← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

٥ - باب الاِعْتِكَافِ لَيْلًا ٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ". [٢٠٤٢، ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٧٤] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بَنَذْرِكَ". وترجم عليه في أواخر الباب باب: من لم ير عليه إذا اعتكف صومًا، وزاد فيه: فاعتكف ليلة (١). وترجم عليه أيضًا عقيبه باب: إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم (٢). وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وفي رواية له: يومًا بدل (ليلة) (٤). قال ابن حبان في "صحيحه": ألفاظ أخبار هذا الحديث مصرحة بأن عمر نذر اعتكاف ليلة إلا بهذا -يعني: رواية مسلم- فإن صحت هذِه اللفظة، فيشبه أن يكون (أراد) (٥) باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم حَتَّى لا يكون بين الخبرين تضاد (٦)، والعرب تعبر بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقد روى عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن عمر قال لرسول الله ﷺ بالجعرانة:

стр. 7877

إني نذرت أن أعتكف يومًا وليلة. فاقتصر بعضهم على البعض، ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمع، وفي رواية لأبي داود والنسائي: "فاعتكف وصم" (١). قال ابن حزم: لا يصح: لأن في سندهما عبد الله بن بديل (٢) وهو مجهول (٣). قلت: لا، فقد علق له البخاري (٤)، ووثق (٥)، نعم تفرد بزيادة الصوم، كما قاله ابن عدي والدارقطني وضعفاه (٦)، ونقل

стр. 7878

الدارقطني، عن النيسابوري أنه حديث منكر: لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه -يعني: الصوم- منهم: ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة وغيرهم (١). ثم قال ابن حزم: ولا نعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلًا، وما نعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر حديثًا مسندًا إلا ثلاثة ليس هذا منها فسقط الخبر؛ لبطلان سنده (٢).

стр. 7879

قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث فما هذا الكلام! إذا تقرر ذَلِكَ، فمن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه سواها خلافًا لمالك؛ حيث قال: يلزمه يوم معها. وقال سحنون: لا شيء عليه؛ لأنه لا صيام في الليل قال: ومن نذر اعتكاف يوم يلزمه يوم وليلة، ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر لم يجزه، وإن أضاف إليه الليلة المستقبلة (١). وقوله ﷺ : ("أوف بنذرك") محمول على الاستحباب بدليل أن الإسلام يهدم ما قبله (٢)، وقد حمله الطبري على الوجوب، وسيأتي الخلاف فيه في الأيمان والنذور (٣). والبخاري ذهب إلى وجوب الوفاء به، كما بوب عليه هناك وقاس اليمين على النذر، وهو قول أبي ثور والطبري، واختلف أصحابنا في صحة نذره في حال شركه، والأصح عدم صحته. وفيه: دليل على تأكيد الوفاء بالوعد، ألا ترى أنه أمره بالوفاء به وقد خرج من الجاهلية إلى الإسلام، كمان كان عند الفقهاء ما كان في الجاهلية من أيمان وطلاق وعقد فإن الإسلام يهدمها ويسقط حرمتها، قاله ابن بطال (٤).

стр. 7880

قال الخطابي: وفيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق الإسلام كان معمولًا به (١)، وهو ظاهر تبويب البخاري، ومن حلف في كفره ثم أسلم فحنث كَفَّر، وإليه ذهب الشافعي، وعن أشهب نحوه، ومذهب مالك: لا شيء عليه. وفيه: دلالة على جواز الاعتكاف بغير صوم وهو مذهب الشافعي، والحسن، وأبي ثور، وروي عن علي أيضًا وابن مسعود، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد وإسحاق (٢)، وقال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي: لا اعتكاف إلا بصوم. وقاله ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة، والزهري. وقيل: إنه مذهب علي، والشعبي، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وابن المسيب، ونافع، والثوري، والليث، والحسن بن حي، والشافعي في القديم، وقول لأحمد، ورواه عطاء ومقسم وأبو فاختة عن ابن عباس (٣)، والحديث دال للأول: إذ الليل ليس قابلًا للصوم وإن كان يحتمل أن يكون نذر اعتكاف ليلة مع يومها. ومعنى قوله: (في الجاهلية) أي: في زمنها. قال الخطابي: وقد يستدل به أن الكافر إذا أسلم وهو جنب لزمه أن يغتسل (٤).

стр. 7881

تنبيه: استدل من قال بعدم شرطية الصوم في صحة الاعتكاف مع حديث الباب بما رواه الدارقطني عن ابن عباس: "ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه" ثم قال: رفعه أبو بكر محمد بن إسحاق السوسي، وغيره لا يرفعه (١)، ومن جهة القياس: أنه عبادة

стр. 7882

أصل بنفسه فلا يكون شرطًا لغيره كالصلاة وغيرها، وصوم رمضان لا يقبل غيره، ومعلوم أن اعتكاف الشارع كان في رمضان. وقال ابن شهاب: اجتمعت أنا وأبو سهل بن مالك عند عمر بن عبد العزيز فقلت: لا يكون اعتكاف بغير صوم، فقال عمر: أمن النبي ﷺ ؟ قلت: لا. قال: أمن أبي بكر؟ قلت: لا. قال: أمن عمر؟ قلت: لا. قال: (أمن) (١) عثمان؟ قلت: لا. قال: فلا إذًا (٢). وقد صح أنه ﵇ اعتكف العشر الأول من شوال (٣)، ويوم العيد غير قابل للصوم، احتج من اشترطه بقول عائشة مرفوعًا: "لا اعتكاف إلا بصوم" رواه البيهقي، ووهم راويه (٤)، وهو عند أبي داود عنها: السنة على المعتكف

стр. 7883

أن لا يعود مريضًا. وفيه: ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع (١).

стр. 7884

قال الدارقطني: يقال: قوله: (السنة) إلى آخره، إنما هو من قول ابن شهاب ومن أدرجه في الحديث فقد وهم (١). وقال: الأشبه أن يكون من قول من دون عائشة (٢). وقال الحاكم: لفقهاء أهل الكوفة في ضد حديث ابن عباس يرفعه: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" وهو صحيح على شرط مسلم، حديثان: الأول: حديث عائشة هذا، والثاني: حديث عمر السالف: "اعتكف وصم" قال: ولم يحتج الشيخان بسفيان ولا بابن بديل (٣). وقال ابن عدي: لا أعلم أحدًا ذكر الصوم في الاعتكاف هنا إلا هو وله غير ما ذكرت مما ينكر عليه الزيادة في إسناده أو متنه ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره (٤)، قلت: قد قال يحيى: صالح (٥). وذكره ابن حبان وغيره في

стр. 7885

"ثقاته" (١)، وصحح حديثه هذا ابن العربي، ولا يوافقه عليه أحد وقد توبع ولم ينفرد به، أخرج الدارقطني من حديث سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل رسول الله ﷺ ، فقال: "أوف بنذرك" (٢). قال عبد الحق: تفرد به سعيد هذا (٣)، وقال الشافعي -فيما حكاه البيهقي عنه-: رأيت عامة من الفقهاء يقولون: لا اعتكاف إلا بصوم (٤).

стр. 7886

وقال القاضي عياض: لم يأت عن النبي ﷺ أنه اعتكف بغير صوم، ولو كان جائزًا لفعله تعليمًا للجواز، وهو عمل أهل المدينة (١). قالوا: ويجاب عن حديث ابن عباس بأمور: منها: أن السوسي تفرد به (٢)، ولم يحتج به أهل الصحيح، فلا يعارض حديث عبد الرحمن بن إسحاق (٣) المحتج به في الصحيح (٤). ثانيها: أسلفنا عن ابن عباس اشتراط الصوم (٥)، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى قدح ذَلِكَ في روايته عند الحنفية (٦). ثالثها: القول بموجب الحديث، وهو أن الهاء عائدة على الاعتكاف دون الصوم؛ لأنه أكثر فائدة: ولأن وجوب المنذور بالنذر معلوم والخفاء في وجوب غير المنذور بالنذر، فكان حمله على الأكثر فائدة أو يحتمل فيحمل عليه توفيقًا بين الحديثين. رابعها: نقول إنه محمول على الحض والندب، وحديث عمر محمول على أنه كان نذر يومًا وليلة، وهو في مسلم: أعني يومًا (٧).

стр. 7887

وادعى بعضهم أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل، فلعل ذَلِكَ قبل نسخه وليس بجيد؛ لأن حديث عمر كان في السنة الثانية. وادعى القرطبي أن الصحيح اشتراطه ومراده من مذهبه، قال: لاْن حديث عائشة إن صح فهو نص، وإن لم يصح فالأصل في العبادات والقرب أنها لا تفعل إلا على نحو ما قررها الشارع أو فعلها، وقد تقرر مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قلت: لا يلزم منه الصوم- قال وأنه ﵇ لم يعتكف إلا صائمًا، فمن ادعى جوازه بغيره فليأت بدليل (١). قلت: قد أسلفنا اعتكافه ﵇ العشر الأول من شوال، ويوم الفطر لا يصلح للصوم، ولهذا لما ذكره الإسماعيلي في "صحيحه" قال: فيه دلالة على جواز الاعتكاف بغير صوم، لكن في البخاري: اعتكف في آخر العشر من شوال (٢). وفي لفظ له: في العشر، وفي آخر: عشرًا من شوال (٣)، ولفظ مسلم: اعتكف العشر الأول من شوال (٤)، وفي الإسماعيلي: حَتَّى إذا أفطر اعتكف في شوال، ولأبي نعيم: فلم يعتكف في رمضان إلا في العشر. الأواخر من شوال، وللطحاوي: ترك الاعتكاف حَتَّى أفطر من رمضان، ثم اعتكف في عشر من شوال. وسيكون لنا عودة إلى تتمة المسألة قريبًا في بابه.

стр. 7888

٦ - باب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ ٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا، فَضَرَبَتْ خِبَاءً، فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأَى الأَخْبِيَةَ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". فَأُخْبِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "آلْبِرُّ تُرَوْنَ بِهِنَّ؟! ". فَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. [٢٠٣٤، ٢٠٤١، ٢٠٤٥ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٧٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ (عَائِشَةَ وحَفْصَةُ) (١) أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً الحديث. وفي آخره. فَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. وقد أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وسلف ألفاظه، وهو ظاهر في جواز اعتكافهن كما ترجم له، وقد أذن لهن فيه كما ستعلمه، وقد أسلفنا اختلاف العلماء (٣): هل يصح اعتكافها في مسجد بيتها؟ وإن مذهب الثلاثة المنع خلافًا لأبي حنيفة. قال مالك: تعتكف المرأة في مسجد الجماعة، ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد بيتها. وقال الشافعي: تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاءوا؛ لأنه لا جمعة عليهم.

стр. 7889

وقال الكوفيون: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في مسجد الجماعة وذلك مكروه. واحتجوا بأن الشارع نقض اعتكافه؛ إذ تبعه نساؤه، وهذا إنكار عليهن (١). قالوا: وقد قال ﵇: "صلاة المرأة في بينها أفضل" (٢)، فإذا مُنِعَتْ من المكتوبة في المسجد مع وجوبها فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى، ولما كان صلاة الرجل في المسجد أفضل، كان اعتكافه فيه أفضل. وحجة مالك: أنه ﵇ لما أراد الاعتكاف أذن لعائشة وحفصة في ذَلِكَ، وقد جاء هذا مبينًا في باب: من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج، كما ستعلمه، ولو كان المسجد غبر موضع اعتكافهن لما أباح ذَلِكَ لهن منه، ولا يجوز أن يظن أنه نقض اعتكافه ولكن أخره تطييبًا لقلوبهن؛ لئلا يجعل معتكفًا وهن غير معتكفات، وإنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه كره أن يكنَّ مع الرجال في مسجده؛ لأنه موضع الاجتماع والوفود ترد عليه فيه، وهذا كما يستحب لهن أن يتعمدن الطواف في الأوقات الخالية، وكما يكره للشابات منهن الخروج للجمع والأعياد، فإذا أردن أن يصلين الجمع لم يجز إلا في الجامع مع الرجال.

стр. 7890

وفيه كما قال ابن المنذر دلالة أيضًا أن المرأة إذا أرادت اعتكافًا لم تعتكف حَتَّى تستأذن زوجها، ويدل على أن الأفضل في حق النساء لزوم منازلهن وترك الاعتكاف مع إباحته لهن؛ لأن ردهن منه دال على ذَلِكَ، وقد ترجم عليه أيضًا:

стр. 7891

٧ - باب الأَخْبِيَةِ فِي المَسْجِدِ ٢٠٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا أَخْبِيَةٌ خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ: "آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟! ". ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ، حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٧٧] وفيه من الفقه: أن المعتكف يهيئ له مكانًا فيه بحيث لا يضيق على المسلمين كما فعل الشارع؛ إذ ضرب فيه خباء. وفيه: أن المعتكف إذا أراد أن ينام في المسجد أن يتنحى عن الناس خوف أن يكون ما يؤذيهم من آفات البشر. وفيه: إباحة ضرب الأخبية في المسجد للمعتكف. قال مالك: وليعتكف في عجز المسجد ورحابه، فذلك الشأن فيه (١). وقوله: ("آلبرَّ تردن؟ ") (٢): هو بهمزة الاستفهام ومده على وجه الإنكار، ونصبه "البر" على أنه مفعول "تردن" مقدمًا، وذكره في باب: الاعتكاف في شوال "آلبر؟ انزعوها فلا أراها" فنزعت (٣)، وضبط الدمياطي "آلبر" بالرفع أيضًا (٤).

стр. 7892

قال ابن التين: كذا وقع في أكثر النسخ "فلا أراها" بالألف، وصوابه بحذفها: لأنه مجذوم بالنهي، وهو مثل: (أريتك هذا)، ويجوز إثبات الألف مثل: ألم يأتيك والأنباء تنمى. وقال الخطابي: "آلبر تقولون بهن" معناه: البر تظنون بهن. قال الشاعر: متى تقول القلص الرواسما … يحملن أم قاسم وقاسما أي: متى تظن (١) القلص يلحقهما، ولذلك نصب القلص. قال الفراء: تجعل ما بعد القول مرفوعًا على الحكاية فتقول: عبد الله ذاهب. وقلت: إنك قائم. هذا في جميع القول إلا في (أتقول) وحدها في حروف الاستفهام، فإنهم ينزلونها منزلة الظن فيقولون: أتقول إنك خارج؟ ومتى تقول إن عبد الله منطلق؟ وأنشد: أما الرحيل فدون بعد غدٍ … فمتى تقول الدار تجمعنا

стр. 7893

بنصب (الدار) كأنه يقول: فمن يظن الدار تجمعنا، وأجاز سيبويه الرفع في قوله: الدار تجمعنا على الحكاية، وهو في معنى الإنكار عليهن، وقيل: إنما كرهه للتنافس فيضيق المسجد وقيل: خشية الافتراض فيعجزن، وأبعد من قال: لأنهن لم يعتكفن عن إذنه. فقد استأذنته عائشة وحفصة كما سلف (١)، وقيل: إنما أردن الحفوف به والمؤانسة لا البر. وقولها: (فيصلي الصبح ثم يدخله)، احتج به من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار. وبه قال الأوزاعي، والليث في أحد قوليه (٢)، واختاره ابن المنذر، وذهبت الأربعة والنخعي إلى جواز دخوله قبل الغروب إذا أراد اعتكاف عشرٍ (٣) أو شهرٍ، وتأولوا أنه في دخل المعتكف، وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح؛ لأن ذَلِكَ وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. وقال الداودي: يحتمل أن يكون ذَلِكَ اليوم أو يكون دخل الاعتكاف أول الليل، ولم يدخل الخباء إلا بعد ذَلِكَ. وقال أبو ثور: إن أراد اعتكاف عشرة أيام دخل قبل الفجر، وإن أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل الغروب. وهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد فيصلي، وحينئذٍ يخرج إلى منزله، أو يجوز له أن يخرج عند الغروب من آخر يوم من شهر رمضان: قولان للعلماء:

стр. 7894

الأول: قول مالك، وأحمد وغيرهما، وسبقهم أبو قلابة وأبو مجلز، وحكاه مالك عن أهل الفضل، واختلف أصحاب مالك إذا لم يفعل هل يبطل اعتكافه أم لا؟ قولان. قال عبد الملك وابن سحنون: من دخل بعد الغروب أسقط ذَلِكَ اليوم، وقال القاضي أبو محمد: هذا على الاستحباب، وأما الواجب فهو أن يدخل في وقت يمكنه أن ينوي الصوم فيه، وهو قبل طلوع الفجر: لأن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، وذهب الشافعي (١) والليث والأوزاعي في آخرين إلى أنه يجوز خروجه ليلة القطر ولا يلزمه شيء. وفيه: أن عائشة كانت تلزم أموره ولا تضيعها في حال القسم حيث ضربت له الخباء. وفيه: معرفة حفصة بحق عائشة، ومنافسة زينب في الخير، وهي التي كانت تسامي عائشة. خاتمة: حديثا الباب من رواية عمرة عن عائشة، وذكره (٢) ابن التين من رواية عمرة: أن رسول الله ﷺ ، ثم قال: هو مرسل، وإنما أدخله لاختلاف الرواية فيه: لأنها أسندته قبل هذا (٣)، وفي بعض روايات أبي ذر: عن عمرة، عن عائشة. قلت: ولم نقف على غيره (٤).

стр. 7895

٨ - باب هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ ؟ ٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ﵄ أَنَّ صَفِيَّةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ". فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا". [٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٤/ ٢٧٨] ذكر فيه حديث صَفِيَّةَ -أم المؤمنين- أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةَ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِي ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا .. الحديث. وترجم له:

стр. 7896

٩ - باب زِيَارَةِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكَافِهِ ٢٠٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵄، أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ، فَرُحْنَ، فَقَالَ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ: "لَا تَعْجَلِى حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ". وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَجَازَا، وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : "تَعَالَيَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ". قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَي الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا". [انظر: ٢٠٣٥ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٤/ ٢٨١] وذكر أن بيت صفية كان في دار أسامة خارج المسجد، خرج معها، ولا خلاف في جواز خروج المعتكف فيما لا غناء به، وإنما اختلفوا في المعتكف يدخل لحاجته تحت سقف، فأجازه الزهري ومالك وأبو حنيفة، والشافعي (١)، وفيه قول ثانٍ بالمنع روي عن ابن عمر والنخعي وعطاء (٢) وإسحاق. وثالث: إن دخل بيتًا غير مسجد بطل اعتكافه إلا أن يكون ممره فيه، وهو قول الثوري والحسن بن حي، وكذلك اختلفوا في استقلاله بالأمور المباحة؛ فقال مالك في "الموطأ":

стр. 7897

لا يأتي المعتكف حاجته، ولا يخرج لها ولا يعين أحدًا عليها ولا يشتغل بتجارة ولا بأس أن يأمر أهله ببيع ماله، وصلاح صنعته (١)، وقال أبو حنيفة، والشافعي: له أن يتحدث ويبيع ويشتري في المسجد، ويتشاغل بما لا يأثم فيه، وليس عليه صمت (٢). وقال مالك: لا يشتري إلا ما لا غناء له عنه من طعامه إذا لم يكن من يكفيه (٣). وكره مالك والليث الصعود على المنارة قالا: ولا يصعد على ظهر المسجد، وأجاز ذَلِكَ أبو حنيفة والشافعي قالا: ولو كانت المنارة خارج المسجد (٤). وكذلك اختلفوا في حضور مجالس العلم، فرخص في ذلك كثير من العلماء، روي ذلك عن عطاء والأوازعي والليث والشافعي، وقال مالك: لا يشتغل بمجالس العلم. وكره أن يكتب العلم (٥). قال ابن المنذر: وطلب العلم أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض؛ لانتشار الجهل ونقصان العلم، وذلك إذا أراد الله به طالبه. عمل البر لا ينافي الاعتكاف، لا يقال: مجالس العلم شاغلة له عن اعتكافه فأي شغل أهم منه، ولا يعترض بعود المريض وتباع الجنازة وهما من أعمال البر؛ لأنهما يحوجان إلى الخروج، وهذا الحديث حجة على الاشتغال بالمباح؛ فإن الشارع حادث صفية ومشى معها، وفيه

стр. 7898

ما ترجم له. -ثانيًا - وهو زيارة أهل المعتكف له في اعتكافه ومحادثته والسلام عليه، وأنه لا بأس أن يعمل في اعتكافه بعض العمل الذي ليس من الاعتكاف من تشييع قاصد، وبر زائر، وإكرام (معتقد) (١)، وما كان في معناه مما لا ينقطع به عن اعتكافه. وقوله: (قامت تنقلب) أي: تنصرف إلى منزلها، يقال: قلبه يقلبه، وانقلب هو: إذا انصرف. وقوله: (مر رجلان من الأنصار) كذا في البابين، وفي رواية سفيان بعد هذا في باب: هل يدرأ المعتكف عن نفسه. أنه كان رجلًا واحدًا (٢). قال ابن التين: ولعله وهم؛ لأن أكثر الروايات أنهما اثنان، ويحتمل أن هذا كان مرتين، أو أنه ﵇ أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر، فيصح على هذا نسبة القصة إليهما جميعًا وأفرادًا، نبه عليه القرطبي (٣). وقولها: (فسلما) فيه جواز التسليم على رجل معه امرأة بخلاف ما يقوله بعض الأغبياء. وقوله: ("على رسلكما") أي: على هينتكما. قال ابن فارس: الرسل: السير السهل (٤)، وضبطه بالفتح وهذِه اللفظة بكسر الراء وبالفتح، قيل: بمعنى التؤدة وترك العجلة. وقيل: بالكسر التؤدة، وبالفتح: اللين والرفق. والمعنى متقارب، وفي رواية "تعاليا" (٥)، أي: قفا ولم يرد المجيء إليه. قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وقال ابن التين: كذا قال الداودي أن معناه قفا هنا،

стр. 7899

وأخرجه عن معناه وهو تكلما بغير دليل واضح، وقد قال ابن قتيبة: تعال تفاعل من علوت (١). قال الفراء: أصلها عال إلينا وهو من العلو، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها صارت عندهم بمنزلة هلم، حَتَّى استجازوا أن يقولوا لرجلٍ وهو فوق (شرف) (٢): تعالى -أي: اهبط- وإنما أصله الصعود. وقوله: "إنما هي صفية بنت حيي" فيه: النسبة إلى الأب الكافر. وقوله: "إني خشيت أن يقذف في قلؤبكما شيئًا" وفي رواية: "شرًّا" (٣)، يريد بذلك شفقته على أمته وصيانة قلوبهم، فإن ظن السوء بالأنبياء ﵈ كفر بالإجماع. قال الخطابي: وبلغني عن الشافعي أنه قال في معنى هذا الحديث: خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما في حق الدين (٤). وقيل: فعله تعليمًا لنا لرفع الظنون، وقد يكون الأنصاريان في أول الإسلام، ولم يكن عندهما من اليقين ما يدفع به كيد الشيطان، لكن رأيت من قال: قيل: إنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر (٥) صاحبا

стр. 7900

المصباحين (١). ولما ذكر البزار حديث صفية هذا قال: هذِه أحاديث مناكير: لأنه ﵇ كان أطهر وأجل من أن يرى أن أحدًا يظن به ذَلِكَ، ولا يظن به ظن السوء إلا كافر أو منافق فقيل له: لو كان حقًّا كما قلت لما احتاج إلى الاعتذار؛ لأن الكفر بالله أعظم من ذَلِكَ، وإن كان منافقًا فحاله حال الكافر، وإن كان مسلمًا قيل: هذا الظن به يخرجه من الإسلام. فهذِه الأخبار عندنا ليست ثابتة، فإن قيل: قد رواها قوم ثقات، ونقلها أهل العلم بالأخبار. قيل له: العلة التي بيناها لا خفاء بها، ويجب على كل مسلم القول بها والذب عن رسول الله ﷺ ، وإن كان الراوي لها ثقات فلا يعرون من الخطأ والنسيان والغلط. وقال أبو الشيخ عند ذكره هذا الحديث وبوب له قال: إنه غير محفوظ. وفيه: استحباب التحرز من التعرض لسوء الظن وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة تعليمًا للأمة.

стр. 7901

وقوله: ("يبلغ وفي الرواية الأخرى: يجري (١) - من ابن آدم مجرى الدم") قيل: هو على ظاهره، وأن الله تعالى جعل له قوة على ذَلِكَ، وقيل: مجاز لكثرة أعوانه ووسوسته، فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه، وقيل: إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن، فتصل الوسوسة إلى القلب. وزعم ابن خالويه في كتاب "ليس" أن الشيطان ليس له تسلط على الناصية وعلى أن يأتي العبد من فوقه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧] ولم يقل: من فوقهم؛ لأن رحمة الله تنزل من فوق. وقو": ("وكبر عليهما") أي: عظم، قاله الداودي. وور ٤: بيان ما يخشى أن يظن به. وفيه: دلالة على أن للمعتكف الاشتغال بالمباح كما وقع له مع صفية، وقد سلف. فرع: إذا خرج المعتكف لحاجته قنع رأسه حَتَّى يرجع، أخرجه ابن أبي عاصم من حديث أنس مرفوعًا كذلك (٢). فرع: لا يتعدى في خروجه أقرب المواضع إليه، فإن خالف ابتدأ اعتكافه، قاله مالك فيما نقله ابن العربي قال: ولا يقف لأداء شهادة إلا ماشيًا، فإن وقف ابتدأ، ولا يعزِّي أحدًا، ولا يصلي على جنازة إلا في المسجد، ولا يخيط ثوبه، إلا الشيء المفتق.

стр. 7902

قال: وأجمع العلماء على أن من وطئ زوجته في اعتكافه عامدًا ليلًا كان أو نهارًا فسد اعتكافه (١). وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: كانوا يجامعون وهم معتكفون حَتَّى نزلت ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وعن ابن عباس: كانوا إذا اعتكفوا فخرج أحدهم إلى الغائط جامع امرأته ثم اغتسل ورجع إلى اعتكافه، فنزلت الاية. واختلفوا فيما دونه من القبلة واللمس والمباشرة، فقال مالك: من فعل شيئًا من ذَلِكَ ليلًا أو نهارًا فسد اعتكافه أنزل أو لم ينزل. وأظهر أقوال الشافعي أنه إن أنزل بطل، وإلا فلا. فرع: خروجه مع صفية للتشييع؛ فإن خرج بغير علة بطل اعتكافه، وقال النعمان: إن خرج ساعة بغير عذر استأنف. وقال صاحباه: يومًا أو أكثر من نصفه. وأجاز مالك إذا اشتد مرض أحد أبويه، ويبتدئ، ويخرج للاغتسال من الحلم وللجمعة وللحر، كما سلف، وفي الخروج لشراء الطعام خلاف، واختلف هل يدخل تحت سقف؟ فرع: لو شرط في اعتكافه الخروج لعارض، صح الشرط عندنا على الأظهر خلافًا لمالك.

стр. 7903

تنبيه: قوله: (وعنده أزواجه، فرحن، فقال لصفية: "لا تعجلي حَتَّى انصرف معك"). فيه: الأمر بما لابد للمعتكف منه. قال ابن التين: والرواح من الزوال إلى الليل. وسيأتي عن سفيان أنه كان ليلًا (١)، فيحمل كما قال الداودي: أن تقيم صفية بعدهن من الليل؛ لأن الرواح إنما يكون نهارًا، ويرده قوله بعد: (فتحدثت عنده ساعة) والجمع بينهما أن أزواجه رحن عقب الغروب، وأقامت هي ساعة فقامت وقد دخل الليل، إلا أن في قول سفيان: أتته ليلًا (٢). يمنع من هذا كله، والأحاديث أولى من قول سفيان: لأنه مرسل. نعم البخاري روى في موضع آخر عن صفية: كان النبي ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا (٣). وقوله: (فنظرا إلى النبي ﷺ ثم أجازا) أي: مضيا عنه وخلفاه. قال ابن فارس: جزت الموضع: سرت فيه، وأجزته: خلفته وقطعته (٤).

стр. 7904

١٠ - باب الاِعْتِكَافِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ٢٠٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ -قَالَ:- فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، -قَالَ:- فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَن أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ". فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً -قَالَ:- فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الطِّينِ وَالمَاءِ، حَتَّى رَأَيْتُ الطِّينَ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤/ ٢٨٠] ذكر فيه حديث أَبي سَعِيدٍ السالف وفيه: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ .. الحديث. والأرنبة هي المارن وهي طرف الأنف وحدُّه، وهو ما لان منه، وسلف شرحه (١)، وأولنا رواية خطبته صبيحة عشرين، وسلف خروج المعتكف، ويأتي أيضًا (٢)، وذكر في باب: من خرج من اعتكافه بعد الصبح على أنفه وأرنبته (٣). وكرره لاختلاف اللفظ مثل: غرابيب سود.

стр. 7905

وفيه: السجود على الأنف، وهو عندنا مستحب وفاقًا لابن القاسم وخلافًا لابن حبيب ويعيد عند ابن القاسم من يسجد على الجبهة في الوقت (١).

стр. 7906

١١ - باب اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَةِ ٢٠٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهْىَ تُصَلِّي. [انظر: ٣٠٩ - فتح: ٤/ ٢٨١] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهْىَ تُصَلِّي. هو ظاهر فيما ترجم له، وهو اعتكاف المستحاضة، وهو إجماع، وظاهره أنها دخلت بعد استحاضتها، واستنبط بعضهم كون النجاسة في المسجد للضرورة وهو ماشٍ إن كانت الاستحاضة حدثت بعد. قال الداودي: وضع الطست تحتها لا يمكن (إلا) (١) في حال القيام وذكرت ذَلِكَ ليؤخذ به، والطست: مؤنثة، وسينه مهملة وتعجم أيضًا. وفيه: اعتكاف المرأة مع زوجها إذا كان لها موضع تستتر فيه. واختلف العلماء في المعتكفة تحيض، فقال الزهري وربيعة ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة، والشافعي: تخرج إلى دارها، فإذا رجعت بنت (٢). وقال أبو قلابة: تضرب خباءها على باب المسجد إذا حاضت (٣).

стр. 7907

فائدة: هذِه المعتكفة سَوْدة، وفي "الموطأ": أن زينب بنت جحش استحيضت وكانت تحت ابن عوف (١)، وهو وهم، إنما كانت تحت زيد بن حارثة (٢)، والمستحاضة أختها حمنة، وأم حبيبة لا هي، نبه على ذَلِكَ المنذري، وذكر بعضهم أن بنات جحش الثلاث اسمهن زينب وأنهن استحضن كلهن، واستبعد. وقال ابن الجوزي: ما يعلم في زوجاته مستحاضة، وكأن عائشة أرادت بقولها: (من نسائه) أي: من النساء المتعلقات به بسبب صهارة وشبهها. قلت: هذا مردود، فقد سلف في الطهارة أنها امرأة من أزواجه (٣)،

стр. 7908

وفي رواية أخرى أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة (١). فرع: يكره في المسجد الفصد والحجامة في إناء، والأصح: أنه يحرم بول فيه في إناء لقبحه؛ ولهذا يجوز الفصد مستقبل القبلة بخلاف البول. قال ابن قدامة: الكل حرام. وعن ابن عقيل: يجوز الفصد في طست كالمستحاضة، وفرق بأن المستحاضة لا يمكنها التحرز إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد (٢).

стр. 7909

١٢ - باب هَلْ يَدْرَأُ المُعْتَكِفُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ ٢٠٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵄ أَنَّ صَفِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ، فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ: "تَعَالَ، هِيَ صَفِيَّةُ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: هَذِهِ صَفِيَّةُ- فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ". قُلْتُ لِسُفْيَانَ أَتَتْهُ لَيْلًا؟ قَالَ: وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلٌ؟! [انظر: ٢٠٣٥ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٤/ ٢٨٢] ذكر فيه حديث صَفِيَّةَ السالف بشرحه واضحًا (١). وفيه أيضًا: تجنب مواضع التهم وأن الإنسان إذا خشي أن يسبق إليه بظن سوء أن يكشف معنى ذَلِكَ الظن، ويبرئ نفسه من نزغات الشيطان الذي يوسوس بالشر في القلوب. وفيه: تعليم أمته مثل ما فعل، وكما جاز أن يدرأ المعتكف عن نفسه بالقول يدرأ بالفعل من يريد أذاه، وليس المعتكف أكثر من المصلي، وقد أبيح له أن يدرأ عن نفسه في صلاته من يمر بين يديه (٢)، فكذلك المعتكف.

стр. 7910

١٣ - باب مَنْ خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْحِ ٢٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ -خَالِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَبِيدٍ حَدَّثَنَا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁. قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ". فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، وَهَاجَتِ السَّمَاءُ، فَمُطِرْنَا فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَقَدْ هَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَرِيشًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ السالف، وفيه: فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَه .. إلى آخره (١). وترجم عليه بما سبق من ظاهره في خروج المعتكف صبيحة عشرين، وبين لك أن المراد إنما هو بالمتاع لا بالبدن، فإذا غربت فهو وقت الخروج، فأخبر الله تعالى نبيه أن الذي تطلبه أمامك، فقال: "من اعتكف معي" إلى آخره (٢). ومعنى (هاجت) أي: بالسحاب، قاله الداودي. وقوله: (من آخر ذَلِكَ اليوم) يعني: يوم عشرين وقد تهيج نهارًا ثم لا تمطر إلى الليل.

стр. 7911

١٤ - باب الاِعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ ٢٠٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ. قَالَ: فَأسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا، فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الغَدِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا آلْبِرُّ؟! انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا". فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النبي ﷺ يعْتَكِفُ فِي كُل رَمَضَان، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ .. الحديث. وفي آخره: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. وقد سلف ذَلِكَ (١)، والاعتكاف في شوال وسائر السنة مباح لمن أراده، وهو يوهم أنه كان يدخل بعد صلاة الغداة وليس كذلك، بل كان يدخل الخباء فإذا صلى المغرب دخل معتكفه، واتفق الأربعة أن المعتكف إذا نذر اعتكاف شهر أنه لا يدخل إلا عند الغروب، وهو قول النخعي. وقال الأوزاعي بظاهر الحديث: يصلي الصبح، ثم يقوم إلى معتكفه، وما أسلفناه يرده، واختلفوا إذا نذر يومًا أو أيامًا، فقال مالك: يدخل قبل غروب ليلة ذَلِكَ اليوم. وقال الشافعي: إذا أراد

стр. 7912

اعتكاف يوم دخل قبل طلوع فجره وخرج بعد غروب شمسه. خلاف قوله في الشهر. وقال أبو ثور: إذا أراد أن يعتكف عشرة أيام دخل في اعتكافه قبل طلوع الفجر، وإذا أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل الغروب. وقال الليث وزفر وأبو يوسف: يدخل قبل طلوع الفجر. واليوم والشهر عندهم سواء. ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا يدخل في الاعتكاف إلا أن يتقدمه اعتكاف النهار، وليس الليل بموضع للاعتكاف، فلا يصح الابتداء به. وذهب الأولون إلى أن النهار تبع لليل على كل حال: فلذلك بدءوا بالليل، وهذا هو الصحيح في هذِه المسألة: لأن المعروف عند جميع الأمة تقديم الأول للنهار، بكون الأهلة مواقيت للناس في الشهور، والعدد وغير ذَلِكَ، وأول الشهر ليله، فكذلك كل عدد من الأيام وإن قل فإن أوله ليله، ولا حجة لمن خالف هذا.

стр. 7913

١٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَكَفَ صَوْمًا ٢٠٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْفِ نَذْرَكَ". فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً. [انظر: ٣٠٣٣ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٨٤] سلف (١)، وكذا الباب بعده (٢)، واحتج به من أجاز الاعتكاف بغير صوم كما سلف، وقد سلف الخلف فيه واضحًا، واحتج مالك في "الموطأ" بقول القاسم ونافع قالا: لا اعتكاف إلا بصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، إلى قوله: ﴿فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام (٣). قال مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا احتج من لم يوجبه بأنه لو كان كذلك لم يكن لنهيه تعالى عن المباشرة من أجل الاعتكاف معنى، وأجيب بأن الله تعالى لما ذكر الوطء في أول الآية وعلق حظره بالصوم في النهار عطف عليه حكم الاعتكاف، وذكر حظر الوطء معه: لأنه قد يصح في وقت لا يصح فيه الصوم وهو زمن الليل، ولو وطئ ليلًا فسد اعتكافه. هذا فائدة ذكره للوطء بعد تقدم ذكره، وأما احتجاجهم بحديث عمر فيجوز أن يراد بالليلة مع يومها كما سلف هناك.

стр. 7914

١٦ - [باب إِذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ أَسْلَمَ ٢٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ- قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: لَيْلَةً. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ"] (١). [انظر: ٢٠٣٢ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٨٤]

стр. 7915

١٧ - باب الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ ٢٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. [٤٩٩٨ - فتح: ٤/ ٢٨٤] ذكر فيه حديث أَبِي حَصِينٍ عثمان بن عاصم بن حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ. وهو من أفراده، يحتمل أن يكون ﵇ إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير، ليسن لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر: ليلقوا الله على خير أحوالهم، وقد روى ابن المنذر حديثًا دل على غير هذا المعنى ساقه من حديث ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة (١). وقوله: (كان يعتكف في كل رمضان) فيه: دلالة على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة مما واظب عليه الشارع، فينبغي للمؤمن الاقتداء في
следующие страницы →