَّهُمَّ علمه الكتاب" (٤). وتعظيم عمر بن الخطاب لَهُ وتقديمه عَلَى الكبار مشهور (٥). وهو أحد الستة المكثرين عن النبي ﷺ . قَالَ الإمام أحمد: ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله ﷺ وعمروا: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس ﵃، وأبو هريرة أكثرهم حديثًا. وقال أيضًا: ليس أحد

стр. 758

من الصحابة أكثر فتيا منه، ومناقبه في "الصحيح" وغيره جمة أفرذت بالتأليف منها: أنه ﷺ حنكه بريقه (١). روى عن النبي ﷺ ألف حديث وستمائة وستين حديثًا، اتفقا منها عَلَى خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين (٢). ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقال أحمد: خمس عشرة، والأول هو المشهور. وروى مجاهد عنه أنه قَالَ: رأيت جبريل مرتين (٣).

стр. 759

روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وابن عمر وخلق من التابعين. روى عنه أيضًا أخوه كثير بن العباس (١). مات بالطائف، وقبره بها مشهور يزار. سنة ثمان وستين ابن إحدى وسبعين سنة عَلَى الصحيح في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذِه الأمة. وهو أحد أولاد العباس العشرة، وليس في الصحابة عبد الله بن عباس غيره، فهو إذًا من الأفراد (٢). فائدة: عبد الله هذا أحد العبادلة، وثانيهم: عبد الله بن الزبير، وثالثهم: عبد الله بن عمر، ورابعهم: عبد الله بن عمرو بن العاص. وحذف الجوهري في "صحاحه" (٣) ابن الزبير (٤). ووهم النووي في "مبهماته" (٥)، والقطعة التي لَهُ عَلَى هذا الكتاب

стр. 760

عليه، حيث زعم أنه أثبت ابن مسعود منهم وحذف ابن عمرو، وهذا غلط عليه، فإنه لم يذكر ابن مسعود وأثبت ابن عمرو، وقد (ذكر) ابن الزبير كما نبهنا عليه. وأما سعيد بن جبير فهو الإمام المجمع عَلَى جلالته وثقته وعلو مرتبته في العلوم تفسيرًا وحديثًا وفقهًا، أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الكوفي الأسدي الوالبي -بكسر اللام وبالباء الموحدة- نسبة إلى ولاء بني والبة. ووالبة هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان بدالين مهملتين -بضم الدال الأولى- (بن أسد بن خزيمة) (١)، سمع سعيد خلقًا من الصحابة منهم العبادلة غير ابن عمرو. وعنه خلق من التابعين منهم الزهري، وممن روى عنه ابناه عبد الملك وعبد الله، مات سنة خمس وتسعين عن تسع وأربعين سنة، قتله الحجاج صبرًا. قَالَ خلف بن خليفة: حَدَّثَنَا بواب الحجاج قَالَ: رأيت رأس سعيد بن جبير بعدما سقط من الأرض يقول: لا إله إلا الله (٢)، وقال خلف عن رجل: إنه لما نَدَر رأسه هلل ثلاث مرات يفصح بها (٣). وقيل: إن الحجاج قَالَ له: اختر أي قتلة شئت قَالَ: اختر أنت لنفسك، القصاص أمامك. ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا (٤)، ولما

стр. 761

قدم أصبهان لم يحدث ثم لما رجع الكوفة حدث، فقيل له في ذَلِكَ، فقال: انشر بزك حيث تعرف (١). وأما الراوي عن سعيد فهو موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني -بالمهملة- مولى آل جعدة بن هبيرة، روى عن كثيرين من التابعين، وعنه الأعلام الثوري وغيره ووثقه السفيانان ويحيى بن معين وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٢)، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث. قُلْتُ: يحتج بحديثه؟ قَالَ: يكتب حديثه (٣)، وقال جرير: رأيته لا يخضب وكان إِذَا رأيته ذكرت الله لرؤيته. ولما ساقه البخاري في التفسير عنه قَالَ: وكان ثقة (٤). وأما الراوي عنه فهو أبو عوانة -بفتح العين- واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري -ويقال: الكندي- الواسطي مولى يزيد بن عطاء وقيل: عطاء بن عبد الله الواسطي، كان من سبي جرجان. رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا واحدًا، وسمع خلقًا بعدهم من التابعين وأتباعهم.

стр. 762

وروى عنه الأعلام منهم: شعبة ووكيع وابن مهدي. قَالَ عفان: كان صحيح الكتاب ثبتًا، وهو في جميع حاله أصح حديثًا عندنا من شعبة. وقال أحمد: إِذَا حدث من كتابه فهو أثبت من شريك، وإذا حدث من غير كتابه وهم، وقال أبو زرعة: بصري ثقة إِذَا حدث من كتابه. وقال ابن أبي حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا وهو صدوق ثقة (١). مات سنة ست وسبعين ومائة، وقيل: سنة خمس وسبعين. قَالَ الخطيب: حدث عنه شعبة والهيثم بن سهل التستري، وبين وفاتيهما مائة سنة وسنة واحدة أو أكثر (٢). وأما الراوي عنه فهو أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري -بكسر الميم وإسكان النون وفتح القاف- نسبة إلى منقر بن عبيد بن مقاعس البصري الحافظ المكثر الثقة الثبت، التبوذكي -بفتح التاء المثناة فوق، ثم موحدة مضمومة، ثم واو، ثمَّ ذال معجمة مفتوحة- سمع المبارك بن فضالة وحماد بن سلمة، وسمع من شعبة حديثًا واحدًا وطبقتهم. روى عنه يحيى بن معين، والبخاري وأبو داود، وغيرهم من الأعلام، وروى لَهُ مسلم والترمذي وأبو داود عن رجل عنه، والذي رواه مسلم حديث واحد: حديث أم زرع رواه عن الحسن الحلواني

стр. 763

عنه (١). قَالَ الدوري: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين بالبصرة. واختلف في سبب نسبته التبوذكي عَلَى أقوال: أحدها: لأنه اشترى دارًا بتبوذك، قاله أبو حاتم الرازي (٢). ثانيها: لأنه نزل داره قوم منها فنسب إليها، قَالَ ابن أبي خيثمة: سمعته يقول: لا جُزِي خيرًا من سماني تبوذكيًّا، أنا مولى بني منقر، إنما نزل داري قوم من أهل تبوذك، سموا تبوذكيًّا. ثالثها: (أنها) (٣) نسبة إلى بيع السماد، قاله السمعاني (٤)، والسماد -بفتح السين-: سرجين يوضع في الأرض ليجود نباته. رابعها: أنها نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقلب والقانصة، قاله ابن ناصر، وذكر النووي في "شرحه" هذِه الأقوال ثمَّ قَالَ: الصحيح المعتمد ما قدمناه (٥). فائدة: هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة، ورواته ما بين مكي وكوفي وبصري وواسطي، وكلهم من الأفراد لا (أعلم) (٦) من شاركهم في

стр. 764

اسمهم مع اسم أبيهم، وفيه من طرف الإسناد رواية تابعي عن تابعي، وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد. الوجه الثالث: قيل: كان يتعجل به حتَّى يكتب لئلا ينسى (١)، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]،، وقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦]، وعن الشعبي: إنما يعجل بذكره من حبه له وحلاوته في لسانه (٢)، فنهي عن ذَلِكَ حتَّى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض و-بإسكان الميم مع فتح العين- قَالَ ابن قرقول (٣): جمعه لك صدرك -بسكون الميم عند الأصيلي مع ضم العين ورفع الصدر- وعند أبي ذر: جمعه لك في صدرك. وعند النسفي: جمعه لك صدرك. وقيل: تحفظه وتقرأه. وقيل: ﴿وقرآنه﴾: تأليفه (٤). الوجه الرابع: في فوائده: الأولى: هذا الحديث حصل في إسناده نوع من علوم الحديث وهو

стр. 765

التسلسل بتحريك الشفة لكنه لم يتصل تسلسله، وقَلّ في المسلسل الصحيح (١). الثانية: المعالجة: المحاولة وسبب حصولها عظم ما يلاقيه من هيبة الوحي الكريم والملك، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]. الثالثة: قوله (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذَلِكَ، وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبه، حكاه القاضي، فجعل (ما) كناية عن ذَلِكَ- ومثله قوله في كتاب الرؤيا: كان مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا" (٢)، أي هذا من شأنه- وأدغم النون في ميم (ما)، وقيل: معناها: ربما، وهو قريب من الأول؛ لأن ربما قد تأتي للتكثير (٣). الرابعة: فيه أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إِذَا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول؛ لقول ابن عباس: (فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله ﷺ يحركهما). الخامسة: قوله: فإذا ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: قراءة جبريل عليك، وفيه كما قَالَ القاضي إضافة ما يقول من أمره تعالى إليه ويحتج به في أمر التنزيل وغيره من الظواهر المشكلة إلى الله تعالى (٤).

стр. 766

وقوله: (فاتبع قرآنه) أي: فاستمع له وأنصت (١)، وقيل: اتبع حلاله واجتنب حرامه (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]، أي: أن تقرأه، وفي مسلم: أن نُبَيِّنَهُ بلسانك (٣)، وقيل: بحفظك إياه، وقيل: ببيان ما فيه من حلال وحرام (٤) حكاه القاضي قَالَ: وقد اختلف السلف في الهذَّ (٥) والترتيل، فمن رأى الهذَّ أراد استكثار الأجر بعدد الكلمات، ومن رأى الترتيل ذهب إلى فهم معانيه وتدبره، والوقوف عند حدوده وتحسين تلاوته، وما أمر الله تعالى نبيه ﷺ حيث قَالَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وهو اختيار الأكثر، ولا خلاف أن الهذَّ الذي ينتهي إلى ترك إقامة حروفه غير جائز. وقال مالك: من الناس من إِذَا هذَّ كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومنهم من لا يحسن يَهُذُّ، والناس في ذَلِكَ عَلَى قدر حالاتهم وما يَخِفُّ عليهم (٦). قَالَ القاضي: وما قاله مالك وغيره من إجازة الهذَّ لمن أراد

стр. 767

مجرد التلاوة وفضل القراءة، أما من فتح الله تعالى عليه بعلمه وفهم معاني القرآن (واستنارة) (١) حكمه فتلاوته وإن كانت قليلة أفضل من ختمات لغيره هذا (٢). السادسة: همزة (وأنصت) همزة قطع، هذا هو الفصيح الذي جاء به القرآن العظيم، وفيه ثلاث لغات ذكرهن الأزهري: أنصت، ونصت، وانتصت (٣). والإنصات: السكوت. والاستماع: الإصغاء (٤). السابعة: أعاد (كان) في قوله: (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ) مع تقدمها في قوله: (كَانَ يُعَالِجُ)، وهو جائز إِذَا طال الكلام كما في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ الآية [المؤمنون: ٣٥] وغيرها. الثامنة: في الحديث أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله وَمنَّهِ وفَضْلِهِ، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. التاسعة: معنى أمر الله تعالى نبيه أن لا يحرك بالقرآن لسانه ليعجل به، وعدته له أن يجمعه في صدره، لكي يتدبره ويتفهمه وتبدو له عجائب القرآن وحكمته وتقع في قلبه مواعظه فيتذكر بذلك، ولتتأسى به أمته في تلاوته، فينالوا بركته ولا يُحْرموا حكمته، وقد ذكر الله هذا المعنى فقال:

стр. 768

﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) [ص: ٢٩].

стр. 769

٦ - باب ٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، ح وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [١٩٠٢ - ٢٢٢٠ - ٣٥٥٤ - ٤٩٩٧ - مسلم ٢٣٠٨ - فتح ١/ ٣٠] الحديث السادس: قال البخاري ﵀: حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَبْنَا عَبْدُ اللهِ، أنبا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدَّثنَا بشْرُ ابْنُ مُحَمَّد أنَبا عَبْدُ اللهِ، أنا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ نحوه، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنبا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في خمسة مواضع: أخرجه هنا كما ترى، وفي صفة النبي ﷺ ، عن عبدان أيضًا، عن ابن المبارك، عن يونس (١)، وفي الصوم، عن موسى، عن إبراهيم (٢)، وفي فضائل

стр. 770

القرآن، عن يحيى بن قزعة، عن إبراهيم (١)، وفي بدء الخلق، عن ابن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري (٢)، وأخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ ، عن أربعة، عن منصور بن أبي مزاحم، وأبي عمران محمد بن جعفر، عن إبراهيم، وعن أبي غريب، عن ابن المبارك، عن يونس، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر ثلاثتهم، عن الزهري به (٣). الوجه الثاني: في التعريف بحال رواته: وقد سلف منهم ابن عباس والزهري ومعمر ويونس. وأما عبيد الله بن عبد الله فهو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب بن شمخ بن فار -بالفاء وتخفيف الراء- بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل -بكسر الهاء- بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي المدني الإمام الجليل التابعي، أحد الفقهاء السبعة كما أسلفناه في ترجمة عروة، وكاهل قبائل منها هذِه، ومنها: كاهل بن أسد بن خزيمة بن مدركة، منهم الأعمش، والكاهل في اللغة: الحارك بين الكتفين. سمع خلقًا من الصحابة، منهم: ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، وعنه جمع من التابعين، وهو مُعَلِّم عمر بن عبد العزيز، وكان قد ذهب بصره. روي عنه أنه قَالَ: ما سمعت حديثًا قط فأشاء أن أعيه إلا وعيته (٤).

стр. 771

وقال الزهري: ما جالست عالمًا إلا رأيت أني أتيت عَلَى ما عنده ما خلا عبيد الله بن عبد الله، فإني لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا، وقال العجلي: رجل صالح جامع للعلم تابعي ثقة (١)، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون (٢). مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس أو ثمان أو تسع وتسعين (٣). فائدة: روى البيهقي بإسناده، عن عبد الله والد عبيد الله هذا قَالَ: أذكر أن النبي ﷺ أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجره، ومسح رأسي، ودعا لي ولذريتي بالبركة (٤). وفي هذا منقبة لعبد الله وذريته، وفيه أيضًا فائدة لغوية، وهي صحة إطلاق لفظ سداسي في الآدمي كما في خماسي، وقد منع ذَلِكَ بعضهم. وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم المروزي شيخ الإسلام، ذو الفنون، الحجة، الثبت. روى عن سليمان التيمي وعاصم الأحول وحميد، وعنه ابن مهدي وابن معين وابن عرفة، أبوه تركي مولى (تاجر) (٥) من همذان من بني

стр. 772

حنظلة وأمه خوارزمية، ولد سنة ثماني عشرة ومائة، ومات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وقبره بهيت، مدينة على شاطئ الفرات، سميت بذلك؛ لأنها في هوة أي منخفض وقبره يزار (١)، قَالَ الخطيب الحافظ: حدث عنه معمر بن راشد والحسين بن داود، وبين وفاتيهما مائة واثنان وثلاثون سنة، وقيل: مائة وثلاثون (سنة) (٢) وقيل: مائة وتسع وعشرون (٣). ولعمار بن (الحسن) (٤) يمدح عبد الله بن المبارك: إِذَا سار عبد الله من مرو ليلة … فقد سار منها نورها وجمالها إِذَا ذكر الأحبار (من) (٥) كل بلدة … فهم أنجم فيها وأنت هلالها (٦) وكان كثيرًا ما يتمثل: وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا … ذا حياء وعفاف وكرم قوله للشيء: لا إن قُلْتَ: لا … وإذا قُلْتَ: نعم قَالَ: نم فائدة: عبد الله بن المبارك هذا من أفراد الكتب الستة، ليس فيها من يسمى بهذا الاسم غيره، نعم في الرواة خمسة غيره، ذكرهم الخطيب في "المتفق والمفترق" أحدهم: بغدادي حدث عن همام، ثانيهم: خراساني وليس بالمعروف، ثالثهم شيخ روى عنه الأثرم، رابعهم:

стр. 773

بزار روى عنه سهل البخاري، وخامسهم: جوهري، روى عن أبي الوليد الطيالسي. وأما الراويان عن ابن المبارك فأحدهما: عبدان وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن. عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون، وقيل: أيمن العتكي المروزي، وعبدان لقب له وهو مولى المهلب بن أبي صفرة، سمع مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام، وعنه الذهلي والبخاري وغيرهما، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأخرج لَهُ الترمذي أيضًا. مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين أو عشرين ومائتين عن ست وسبعين سنة. قَالَ أحمد بن عبدة (الآملي) (١): تصدق عبدان بن عثمان في حياته بألف ألف درهم، وكَتَبَ كُتُبَ عبد الله بن المبارك بقلم واحدٍ، وقال أحمد: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان خراسان. وقال أحمد السالف عنه: ما سألني أحد حاجة إلا قمت لَهُ بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنت بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت بالسلطان (٢). فائدة: عبدان هذا لَهُ أخ اسمه عبد العزيز بن عثمان المعروف بشاذان (٣)، وعبدان أيضا هو ابن بنت عبد العزيز بن أبي رواد، وكلهم موالي المهلب كما سلف.

стр. 774

فائدة ثانية: عبدان لقب لجماعة أكبرهم هذا، قَالَ ابن طاهر: إنما قيل لَهُ ذَلِكَ؛ لأن كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله، فاجتمع في اسمه وكنيته العبدان، وهذا لا يصح بل ذَلِكَ من تغيير العامة للأسامي وكسرهم لها في زمن صغر المسمى أو نحو ذَلِكَ، كما قالوا في علي: (عليان) (١)، وفي أحمد بن يوسف السلمي وغيره: حمدان، وفي وهب بن بقية الواسطي: وهبان (٢). الراوي الثاني عن ابن المبارك: بشر بن محمد، أبو محمد المروزي السختياني، روى عنه البخاري منفردًا به عن باقي الكتب الستة هنا وفي التوحيد، وفي الصلاة وغيرها. ذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال: كان مرجئًا (٣). مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وأهمل المزي وفاته (٤)،

стр. 775

وذكر ابن أبي حاتم بشر بن محمد الكندي، روى عن ابن أبي رزمة، وعنه علي بن خشرم (١)، وجعله غير السختياني هذا ويحتمل أن يكونا واحدًا (٢). فائدة: هذا الإسناد اجتمع فيه عدة مراوزة: ابن المبارك وراوياه كما علمته. الوجه الثالث: قوله: (وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ). هذِه واو التحويل من إسناد إلى آخر، ويعبر عنها غالبًا بصورة ح مهملة مفردة ولها ثلاث فوائد: الأولى: الانتقال من إسناد إلى آخر. ثانيها: رفع توهم أن إسناد هذا الحديث سقط (٣). ثالثها: عدم تركيب الإسناد الثاني عَلَى الأول. وكتب جماعة من الحفاظ موضعها صح، وقيل: إنها رمز إلى قولنا: الحديث، وإن أهل المغرب كلهم يقولون إِذَا وصلوا إليها: الحديث، والمختار (أن يقول) (٤): ح ويمر كما سلف في القواعد أول الكتاب (٥). وقوله: (ومعمر نحوه) أي: نحو حديث يونس.
следующие страницы →