← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

فائدة: يجوز أن يكون هذا المجهول هو أبو إسرائيل، روى الخطيب في "مبهماته" أنه ﵇ رأى رجلًا يهادى بين ابنيه وقد ظُلل عليه فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، فقال: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه مروه فليمش وليركب" (١). وفي "مسند أحمد" ما يشعر بأنه غيره فإن فيه أنه ﵇ دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلي فقيل لرسول الله ﷺ : هو ذا يا رسول الله لا يقعد ولا يتكلم ولا يستظل ولا يفطر، فقال: "ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر" (٢).

стр. 7597

٣٧ - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ ١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. [مسلم: ١١١٨ - فتح: ٤/ ١٨٦] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا بزيادة ذكر رمضان (١)، وهو حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه؛ لأن تركهم لإنكار الصوم، والفطر يدل أن ذَلِكَ عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به ولا حجة لأحد مع خلاف السنة الثابتة، وقد ثبت أنه ﷺ صام ولم يعب على من صام ولا على من أفطر، فوجب التسليم له.

стр. 7598

٣٨ - باب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ ١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٤/ ١٨٦] ذكر فيه حديث ابن عباس السالف قريبًا: فصَام حتى بلغ عسفان فأفطر (١). ولعل سبب فطره أنه قيل له: إن الناس هلكوا إذ أخذوا باختيارك في الصوم فأفطر ليراه الناس فأفطروا بفطره. وقد سلف ذَلِكَ من حديث جابر (٢)، وأن الناس قد شق عليهم الصيام (٣). قال ابن بطال (٤): اختلف العلماء في الفطر المذكور في هذا الحديث، فقال قوم: معناه أنه أصبح مفطرًا قد نوى الفطر في ليلته، هذا جائز بالإجماع أن يُبَيِّت المسافر الفطر إن اختاره، وقال آخرون: معناه أنه يفطر في نهاره لعل إن مضى صدر عنه، وأن الصائم جائز له أن يفعل ذَلِكَ في سفره؛ لأنه ﵇ صنع ذَلِكَ رفقًا بأمته، وقد جاء

стр. 7599

ذاك مبينًا في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر أنه ﵇ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حَتَّى بلغ كراع الغميم، فصام الناس وهم مشاة وركبان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، وإنما ينظرون إلى ما فعلت فدعا بقدح من ماء فرفعه حَتَّى نظر الناس إليه، وصام بعض فقيل له: إن بعضهم قد صام فقال: "أولئك العصاة"، وقد أسلفناه من "صحيح مسلم" عن جابر (١)، وهو يبين معنى الترجمة وأنه ﵇ إنما أفطر ليراه الناس فيقتدوا به ويفطروا؛ لأن الصيام كان نهكهم وأضرَّ بهم فأراد ﵇ الرفق بهم والتيسير عليهم أخذًا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأخبر تعالى أن الإفطار في السفر أراد به التيسير على عباده، فمن اختار رخصة الله فأفطر في سفره أو مرضه لم يكن معنفًا، ومن اختار الصوم وهو يسير عليه فهو أفضل؛ لصحة الخبر أنه صام حين شخص من المدينة متوجهًا إلى مكة حَتَّى بلغ عُسفان والكديد فصام معه أصحابه، إذ كان ذَلِكَ يسيرًا عليهم، وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار لما دنا من عدوه فصار الصوم عسرًا إذ كان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن في حربهم لو كانوا صيامًا عند لقاء عدوهم، فكان الإفطار حينئذ أولى بهم من الصوم عند الله وأفضل لما يرجون من القوة على العدو، وإعلاء كلمة الدين بالإفطار. وروى شعبة (عن) (٢) عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم فتح مكة فقال:

стр. 7600

"أفطروا فإنه يوم قتال" (١). وروى حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر أن رسول الله ﷺ كان في سفر فأتى على غدير فقال للقوم: "اشربوا" فقالوا: يا رسول الله أنشرب ولا تشرب؟ قال: "إني أيسركم إني راكب وأنتم مشاة" فشرب وشربوا (٢).

стр. 7601

٣٩ - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ : نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ ١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَرَأَ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. [٤٥٠٦ - فتح: ٤/ ١٨٧] ثم ساق عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَرَأَ: "فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ". قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ (١). وَقَالَ ابن نُمَيْرٍ: حدثنا الأَعْمَشُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، ثَنَا ابن أَبِي لَيْلَى قال: حَدَّثنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ : نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْم مِسْكِينَا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأمِرُوا بِالصَّوْمِ الشرح: أثر ابن عمر أخرجه أيضًا في التفسير وقال: ﴿طَعَامُ مِيكِينٍ﴾ (٢)،

стр. 7602

وكذا رواه الإسماعيلي في "صحيحه". وأثر سلمة أخرجه في تفسيره عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن يزيد بن أبي عبيد، عنه بلفظ قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حَتَّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (١). وفي "مستدرك" الحاكم عنه وقال: صحيح على شرط الشيخين أنه قر ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ واحد ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. قال: زاد مسكينًا آخر فهو خير له وليست منسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام، وأمر أن يطعم الذي يعلم أنه لا يطيق (٢). وفي رواية له على شرط البخاري ولا قضاء عليه (٣). وفي الجزء الخامس من حديث أبي عبد الله محمد بن جعفر ونفيل البغدادي، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام يفطر ويطعم نصف صاع، مكان كل يوم (٤). ثم قال: محفوظ من حديث الثوري يعني عن منصور، عن مجاهد عنه. موقوف. وفليح من حديث عبد الله بن الوليد العدني، عنه، ثم ساقه. وتعليق ابن نمير أسنده أبو نعيم عن أبي إسحاق، ثنا ابن زيدان، ثنا أبو كريب والحسن بن عفان قالا: ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش بلفظ: ثنا صاحب محمد قال: أحيلت الصلاة على ثلاثة أحوال، قال: ونزل رمضان فشق عليهم .. الحديث.

стр. 7603

وأسنده البيهقي من حديث علي يعني: ابن الربيع الأنصاري، ثنا عبد الله بن نمير بلفظ، ثنا أصحاب محمد قال: أحيل الصوم على ثلاثة أحوال. ثم ساقه من حديث المسعودي، عن عمر، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكره (١). وهذا يبين الصاحب من هو، لكن قال البيهقي: إنه مرسل، ابن أبي ليلى لم يدرك معاذًا (٢)، وللحازمي من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو به قال: وذكر فيه أن ذَلِكَ كان على وجه التطوع لا على جهة الفرض (٣). إذا تقرر ذَلِكَ فاختلف العلماء في تأويل هذِه الآية؛ فروي عن عائشة وابن عباس في رواية، وعكرمة وسعيد بن جبير وطاوس وعمرو بن دينار ومجا هد: أنهم قرءوها (يَطَّوقون) بفتح أوله وثانيه مشددًا (٤)، قال: الذين يحملونه ولا يطيقونه فدية (٥)، فعلى هذا القول الآية محكمة غير منسوخة

стр. 7604

يعني: في الشيخ والحامل والمرضع، وهو قول حسن كما قال أبو عبيد، ولكن الناس ليسوا عليه؛ لأن الذي ثبت بين اللوحين في مصاحف أهل العراق والحجاز والشام ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ولا تكون الآية على هذا اللفظ إلا منسوخة، رُوي ذَلِكَ عن عمر وسلمة بن الأكوع ومعاذ وابن أبي ليلى وعلقمة والنخعي والحسن والشعبي والزهري (١)، ونقله القاضي عياض عن جمهور (٢). فتفرق الناس في ناسخ هذِه الآية ومنسوخها على أربعة منازل، لكل واحدة منهن حكم سوى حكم الأخرى: فالفرقة الأولى: وهم أصحاء ففرضهم الصيام ولا يجزئهم غيره لزمهم ذَلِكَ بالآية المحكمة وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. والثانية: هم مخيرون بين الإفطار والصيام، ثم عليهم القضاء بعد ذَلِكَ -ولا طعام عليهم- وهم المسافرون، والمرضى بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. والثالثة: هم الذين لهم الرخصة في الإطعام -ولا قضاء عليهم- وهم الشيوخ الذين لا يستطيعون الصيام.

стр. 7605

والرابعة: هم الذين اختلف العلماء فيهم بين القضاء والإطعام، وبكل ذَلِكَ قد جاء به تأويل القرآن، وأفتت به الفقهاء فذهب القاسم وسالم وربيعة ومكحول وأبو ثور إلى أن الشيخ إن استطاع الصوم صام، وإلا فليس عليه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلا أن مالكًا استحب له الإطعام عن كل يوم مدًّا، وحجة هذا القول: أن الله تعالى إنما أوجب الفدية قبل النسخ على المطيقين دون غيرهم وخيَّرهم فيه بين أن يصوموا بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ثم نسخ ذَلِكَ وألزمهم الصوم حتمًا وسكت عمن لا يطيق. فلم يذكره في الآية فصار فرض الصيام زائلًا عنهم كما زال فرض الزكاة والحج عن المعدمين الذين لا يجدون إليه سبيلا (١). وأبى ذَلِكَ أهل العراق والثوري، وأوجبوا الفدية على الشيخ وقالوا: إن الزكاة والحج لا يشبهان الصيام؛ لأن الكتاب والسنة فرق بينهما وذلك أن الله تعالى جعل من الصوم بدلًا أوجبه على كل من حيل بينه وبين الصيام -وهو الفدية - كما جعل التيمم بدلًا من الطهور واجبًا على من أعوزه الماء، وكما جعل الإيماء بدلًا من الركوع والسجود لمن لا يقدر عليهما، ولم يجعل من الزكاة والحج بدلًا لمن لا يقدر عليهما، وإلى هذا ذهب الكوفيون والأوزاعي والشافعي، وحُكي عن علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاوس وأحمد (٢).

стр. 7606

وأما الفرقة الرابعة: فالحامل والمرضع وفيهما اختلف الناس قديمًا وحديثًا، فقال بعض العلماء: إذا ضعفتا عن الصيام وخافت على نفسها وولدها أفطرت وأطعمت عن كل يوم مسكينًا، فإذا فطمت ولدها قضته، وهو قول مجاهد (١)، وأحمد. وعند الشافعي: إن أفطرتا خوفًا على أنفسهما وجب القضاء بلا فدية أو على الولد فالقضاء والفدية (٢)، وقال المزني: تستحب الفدية، وقيل: تجب على المرضع دون الحامل. وعن إسحاق: يخيران بين القضاء ولا فدية وبين الفدية ولا قضاء. وقالت الظاهرية: لا قضاء ولا فدية. وقال آخرون: عليهما الإطعام ولا قضاء، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة (٣)، وقال آخرون: عليهما القضاء ولا كفارة كالمريض، وهو قول عطاء والنخعي والحسن والزهري وابن جبير وربيعة (٤) والأوزاعي وأبي حنيفة والثوري. وروى ابن عبد الحكم عن مالك مثله، وهو قول أشهب، وفرقة رابعة فرقت بين الحبلى والمرضع؛ فقالت في الحبلى: هي بمنزلة المريض تفطر وتقضي ولا إطعام عليها، والمرضع تفطر وتطعم وتقضي، هذا قول مالك في "المدونة" (٥) والليث، قال أبو عبيد:

стр. 7607

وكل هؤلاء إنما تأولوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله تعالى حكم في تارك الصوم من غير عذر بحكمين فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرج. فلما لم يجد ذكر الحامل والمرضعٍ مسمًى في كل واحدة منهما جمعهما جميعا عليها احتياطا لهما وأخذا بالثقة، ومن أوجب الإطعام أطعم فقط وقال: ليس كالسفر والمرض، ولكنهما ممن كلف وطوّقه وليس بمطيق فهم من أهل الإطعام فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهي قراءة ابن عباس وفُتْياه (١)، وقد يجوز هذا على قراءة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي بجهد ومشقة فيتحد معناهما، قاله غير أبي عبيد، ومن أوجب القضاء فقط ذهب إلى أن الحمل والرضاع علتان من العلل؛ ولأنه يخاف فيهما من التلف على الأنفس ما يخاف من المرض، وشاهده حديث أنس: أتيت النبي ﷺ في إبل لجار لي أخذت فوافقته يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم فقال: "ادنُ أخبِرُك عن ذَلِكَ أن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل والمرضع" (٢) فقرنهما بالمسافر ولا يلزمه القضاء. وقال القاضي عياض: اختلف السلف هل هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة كلها أو بعضها؟ فقال الجمهور: هي منسوخة، ثم استدل بقول سلمة. ثم اختلفوا هل بقي منها ما لم ينسخ فروي عن ابن عمر والجمهور أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يطق الصوم لكبره، وقال جماعة من

стр. 7608

السلف ومالك وأبو ثور وداود جميع الإطعام منسوخ وليس على الكبير إذا لم يطق الصوم إطعام، واستحبه له مالك. وقال قتادة: كانت الرخصة لمن يقدر على الصوم ثم نسخ فيه، وبقيَ فيه فيمن لا يطيق (١). وقال ابن عباس وغيره: نزلت في الكبير والمريض الذَيْن لا يقدران على الصوم (٢) فهي عنده محكمة، لكن المريض يقضي إذا برأ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض. وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي محكمة، ونزلت في المريض يفطر، ثم يبرأ فلا يقضي حَتَّى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعدما أفطر (٣)، ويطعم عن كل يوم مدًّا من حنطة، فأما من اتصل صومه برمضان ثانٍ فليس عليه إطعام بل عليه القضاء فقط. وقال الحسن وغيره: الضمير في: (يطوقونه) عائد على الإطعام لا على الصوم، ثم نسخ ذَلِكَ، فهي عنده عامة، ثم جمهور العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مدٌّ، وقال أبو حنيفة: مدَّان، ووافقه صاحباه. فائدة: (يَطَّوقونه) بفتح أوله وثانيه مشددًا كما أسلفته، وقرئ بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو وفتحها، حكاهما ابن التين مع الأولى، وعزا الأولى إلى مجاهد، قال: والناسخ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ خلافًا لابن أبي ليلى كما سلف، قال: وهو أصح من قول

стр. 7609

ابن عباس أنها محكمة، قال: وحمل (يطيقونه) على (يطوقونه) مجاز بعيد بغير دليل، ولا يقال لمن لا يقدر أن يصوم: أن تصوم خير لك، وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾، قال ابن عباس: زاد مسكينًا آخر (١)، وقال مجاهد: أطعم صاعًا فتطوع بثلاثة أمداد (٢).

стр. 7610

٤٠ - باب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ العَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا. وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُطْعِمُ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . [مسلم: ١١٤٦ - فتح: ٤/ ١٨٩] ثم ساق حديث عَائِشَةَ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . الشرح: أثر ابن عباس أخرجه البيهقي من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عنه فيمن عليه قضاء شهر رمضان أن يقضيه مفرقًا، فإن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وأثر ابن المسيب أراد به أن براءة الذمة أولى من التطوع، وقد روى ابن أبي شيبة، عن عبدة، عن سفيان، عن قتادة، عن سعيد: أنه كان لا يرى بأسًا أن يقضى رمضان

стр. 7611

في العشر (١)، وقد أخرج الدارقطني، عن عمر، عن النبي ﷺ أنه كان لا يرى بأسًا بقضاء رمضان في عشر ذي الحجة، ثم ذكره موقوفًا أيضًا (٢)، وعن الحارث، عن علي مرفوعًا: "لا يقضى رمضان في عشر ذي الحجة"، ثم قال: الموقوف أصح (٣)، زاد ابن أبي شيبة: فإنه شهر نسك، وعن أبي هريرة: لا بأس أن يصومها في العشر، وعن إبراهيم وابن المسيب مثله، وعن عطاء وطاوس ومجاهد: اقض رمضان متى شئت، وقال سعيد بن جبير: لا بأس به، يعني: في العشر، وعن الحسن: أنه كرهه (٤). وقال ابن المنذر: اختلف في قضاء رمضان في ذي الحجة فكان ابن المسيب والشافعي وغيرهما يقولون: ذَلِكَ جائز إلا أيام النهي، وروينا عن علي أنه كرهه (٥)، وبه قال الحسن البصري، قال: وجوازها أولى؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إلا يوم النحر وأيام التشريق (٦). وقوله: ويذكر عن أبي هريرة، إلى آخره، يعني: أنه روي عن أبي

стр. 7612

هريرة مرسلًا (١)، وابن عباس موقوفًا (٢)، وذكر الدارقطني حديث أبي هريرة مرفوعًا من طريق مجاهد عنه -ولم يسمع عنه فيما ذكره البرديجي (٣) - ولعل هذا مراد البخاري بالإرسال، ولفظه عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ في رجل أفطر في شهر رمضان، ثم صح ولم يصم، ثم أدركه رمضان قال: "يصوم الذي أدركه، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم مكان كل يوم مسكينًا"، ثم قال: إبراهيم بن نافع وابن وجيه ضعيفان (٤)، ورواه من طريق مجاهد وعطاء إلى أبي هريرة موقوفًا، وقال: في كل منهما إسناد صحيح موقوف، وفي طريق عطاء: مدًّا من حنطةٍ. ومن طريق مجاهد عن ابن عباس موقوفًا: يطعم عن كل يوم مسكينًا (٥).

стр. 7613

وللبيهقي من حديث مجاهد عنه: ويقضيه، ثم قال: وروينا عن ابن عمر وأبي هريرة في الذي لم يصح حَتَّى أدركه رمضان آخر: يطعم، ولا قضاء عليه، وعن الحسن وطاوس والنخعي: يقضي ولا كفارة عليه (١). وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ويحيى هو ابن سعيد (٣) كما أخرجه ابن ماجه مصرحًا به (٤)، وجزم به عبد الحق في "جمعه"، وجزم الضياء بأنه يحيى القطان، وقيل: يحيى بن أبي كثير، حكاه ابن التين وهما غريبان، وللترمذي مصححًا: ما كنت أقضي ما علىَّ من رمضان إلا في شعبان حَتَّى توفي رسول الله ﷺ (٥) (٦). إذا علمت ذَلِكَ فالإجماع قائم على أن من قضى ما عليه من رمضان في شعبان بعد. فإنه مؤدٍّ لفرضه غير مفرط، واختلفوا في جواز قضائه متفرقًا فقال: قيل متتابعًا، روي ذَلِكَ عن علي وابن عمر وعائشة (٧)، وبه قال الحسن البصري والنخعي والشعبي ونافع بن جبير بن مطعم

стр. 7614

ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير (١)، وهو قول أهل الظاهر، وقالت طائفة: يجوز أن يقضى متفرقًا، روي ذَلِكَ عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس ومعاذ وحذيفة ورافع بن خديج (٢)، وهو قول جماعة أئمة الأمصار منهم الأربعة، وعدد ابن أبي حاتم في "تفسيره" منهم فوق الثلاثين من الصحابة والتابعين وأتباعهم (٣)، وفيه حديث مرسل (٤)، وحجة الجماعة ظاهرة بأن عائشة قالت: نزل ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات فسقطت متتابعات (٥).

стр. 7615

قلت: قد أخبرت بسقوطها فلا حكم لها حَتَّى تثبت القراءة وذلك حجة لنا، وناقض ابن حزم فادعى الوجوب لقوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ثم قال: فإن لم يفعل فيقضيها متفرقة؛ لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يحد له حدًّا (١). وقال أبو عمر في "استذكاره": روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول به، يصوم قضاء رمضان متتابعًا من أفطر من مرض أو سفر (٢)، وعن ابن شهاب: أن ابن عباس وأبا هريرة: اختلفا فقال أحدهما: يفرق، وقال الآخر: لا يفرق (٣)، وعن يحيى بن سعيد، سمع ابن المسيب يقول: أحب إليَّ أن لا يفرق قضاء رمضان وإن تواتر (٤)، قال أبو عمر: صح عندنا عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما أجازا أن يفرق قضاء رمضان (٥). وصحح الدارقطني إسناد حديث عائشة: نزلت ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات، فسقطت متتابعات (٦). وقال ابن قدامة: لم يثبت عندنا صحته، ولو صح فقد سقطت اللفظة وهي لا يحتج بها وإن صحَّ حملناه على الاستحباب والأفضلية (٧).

стр. 7616

وقال غيره: لو ثبت كانت منسوخة لفظًا وحكمًا؛ ولهذا إنه لم يقرأ به في الشواذ، وادعى القرطبي أنها قراءة في قراءة ابن مسعود (١). وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" (٢)، أنكره ابن أبي حاتم على رواية عبد الرحمن بن

стр. 7617

إبراهيم القاص (١). واختلف العلماء في المسافر والمريض إذا فرط في قضاء رمضان حَتَّى جاء رمضان آخر، فروي عن أبي هريرة وابن عباس أنه يصوم الذي حصل فيه فإذا خرج قضى ما كان عليه وعليه الفدية (٢)، وهو قول عطاء والقاسم والزهري (٣)، ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس عليه إلا القضاء فقط ولا إطعام عليه (٤)، وحكاه البخاري عن إبراهيم وهو النخعي، وقال سعيد بن جبير وقتادة: يطعم ولا يقضي (٥)، وحجة من قال بالإطعام ما حكاه الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: فتشت عن أقاويل الصحابة في هذِه المسألة فوجدت عن ستة منهم قالوا: عليه

стр. 7618

القضاء والفدية ولم أجد لهم مخالفًا، فإن قلت: فالشارع أمر الواطئ في رمضان بالقضاء على ما ورد كما مضى ولم يذكر له حدًّا، قلت: قد حدته عائشة هنا إلى شعبان فعلم أنه الوقت المضيق، فإذا ثبت أن للقضاء وقتًا يؤدى فيه ويفوت ثبتت الفدية؛ لأنه يشبه الحج الذي يفوت وقته. ألا ترى أن حجة القضاء إذا دخل (وقتها) (١) وفات وجب الدم، فكذا إذا فات الصوم وجبت الفدية، واختلفوا فيما يجب عليه إن لم يصح من مرضه حَتَّى دخل رمضان آخر المقبل، فقال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير: يصوم عن الثاني ويطعم عن الأول ولا قضاء عليه (٢)، وقال الحسن والنخعي وطاوس والأوزاعي والثوري والأربعة وإسحاق: يصوم الثاني ويقضي الأول ولا فدية عليه؛ لأنه لم يفرط (٣). تنبيهات: أحدها: إنما حمل عائشة ﵂ على قضاء رمضان في شعبان الأخذ بالرخصة والتوسعة؛ لأن ما بين رمضان عامها ورمضان العام المقبل وقت للقضاء، كما أن وقت الصلاة له طرفان، ومثله قوله ﵇: "ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حَتَّى يدخل وقت صلاة أخرى" (٤).

стр. 7619

وقد بيَّنت السبب المقتضي للتأخير هو الشغل برسول الله ﷺ هذا محل الرفع وهو الاستمتاع أو التصرف في حوائجه، وورد أنها قالت: كانت كل واحدة منهن مهيئة نفسها لرسول الله ﷺ مرصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذَلِكَ، ولا تدري متى يريده، ولم تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن، وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها عليه وهذا من أدبهن، وقد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلا بإذنه؛ لحديث أبي هريرة الثابت في مسلم: "ولا تصوم إلا بإذنه" (١) وصومها من شعبان إنما كان؛ لأنه كان يصوم معظم شعبان (٢). وفي "علل ابن أبي حاتم": فما أقضيها إلا في شعبان من العام المقبل، وكان ﷺ يصوم شعبان إلا قليلا، قال أبي: هذِه الكلمة الأخيرة: كان يصوم شعبان إلا قليلا، لم يروها غير ابن إسحاق (٣). قال الباجي في "منتقاه": والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان بخلاف صوم التطوع (٤).

стр. 7620

ونقل القرطبي عن بعض أشياخه أن لها أن تقضي بغير إذنه؛ لأنه واجب، ويحمل الحديث على التطوع (١). ثانيها: قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من قضى ما عليه من أيام رمضان في شعبان بعده فهو مؤدٍّ لفرضه غير مفرط (٢)، قلت: وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك رمضان وعليه منه شيء لم يقضه لم يتقبل منه ومن صام تطوعًا وعليه شيء منه لم يقضه لم يتقبل منه"، ضعيف، كما نبه عليه ابن أبي حاتم في "علله" (٣). ثالثها: الإطعام في ذَلِكَ مد لكل مسكين عند جمهور القائلين به، وقال أشهب: يطعم في غير المدينة مدًّا ونصفًا وهو قدر شبع أهل مصر (٤). وقيل: إنه استحباب، وقال الثوري: يطعم نصف صاع.

стр. 7621

رابعها: لو منعه مانع من قضائه بعد الإمكان فلا شيء عليه عند البغداديين من المالكيين، وقيل: إنه معنى ما في "المدونة" وفي رواية عيسى: نعم. وعن مالك: أنه إذا استمر المرض إلى الموت يطعم عنه، وقال ابن الماجشون: إذا غلب عنه حَتَّى جاء رمضان آخر كفر. حكاه ابن التين عنهم. خامسها: قال الخطابي: إن للزوج منع زوجته من الخروج إلى الحج (١). قال ابن التين: يريد حج النافلة، قلت: لا بل له أن يمنعها من الحج الفرض على الأصح من مذهب الشافعي.

стр. 7622

٤١ - باب الحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ، فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. ١٩٥١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا". [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٤/ ١٩١] ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا". هذا الحديث سلف في أثناء الحيض مطولًا (١)، وأثر أبي الزناد حسن بيِّن، وأبدله ابن بطال بأبي الدرداء فاجتنبه (٢)، وهو أصل لترك الحائض الصوم والصلاة، وفيه من الفقه أن للمريض أن يترك الصيام وإن كان فيه نقص القوة إذا كان يدخل عليه المشقة والخوف. ألا ترى أن الحائض ليست تضعف عن الصيام ضعفًا قويًا، وإنما يشق عليها بعض المشقة من أجل نزف دمها وضعف النفس عند خروج الدم، معلوم ذَلِكَ من عادة البشر، فخفف بالترك وأمرت بإعادة الصيام عملًا بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ والنزف مرض، بخلاف الصلاة فإنها

стр. 7623

أكبر الفرائض وأكثرها ترددًا وكما يلزم من المحافظة على وضوئها والقيام إليها وإحضار النية للمناجاة ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وهي التي حطها الله تعالى في أصل الفرض من خمسين إلى خمس فلو أمرت بإعادتها لتضاعف عليها الفرض؛ إذ المرأة نصف دهرها ونحوه حائض، فكأن الناس يصلون صلاة واحدة وتصلي هي في كل صلاة صلاتين. فرع: طهرت قبل طلوع الفجر ونوت ليلًا، صح عندنا وعند مالك وأهل العراق (١)، وخالف ابن مسلمة فقال: تصومه وتقضيه. فرع: طهرت في أثناء النهار لم يلزمها إتمامه خلافًا للأوزاعي، قال مالك: أوزاعِيُّكم يا أهل الشام كلّف فتكلف، وكان رجلًا صالحًا. وقال ابن بطال (٢): اختلف الفقهاء في المرأة تطهر من حيضها في أثناء النهار، والمسافر يقدم والمريض يبرأ، فقال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وإسحاق: يلزمهم كلهم الإمساك بقية النهار، وإن قدم المسافر مفطرًا فلا يطأ زوجته لعظم حرمة الشهر، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: يأكلون بقية يومهم، وللمسافر المفطر يقدم وطء زوجته إذا وجدها طهرت من حيضها (٣)، حجة الأولين قوله ﵇ يوم عاشوراء: "من أكل فليمسك بقية نهاره" (٤) فأمرهم بالإمساك مع الفطر، وهذا

стр. 7624

المعنى موجود في الإقامة الطارئة في أثناء النهار، وحجة الباقين الآية ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهؤلاء قد أفطروا فحكم الإفطار لهم باقٍ، والفطر رخصة للمسافر، ومن تمامها أن لا يجب عليه أكثر من يوم، فلو أمرناه بالإمساك والقضاء منعناه منها وأوجبنا عليه في بدل اليوم أكثر من يوم، والله تعالى إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لذلك الحائض كان يلزمها أكثر من يوم إنما يلزم الصيام من يصح منه الذي لا قضاء معه. وأما صوم عاشوراء فإنما خوطبوا به إذ ذاك ولم يعلموا غيره، وأيضًا فإنهم متطوعون وأمره بالإمساك لهم على وجه الاستحباب.

стр. 7625

٤٢ - باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ. ١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ". تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ. [مسلم: ١١٤٧ - فتح: ٤/ ١٩٢] ١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ قَالَ: -فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى". قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الحَكَمُ وَسَلَمَةُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ: حَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنِ الَحكَمِ وَمُسْلِمِ البَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطًاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأة لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ يَحْيَى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأة لِلنَّبِيَّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأه لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. وَقَالَ أبو حَرِيزٍ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأة لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَاتَتْ أمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خمسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. [مسلم: ١١٤٨ - فتح: ٤/ ١٩٢] ثم ذكر حديث عائشة أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "منْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ".

стр. 7626

وإسناده ثماني وهو غريب في البخاري، والذي بعده سباعي وشيخه محمد بن خالد هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، مولاهم النيسابوري، مات (١) بعد البخاري، وقد أخرجه مسلم أيضًا (٢). ثم قال: تابعه ابن وهب، عن عمرو ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن أبي جعفر. وحديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى". قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الحَكَمُ وَسَلَمَةُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بهذا الحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هذا عَنِ ابن عَبَّاسٍ. وَيُذْكَرُ (٣) عَنْ أَبِي خَالِدٍ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الحَكَمِ وَمُسْلِمٍ البَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَباسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ يَحْيَى (٤) وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ. وَقَالَ (٥) عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. وَقَالَ (٦) أَبُو حَرِيزٍ: حدثني عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ: إنَّ أمي ماتت وَعَلَيْهَا

стр. 7627

صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. الشرح: أثر الحسن غريب وهو فرع ليس في مذهبنا، وهو الظاهر كما لو استؤجر عنه بعد موته من يحج عنه عن فرض استطاعته، وآخر يحج عنه عن قضائه، وآخر عن نذره في سنة واحدة فإنه يجوز. وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا، ومتابعة ابن وهب رواها مسلم عن هارون الأيلي وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب (١). وطريق يحيى بن عبيد الله بن أبي جعفر أخرجها البيهقي من حديث عمرو بن الربيع بن طارق، عن يحيى به (٢)، ومحمد بن خالد سلف، وما ذكرناه فيه هو ما ذكره أبو علي الجياني عن أبي نصر والحاكم (٣)، واقتصر عليه الدمياطي وغيره ولم يصرح البخاري باسمه في شيء من "الجامع". وقال ابن عدي في "شيوخ البخاري": محمد (٤) بن خالد بن جبلة الرافقي (٥) وقال ابن عساكر: قيل إن البخاري روى عنه، وقال أبو نعيم في "مستخرجه": رواه -يعني: البخاري- عن محمد بن خالد بن خلِّي (س) (٦) وهو غريب، وعبيد الله بن أبي جعفر المذكور في إسناده: هو أبو بكر المصري أحد الإعلام. وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث

стр. 7628

عبيد الله هذا فذكر الحديث فقال: ليس بمحفوظ وهذا من قبيل عبيد الله بن أبي جعفر هو منكر الأحاديث، كان فقيهًا، وأما الحديث فليس فيه بذاك. وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتعليق أبي خالد أخرجه مسلم عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد الأحمر (٢)، وللترمذي -وقال: صحيح-: حَدَّثَنَا أبو سعيد وأبو كريب، عن أبي خالد -بإسقاط الحكم-: وعليها صوم شهرين متتابعين، وكذا للنسائي (٣). وقال البخاري فيما نقله الترمذي عنه في "علله": جوده أبو خالد، واستحسنه جدًّا، قال: وروى بعض أصحاب الأعمش مثل ما روى (أبو خالد) (٤). وتعليق يحيى وأبي معاوية أخرجهما أبو داود في طريق ابن العبد وغيره عن مسدد، عن يحيى وهو ابن سعيد، وحَدَّثَنَا محمد بن العلاء، عن أبي معاوية به (٥)، وفي حديث أبي بشر، عن ابن جبير عنه: أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرًا فنجاها الله فلم تصم حَتَّى ماتت، فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول الله (٦).

стр. 7629

وتعليق عبيد الله أخرجه مسلم من حديث زكرياء بن أبي زائدة، عن عبيد الله (١) بن عمرو الرقي به (٢)، وتعليق أبي حريز أخرجه البيهقي من حديث الفضيل عنه، وفيه: امرأة من خثعم (٣)، وأبو حريز: هو قاضي سجستان عبد الله بن الحسين الأزدي، مختلف فيه، وثق، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وجاء عنه أنه يؤمن بالرجعة (٤). وفي أفراد مسلم من حديث بريدة قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله إن أمي كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها" (٥). إذا تقرر ذَلِكَ فمن مات وعليه صوم فاته بعذر ولم يتمكن منه فلا تدارك له ولا إثم، وأبعد أبو يحيى البلخي -فيما حكاه القاضي

стр. 7630

الحسين- أنه تجب عليه الكفارة والحالة هذِه، فإن فاته بغير عذرٍ أو به وتمكن ففي صوم الولي عنه قولان للعلماء: أحدهما: يصوم عنه وليه، وهو قول طاوس (١)، والحسن (٢)، والزهري (٣)، وقتادة (٤)، وبه قال أبو ثور وأهل الظاهر (٥) واحتجوا بأحاديث الباب، قال محمد بن عبد الحكم: ولا أرى بأسًا به. وفيه قول ثانٍ: أنه يصوم عنه في النذر خاصة ويطعم عنه في قضاء رمضان، وهو قول أحمد والليث وإسحاق وأبي عبيد وحكاه ابن قدامة عن ابن عباس وأبي ثور (٦). والثاني: لا يصوم أحد عن أحد، وهو قول ابن عمر (٧)، وابن عباس (٨)، وعائشة (٩)، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد

стр. 7631

وعزاه إلى الجمهور القاضي عياض (١)، وابن قدامة (٢)، وحجة هؤلاء: أن ابن عباس لم يخالف في فتواه ما رواه إلا لنسخ علمه، لكن العبرة بما رواه على الأصح وكذلك روى عبد العزيز بن رُفيع، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام عنه (٣)، ولهذا قال أحمد: إن معنى حديث ابن عباس في النذر دون القضاء من أجل فتيا ابن عباس، وقد ذكره البخاري في بعض طرقه في الباب، وقال أبو داود في حديث عائشة: معناه في النذر (٤). ومعنى الأحاديث: الأول: أن يفعل عنه وليه ما يقوم مقام الصيام وهو الإطعام، وقد جاء مثل ذَلِكَ في قوله ﵇: "الصعيد الطيب وضوء المسلم" (٥) فسمي التراب وهو بدل باسم مبدله وهو الوضوء

стр. 7632

فيصيرون كأنهم صاموا عنه، ولو جاز أن يقضي عمل البدن عن ميت قد فاته ذَلِكَ العمل لقيل به في الصلاة، والإجماع على خلافه، كما نقله أبو عمر (١) وألزم به في الإيمان أيضًا، ولو ساغ لكان الشارع فعله عن عمه أبي طالب، وقام الإجماع على منعه، وإنما وقع الاختلاف في الصوم والحج فيجب أن يرد حكم ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه، ولما لم يجز الصيام عن الشيخ الهرم في حياته كان بعد وفاته أولى ألا يجوز. وذهب الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه واجب أن يطعم عنه من رأس ماله وإن لم يوص إلا أبا حنيفة فإنه قال: يسقط ذَلِكَ عنه بالموت. وقال مالك: الإطعام غير واجب على الورثة إلا أن يوصى به ففي ثلثه (٢)، فإن قلت: من أوجب الإطعام فإنما هو لتشبيهه ﵇ بالدَّين. قلت: هو حجة لنا؛ لأنه قال: أفأقضيه عنها؟ ونحن نقول: قضاؤه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، وأما حديث ابن عمر مرفوعًا: "من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم ممسكينًا" فأخرجه ابن ماجه

стр. 7633

والترمذي وصحح وقفه على راويه (١)، وقال البيهقي: ثبت بهذِه

стр. 7634

الأحاديث جواز الصوم عن الميت وكان الشافعي في القديم قال: روي في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتًا صيم عنه كما يحج عنه، وأما في الجديد فإنه سأل عن نفسه فقال: فإن قيل: فروي أن رسول الله ﷺ نهى أن يصوم عن أحد، قيل: نعم، رواه ابن عباس (١)، فإن قيل: لم لا نأخذ به،

стр. 7635

قيل: حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن رسول الله نذرًا (١)، ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسته عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظًا، يعني: حديث عبيد الله، المُخرَّج عند البخاري عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر فقال: "اقضه عنها" (٢). ووقع في رواية ابن جبير: أن امرأة سألت، فالأشبه أن تكون هذِه القصة التي وقع السؤال فيها عن الصوم قضاءً غير قصة سعد التي فيها النذر مطلقًا، كيف وقد روي عن عائشة مرفوعًا النص في جواز الصوم عن الميت؟ وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس بما روى -يعني النسائي- عن محمد بن عبد الأعلى بإسناده إلى ابن عباس أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه (٣). وبما رويناه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عباس في الإطعام عمن مات وعليه صوم شهر رمضان وصيام نذر (٤)، وفي رواية ميمون بن مهران، عن عبد الله وأبي حصين، عن ابن جبير، عن عبد الله أنه قال في صيام رمضان: أطعم، وفي النذر: قضى عنه وليه، ورواية ميمون وسعيد توافق الرواية عنه، عن رسول الله ﷺ في النذر إلا أن الروايتين
следующие страницы →