← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

فيفطر وذلك مباح، وليس في خبر ابن عباس أن ذَلِكَ كان بعد إخباره بالفطر، ولا يترك حكم متيقن بالظن، ولو صح أن خبر ابن عباس بعد خبر من ذكرنا لما كان فيه إلا نسخ إفطار المحجوم؛ لأنه قد يحجمه ﵇ غلام لم يحتلم، ولكنا وجدنا في حديث أبي سعيد (١): أرخص في الحجامة للصائم والقبلة. يعني: المتقدم. فصح نسخ الأول (٢). وذكر ابن قدامة أن ابن عباس راوي حديث الحجامة كان يعد الحجام والمحاجم، فإذا غابت احتجم بالليل، وقال: كذا رواه الجوزجاني. فهذا يدل على أنه علم بنسخ ما رواه (٣). وذكر البيهقي في حديث أبي موسى أن المحفوظ فيه "رُخص" (٤) يعني بضم الراء. وتعلق بها بعض من يزعم أن هذِه اللفظة غير مرفوعة، وإذا كان كذلك فلا حجة فيه مع ما فيه من الاضطراب، وليس بجيد؛ لأن المعظم على الرفع. وأما قول من قال: مرَّ ﵇ برجل يحجم آخر وقد أغمي على المحجوم، فرشَّ عليه الحاجم ماء، فدخل حلقه، فغير جيد؛ لأنه كان يقول: إن صح، فطر الحاجم المحجوم، ولم يأت في رواية أصلًا كذلك، وشذ عطاء عن جماعة من العلماء في إيجابه الكفارة أيضًا، وهو قول خلاف السنة، وعن الحديث جواب آخر أنه مجاز على تأويل، أن أمرهما يئول إلى الفطر فنهاهما بما يئول إليه

стр. 7562

أمرهما كقوله ﴿وَإِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي يئول إليه وآخر أنهما أكلا وعلمه ﵇، وفيه بعد، فإن اعترض بدم الحيض، فينقض بالفصد والرعاف. فرع: ترك القصد والحجامة؛ لأنهما يضعفانه كما سلف. قال الماوردي: الحجامة لا تفطر، ولا تكره في قول أكثر الصحابة والفقهاء (١). وقال الروياني في "بحره": ظاهر المذهب أنها لا تكره خلافًا لبعض أصحابنا. وجزم الجرجاني في "تحريره" بأنهما لا يكرهان. وكره المحاملي في "لبابه" أن يحجم غيره أيضًا، وقال الداودي: إن ثبت حديث الحاجم والمحجوم وجب الأخذ بظاهره، وكان فعله ﵇ من خواصه. وهذا يرد عليه ما سلف من قول أنس أنه ﵇ رخص في الحجامة للصائم بعد أن كان نهى عنها (٢).

стр. 7563

٣٣ - باب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ ١٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الشَّمْسُ. قَالَ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الشَّمْسُ. قَالَ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي". فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ. [١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧ - مسلم: ١١٠١ - فتح: ٤/ ١٧٩] ١٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ. [١٩٤٣ - مسلم: ١١٢١ - فتح: ٤/ ١٧٩] ١٩٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ". [انظر: ١٩٤٢ - مسلم: ١١٢١ - فتح: ٤/ ١٧٩] ذكر فيه حديث أَبِي إِسْحَاقَ الشَيْبَانِيِّ -واسَمه سليمان- سمع ابن أَبِي أَوْفَى كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي". تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابن أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سَفَرٍ. وحديث مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَن حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، وفي رواية: أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثيرَ الصيَامِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ".

стр. 7564

الشرح: حديث ابن أبي أوفى أخرجه مسلم أيضًا، وزاد: أنه في شهر رمضان و"إذا غابت الشمس من ها هنا" (١). وفي بعض طرق البخاري: أن الرجل إنما جدح في المرة الرابعة بما أمره رسول الله ﷺ وفي كل ذَلِكَ يراجعه (٢)، وفي أخرى: أنه جدح في الثالثة (٣)، ومتابعة جرير خرجها في الطلاق (٤)، ومتابعة أبي بكر بن عياش ستأتي (٥)، وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٦)، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث حمزة بن عمرو (٧). وقال ابن عبد البر: الحديث محفوظ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كذا رواه جماعة منهم ابن عيينة وعدد أربعة عشر كلهم عن هشام به، ورواه أبو معشر وجرير بن عبد الحميد والمفضل بن فضالة، عن هشام، عن أبيه أن حمزة. كما رواه يحيى بن يحيى، عن مالك ورواه ابن وهب عن مالك، عن هشام، عن أبيه قال: أخبرني حمزة، ورواه أبو الأسود -وهو ثبت في عروة عنه- عن أبي مراوح، عن حمزة، ورواه سليمان بن يسار، عن عروة، عن حمزة، وسنه قريب من سن عروة، وقد يجوز أن يكون عروة سمعه من عائشة ومن أبي مراوح جميعًا عن حمزة، فحدث به عن كل واحد منهما وأرسله أحيانًا (٨).

стр. 7565

وقال الدارقطني: رواه عبد الرحيم بن سليمان، ويحيى بن عبد الله بن سالم عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن حمزة، وخالفهم الحفاظ: الثوريُّ وشعبةُ وزائدةُ وعدَّد ستة عشر نفسًا فرووه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن حمزة. قال: وحديث أبي مراوح صحيح، وأما قول ابن لهيعة: عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن حمزة، فوهم منه (١). قلت: وفي الباب عن أنس (خ، م)، وابن عباس (خ، م)، وأبي سعيد (خ، م)، وجابر (خ، م)، وأبي الدرداء (خ، م) وأم الفضل (خ، م)، وميمونة (خ، م) كلهم في الصحيح (٢)، وابن عمر وهذا في "مسند أحمد" (٣) وسلمة بن المحبق في أبي داود (٤).

стр. 7566

وللدارقطني عن عائشة: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر وصمت قال: "أحسنت يا عائشة"، ثم حسن إسناده (١). وقال الخلال في "علله" عن أحمد: حديث منكر.

стр. 7567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7568

وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: رأيت رسول الله ﷺ شرب قاعدًا وقائمًا، وفي السفر صائمًا ومفطرًا. قال أبو حاتم: رواه عنه ابن أبي السمح وليس بالقوي (١).

стр. 7569

إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الرجل الذي قال له: "اجدح لنا" جاء في بعض طرق الحديث أنه بلال (١)، والجدح -بجيم مفتوحة ثم قال ساكنة ثم حاء مهملة- أن يحرك السويق بالماء فيخوض حَتى يستوي، وكذلك اللبن ونحوه، والمِجدح -بكسر الميم- عود مُجَنَّح الرأس يساط به الأشربة، وربما يكون له ثلاث شعب وقال الداودي: اجدح يعني: احلب. قال: ومنه قيل لبعض النجوم التي تكون النوء عند ارتفاعها وهبوطها: مجادح، ورده عياض وغيره، وقال ابن سيده وصاحب "العين": المجدح: خشبة في رأسها خشبتان معترضتان، وكلما خلط فقد جدح (٢)، وعن القزاز هو كالملعقة، وقال الجوهري: جدحت السويق واجتدحته أي: لتتُّه (٣)، وفي "المنتهى": شراب مجدوح، ومجدَّح أي: مخوض، والمجدح: عود ذو جوانب، وهو ما ذكره ابن فارس. وقيل: هو عود يعرض رأسه، والجمع: مجادح وقال أبو عبيد: المجدح: الشراب المخوض بالمجدح. ثانيها: قوله: (يا رسول الله، الشمس)، ظن أن الفطر لا يحل إلا بعد ذَلِكَ

стр. 7570

لما رأى من ضوء الشمس ساطعًا، وإن كان جرمها غائبًا نوره، فلذلك قال ذَلِكَ، وفي بعض روايات الصحيح: إن عليك نهارًا (١)، وهو معنى قوله في رواية أخرى: لو أمسيت (٢)، أي: تأخرت حَتَّى يدخل المساء، وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده أن ذَلِكَ نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أنه ﵇ لم ينظر إلى ذَلِكَ الضوء نظرًا تامًّا، فقصد زيادة الإعلام، فأعرض ﵇ عن الضوء واعتبر غيبوبة الشمس، ثم بين ما يعتبره من لم يتمكن من رؤية جرم وهو إقبال الظلمة من المشرق، فإنها لا تقبل منه إلا وقد سقط القرص، ومعنى أفطر: دخل وقت فطره. ثالثها: فيه استحباب تعجيل الفطر، وأن الصوم ينقضي بمجرد الغروب، وتذكير العالم بما يخاف أن يكون نسيه، وإسراع الناس إلى إنكار ما يجهلون لما جُهل من الدليل الذي علمه الشارع، وأن الجاهل بالشيء ينبغي أن يسمع له فيه المرة بعد المرة، والثالثة تكون فاصلة بينه وبين معلمه. وكما فعل الخضر بموسى وقال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] (٣)، وفيه أيضًا أن الفطر على التمر ليس بواجب وهو مستحب، لو تركه جاز.

стр. 7571

رابعها: معنى: (أسرد الصوم): آتي به متواليًا، من سرد يسرُد بضم راء المضارع، وضبط في بعض الأمهات بضم الهمزة ولا وجه له في اللغة -كما قال ابن التين- إلا أن يزيد بفتح السين وتشديد الراء على التكثير، وفيه رد لمن يرى كراهية سرد صوم الدهر؛ لأنه لم ينكر عليه وأذن له في السفر ففي الحضر أولى، وهو عندنا مكروه لمن خاف ضررًا أو فوت حق ويستحب لغيره، ويحمل نهيه عبد الله بن عمرو على ضعفه عن ذَلِكَ؛ لأن حمزة ذكر قوة، ذكرها غيره وكان ذَلِكَ من أعلام نبوته، كبر عبد الله وضعف وقال: ليتني أخذت برخصة رسول الله ﷺ (١)، ثم ظاهره جواز صوم الفرض أيضًا، وإن قيل: أنه يحتمل أن يريد التطوع عملًا بقوله: (إني أسرد الصوم). وهو مذهب أهل الظاهر (٢). وفي مسلم: أن حمزة بن عمرو قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليَّ جناح؟ فقال ﵇: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" (٣) وهو ظاهر أن سؤاله عن صوم رمضان. خامسها: الحديث دال على تخيير الصائم في السفر بينه وبين تركه، والعدة في الآية لمن أفطر لا أنه يصوم ويقضي.

стр. 7572

وممن روي عنه التخيير ابن عباس (١)، وذكر أنس وأبو سعيد ذَلِكَ عن الصحابة (٢)، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وابن جبير والحسن والنخعي ومجاهد (٣) والأوزاعي والليث. واختلف في الأفضل من ذَلِكَ لمن قدر عليه ولم يتضرر به، فروي عن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك أن الصوم أفضل (٤)، وهو قول النخعي وسعيد بن جبير والأسود بن يزيد (٥)، وحكاه ابن أبي شيبة، عن مجاهد وحذيفة أيضًا (٦)، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك والثوري وأبو ثور (٧). وروي عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي أن الأفضل الفطر؛ لأنه رخصة وصدقة تصدق الله بها فيجب قبولها (٨)،

стр. 7573

وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك من المالكية (١) وروي عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس: إن صام في السفر لم يجزئه وعليه القضاء في الحضر (٢)، وعن عبد الرحمن بن عوف قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر (٣). ذكره أجمع ابن المنذر، وبه قال أهل الظاهر،

стр. 7574

وحكاه ابن التين عن داود والنخعي ومن تابعهما. وقد صح التخيير في الصيام في السفر والفطر عن رسول الله ﷺ من حديث حمزة بن عمرو وأنس، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأن النبي ﷺ وأصحابه صاموا مرة وأفطروا أخرى فلم يعب بعضهم على بعض (١)، فلا يلتفت إلى من خالف ذَلِكَ؛ لأن الحجة في السنة،

стр. 7575

والأحاديث السالفة شاهدة له، وفي "المستدرك" للحاكم أن حمزة قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر، وأنا أجد القوة، وأنا شاب (١)، وفي البزار وابن حبان من حديث أبي سعيد بينما نحن مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره والناس صيام في يوم صائف انتهى إلى نهر من ماء السماء وهو على بغلة له فقال: "يا أيها الناس اشربوا" فجعلوا ينظرون إليه فقال: "إني لست مثلكم إني راكب وأنتم مشاة" الحديث (٢)، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وفي "علل ابن أبي حاتم" عن أنس: سافرنا مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، وكان من صام في أنفسنا أفضل، وكان المفطرون هم الذين يعملون ويستقون، فقال ﷺ : "ذهب المفطرون بالأجر" قال أبي: هذا حديث منكر (٣).

стр. 7576

وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ الآية (١) [البقرة: ١٨٥]. قال ابن المنذر: وبه أقول، وممن كان يصوم في السفر ولا يفطر: عائشة، وقيس بن عباد والنخعي وأبو الأسود وابن سيرين وابن عمر وابنه سالم وعمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وأبو وائل (٢). وعند ابن عبد البر: قال علي بن أبي طالب فيما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة عنه: من أدرك رمضان وهو مقيم، ثم سافر بعد لزمه الصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥] (٣)، وقال أبو مجلز: لا يسافر أحد في رمضان، فإن سافر فليصم (٤)، وقال أحمد: يباح له القصر فإن صام كره وأجزأه، وعنه الأفضل الفطر كما أسلفناه عنه. وقال أبو هريرة: لا يصح صومه (٥)، وقال أحمد: كان عمر وأبو هريرة يأمران بالإعادة، وصح أنه ﵇ قال: "ليس من البر الصيام في السفر" (٦)

стр. 7577

وقال فيمن صام: "أولئك العصاة" وهو محمول، وهذا إنما قاله لما خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حَتَّى بلغ كراعِ الغمِيم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حَتَّى نظر الناس إليه وشرب، فقيل له بعد ذَلِكَ: إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة أولئك العصاة" أخرجه مسلم من حديث جابر منفردًا به (١)، وفي رواية قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر (٢). وحديث: "ليس من البر الصيام في السفر" إنما قاله في الرجل الذي ظلل عليه من شدة ما ناله من الصوم كما سيأتي (٣)، أي: من بلغ إلى هذِه الحالة ليس من البر صومه. وأثر (٤) عمر أخرجه ابن أبي شيبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل، عن أبيه عنه (٥)، وأثر أبي هريرة أخرجه أيضًا عن عبد الكريم -أبي أمية- عن عطاء، عن (المحرر ابنه) (٦) عنه (٧)، وأثر عبد الرحمن بن عوف السالف: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر رواه الزهري عن أبي سلمة، عن أبيه، وهو منقطع، أبو سلمة لم يسمع منه شيئًا (٨) (٩)،

стр. 7578

وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا به، وفي سنده عبيد الله بن عمر العمري المكبر المصغر (١) (٢)، ورواه غير واحد من الثقات، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة موقوفًا (٣). وقال الأثرم: قلت لأحمد: رواه يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه مرفوعًا فعجب، وقال مرة عن يونس، قلت: عنبسة، فتبسم وقال: ما لنا ولعنبسة؟! فقلت: رواه أسامة بن زيد، عن ابن شهاب ورفعه، فقال: هكذا وسكت. وفي "علل ابن أبي حاتم": ورواه أيضًا ابن لهيعة، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن عائشة مرفوعًا، ورواه بقية، عن آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: الصحيح: الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه. موقوف (٤). ولابن أبي حاتم من حديث غالب بن فائد، عن إسرائيل، عن (جابر) (٥)، عن ابن المنكدر، عن جابر يرفعه: "خياركم من قصر

стр. 7579

الصلاة وأفطر" (١). فإن قلت: الأخبار السالفة ليس فيها إلا مجرد الفعل، ولا يلزم منه الإجزاء ولا سقوط القضاء. قلت: إخبارهم بصومه مع ترك الإنكار قال على الإجزاء، لإجماع الكل أنه لا يجب الجمع بين الصوم والقضاء، فإن قلت: يجوز أن يكونوا صاموه عن غير رمضان، قلت: خلاف الظاهر ورمضان لا يقبل غيره، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطر فعدة، ومثله ﴿فَفِديَة مّن صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فحلق ففديةٌ، والمريض لو تكلف فصام صح إجماعًا، فكذا المسافر.

стр. 7580

٣٤ - باب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ ١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ. فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. [١٩٤٨، ٢١٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٤/ ١٨٠] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

стр. 7581

٣٥ - باب ١٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ حَدَّثَهُ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ. [مسلم: ١١٢٢ - فتح: ٤/ ١٨٢] ذكر فيه حديث أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ. الشرح: حديث ابن عباس أخرجه مسلم بزيادة: فصام رسول الله ﷺ وأفطر، من شاء صام، ومن شاء أفطر (١). وفي لفظ: لا (تعب) (٢) على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر (٣). وحديث أبي الدرداء أخرجه مسلم، وقال: في شهر رمضان (٤)، وهي أم الدرداء الصغرى هجيمة ويقال: جهيمة بنت حُيي الأوصابية، وقيل: الوصَّابية (٥)، ووصاب: أخو جُبلان بضم الجيم ابنا سهل، وفي مسلم من حديث ابن عباس: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون

стр. 7582

الأحدث فالأحدث من أمره، قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر. قال الزهري: فصبح رسول الله ﷺ لثلاث عشرة خلت من رمضان. قال ابن عيينة: لا أدري من قول من هو، يعني: كان يؤخذ بالآخر فالآخر من قول رسول الله ﷺ ، وفي رواية: كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه بالناسخ المحكم (١). وللبخاري أنه ﵇ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون، حَتَّى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا، ثم ذكر قول الزهري (٢). وفي رواية له: فلم يزل مفطرًا حَتَّى انسلخ الشهر (٣)، وفي أخرى له: خرج رسول الله ﷺ والناس مختلفون فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو بماء فوضعه على راحته، أو راحلته ثم

стр. 7583

نظر الناس فقال المفطرون للصوام: أفطروا، ذكره في المغازي (١)، ولأحمد: مرُّوا بغدير في الطريق نحو الظهيرة فجعلوا يلوون أعناقهم وتتوق أنفسهم إليه، فدعا بقدح (٢)، الحديث. وله: فصام رجل من الصحابة فضعف ضعفًا شديدًا، وكاد العطش يقتله، وجعلت ناقته تدخل بين العضاة فأخبر ﵇ فقال: "ائتوني به" فقال: "أنت في سبيل الله ومع رسول الله أفطر"، فأفطر (٣). وللحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم من حديث جابر: أن النبي ﷺ سافر في رمضان، فاشتد الصوم على رجل من أصحابه فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجر؛ فأخبر رسول الله ﷺ بأمره فأمره أن يفطر، ثم دعا النبي ﷺ بإناء فوضعه على يده ثم شرب والناس ينظرون (٤). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث مما لم يحضره ابن عباس؛ لأنه كان مع المستضعفين بمكة، قاله ابن التين، ويدخل في المسند؛ لأنه من صحابي (٥).

стр. 7584

ثانيها: خروج سيدنا رسول الله ﷺ لفتح مكة يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان، فلما كان بالصلصل -جبل بذي الحليفة (١) - نادى مناديه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم. فلما بلغ الكديد أفطر بعد صلاة العصر على راحلته كما سلف. ثالثها: الكَديد (٢) بفتح الكاف، ثم دال مهملة، ثم مثناة تحت، ثم دال مهملة بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو أقرب إلى المدينة من عسفان، قال أبو عبيد: بينه وبين عسفان ستة أميال، وعسفان على أربعة برد من مكة، وبالكديد عين جارية بها نخل كثير. وفي البخاري -كما سلف-: وَالكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. ورواه بعد: حَتَّى بلغ عسفان (٣). قال عبد الملك: والكَديد: العقبة المطلة على الجحفة، وذكر صاحب "المطالع" أن بين الكديد ومكة اثنين وأربعين ميلًا، وكذا قاله قبله القاضي عياض قال: وهذا كله في هذِه الغزوة، وسميت هذِه المواضع فيه لتقاربها وإن كانت عسفان متباعدة عن هذِه المواضع لكنها كلها مضافة إليها ومن عملها، فاشتمل اسم عسفان عليها (٤).

стр. 7585

رابعها: عَلِمَ ﷺ بحال الناس ومشقتهم في بعض هذِه المواضع فأفطر وأمرهم بالفطر في بعضها. خامسها: فيه: دلالة لما ترجم له إشارة، وهو أن المسافر يصوم بعض رمضان دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه الدوام عليه، وفيه: رد لما أسلفناه من قول علي، والمعنى عنده: من أدركه رمضان وهو مسافر فعدة من أيام أخر، ومن أدركه حاضرًا فليصمه، وهو قول عبيدة السلماني وسويد وأبي مجلز، كما سلف، وهو قول مردود بسفر الشارع في رمضان وإفطاره فيه في الكديد، وجمهور الأمة على خلافه لثبوت السنة بالتخيير فيه؛ ولصيامه في سفره، وإنما أمر من شهد الشهر كله أن يصوم، ولا يقال لمن شهد بعضه أنه شهده كله، والمبين عن الله سافر فيه وأفطر. ومن الغريب أن ابن أبي حاتم لما ذكره عن علي قال: وروي عن عائشة وابن عمر، وابن عباس وابن جبير، وابن الحنفية، وعبيدة، وعلي بن حسين، وسويد بن غفلة، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والشعبي، وأبي مجلز، والسدي نحو ذاك (١). وفيه أيضًا: رد ظاهر لقول من زعم أن فطره بالكديد كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز له الفطر في ذَلِكَ اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر (٢)، واختلفوا كما

стр. 7586

قال أبو عمر (١) وغيره في الذي يخرج في سفره وقد بيت الصوم، فقال مالك: عليه القضاء ولا كفارة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي، ونقله ابن بطال (٢) عن سائر الفقهاء بالحجاز، وللشافعي قول آخر: أنه يكفر إن جامع، وعن مالك: الكفارة أيضًا (٣). وقال أشهب: لا يُكَفِّر إن تأول فعل رسول الله ﷺ بالكَديد، وقال ابن الماجشون: إن أفطر بالجماع كفر أو بغيره فلا (٤). والحجة في سقوط الكفارة واضحة بحديث ابن عباس وجابر، كذا قال ابن بطال، وفيه ما سلف، ومن جهة النظر أيضًا؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه وهو مسافر فدخل في عموم إباحة الفطر (٥). سادسها: السفرة التي كان فيها عبد الله بن رواحة غير هذِه، ويحتمل أن تكون غزوة بدر؛ لأن الترمذي روى عن عمر: غزونا مع رسول الله ﷺ في رمضان يوم بدر والفتح (٦)، قال: وأفطرنا فيهما (٧). سابعها: معنى حديث أبي الدرداء في الباب أنه ﵇ كان صائمًا وابن رواحة،

стр. 7587

وسائر أصحابه مفطرون، فلو لم يجز الفطر في رمضان لمن سافر فيه ما ترك الشارع أصحابه مفطرين فيه ولا سوغهم ذَلِكَ. وفيه: وفي حديث ابن عباس الرد على من قال: إن الصيام لا يجزئ في السفر معللًا بأن الفطر عزيمة من الله وصدقة فإن الشارع فعله، وكذا ابن رواحة، وقصد بذلك أن يسنَّ لأمته ليقتدوا به لمن كان به قوة له. وقد روي عن ابن عباس: إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم فمن يسر الله عليه الصيام فليصم ومن يسر عليه الفطر فليفطر (١). فهذا ابن عباس لم يجعل إفطاره ﷺ في السفر بعد صيامه ناسخًا للصوم في السفر ولكنه جعله على جهة التيسير، بل ظاهر الحديث أن الصوم فيه أفضل، وقد صام وكان يومًا حارًّا كما سلف وتكلف صومه. فإن قلت: لا يأمن أن يضعف. قلت: المقيم كذلك، نعم مظنة المشقة في السفر أكثر، ولا يقاس على القصر. وفيه: ترك بعض العمل وهو يحب أن يعمل به خيفة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وهو مخصص لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقال الداودي: أفطر بعد أن بيَّت الصوم للضرورة، وقيل إنه أصبح ناويًا للفطر، وقال مطرف: للمسافر أن يفطر بعد أن يبيت الصوم، واحتج بهذا الحديث وكله مردود؛ لأنهم ظنوا أن ذَلِكَ في يوم واحد، وهو غلط كما أسلفناه، فبينهما أيام، ووقع ذَلِكَ للمزني؛ فإنه قال: إذا أصبح صائمًا ثم سافر يجوز له

стр. 7588

الفطر. واحتج بأنه ﵇ خرج عام الفتح إلى مكة صائمًا في رمضان حَتَّى بلغ كراع الغميم أفطر، أخرجه مسلم من حديث جابر (١)، وغلطوه؛ فإن بين المدينة وكراع الغميم ثمانية أيام، والمراد بالحديث: أنه صام أيامًا في سفره، ثم أفطر، وقيل: إن المزني تبين له ذَلِكَ فرجع عن هذا الاحتجاج لا عن مذهبه، لكن المزني غير منفرد بهذا الاحتجاج، فقد وقع أيضًا في كتاب البويطي وهذا لفظه ومنه نقلته: من أصبح في حضر صائمًا، ثم سافر فليس له أن يفطر. إلا إن ثبت حديث رسول الله ﷺ : أنه أفطر يوم الكديد انتهى. والكديد وكراع الغميم متقاربان. فرع: خرج مسافرًا فأفطر. فقال مالك: لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال المغيرة وابن كنانة: يكفر، وهو قول للشافعي (٢). وفي القضاء على من سافر في صوم التطوع فأفطر قولان (٣)، وإذا ابتدأ صوم التطوع في السفر ثم أفطر من غير عذر ففيه أيضًا روايتان لهم (٤).

стр. 7589

٣٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الحَرُّ: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ " ١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". [مسلم: ١١١٥ - فتح: ٤/ ١٨٣] ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: "ليس البر أن تصوموا في السفر"، قال شعبة: وكان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث أنه قال: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم"، قال: فلما سألته لم يحفظه (١). ورواه الوليد عن الأوزاعي: حَدَّثَني يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر: مرَّ برجل في سفر في ظل شجرة يُرش عليه الماء فسأل فقالوا: صائم يا رسول الله، قال: "ليس من البر الصيام في السفر عليكم برخصة الله التي أرخص لكم فاقبلوها" (٢)،

стр. 7590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7592

قال أبو حاتم في "علله": هذا خطأ إنما هو محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن جابر (١). قلت: وله طريقان آخران أحدهما من طريق كعب بن عاصم الأشعري مرفوعًا: "ليس من البر الصيام في السفر"، أخرجه الحاكم بإسناد صحيح (٢)، وللبيهقي: "ليس من ام بر ام صيام في ام سفر" (٣)،

стр. 7593

وهي لغة لبعضهم يبدلون اللام ميمًا فيما ذكره أبو القاسم البغوي وغيره (١). ثانيهما: من طريق ابن عمر مرفوعًا: "ليس من البر .. " الحديث، أخرجه ابن ماجه (٢)، وقال أبو حاتم: منكر (٣). وقوله: ("ليس من البر") من هنا يراد بها: تأكيد النفي، وأبعد من ذهب أنها للتبعيض. إذا تقرر ذَلِكَ فإن احتج ظاهري نخعي به، فقال: ما لم يكن من البر فهو من الإثم فدل أن صيامه لا يجزئ في السفر. فجوابه أن لفظه خرج على شيء معين كما سبق في الحديث، ومعناه: ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ كما أسلفناه،

стр. 7594

والله قد رخص في الفطر، ويصححه صوم الشارع في شدة الحر وحاشاه من الإثم، فالمعنى: ليس هذا أثر البر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه، إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه؛ وهذا لقوله ﵇: "ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان" (١)، ومعلوم أن الطواف مسكين، وأنه من أهل الصدقة، وإنما أراد المسكين الشديد المسكنة الذي لا يسأل ولا يُتصدق عليه، وقال بعضهم: معناه: ليس من البر الواجب، وإنما يحتاج إلى هذا من قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه، وأما من حمله على القاعدة الشرعية في رفع ما لا يطاق عن هذِه الأمة، وبأن للمريض المقيم ومن أجهده الصوم أن يفطر، فإن خاف من صومه محذورًا عصى بصومه وعليه يحمل قوله ﵇: "أولئك العصاة"، وأما من حاله غير حال المظلل عليه فحكمه ما سلف من التخيير، وبهذا يرتفع التعارض وتجتمع الأدلة ولا تحتاج إلى فرض نسخ إذ لا تعارض. وقال القاضي أبو محمد: لفظه يحتمل الفضيلة ويحتمل أن يراد به ما هو شرط في إجزاء الفعل فيتوقف إلى البيان، وقد أسلفنا أنه خرج على سبب والفطر رخصة فيأخذ منه، ومن أشد ما يوردونه حديث "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر"، وقد سلف ضعفه (٢). وقال القاضي أبو محمد: هو موقوف عند أهل النقل.

стр. 7595

وأما حديث "إن الله وضع عن المسافر الصيام (١) " (٢) فالمراد: وضع الوجوب؛ بدليل بقية الحديث وعن الحامل والمرضع.

стр. 7596

فائدة: يجوز أن يكون هذا المجهول هو أبو إسرائيل، روى الخطيب في "مبهماته" أنه ﵇ رأى رجلًا يهادى بين ابنيه وقد ظُلل عليه فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، فقال: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه مروه فليمش وليركب" (١). وفي "مسند أحمد" ما يشعر بأنه غيره فإن فيه أنه ﵇ دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلي فقيل لرسول الله ﷺ : هو ذا يا رسول الله لا يقعد ولا يتكلم ولا يستظل ولا يفطر، فقال: "ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر" (٢).

стр. 7597

٣٧ - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ ١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. [مسلم: ١١١٨ - فتح: ٤/ ١٨٦] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا بزيادة ذكر رمضان (١)، وهو حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه؛ لأن تركهم لإنكار الصوم، والفطر يدل أن ذَلِكَ عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به ولا حجة لأحد مع خلاف السنة الثابتة، وقد ثبت أنه ﷺ صام ولم يعب على من صام ولا على من أفطر، فوجب التسليم له.

стр. 7598

٣٨ - باب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ ١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٤/ ١٨٦] ذكر فيه حديث ابن عباس السالف قريبًا: فصَام حتى بلغ عسفان فأفطر (١). ولعل سبب فطره أنه قيل له: إن الناس هلكوا إذ أخذوا باختيارك في الصوم فأفطر ليراه الناس فأفطروا بفطره. وقد سلف ذَلِكَ من حديث جابر (٢)، وأن الناس قد شق عليهم الصيام (٣). قال ابن بطال (٤): اختلف العلماء في الفطر المذكور في هذا الحديث، فقال قوم: معناه أنه أصبح مفطرًا قد نوى الفطر في ليلته، هذا جائز بالإجماع أن يُبَيِّت المسافر الفطر إن اختاره، وقال آخرون: معناه أنه يفطر في نهاره لعل إن مضى صدر عنه، وأن الصائم جائز له أن يفعل ذَلِكَ في سفره؛ لأنه ﵇ صنع ذَلِكَ رفقًا بأمته، وقد جاء

стр. 7599

ذاك مبينًا في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر أنه ﵇ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حَتَّى بلغ كراع الغميم، فصام الناس وهم مشاة وركبان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، وإنما ينظرون إلى ما فعلت فدعا بقدح من ماء فرفعه حَتَّى نظر الناس إليه، وصام بعض فقيل له: إن بعضهم قد صام فقال: "أولئك العصاة"، وقد أسلفناه من "صحيح مسلم" عن جابر (١)، وهو يبين معنى الترجمة وأنه ﵇ إنما أفطر ليراه الناس فيقتدوا به ويفطروا؛ لأن الصيام كان نهكهم وأضرَّ بهم فأراد ﵇ الرفق بهم والتيسير عليهم أخذًا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأخبر تعالى أن الإفطار في السفر أراد به التيسير على عباده، فمن اختار رخصة الله فأفطر في سفره أو مرضه لم يكن معنفًا، ومن اختار الصوم وهو يسير عليه فهو أفضل؛ لصحة الخبر أنه صام حين شخص من المدينة متوجهًا إلى مكة حَتَّى بلغ عُسفان والكديد فصام معه أصحابه، إذ كان ذَلِكَ يسيرًا عليهم، وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار لما دنا من عدوه فصار الصوم عسرًا إذ كان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن في حربهم لو كانوا صيامًا عند لقاء عدوهم، فكان الإفطار حينئذ أولى بهم من الصوم عند الله وأفضل لما يرجون من القوة على العدو، وإعلاء كلمة الدين بالإفطار. وروى شعبة (عن) (٢) عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم فتح مكة فقال:

стр. 7600

"أفطروا فإنه يوم قتال" (١). وروى حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر أن رسول الله ﷺ كان في سفر فأتى على غدير فقال للقوم: "اشربوا" فقالوا: يا رسول الله أنشرب ولا تشرب؟ قال: "إني أيسركم إني راكب وأنتم مشاة" فشرب وشربوا (٢).
следующие страницы →