стр. 7981
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 13252
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ابن الملقن
Полный текст (20 415 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.
стр. 7982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7983
حديث ابن عباس في "ترغيبه وترهيبه" (١).
وهو مثل مقارعة الأبطال في سبيل الله (٢)، فأخبر بما ذكره تحذيرًا؛ لأن فتنة المال شديدة.
قَالَ ابن سيرين: لو علمت مائدة يؤكل عليها رغيف حلال لانتحلت به. وكان هذا عَلَى وجه التوقي، وقد دُعي أبو هريرة إلى طعام، فلما أكل لم ير نكاحًا ولا ختانًا ولا مولودًا، قَالَ: ما هذا؟ قيل: خفضوا جارية، قَالَ: هذا طعام ما كنا نعرفه، ثم قاءه. وقال: يقال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه (٣). ذكره ابن التين.
وقال أبو خالد الأحمر: سمعت الثوري يقول: كان أقوام يدعون إلى الحلال فلا يقبلونه، وإنهم لفي جهد، يقولون: نخاف منه عَلَى أنفسنا (٤).
стр. 7984
وروى إسماعيل بن عياش، ثَنَا حميد الطويل، عن أنس يرفعه: "إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة: الإيمان أصلها، والزكاة فرعها، والصيام عروقها، والتآخي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم الله ثمرتها فكما لا تكمل هده الشجرة إلا بثمرة طيبة لا يكمل الايمان إلا بالكف عن محارم الله" (١).
وعن عتبة بن يزيد قَالَ: قَالَ عيسى صلوات الله وسلامه عليه: ابن آدم الضعيف اتق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال.
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: "من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به" (٢).
стр. 7985
стр. 7986
٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿(أَنْفِقُوا) (١) مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٤/ ٣٠٠]
٢٠٦٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ". [٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠ - مسلم: ١٠٢٦ - فتح: ٤/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث عائشة رفعته: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا".
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ".
هذا باب في أصل الدمياطي هنا، وهو مؤخر بعده في الشروح كلها وفي غيره (٢).
стр. 7987
وقوله: في التبويب (﴿أَنفِقُواْ﴾) كذا هو في بعض الروايات، وفي بعض رواة أبي الحسن: (كلوا)، والأول: التلاوة، ولعل الثاني سبق قلم، فالآية الأخرى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١) [البقرة: ٥٧] والطيب: الحلال وكذا كل ما في القران من ذكر الطيبات.
وحديث عائشة سلف في باب: من أمر خادمه بالصدقة (٢) سواء متنًا
стр. 7988
وإسنادًا (١)، ولا تنافي بينه وبين حديث أبي هريرة: لأن قوله: ("لها نِصْفُ أَجْرِهِ") (٢) يريد أن أجر الزوج وأجر مناولة الزوجة يجتمعان فيكون لكل النصف، فذلك النصف هو أجرها كله، والنصف الذي للزوج هو أجره كله. وعلى هذا تتخرج رواية أبي الحسن: "فله نصف أجره" (٣) أي: نصف أجرها.
قلت: والأول: لم يعين أجرها ولا مقداره، وفي الثاني: للزوج نصف أجره لكونه لم يأذن، فلو أذن استوفى الأجر كله.
وقال المنذري: هو عَلَى المجاز أي: أنهما سواء في المثوبة كل واحد منهما له أجر كامل، وهما اثنان فكأنهما نصفان. وقيل: يحتمل أن أجرهما مثلان، فأشبه الشيء المنقسم بنصفين، وأن نية هؤلاء وإخراجهم الصدقة ماثلت قدر ما خرج من مال الآخر بغير يده أو يكون ذَلِكَ فضلًا من الله، إذ الأجور ليست بقياس، ولا بحسب الأعمال، وذلك من فضل الله العميم.
وفي الآية: الأمر بالإنفاق والصدقة من حلال الكسب والتجارة.
وفي الحديث: صدقة المرأة من غير إذن زوجها، وإنما يباح ما يعلم أن نفسه تطيب به ولا يشح بمثله فيؤجر كل منهما؛ لتعاونه عَلَى الطاعة، وقد سلف بسطه في الزكاة. وفي "مسند أبي داود الطيالسي" و"سنن البيهقي" من حديث ابن عمر رفعه، أن رسول الله ﷺ "إن عليها
стр. 7989
стр. 7990
٩ - باب التِّجَارَةِ فِي البَرِّ، وغيره
وَقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ.
٢٠٦٠، ٢٠٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ قَالَ: كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .
وَحَدَّثَنِي الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا المِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ". الحديث ٢٠٦٠ [٢١٨٠، ٢٤٩٧، ٣٩٣٩ - فتح: ٤/ ٢٩٤] الحديث ٢٠٦١ [٢١٨١، ٢٤٩٨، ٣٩٤٠ - مسلم: ١٥٨٩ - فتح: ٤/ ٢١٧]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْن دِينَارٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ قَالَ: كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .
وعن ابن جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا المِنْهَالٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
стр. 7991
وشيخ البخاري: أبو عاصم اسمه الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أحد الأعلام، أخو محمد قَالَ: ما دون العلم بتدوين أحد، مات سنة خمسين ومائة، وأبو المنهال اسمه عبد الرحمن بن مطعم البصري الراوي عن ابن عباس والبراء، وعنه عمرو بن دينار، مات سنة ست ومائة (١)، وليس بأبي المنهال ذاك سيار بن سلامة الراوي عن أبي برزة فاعلمه (٢)، والبر في الترجمة -بفتح الباء والراء المشددة، وكذا هو مضبوط في أصل الدمياطي، وسيترجم بعده: التجارة في البحر، وقال بعض شيوخنا: اختلف في هذا التبويب هل هو البر بفتح الباء أو ضمها أو بالزاي.
قَالَ: وبكلها جاءت النسخ ولم أر متقنًا ضبطها (٣).
стр. 7992
وقال ابن بطال: إن التجارة في البز ليس في الباب ما يقتضي تعيينها من بين سائر التجارات غير أن قوله: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ [النور: ٣٧] يدخل في عمومه جميع أنواع التجارات من البز وغيره (١). وتفسير قتادة المذكور (٢) روي عن عطاء وابن عُمر. وبنحوه قال عطاء: لا يلهيهم ذَلِكَ عن حضور الصلاة أي: في جماعة، وجاز بهم ابن عمر السوق، وقد غلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة فقال: فيهم نزلت، وذكر الآية (٣).
قَالَ ابن بطال: ورأيت في تفسير الآية قَالَ: كانوا حدادين وخرازين، وكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفي فسمع الأذان، لم يخرج الإشفي من الغرزة، ولم يرفع المطرقة، ورمى بها وقام إلى الصلاة (٤).
стр. 7993
وفي الآية نعت تجار سلف الأمة وما كانوا عليه من مراعاة حقوق الله تعالى والمحافظة عليها والتزام ذكر الله في حال تجارتهم وصبرهم عَلَى أداء الفرائض، وإقامتها وخوفهم سوء الحساب والسؤال يوم
القيامة، والنَّساء -بالمد- التأجيل.
ثم الحديث دال عَلَى أن اسم الصرف إنما يقع عَلَى بيع الذهب بالورِق، وأما الذهب بمثله والورِق بمثله، فيسمى مراطلة ومبادلة.
وفيه: أن الصرف لا يكون إلا يدًا بيد.
وقوله: (وسَأَلْنَاه عَنِ الصَّرْفِ)، قَالَ الداودي: يعني الذهب والفضة.
وقول أبي المنهال: (كنت أَتَّجِر في الصرف)، كان في ذَلِكَ الزمان؛ لاهتمامهم بالأحكام. وأما اليوم فقل من يعمل بها.
قَالَ الحسن البصري -في زمانه-: لو استقيت ماء فسقيت من بيت صراف، فلا تشرب. قَالَ بُكَير بن عبد الله بن الأشج: بئس ما قَالَ الحسن، رُب صراف خير من الحسن. قَالَ مالك: ليس كما قَالَ بُكَير، إنما ينظر إلى الأمر الذي يشمل الناسَ كثرته فيجتنب لذلك.
وقال الخليل: الصرف: فضل الدرهم عَلَى الدرهم، ومنه اشتق اسم الصيرفي؛ لتصريفه بعض ذَلِكَ في بعض (١). وقول ابن التين: قول الداودي أولى للحديث الآخر: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل" (٢) وهو مذهب سائر الفقهاء.
стр. 7994
١٠ - باب الخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ -وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا- فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ. فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ. فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. يَعْنِي: الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. [٦٢٤٥، ٧٣٥٣ - مسلم: ٢١٥٣ - فتح: ٤/ ٢١٨]
ثم ذكر حديث عبيد بن عمير: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ -وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا- فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: (لتَأْتِينِّي) (١) عَلَى ذَلِكَ بِالبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ. فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ (هذا) (٢) مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. يَعْنِي: الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. وفيه: أن الشاهد أُبي بن كعب وقال له: يا ابن الخطاب: لا تكن عذابًا عَلَى أصحاب محمد ﷺ
стр. 7995
قَالَ: سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت (١)، وفي أبي داود: فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد (٢). وفي "الموطأ": أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس عَلَى رسول الله ﷺ (٣).
وقال ابن عبد البر: عن بعضهم في هذا الحديث: كلنا سمعه، وقد رواه قوم عن أبي سعيد عن أبي موسى: وإنما هو من النقلة لاختلاط الحديث عليهم ودخول قصة أبي سعيد مع أبي موسى في ذَلِكَ، كلهم يقولون: عن أبي سعيد في قصة أبي موسى (٤).
ولم يخف عَلَى عمر أصل الاستئذان فإنه ثابت بنص القرآن، وإنما خفي عليه تثليث الاستئذان فطلب تأكيده.
وفيه: إيجاب الاستئذان، والاستئناس وهو الاستئذان أيضًا في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الآية. وقال بعضهم: تثليث الاستئذان مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] أي: ثلاث دفعات، فورد القرآن في المماليك والصبيان، والسنة في الجميع.
قَالَ أبو عمر: وهذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية الكريمة، والذي عليه جمهورهم في قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] أي: ثلاثة أوقات، ويدل عَلَى صحة هذا القول ذكره فيها ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨] الآية (٥).
وفيه: أن الرجل العالم قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده، إذا كان طريق ذَلِكَ العلم السمع، وإذا جاز هذا عَلَى عمر فما
стр. 7996
ظنك بغيره بعده، وقد قَالَ ابن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كِفَّة ووضع علم أحياء أهل الأرض في كِفَّة لرجح علم عمر عليهم (١).
وزعم قوم أن عمر لا يقبل خبر الواحد، وليس كما زعموا، كما قَالَ ابن عبد البر؛ لأنه قد ثبت عنه خبر الواحد وقبوله وإيجاب الحكم به، أليس هو الذي نشد الناس بمنًى: من كان عنده علم من رسول الله ﷺ في الدية فليخبرنا، وكان رأيه: أن المرأة لا ترث من دية زوجها؛ لأنها
ليست من عصبته الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إليَّ رسول الله ﷺ أن "ورث امرأة أشيم من دية زوجها" (٢)،
стр. 7997
وكذلك نشد الناس في دية الجنين، فقال حمل بن النابغة: إن رسول الله ﷺ قضى فيه بغرة عبدٍ أو وليدةٍ، فقضى به عمر (١)، ولا يشك ذو لبٍّ
стр. 7998
ومن له أقل منزلة من العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام ومكانه من الفقه والدين أجل من أن يرد خبره ويقبل خبر الضحاك وحمل، وكلاهما لا يقاس به في حال، وقد قَالَ له عمر في "الموطأ": إني لم أتهمك، كما سلف. فدل ذَلِكَ عَلَى اعتمادٍ كان من عمر في ذَلِكَ الوقت، الله أعلم به.
وقد يحتمل أن عمر عنده في ذَلِكَ الحين من ليست له صحبة من أهل العراق أو الشام، ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم؛ لقرب عهدهم به، فخشي عليهم أن يختلقوا الكذب عَلَى رسول الله ﷺ عند الرغبة أو الرهبة أو طلبًا للحجة، لقلة علمهم، فأراد عمر أن يريهم أن من فعل شيئًا ينكر عليه ففزع إلى الخبر عن رسول الله ﷺ ، ليثبت له بذلك فعله وجب التثبت فيما جاء به إذا لم يعرف حاله حَتَّى يصح قوله، فأراهم عمر ذَلِكَ ووافق أبو موسى، وإن كان عنده معروفًا بالعدالة غير متهم؛ ليكون ذَلِكَ أصلًا عنه لهم، وللحاكم أن يجتهد ما أمكنه.
стр. 7999
وكان عمر قد استعمل أبا موسى، وبعثه رسول الله ﷺ أيضًا ساعيًا وعاملًا عَلَى بعض الصدقات، وهذِه منزلة رفيعة في الثقة والأمانة (١).
وزعم الترمذي أن عمر إنما أنكر عَلَى أبي موسى قول: "الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لك، وإلا فارجع" (٢)، وذلك أن أبا زميل روى عن ابن عباس قَالَ: حَدَّثَني عمر بن الخطاب قَالَ: استأذنت عَلَى رسول الله ﷺ ثلاثًا فأذن لي. ثم قَالَ: حسن غريب (٣).
وفيه دلالة على أن طلب الدنيا تمنع من استفادة العلم، وأن كلما ازداد المرء طلبًا لها ازداد جهلًا، وقلَّ علمه، ومن هذا قول أبي هريرة السالف: وإن إخواني من المهاجريق كان يشغلهم السفق بالأسواق (٤)، وروى عقيل عن ابن شهاب أنه قَالَ: إنما سن التسليمات الثلاثة؛ لأنه ﷺ أتى سعد بن عبادة، فقال: "السلام عليكم"، فلم يردوا، ثم قَالَ: "السلام عليكم"، فلم يردوا، فرجع ﷺ ، فلما فقد سعد صوت رسول ﷺ ، عرف أنه قد انصرف، فخرج سعد في إثره حَتَى أدركه، فقال: وعليك السلام يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك. الحديث (٥). وروى حماد بن سلمة، عن أيوب وحبيب، عن محمد، عن أبي هريرة قَالَ:
стр. 8000
стр. 8001
وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن عَمرو مولى آل عمر أنه دخل عَلَى عبد الله بن عمر بمكة، قَالَ: فوقفت عَلَى الباب، فقلت: السلام عليكم، ثم دخلت، فنظر في وجهي، ثم قَالَ: أخرج، قَالَ: فخرجت، ثم قلت: السلام عليكم، أأدخل؟ قَالَ: ادخل الآن (١).
وقال عطاء: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قَالَ الرجل: أأدخل؟، ولم يسلم، فلا تأذن له حَتَّى يأتي بمفتاح، قلت: السلام؟ قَالَ: نعم (٢).
ومن حديث إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي الزبير، والوليد أبي المغيث، عن جابر قَالَ نبي الله ﷺ : "من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له" (٣)
وروى عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: كان الناس
стр. 8002
стр. 8003
"أنا"! فكرهه" (١)، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا؛ ليجمع بينهما. واختلفوا هل يستحب تقديم السلام، ثم الاستئذان أو عكسه، وقد صح حديثان في تقديم السلام، فذهب جماعة إلى الأول، وقيل: يقدم الاستئذان واختار الماوردي في "حاويه": إن وقعت عين المستأذن عَلَى صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، وأما إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، فظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب، أظهرها: أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان - ثانيها: يزيد فيه، ثالثها: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده (٢).
وقوله: (أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ): يعني: الخروج إلى التجارة، وهذا عَلَى معنى الذم لنفسه؛ لأن بخروجه إليه تحدث وقائع، فيفتي
стр. 8004
فيها رسول الله ﷺ ، فتفوته، وكان عمر يفعل ذَلِكَ للكفاف، حاشا أن يقل من مجالسته وملازمته، فقد كان ﷺ كثيرًا ما يقول: "فعلت أنا وأبو بكر وعمر"، و"كنت أنا وأبو بكر وعمر" (١)، ومكانهما منه عال، لا يُقدر عَلَى نواله، وكان عمر من أزهد الناس؛ لأنه وجد فترك.
قَالَ المهلب: وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١] قرنا به، فسماها عمر لهوًا مجازًا؛ لأن اللهو المذكور في الآية غير التجارة للفصل بأو، وهو الدف عند النكاح وشبهه، فدل هذا إنما أراد: شغلني البيع والشراء عن الملازمة في كل أحيانه، حَتَّى حضر من هو أصغر مني ما لم أحضره من العلم (٢).
وفيه: أن الصغير قد يكون عنده ما ليس عند الكبير كما سلف، وإنه يجب البحث وطلب الدليل عَلَى ما ينكره من الأقوال حَتَّى تثبت عنده.
стр. 8005
١١ - باب التِّجَارَةِ فِي البَحْرِ
وَقَالَ مَطَرٌ: لَا بَأْسَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي القُرْآنِ إِلَّا بِحَقٍّ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] وَالفُلْكُ: السُّفُنُ، الوَاحِدُ وَالجَمْيعُ سَوَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ، وَلَا تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إِلَّا الفُلْكُ العِظَامُ.
٢٠٦٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ فِي البَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. [حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهَ]. [انظر: ١٤٩٨ - فتح: ٤/ ٢٩٩]
وَقَالَ الليْثُ (١): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائيلَ، خَرَجَ فِي البَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. وَسَاقَ الحَدِيثَ.
الشرح: حديث أبي هريرة هذا سلف الكلام عليه في الزكاة في باب: ما يستخرج من البحر ووصلناه (٢)، وما ذكره عن مطر -وهو ابن طهمان الوراق (٣) - من استدلاله بالآية حسن: لأن الله تعالى
стр. 8006
جعل تسخير البحر، لعباده؛ لابتغاء فضله من نعمه التي عدها لهم، وأراهم في ذَلِكَ عظيم قدرته، وسخر الرياح باختلافها تحملهم وترددهم، وهذا من عظيم آياته، ونبههم عَلَى شكره عليها بقوله: ﴿وَلَعَلَّكُم تشَكُرُونَ﴾ وهذِه الآية في سورة فاطر [فاطر: ١٢]، وأما التي في النحل وهي: ﴿وتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا﴾ [النحل: ١٤] بالواو، وما ذكره البخاري في الفلك لائح وهو قول أكثر أهل اللغة كما قَالَ ابن التين، ودليله في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وقال في أخرى: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فأجراه مرة عَلَى حكم الجمع، ومرة عَلَى حكم الإفراد، وقيل: هو جمع، والسفن: جمع سفينة.
قَالَ ابن سيده: سميت سفينة؛ لأنها تسفن وجه الماء، أي: تقشره، فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سفان وسفن وسفين (١). قلت: والسفان: صاحبها، وواحد الفُلْك: فَلَك بفتح اللام، مثل أُسْد وأَسَد، وتذكر وتؤنث كما قَالَ القزاز.
وأثر مجاهد (٢) يريد به تفسير ﴿وَتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] والمخر في اللغة: الشق، يقال: مخرت السفينة، تمخَر، وتمخُر إذا شقت الماء وسمعت لها صوتًا، وذلك عند هبوب الرياح. وقيل:
المخر: الصوت، والريح: تصوت السفينة، والفلك أيضًا: تصوت
стр. 8007
الريح، فلعله يريد أن السفن تمخر من الريح، وإن صغرت أي: تصوت.
والريح لا تمخر، أي لا تصوت إلا من كبار السفن: لأنها إن كانت عظيمة صوت الريح، فأسقط مجاهد ﴿فِي﴾ فيقرأه ﴿الفُلْكَ﴾ بالنصب، وفي خفضه قول آخر، ليس ببين، وتصحيح الكلام: فلا تمخر الريح من السفن إلا العظام.
وحديث الخشبة في الذي تسلف المال وأرسله في البحر فيه إباحة التجارة فيه وركوبه.
قَالَ الداودي: وأتى به، لأنه ﷺ لم يكن ليتحدث بما لا فائدة فيه، فذكره ليتأسى به، ويرد قول من منع ركوبه، في إبان ركوبه وهو قول يروى عن عمر أنه كتب إلى عمرو بن العاصي يسأله عن البحر، فقال: خلق عظيم، يركبه خلق ضعيف، دور (١) عَلَى عود، فكتب إليه عمر أن لا يركبه أحد طول حياته (٢)، فلما كان بعد عمر لم يزل يركب حَتَّى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه رأي عمر، وسيأتي هذا في الجهاد في باب ركوبه (٣) إن شاء الله.
منع عمر إنما كان لشدة شفقته عَلَى المسلمين، ولما حفر عمرو بن العاص البحر ووصله إلى عمر خرج إليه واستبشر بما حمل إليه من الميرة وغيرها، وكان ذلك عن إذنه، كما ذكره ابن عبد الحكم وغيره. وإذا كان الرب ﷻ قد أباح ركوبه للتجارة، فركوبه للحج والجهاد أجوز،
стр. 8008
ولا حجة لأحد مع مخالفة الكتاب والسنة، وأما إذا كان إِبَّان (إلجاجه) (١) فالأمة مجمعة عَلَى أنه لا يجوز ركوبه؛ لأنه تعرض للهلاك وقد نهى الله عباده عن ذَلِكَ بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] ولم يزل البحر يُركَب في قديم الزمان، ألا ترى إلى ما ذكر في هذا الحديث أنه رُكب في زمن بني إسرائيل، فلا وجه لقول من منع ركوبه.
стр. 8009
١٢ - باب ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وَقَوْلُهُ ﷻ : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ يَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ.
٢٠٦٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ، وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] [انظر: ٩٣٦ - مسلم: ٨٦٣ - فتح: ٤/ ٣٠٠]
ثم ذكر قول قتادة السالف قريبًا في باب التجارة في البر إلى قوله: (حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ). (١).
وذكر حديث جابر السالف قريبًا (٢). في مثل الباب المذكور، وستأتي حكمته، وشيخ البخاري فيه: محمد هو بن سلام البيكندي، قاله الدمياطي والمزي (٣).
والعير: الإبل تحمل الميرة.
стр. 8010
وقوله: (إِلَّا اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا)، أجاز الكوفيون رفع (اثني عشر)، ومنعه البصريون، وإنما ذكر الآية في الترجمة لمنطوقها وهو الذم، وتقدم ذكرها في باب الإباحة لمفهومها، وهو تخصيص ذمها بحالة اشتغل بها عن الصلاة والخطبة، نبه عليه ابن المنير (١).
стр. 8011
١٣ - باب مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ فِي الرِّزْقِ
٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الكِرْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". [٥٩٨٦ - مسلم: ٢٥٥٧ - فتح: ٤/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث أنس: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقه أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وخرجه من حديث أبي هريرة أيضًا، (١) ومحمد الراوي عن أنس هو الزهري، وأخرجه البخاري في الأدب عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب (٢).
وشيخ البخاري محمد بن أبي يعقوب الكرماني، هو محمد بن إسحاق بن منصور بصري، مات سنة أربع وأربعين ومائة.
و ("يُنْسَأَ") مهموز أي: يؤخر وهو رباعي أنسأ الله أجله ونسأ الله في أجله. والأثر -مفتوح الهمزة والثاء- باقي الأجل.
قَالَ كعب بن زهير:
والمرء ما عاش ممدود له أجل … لا تنتهي العين حَتَّى ينتهي الأثر
وفي الحديث: إباحة اختيار الغنى عَلَى الفقر، وسيأتي بسطه في الرقاق، وجملة من الباب في الأدب في باب: من بسط له في الرزق لصلة الرحم (٣)، إن شاء الله، ولا تعارض بينه وبين حديث: "يجمع خلق
стр. 8012
أحدكم في بطن أمه"، وفيه: "ويؤمر بكتب رزقه وأجله" (١)؛ لأمرين:
أحدهما؛ أن معنى البسط في الرزق: البركة فيه؛ لأن صلته أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال، وتزيد فيه فينمو بها ويزكو.
ومعنى قوله: ("يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ") يبقى ذكره الطيب وثناؤه الجميل مذكورًا عَلَى الألسنة فكأنه لم يمت، وبه قَالَ القاضي عياض فقال: المراد بقاء الثناء الجميل بعد الموت (٢). والعرب تقول: الثناء يعارض الخلود. قَالَ الشاعر:
إن الثناء هوالخلو … د كما يسمى الذم موتًا
قَالَ: قد مات قوم وهم في الناس أحياء (٣).
يعني: بسوء أفعالهم وقبح ذكرهم.
ثانيهما: أنه يجوز أن يكتب في بطن أمه أنه إن وصل رحمه فإن رزقه وأجله كذا، وإن لم يصله فكذا؛ لدلالة قوله تعالى في قصة نوح ﵇: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣ - ٤] يريد أجلًا قد قضى به إليكم إن أطعتم يؤخركم إليه؛ لأن أجل الله إذا جاء في حال معصيتهم لا يؤخر عنهم، قَالَ تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٩٨] وهو
стр. 8013
الهلاك عَلَى الكفر، ومتعناهم إلى حين فهذا كله من المكتوب في بطن أمه أي الأجلين استحق، لا يؤخر عنه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] وقد روي عن عمر ما هو تفسير لهذِه الآية أنه كان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ إن كنت كتبتني عندك شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تقول: ﴿يَمحُواْ اَللَّهُ﴾ الآية (١). وفي الحديث الحض عَلَى صلة الرحم.
قَالَ الداودي: وفيه: دليل عَلَى فضل الكفاف. والزيادة كما أسلفناه مؤولة بأنه سبق في علم الله أن سيكون، وقيل: الزيادة حقيقة لو لم يصل عمره رحِمَه ما زيدها في أجله، وليس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤] ما يدفعه؛ لأن معناه الأجل الذي يكون بصلة الرحم لا كالذي يكون بقطعها، وكذا الكلام في الرزق ودعاء الشارع لأنس: "اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده" (٢) فأجيبت دعوته ولولاها لم يكن بتلك الكثرة، فلما كان الدعاء يزيد في الرزق ويدفع البلاء
стр. 8014
يبرئ المريض كذلك صلة الرحم، وكما كان الدواء والرقى يبرئان المريض.
وفي "الترغيب والترهيب" للحافظ أبي موسى المديني من حديث عبد الرحمن بن سمرة -وقال: حسن جدًا- مرفوعًا: "إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بر والديه فرد ملك الموت عنه". الحديث (١).
ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بر الوالدين يزيد في العمر" (٢) وفيه
стр. 8015
الوقاصي (١). وفي حديث داود بن المحبر، عن عباد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد يرفعانه: "ابن آدم اتق ربك، وبر والديك، وصل رحمك، يمد لك في عمرك وييسر لك يسرك ويجيب عسرك وييسر لك في رزقك" (٢). ومن حديث داود بن عيسى بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا: "إن صلة الرحم تزيد في العمر" (٣).
قَالَ أبو موسى: وفي الباب عن علي وابن عمر وأبي أمامة ومعاوية ابن حيدة وأم سلمة. ومن حديث زَيَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن
стр. 8016
أنس، عن أبيه مرفوعًا: "مَنْ بَرَّ والديه طوبى له، زاد الله في عمره" (١).
ومن حديث عبد الله بن الجعد عن ثوبان مرفوعًا: "لا يزيد في العمر إلا بر الوالدين، ولا يزيد في الرزق الأصلة الرحم" (٢). ومن حديث علي أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] فقال: "هي الصدقة عَلَى وجهها، وبر
стр. 8017
الوالدين، واصطناع المعروف، وصلة الرحم تحول الشقاء سعادة، وتزيد في العمر، وتقي مصارع السوء" (١). زاد محمد بن إسحاق العكاشي: "يا علي من كانت فيه خصلة واحدة من هذِه الأشياء أعطاه الثلاث خصال" (٢).
وروي عن عمر وابنه وابن عباس وجابر بن عبد الله بن رئاب نحوه. ومن حديث عكرمة بن إبراهيم، عن زائدة بن أبي الرقاد، عن موسى بن الصباح، عن ابن عمرو مرفوعًا: "إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله تعالى عمره حَتَّى لا يبقى فيه إلا ثلاثة أيام" (٣). قَالَ: هذا حديث حسن لا أعرفه إلا بهذا الإسناد (٤).
ومن حديث إسماعيل بن عياش عن داود بن عيسى قَالَ: مكتوب في التوراة: صلة الرحم وحسن الخلق وبر القرابة تعمر الديار وتكثر
стр. 8018
стр. 8019
قَالَ أبو موسى: يروى هذا من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعًا عن التوراة (١). فإن قلت: أليس فرغ من الرزق والأجل؟ قلت: فيه خمسة أجوبة:
أحدها: أن يكون المراد بالزيادة توسعة الرزق وصحة البدن، فإن الغنى يسمى حياة والفقر موتًا.
ثانيها: أن يكتب أجل العبد مائة سنة، ويجعل تركيبه تعمير ثمانين سنة، فإذا وصل رحمه زاده الله في تركيبه فعاش عشرين أخرى، قالهما ابن قتيبة (٢).
ثالثها: أن هذا التأخير في الأجل مما قد فرغ منه، لكنه علق الإنعام به بصلة الرحم فكأنه كتب أن فلانًا يبقى خمسين سنة فإن وصل رحمه بقي ستين.
رابعها: أن تكون هذِه الزيادة في المكتوب، والمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله من نهاية العمر لا يتغير، وما كتب قد يمحى ويثبت.
стр. 8020
وقد كان عمر بن الخطاب يقول: إن كنت كتبتني شقيًا فامحني، كما سلف، وما قَالَ: إن كنت علمتني؛ لأن ما علم وقوعه لا بد أن يقع. ويبقى عليه إشكال، وهو أنه إذا كان المحتوم واقعًا فما في أفاده زيادة المكتوب ونقصانه.
وجوابه: أن المعاملات عَلَى الظواهر، والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه حكم، فيجوز أن يكون المكتوب يزيد وينقص ويمحى ويثبت، ليبلغ ذَلِكَ عَلَى لسان الشارع إلى الآدمي، فيعلم فضيلة البر وشؤم العقوق. ويجوز أن يكون هذا مما يتعلق بالملائكة، فتؤمر بالإثبات والمحو، والعلم الحتم لا يطلعون عليه، ومن هذا إرسال الرسل إلى من لا يؤمن.
خامسها: إن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه، وتوفيق صاحبه بفعل الخير، وبلوغ الأغراض، فينال في قصر العمر ما يناله غيره في طويله.
وادعى الحكيم الترمذي أن المراد بذلك قلة المقام بالبرزخ. ولا أدري ما هذا!؟
قَالَ القاضي عياض: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشهد لهذا، ولكن الصلة درجات بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام. ويختلف ذَلِكَ باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعًا، ولو قصر عما يقدر عليه، وينبغي له ألا يسمى واصلًا.
واختلف في حد الرحم التي تجب صلتها، فقيل: في كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال.