← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

١٤ - باب الاِعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ ٢٠٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ. قَالَ: فَأسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا، فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الغَدِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا آلْبِرُّ؟! انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا". فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النبي ﷺ يعْتَكِفُ فِي كُل رَمَضَان، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ .. الحديث. وفي آخره: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. وقد سلف ذَلِكَ (١)، والاعتكاف في شوال وسائر السنة مباح لمن أراده، وهو يوهم أنه كان يدخل بعد صلاة الغداة وليس كذلك، بل كان يدخل الخباء فإذا صلى المغرب دخل معتكفه، واتفق الأربعة أن المعتكف إذا نذر اعتكاف شهر أنه لا يدخل إلا عند الغروب، وهو قول النخعي. وقال الأوزاعي بظاهر الحديث: يصلي الصبح، ثم يقوم إلى معتكفه، وما أسلفناه يرده، واختلفوا إذا نذر يومًا أو أيامًا، فقال مالك: يدخل قبل غروب ليلة ذَلِكَ اليوم. وقال الشافعي: إذا أراد

стр. 7912

اعتكاف يوم دخل قبل طلوع فجره وخرج بعد غروب شمسه. خلاف قوله في الشهر. وقال أبو ثور: إذا أراد أن يعتكف عشرة أيام دخل في اعتكافه قبل طلوع الفجر، وإذا أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل الغروب. وقال الليث وزفر وأبو يوسف: يدخل قبل طلوع الفجر. واليوم والشهر عندهم سواء. ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا يدخل في الاعتكاف إلا أن يتقدمه اعتكاف النهار، وليس الليل بموضع للاعتكاف، فلا يصح الابتداء به. وذهب الأولون إلى أن النهار تبع لليل على كل حال: فلذلك بدءوا بالليل، وهذا هو الصحيح في هذِه المسألة: لأن المعروف عند جميع الأمة تقديم الأول للنهار، بكون الأهلة مواقيت للناس في الشهور، والعدد وغير ذَلِكَ، وأول الشهر ليله، فكذلك كل عدد من الأيام وإن قل فإن أوله ليله، ولا حجة لمن خالف هذا.

стр. 7913

١٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَكَفَ صَوْمًا ٢٠٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْفِ نَذْرَكَ". فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً. [انظر: ٣٠٣٣ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٨٤] سلف (١)، وكذا الباب بعده (٢)، واحتج به من أجاز الاعتكاف بغير صوم كما سلف، وقد سلف الخلف فيه واضحًا، واحتج مالك في "الموطأ" بقول القاسم ونافع قالا: لا اعتكاف إلا بصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، إلى قوله: ﴿فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام (٣). قال مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا احتج من لم يوجبه بأنه لو كان كذلك لم يكن لنهيه تعالى عن المباشرة من أجل الاعتكاف معنى، وأجيب بأن الله تعالى لما ذكر الوطء في أول الآية وعلق حظره بالصوم في النهار عطف عليه حكم الاعتكاف، وذكر حظر الوطء معه: لأنه قد يصح في وقت لا يصح فيه الصوم وهو زمن الليل، ولو وطئ ليلًا فسد اعتكافه. هذا فائدة ذكره للوطء بعد تقدم ذكره، وأما احتجاجهم بحديث عمر فيجوز أن يراد بالليلة مع يومها كما سلف هناك.

стр. 7914

١٦ - [باب إِذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ أَسْلَمَ ٢٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ- قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: لَيْلَةً. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ"] (١). [انظر: ٢٠٣٢ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٨٤]

стр. 7915

١٧ - باب الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ ٢٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. [٤٩٩٨ - فتح: ٤/ ٢٨٤] ذكر فيه حديث أَبِي حَصِينٍ عثمان بن عاصم بن حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ. وهو من أفراده، يحتمل أن يكون ﵇ إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير، ليسن لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر: ليلقوا الله على خير أحوالهم، وقد روى ابن المنذر حديثًا دل على غير هذا المعنى ساقه من حديث ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة (١). وقوله: (كان يعتكف في كل رمضان) فيه: دلالة على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة مما واظب عليه الشارع، فينبغي للمؤمن الاقتداء في

стр. 7916

ذَلِكَ به، وذكر ابن المنذر، عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وأن رسول الله ﷺ لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام في العشر الأواخر حَتَّى قبضه الله. وروى ابن نافع، عن مالك قال: ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف ﵇ حَتَّى قبضه الله تعالى، وهم أتبع الناس لآثاره حَتَّى أجد بنفسي أنه كالوصال المنهي عنه، وأراهم إنما تركوه لشدته، وأن ليله ونهاره سواء. قال: ولم يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن واسمه المغيرة (١) وابن أخي أبي جهل وهو أحد فقهاء تابعي المدينة. وقال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه، ثم قال: ربي لا أبرح حَتَّى تغفر لي، ربي لا أبرح حَتَى ترحمني (٢).

стр. 7917

١٨ - باب مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ ٢٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ، فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ، فَبُنِيَ لَهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ، فَبَصُرَ بِالأَبْنِيَةِ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: بِنَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا؟! مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ". فَرَجَعَ، فَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٨٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ. وفي آخره: "آلْبِرَّ أَرَدْنَ بهذا؟! ". وقد سلف (١)، يحتمل أن يكون ﵇ شرع في الاعتكاف؛ فلذلك قضاه لقول عائشة: إنه كان إذا صلى انصرف إلى بنائه. فإن كان هكذا يكون قضاؤه واجبًا، وأهل العلم متفقون أنه لا يجب قضاؤه إلا من نواه وشرع في عمله ثم قطعه لعذر على مذهب من يراه، ويحتمل أن يكون أنه لم يشرع فيه، وإنما كان انصرافه إلى بنائه بعد صلاة الصبح؛ تطلعًا لأموره والنظر في إصلاحها، ومن كان هكذا فله أن يرجع عن إمضاء نيته لأمر يراه، وقد قال العلماء: من نوى اعتكافًا فله تركه قبل أن يدخل فيه، وعلى هذا الوجه تأوله البخاري وترجم عليه، فقضاؤه له تطوع. وفيه: أن من نوى شيئًا من الطاعات ولم يعمل به أن له أن يتركه، إن شاء مطلقًا وإن شاء إلى وقت آخر، واعتكافه ﵇ وإن كان تطوعًا فغير

стр. 7918

كثير أن يكون قضاؤه في شوال؛ من أجل أنه كان يرى أن يعمله وإن لم يدخل: لأنه كان أوفى الناس بما عاهد عليه. ذكر سنيد، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن معبد بن ثابت في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الاية [التوبة: ٧٥]، إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الاية [التوبة: ٧٨] (١)؟ وفي قوله: ("آلبر يردن؟ ") أن من علم منه الرياء في شيء من الطاعات فلا بأس بالقطع عليه فيه ومنعه منه، ألا ترى قوله: "البر" يعني: إنهن إنما أردن الحظوة والمنزلة منه: فلذلك قطع عليهن ما أردنه وأخر ما أراده لنفسه. وفيه: أن للرجل منع زوجته وأمته وعبده من الاعتكاف ابتداءً، كما منع نساءه اللاتي ضربن الأبنية، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي، واختلفوا عند الإذن فقال مالك: لا يمنعهم. وقال الكوفيون: لا يمنع زوجته إذا أذن لها ويمنع عبده إن أذن له. وقال الشافعي: له منعهما جميعًا (٢)، وقال ابن شعبان كقول الشافعي ما لم يدخلا فيه، والحديث دال له؛ لأنه ﵇ كان أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف، ثم منعهما منه حين رأى ذَلِكَ. وفيه: أيضًا أنه قد يستر على الضرائر تفضيل بعضهن على بعض و [لو] (٣) بترك طاعة لله تستدرك بعد حين.

стр. 7919

١٩ - باب المُعْتَكِفِ يُدْخِلُ رَأْسَهُ البَيْتَ لِلْغَسْلِ ٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٨٦] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ترجيلها رسول اللهُ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١) وسلف في الباب (٢).

стр. 7920

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٤ - كتاب البيوع وَقَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]

стр. 7921

١ - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١٠ - ١١] (١) وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٣٩] ٢٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِلْكَ مِنْ شَىْءٍ. [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٤/ ٢٨٧] ٢٠٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَى زَوْجَتَىَّ هَوِيتَ؟ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا.

стр. 7922

قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِى فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَزَوَّجْتَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "وَمَنْ". قَالَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: "كَمْ سُقْتَ؟ ". قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ -فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". [٣٧٨٠ - فتح: ٤/ ٢٨٨] ٢٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ المَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا -أَوْ مَا شَاءَ اللهُ- فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: "مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟ ". قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ- قَالَ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". [٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦ - مسلم: ١٤٢٧، فتح: ٤/ ٢٨٨] ٢٠٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمِجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. [انظر: ١٧٧٠ - فتح: ٤/ ٢٨٨] ذكر فيه حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ

стр. 7923

يَشْغَلُهُمْ السَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّىِ أَقْضِيَ مَقَالَتِي هذِه، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِلْكَ مِنْ شَئ. وقد سلف في باب: حفظ العلم (١). وذكر حديث إبراهيم بن سعد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي .. الحديث. فغدا إلى سوق قينقاع فأتى بسمْنٍ وأقِطٍ. ثم ساقه بكماله. وذكر بعده حديث حميد، عن أنس بنحوه. وحديث ابن عباس: قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمِجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ، قَرَأَهَا ابن عَبَّاسٍ. وقد سلف هذا في الحج (٢).

стр. 7924

الشرح: لما فرغ البخاري ﵀ من بيان العبادات المقصود بها التحصيل الأخروي شرع في بيان المعاملات المقصود بها التحصيل الدنيوي، فقدم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات؛ لأنها ضرورية، وأخَّر النكاح؛ لأن شهوته متأخرة عن الأكل ونحوه، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذَلِكَ في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة الفرج والبطن. وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد (١)، وأخَّر البيوع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور (٢)، ولا أدري لم فعل ذَلِكَ، وقد أسلفنا أنه قدم الصوم عَلَى الحج أيضًا (٣)، وجمع البيوع باعتبار أنواعه، وغيره أفرده تبركًا بلفظ القران، وهو في اللغة: مقابلة شيء بشيء ويسمى شراءً أيضًا، قَال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ويسمى كل واحد من المتبايعين بائعًا ومشتريًا. وسيأتي حديث "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٤). وقول" إبراهيم في باب: لا يشترِ حاضر لباد (٥): فيه عن العرب، وهو في الشرع: مقابلة مال بمال ونحوه، وبعته وأبعته بمعنى، وكذا باع وأباع، قيل: سمي بيعًا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد

стр. 7925

غالبًا، وغلط قائله؛ لأن المصادر غير مشتقة، ولأن البيع من ذوات الياء، والباع من ذوات الواو. ثم استفتحه بقوله تعالى؛ ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة؛ ٢٧٥] ولم يذكر الواو فيما رأيناه من أصوله، وأصح أقوال الشافعي؛ أنها عامة مخصوصة؛ وهو بناء عَلَى أن المفرد المعرف بـ (ال) يعم، وهو ما عليه الأكثرون. وبقوله؛ ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة؛ ٢٨٢] أي؛ متجر فيه حاضر من العروض وغيرها مما يتقابض، وهو معنى ﴿تُدِيُرونَهَا بَينَكُم﴾ وذلك أن ما يخاف من الفساد والتأجيل يؤمن في البيع يدًا بيد، وذلك قوله: ﴿فَلَيسَ عَلَيكم جُنَاحُ أَلَّا تَكتُبُوهَا﴾ [البقرة؛ ٢٨٢]. والاية الثالثة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] إلى آخر السورة، هي مدنية بإجماع. وقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾؛ جماعة أهل العلم عَلَى أنه إباحة بعد حظر، وقيل: هو أمر عَلَى بابه. وقال الداودي: هو على الإباحة لمن له كفاف أو لا يطيق التكسب، وفرضٌ عَلَى من لا شيء له ويطيق التكسب. وقال غيره: من يعطف عليه بسؤال أو غيره ليس طلب الكفاف عليه بفريضة. ﴿وَابتَغُواْ مِن فَضلِ اللهِ﴾ أي: اطلبوا، وفي الحديث: "ليس لطلب الدنيا ولكن من عيادةٍ، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله" (١)، أو البيع والشراء، أو العمل يوم السبت.

стр. 7926

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: عَلَى كل حال، و (لعل) من الله واجب. والفلاح: الفوز والبقاء. واللهو: الطبل. هو دحية الكلبي وافى بتجارته (١)، وقيل: كانوا في مجاعة وكان الطعام إذا جاءوا به ضرب الطبل، وقيل: الغناء. وقيل: اللعب. ﴿انفَضُّواْ إِلَيها﴾ [الجمعة: ١١] في الكلام حذف: إن كان لهوًا انفضوا إليه، أو تجارة إليها، كقولك: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ، والرأي مختلف، وأعاد الضمير عَلَى التجارة؛ لأنها المقصود لا اللهو. ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، أي: في خطبتك ومعه اثنا عشر رجلًا (٢)، منهم: أبو بكر، وعمر (٣)، أو ثمانية (٤). قال الحسن: قَالَ رسول الله ﷺ : "لو تبع آخرهم أولهم اضطرم الوادي نارًا عليهم" (٥). ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [الجمعة: ١١] أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذَلِكَ لمن جلس واستمع الخطبة. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] فارغبوا إليه في سعتها. واستفتحه أيضا بقوله تعالى: (﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾) [النساء: ٢٩] أي: فليست من الباطل؛ لأنه بحق، والباطل

стр. 7927

بغير حق، وكذا ما كان من هبة أو صدقة ونحوهما، وهذا استثناء منقطع بالإجماع، أي: لكن لكم أكلها تجارة عن تراض منكم، وخص الأكل بالنهي؛ تنبيهًا عَلَى غيره؛ لكونه معظم المقصود من المال، كما قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقام الإجماع عَلَى أن التصرف في المال بالحرام باطل حرام، سواء كان أكلًا أو بيعًا أو هبة أو غير ذلك. والباطل: اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالزنا (١)، والغصب والسرقة، والجناية، وكل محرم ورد الشرع به. وفي ﴿تِجَارَةً﴾ قراءتان: الرفع عَلَى أن تكون تامة، والنصب عَلَى تقدير: إلا أن يكون المأكول تجارة، أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارةٍ فحذف المضاف (٢). قَالَ الواحدي: الأجود الرفع: لأنه أدل عَلَى انقطاع الاستثناء؛ ولأنه لا يحتاج إلى إضمار. و ﴿عَن تَرَاضٍ مِنكُم﴾ [النساء: ٢٩] يرضى كل واحد منهما بما في يده، قَالَ أكثر المفسرين: هو أن يخير كل واحد من البائعين صاحبه بعد عقد البيع عن تراضٍ، والخيار بعد الصفقة. ثم الآيات التي ذكرها الإمام البخاري ظاهرة في إباحة التجارة، إلا قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ فإنها عتب عليها، وهي أدخل في النهي منها في الإباحة لها، لكن مفهوم النهي عن تركه قائمًا اهتمامًا أنها

стр. 7928

تشعر أنها لو خلت من المعارض الراجح لم تدخل في العتب، بل كانت حينئذٍ مباحة، وفي "صحيح الحاكم" من حديث عمرو بن تغلب مرفوعًا: "إن من أشراط الساعة أن تظهر الفتن وتفشوَ التجارة" ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط الشيخين (١). وفيه: -عَلَى شرطهما- من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إياكم وهيشات الأسواق" (٢) وكأن النهي محمول عَلَى أن يجعلها ديدنه فيشتغل بها عن المهمات. إذا تقرر ذَلِكَ كله: فقد أباح الله تعالى التجارة في كتابه وأمر بالابتغاء من فضله، وكان أفاضل الصحابة يتجرون ويحترفون طلب المعاش، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة؛ خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم، وقد روي عن لقمان أنه قَالَ لابنه: يا بني خذ من الدنيا بلاغك، وأنفق من كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالًا، وعلى أعناق الرجال كلالًا.

стр. 7929

وروي عن حماد بن زيد أنه قَالَ: كنت عند الأوزاعي فحدثه شيخ كان عنده أن عيسى ﷺ قَالَ: إن الله يحب العبد يتعلم المهنة يستغني بها عن الناس، وإن الله تعالى يبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة. وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب الزم السوق فإن الغنى من العافية. وقد أسلفنا قريبًا ما يخالف ذَلِكَ وتأويله. إذا علمت ذَلِكَ: فالحديث الأول: فيه ابن المسيَّب بفتح الياء، وكسرها. قَالَ علي بن المديني: أهل المدينة عَلَى الثاني، وأهل الكوفة عَلَى الأول (١). ويشغلهم: بفتح الياء. والسفق بالسين، كذا وقع في بعض روايات أبي الحسن، وفي بعضها ورواية أبي ذر بالصاد (٢)، قَالَ الخليل: كل صاد قبل القاف، وكل سين تجيء بعد القاف فللعرب فيها لغتان: سين وصاد، لا يبالون اتصلت أو انفصلت بعد أن يكونا في كلمة، إلا أن الصاد في بعض أحسن، والسين في بعض أحسن (٣)، وموضع التبويب قوله: (سفق بالأسواق)، وأراد بالصفق: صفق الأكف عند البيع، كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف علامة عَلَى انبرام البيع، وذلك لأن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي والقبض بها يقع، فإذا تصافقت الأكف استقرت كل يد منها عَلَى ما اشترت. وقوله: (وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا) فيه: ذكر ما كانوا عليه من المسكنة عَلَى غير الشكوى.

стр. 7930

وفيه: ذكر لزومه رسول الله ﷺ . وقوله: (وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ). قَالَ الداودي: إنما أصلحوها؛ للنهي عن إضاعة المال، وشغل: ثلاثي. قَالَ ابن فارس: لا يكادون يقولون: أشغل وهو غير جائز (١). وقوله: (أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ) أي: أحفظ. وقوله: (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ) قَالَ ثعلب: النمرة: ثوب مخطط تلبسه العجوز. وقال ابن فارس: هي كساء ملون (٢). وقال القتبي: هي بردة تلبسها الإماء، وجمعها نمرات ونمار. قَالَ الهروي: هو إزار من صوف، وقال القزاز: هي دراعة تلبس أو تجعل عَلَى الرأس، فيها سواد وبياض. وجزم ابن بطال بأنه: ثوب مخمل من وبرٍ أو صوف (٣). وقوله: (فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ النبي ﷺ تِلْكَ مِنْ شَئ)، يريد ما بعد ذَلِكَ. وفيه: جواز نسيانه لما قبله. وفي الحديث الثاني: مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه. وفيه: مواساة النبي ﷺ الأنصار، وقد مدحهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وكان هذا القول قبل أن يسأل رسول الله ﷺ الأنصار أن يكفوا المهاجرين العمل، ويعطوهم نصف الثمرة (٤).

стр. 7931

وفيه: تعفف عبد الرحمن عن أخذ ما يجوز، وكان مجيدًا في التجارة، قيل: كان يشتري الجمال فيبيعها ويربح أرسانها، ومات عن مال جسيم. وقينقاع -مثلث النون أعني: بضم النون وفتحها وكسرها- قَالَ ابن التين: ضبط في أكثر نسخ أبي الحسن بكسر النون، وكذا سمعته، وفي بعضها بضمها، ولم يذكر الفتح، وهو: شعب من يهود المدينة أضيفت إليهم السوق، وينصرف عَلَى إرادة الحي ولا ينصرف عَلَى إرادة القبيلة، وهم أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم حَتَّى نزلوا عَلَى حكمه (١). وأثر الصفرة المذكورة هو الوضر -بالضاد والراء- في الرواية الأخرى (٢)، وهو التلطخ بخلوق أو طيب له لون. قَالَ أبو عبد الملك: كانت الأنصار إذا دخل الزوج بزوجته كسته ثوبًا مصبوغًا بصفرة يعرف بأنه عروس. وقال الداودي: فيه ما يصيب العروس من خلوق الزوجة. قلت: وهذا هو الظاهر (٣). وفيه: سؤال رسول الله ﷺ أصحابه عن أحوالهم وكم مقدار صداقهم. وقوله: (زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ). النواة: خمسة دراهم قاله لوين وغيره، وقيل: إنه وهم. قَالَ أبو عبيد: كان بعض الناس يقول

стр. 7932

لم يكن ثم ذهب، وإنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما سميت الأربعون أوقية والعشرون نشًّا (١). وقال الأزهري: لفظ الحديث يدل عَلَى أنه تزوجها عَلَى ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قَالَ: نواة من ذهب، ولست أدري لم أنكره أبو عبيد (٢)؟ وقال أبو عبد الملك: زنة نواة من ذهب، مثل ثمن دينار أو سدس دينار، وعوضه خمسة دراهم من الفضة وقال الخطابي: هي زنة خمسة دراهم ذهبًا كان أو فضة (٣)، وعن أحمد: زنة ثلاثة دراهم، زاد الترمذي عنه: وثلث (٤). وقيل: وزن نواة التمر من ذهب. وقيل: ربع دينار. وقوله: ("أَوْلمْ وَلَوْ بِشَاهٍ") أخذ بظاهره الشافعي في أحد قوليه وأحمد وقالا: الوليمة واجبة، وبه قَالَ داود. وقال مالك والشافعي في أظهر قوليه: إنها مستحبة وحملاه عَلَى الاستحباب. ووقتها بعد الدخول، وقيل: عند العقد. وعن ابن حبيب (٥): الاستحباب فيهما (٦). وظاهر الحديث بعد الدخول. قَالَ أبو عبد الملك: والمعروف أنها عنده، ولعله إذ ذاك لما فاته كالقضاء. وقال ابن الجلاب: الوليمة تكون عند الدخول (٧).

стр. 7933

وفيه: أن العيش بالتجارة والصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش بالصدقات والهبات. ثم اعلم أن هذا الحديث رواه البخاري هنا عن عبد العزيز، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده: قَالَ عبد الرحمن: لما قدمنا المدينة. وذكره في فضائل الأنصار عن إسماعيل بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قَالَ: لما قدموا المدينة (١). (وظاهره) (٢) الإرسال؛ لأنه إن كان الضمير في جده يعود إلى إبراهيم ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن (٣)، فيكون الجد فيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وإبراهيم لم يشهد أمر المؤاخاة؛ لأنه توفي بعد التسعين قطعًا عن خمس وسبعين سنة. وقيل: إنه ولد في حياته، ولا تصح له رواية عنه. وأمر المؤاخاة كان حين الهجرة (٤)، وإن عاد إلى جد

стр. 7934

سعد بن إبراهيم، فيكون عَلَى هذا سعد روى عن جده عبد الرحمن بن عوف، وهذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن توفي سنة اثنتين وثلاثين، ومات سعد سنة ست وعشرين ومائة (١) عن ثلاث وسبعين سنة (٢)، ولكن الحديث المذكور هنا متصل؛ لأن إبراهيم قَالَ فيه: قَالَ عبد الرحمن ابن عوف. يوضح ذَلِكَ رواية أبي نعيم لما قَالَ عن جده، عن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: لما قدمنا المدينة .. الحديث (٣).

стр. 7935

وكذا ذكره الطرقي وأصحاب الأطراف، وقد أخرجه مسلم أيضًا من حديث أنس، عن ابن عوف (١)، وكذا هو في "الموطأ": عن حميد، عن أنس، أن ابن عوف (٢). وقال الدارقطني: أسنده روح بن عبادة فقال: عن مالك، عن حميد، عن أنس، عن ابن عوف، وتفرد به. وأما حديث أنس فقوله في سعد: (وكان ذا غنًى) -هو مقصور- أي: المال، وكانوا يستكثرون منه للمواساة، ونعم الغبط عليه. والأقط: من اللبن معروف. تنبيهات: أحدها: هذِه المؤاخاة ذكرها ابن إسحاق في أول سنة من سني الهجرة بين المهاجرين والأنصار (٣)، ولها سببان: أحدهما: أنه أجراهم عَلَى ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف، فإنهم كانوا يتوارثون به. قَالَ ﷺ : "لا حِلْفَ في الإسلام" (٤) وأثبت المؤاخاة؛ لأن الإنسان إذا فطم مما ألفه علل بجنسه. ثانيهما: أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال وإلى المنزل فنزلوا عَلَى الأنصار، فأكدوا هذِه المخالطة بالمؤاخاة، ولم يكن بعد بدر مؤاخاة؛ لأن الغنائم استغني بها. والمؤاخاة: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان عَلَى التناصر والمواساة حَتَّى يصيرا كالأخوين نسبًا كما قَالَ أنس. وقالوا: إن

стр. 7936

رسول الله ﷺ آخى بين الصحابة مرتين: مرة بمكة قبل الهجرة، والأخرى بعدها، ذكره القرطبي (١). وقال ابن عبد البر: والصحيح في المؤاخاة في المدينة بعد بنائه المسجد، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حَتَّى نزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]. وقيل: كان قبل ذَلِكَ والمسجد يبنى (٢). وقيل: بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر. وفي "تاريخ ابن أبي خيثمة" عن زيد بن أبي أوفى أنها كانت في المسجد، وكانوا مائة: خمسون من الأنصار، وخمسون من المهاجرين. ثانيها: المرأة التي تزوجها عبد الرحمن بن عوف هي ابنة أبي الحيسر (أنس) (٣) بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل (٤). قَالَ الزبير: ولدت له القاسم وأبا عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (٥).

стр. 7937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7938

ثالثها: إن قلتَ: جاء النهي عن التزعفر فكيف الجمع بينه وبين أثر الصفرة والوضر؟ قلتُ: من أوجه: أنه كان يسيرًا فلم ينكره. ثانيها: أن ذَلِكَ علق من ثوبها من غير قصد. ثالثها: أنه كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا لسروره وزواجه، وقيل: كانت المرأة تكسوه إياه- وقد سلف. وقيل: إن هذا غير معروف. وقيل: إنه كان يفعل ذَلِكَ ليعان عَلَى الوليمة. رابعها: قاله أبو عبيد: كانوا يرخصون في ذَلِكَ للشاب أيام عرسه (١). خامسها: أنه يحتمل أن ذَلِكَ كان في ثوبه دون بدنه. ومذهب مالك جوازه (٢) - حكاه عن علماء بلده. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذَلِكَ للرجال (٣). رابعها: ذكر الصفرة في الحديث؛ لأنها أحسن الألوان كما قاله ابن عباس، قَالَ تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] قَالَ: فقرن السرور بالصفرة. ولما سئل عبد الله عن الصبغ بها قَالَ: رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها فأنا أصبغ بها (٤). خامسها: قوله: ("مَهْيَمْ؟ ") هو بفتح الميم وسكون الهاء ثم ياء مثناة تحت، ثم ميم، وهي كلمة يمانية أي: ما شانك؟

стр. 7939

سادسها: ذكر البخاري هذا الحديث في النكاح، في باب: كيف يدعى للمتزوج (١). لقوله: (بَارَكَ اللهُ لَكَ) فيه رد عَلَى ما كانت العرب تقوله: بالرفاء والبنين. ولما قيل ذَلِكَ لعقيل بن أبي طالب قَالَ: لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قَالَ النبي ﷺ : "بارك الله لك وبارك عليك" أخرجه النسائي (٢).

стр. 7940

وفي الترمذي -وقال: حسن صحيح- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا رفأ الإنسان -إذا تزوج- قَالَ: "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير" (١). وعن خالد بن معدان عن معاذ -ولم يسمع منه (٢) - أنه ﵇ شهد إملاك رجل من الأنصار، فقال: "عَلَى الألفة

стр. 7941

والخير والطير الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم" (١). سابعها: ظا"ر قوله: ("أَوْلمْ وَلَوْ بِشَاةٍ") أنها أقل ما تتأدى به السنة. وفيه: دلالة عَلَى الإستكثار منها ما لم يرد إلى الرياء، قاله الداودي.

стр. 7942

قَالَ القاضي: والإجماع أنه لا حد لقدرها المجزئ (١). وقال الخطابي: الشاة للقادر عليها وإلا فلا حرج، قد أولم ﷺ على بعض نسائه بسويق وتمر (٢). فرع: كرهت طائفة الوليمة أكثر من يومين. وعن مالك: أسبوعًا. ثامنها: عكاظ ومَجنة -بفتح الميم- وذو المجاز أسواق في الجاهلية عند عرفات. وقراءة ابن عباس. في (مواسم الحج) كالتفسير، إذ لم يثبت بين اللوحين. خاتمة: في سرد الفوائد في حديث عبد الرحمن أنه لا بأس للشريف أن يتصرف في السوق بالبيع والشراء، ويتعفف بذلك عما يبذل له من المال وغيره، والأخذ بالشدة عَلَى نفسه في أمر معاشه، وأن العيش من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبهها، وبركة التجارة والمؤاخاة عَلَى التعاون في أمر الله تعالى، وبذل المال لمن يؤاخي عليه. وفي حديث أبي هريرة الحرص عَلَى التعلم، وإيثار طلبه عَلَى طلب المال. وفضيلة ظاهرة لأبي هريرة، وأنه ﷺ خصه ببسط ردائه وضمه، فما نسي من مقالته تلك شيئًا. وقوله: (مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ) كان رئيسهم. والعرب تقول: صففت البيت وأصففته: جعلت له صفة -وهي السقيفة- أمامه. وأصحاب الصفة: الملازمون لمسجده ﷺ .

стр. 7943

٢ - باب الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ (١) ٢٠٥١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضى الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالمَعَاصِى حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ". [انظر: ٥٢ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ٤/ ٢٩٠] ذكر فيه حديث النعمان بن بشير: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . "الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّن، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ كَانَ لِمَا اسْتبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتبَانَ، وَالمَعَاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ". هذا الحديث سلف في الإيمان في باب: فضل من استبرأ لدينه (٢). وذكر هنا (سنده) (٣) مرتين متفقًا ومرتين مختلفا، قَالَ في الأول: عن ابن

стр. 7944

عون، عن الشعبي، سمعت النعمان بن بشير، سمعت النبي ﷺ . وقال في الثاني: عن أبي فروة -واسمه عروة بن الحارث بن فروة الهمداني الكوفي- عن الشعبي: سمعت النعمان، عن رسول الله ﷺ . وفي الثالث: عن أبي فروة: سمعت الشعبي. مثل هذا. وقال في الرابع: عن أبي فروة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير: قَالَ رسول الله ﷺ . والحاصل أن النعمان صرح بسماعه في الرواية الأولى من رسول الله ﷺ ، وأتى في الثانية والثالثة بعن، وفي الرابعة بقال. وعند أبي داود: عن الشعبي: سمعت النعمان -ولا أسمع أحدًا بعده- يقول: سمعت النبي ﷺ : "إن الحلال بين … " الحديث (١). وقد أسلفنا في الإيمان بطلان من ادعى عدم سماعه من رسول الله ﷺ ؛ يوضحه سماع ابن (النعمان) (٢) حديث نحلني أبي: كما ستعلمه في موضعه (٣). وسفيان الراوي عن أبي فروة في الرابع هو الثوري كما صرح به أبو نعيم وغيره. قَالَ أبو نعيم: وهذا لفظ الثوري، وجمع البخاري بين ابن عون وأبي فروة ظنًّا أن الروايتين في إسناد واحد، وساق الحديث بلفظ الثوري. وفي كتاب الإسماعيلي لما قَالَ: "ألا وإن في الجسد مضغة" قَالَ: قَالَ فلان -يعني أحد رواته-: لا أدري هذا من لفظ رسول الله ﷺ أم لا.

стр. 7945

ولا بد لنا أن نذكر نبذة هنا فنقول: هذا الحديث أصل في باب الورع وما يجتنب من الشبه. والشبه: كل ما أشبه الحلال من وجه والحرام من آخر، والورع: اجتنابها فالحلال البين: ما علم المرء ملكه يقينًا لنفسه، والحرام البين عكسه، والشبهة: ما يجده في بيته فلا يدري أهو له أو لغيره. وقد اختلف في حكم المشتبهات عَلَى أقوال أسلفناها هناك، فرواية: "لا يعلمها كثير من الناس" (١) دالة عَلَى الوقف. ورواية: "من وقع في الشبهات وقع في الحرام" (٢) دالة عَلَى أن تركها واجب. ورواية: "من رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" (٣) تدل عَلَى الحيل. وقيل: قوله: ("حَوْلَ الحِمَى") نهيٌ عما يشك فيه هو من الحمى أو مما حوله؟ فنزهه عما قرب منه، ولم يشك فيه خوفًا أن تزين النفس أنه ليس منه، ويحمل عَلَى الندب. والمشتبهات في الدماء والأموال والأعراض والفتيا والقضاء وغير ذَلِكَ، فأشدها الاجتراء عَلَى الفتيا بغير علم؛ لأنه قد تزين له نفسه أنه أهل لها وهو خلافه، قَالَ تعالى: ﴿فَاَحكمُ بَينَ اَلنًاسِ بِاَلحِق﴾ الآية [ص: ٢٦]. وفي الحديث: "حبك للشيء يعمي ويصم" (٤). ويقال:

стр. 7946

أشقى الناس من باع دينه بدنياه، وأشقى منه من باع دينه بدنيا سواه (١).

стр. 7947

قَالَ سحنون: إنما ذَلِكَ في الفتيا. وما يجتنب من الشبهات: الظن أن يقطع به: فإن النفس ربما تزين عند الظن خلاف الحق، تغطي عند الرضا العيب، وتبدي في عكسه المساوئ. وقسم بعضهم الورع ثلاثة أقسام، واجب: وهو اجتناب ما يحققه لغيره، ومستحب: وهو اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، ومكروه: أن لا يقبل الرخص، ولا يجيب الداعي، ولا يقبل الهدية، ويجتنب الأشياء المباحة مثل المياه التي يتوضأ بها، واجتناب الغريب التزويج مع الحاجة؛ لقيام قدوم أبيه البلدة المذكورة والتزوج بها، وكره ذَلِكَ؛ لأن النادر لا عبرة به. وقوله: ("مَنْ يَرْتَعْ") قَالَ ابن فارس: يقال رتع: إذا أكل ما شاء، وقيل: رتعت أقامت في المرتع (١). وعبارة ابن بطال: الحلال البين: ما نص الله عَلَى تحليله أي ورسوله، والحرام البين: ما نص عَلَى تحريمه، وكذا ما جعل فيه حَدٌّ أو عقوبة أو وعيد، والمشتبه: ما تنازعته الأدلة من الكتاب والسنة، وتجاذبته المعاني فوجه منه يعضده دليل الحرام، وآخر عكسه، وقال فيه: من ترك الشبهات إلى آخره، فالإمساك عنه ورع، والإقدام عليه لا يقطع عالم بتحريمه (٢).

стр. 7948

وقال القرطبي: أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه فيكون مباحًا، وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين، فإنه إن ترجح أحد طرفيه عَلَى الآخر خرج عن كونه مباحًا فحينئذ يكون تركه راجحًا عَلَى فعله وهو المكروه، أو عكسه فالمندوب، وفيه دليل أن الشبهة لها حكم خاص بها (١). قَالَ الخطابي: وقوله: "لا يعلمها كثير من الناس" معناه: أنها تشتبه عَلَى بعض الناس دون بعض والعلماء يعرفونها؛ لأن الله جعل عليها دلائل عرفها بها، لكن ليس كل أحد يقدر عَلَى تحقيق ذَلِكَ؛ ولهذا قَالَ ذَلِكَ ولم يقل: لا يعلمها كل الناس (٢). وقوله: "كراع يرعى حول الحمى" هو مثل يحتمل أن صاحبه يقع في الحرام ولا يدري. وقال الخطابي: إذا اعتادها قادته إلى الوقوع في الحرام، فيتجاسر عليه ويواقعه عالمًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر عنده، ولما قد ألفه من المساهلة (٣).

стр. 7949

٣ - باب تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ. ٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ ﵁، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! ". وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ. [انظر: ٨٨ - فتح: ٤/ ٢٩١] ٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "احْتَجِبِي مِنْهُ". لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ. [٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧،٧١٨٢ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٤/ ٢٩٢] ٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: "إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَل فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِى أَيُّهُمَا أَخَذَ؟ قَالَ: "لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ

стр. 7950

عَلَى الآخَرِ". [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٤/ ٢٩٢] وذكر فيه حديث المرأة السوداء في الرضاع وقَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! ". وحديث "احْتَجِبِي مِنْهُ". وحديث عدي بن حاتم في الصيد: "لَا تَأْكُلْ". ثم ترجم:
следующие страницы →