← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

المساجد يُذكر فيها اسم الله، والأسواق غلب عليها اللغط واللهو، والاشتغال بجمع الأموال، والكلب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذكر الله فيه فهو من أفضل الأعمال: لحديث: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير. كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيت في الجنة" (١).

стр. 8192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8193

ولذلك إذا لغا في المسجد أو لغط فيه أو عصى ربه لم يضر المسجد، ولا نقص من فضله، وإنما أضر بنفسه، وبالغ في إثمه. وقد روي عن علي أنه قال: من عصى الله في المسجد فكأنما عصاه في الجنة، ومن عصاه في الحمام فكأنما عصاه في النار، ومن عصاه في المقبرة فكأنما عصاه في عرصات القيامة، ومن عصاه في البحر فكأنما عصاه على أكف الملائكة. وفي حديث عائشة: أن من كثَّر سواد قوم في معصية أو في فتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك؛ لأن الخسف لما أخذ السوق عقوبة لهم شمل الجميع. واستنبط منه مالك أن من وُجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب أنه يعاقب، ويريد أن المغلوبين على تكثير السواد ليسوا ممن يستحق العقوبة، لقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]. وفيه: علم من أعلام النبوة، وهو إخباره بما يكون. وفيه: أنه لا بأس بمهازلة الصبي وغيره إذا كان واقعًا تحت السنن والفضل، لاسيما إن عضد ذلك أبوه؛ لأنه ﵇ أبوه، والجد أب. والبيداء: المفازة وجمعها بيد. وقوله: (وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ)، في "مستخرج أبي نعيم": فيهم أشرافهم بالشين المعجمة بدله، وعند الإسماعيلي: وفيهم سواهم، بدل: من أسواقهم، قال: ورواه البخاري: (وفيهم أسواقهم)، وليس هذا الحرف في حديثنا، وأظن أن أسواقهم تصحيف، فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق. قال ابن التين: ولعل هذا الجيش الذين يخسف بهم هم الذين

стр. 8194

(يهدمون) (١) الكعبة فينتقم منهم، ويكون الذين يبعثون على نياتهم وحضرت آجالهم بالخسف، كانوا ينكرون بقلوبهم ولا يقدرون على غير ذلك؛ وقد قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٤]. قلت: قد يقال: (الحبش) (٢) الذين يقدمون ليسوا من هذِه الأمة. والشارع قال في "صحيح مسلم": "إن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد لجأ إلى البيت" فذكر الحديث (٣). فإن قلت: فما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعته وإياهم الطريق؟ قلت: عائشة لما سألت، قال: "يبعثون على نياتهم" فماتوا بها لما حضر من آجالهم وبعثوا على نياتهم. وحديث أنس -يعني: الثاني- لا مناسبة له للباب، نعم ذكر في أصله. وروي أيضًا من حديث جابر وأبى حميد الساعدي "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي" (٤).

стр. 8195

وأبي هريرة: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم، والله يعطي وأنا أقسم" (١). والبراء بن عازب: "لا تجمعوا بين أسمي وكنيتي" (٢). وعائشة: "ما أحل اسمي وحرَّم كنيتي" (٣) ذكرها ابن شاهين (٤)، وذكر عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن محمد بن علي ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة ومحمد بن سعد كانوا كلهم يكنون بأبي القاسم، وكان لمالك بن أنس ابن يقال له محمد وكنيته أبو القاسم، فقيل له في ذلك، فقال: لا بأس به. قال: وهذا الحديث يوجب أن يكون ناسخًا للأول؛ لأن ولدان الصحابة كنوا بأبي القاسم، وقد روي عن بعض التابعين أنه كان يقول: إذا رأينا

стр. 8196

الرجل يكنى بأبي القاسم كنيناه بأبي القاصم بالصاد من جهة الكره لذلك. قال وحديث النهي طرقه لا أعلم في أكثرها علة (١). ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحدٍ أصلًا، سواء كان اسمه أحمد أو محمدًا أو لم يكن؛ لظاهر الحديث (٢). وفيه: مذاهب أخر: أحدها: أنه منسوخ، وأن هذا الحكم كان في الزمن الأول للمعنى المذكور في الحديث ثم نسخ، فيباح لكل أحد وهو مذهب مالك وجمهور العلماء. ثانيها: لا نسخ، والنهي للتنزيه، قاله ابن جرير. ثالثها: النهى عن التكني بأبي القاسم مختص بمن اسمه محمد أو أحمد، ولا بأس بها لمن لم يكن اسمه ذلك. رابعها: النهي عن التكني بأبي القاسم مطلقًا، وأن لا يسمى القاسم؛ لئلا يكنى والده به (٣). وشذ من منع التسمية بمحمد أيضًا لحديث "تسمون أولادكم محمدًا وتلعنونهم" (٤).

стр. 8197

وقوله: ("وَلَا تَكَنَّوْا") قال ابن التين ضبط في أكثر الكتب بفتح التاء وضم النون المشددة، ولا أعلم لها وجهًا في تصاريف الكلام، وضبطت أيضًا بضم التاء والنون على وزن تزكوا، وفي بعضها بفتح التاء والنون مشددة مفتوحة على حذف إحدى التائين. و (البَقِيعِ) في الحديث: مقبرة أهل المدينة، وهو في اللغة المكان المتسع. وقال قوم: لا يكون بقيعًا إلا وفيه الشجر، وهذا البقيع كان ذا شجر، ثم ذهب منه الشجر وبقي الاسم. وقوله: (لَمْ أَعْنِكَ) أي: لم أردك، يقال: عنيت بالقول كذا، أي: أردته. وحديث أبي هريرة: (حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت فاطمة). قال الداودي سقط بعضه على الناقل، وإما أدخل حديثًا في حديث إذ ليس بيت فاطمة في سوق بني قينقاع، وإنما بيتها بين أبيات رسول الله ﷺ (١).

стр. 8198

ومعانقته للحسن فيه إباحة ذلك لغيره، واستحب سفيان معانقة الرجل للرجل، وكرهها مالك وقال: هي بدعة (١)، وتناظرا فيها فاحتج سفيان بأنه ﵇ فعل ذلك بجعفر (٢)، فقال مالك: هو خاص له، فقال: ما يخصه بغير ذلك؟ فسكت مالك. واللُكَعُ: أسلفنا أنه الاستصغار، ويقال: اللؤم. وقال أبو عبيد: هو عند العرب العبد (٣). وهو في قول الأصمعي: الصبي الذي لا يتجه لمنطق ولا غيره، مأخوذ من الملاكيع، يعني: التي تخرج مع السلا من البطن. قال الأزهري: والقول قول الأصمعي، ألا ترى أنه ﵇ قال للحسن وهو صغير: "أين لكع" (٤) أراد به لصغره لا يتجه لمنطق

стр. 8199

ولا ما يصلحه، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد، وفي "الموعب": يوسف به الحسن والرق واللؤم. وفي "الجامع": أصل اللكع من الكلع ولكن قلب. وفي "الصحاح": اللكع: الذليل (١). قال السهيلي: أراد: تشبيهه بالفلو والمهر؛ لأنه طفل كما أنهما كذلك، وإذا قصد بالكلام قصد التشبيه لم يكن إلا صدقًا (٢). وقول (سُفْيَان: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: رَأَيت نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ)، أراد البخاري أن يبين سماع عبيد الله المعنعن في السند عن نافع. وادَّعى ابن التين أن الإتيان بركعة غير معمول به، وذكر ذلك عن معاوية، وذكر فعله لابن عباس فقال: إنه فقيه. وقوله في حديث ابن عمر: (حتى ينقلوه حيث يباع الطعام) وفي لفظ: حتى يستوفيه. ولمسلم من حديث أبي هريرة: حتى يكتاله (٣). وهو من أفراده، وانفرد به أيضًا من حديث جابر (٤). قال ابن عبد البر: وفي حديث القاسم بن محمد نهى أن يبيع أحد طعامًا اشترى بكيل حتى يستوفيه، قال: والقبض والاستيفاء سواء، ولا يكون ما بيع من الطعام على الكيل والوزن مقبوضًا إلا كيلًا أو وزنًا. وهذا لا خلاف فيه، فإن وقع البيع في الطعام على الجزاف، فقد اختلف في بيعه قبل قبضه وانتقاله (٥).

стр. 8200

وقال ابن التين في قوله: (كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام): هذا للرفق بأهل السوق. ومعناه: أنهم لم يتلقوا الركبان لعلهم قدموا معهم، أو أمروا بهم أو لقوهم من غير قصد التلقي، ويدل عليه اشتراء النبي ﷺ من جابر وعمر (١). وهذا الحديث أبين ما روي عن ابن عمر في هذا، وقد روى مالك عنه: كانوا يشترون الطعام فيبعث إليهم من يأمرهم بانتقاله (٢)، فتأول قوم ذلك أنهم أمروا بالانتقال ليوسعوا على أهل الأسواق، وتأوله قوم على أن الجزاف من الطعام لا يباع حتى ينقل، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي (٣)، واختلف قول مالك في استحباب ذلك، فعنه في "المدونة": لا بأس ببيعه قبل قبضه (٤). قال القاضي في "إشرافه": إذا خلا البائع بينه وبينه، وعنه في "العتبية" كراهة بيعه حتى ينقل، وبه قال ابن حبيب وابن الجلاب. وهذا الحديث هنا مبين أنهم كانوا يشترون من الركبان. وقيل: إنما منع من بيع الجزاف قبل نقله؛ لئلا يشترى منه في باعه فيكون دراهم بدراهم أكثر منها (٥).

стр. 8201

وقد فسره ابن عباس فقال: تلك دراهم بدراهم، والطعام مرجأ (١). وقوله في حديث أبي هريرة: (لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ) قد يكون ذلك لأمر قد شغل ضميره، أو لفكر في أمر معاده، ولم يكلمه أبو هريرة لما أحس منه، وهذا كان شأنهم إذا لم يروا منه نشاطًا كفوا عن كلامه إلى أن يحدث ما يسألونه عنه. وفي حديث: ("اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ"). يقال أحب يحب وهي اللغة المشهورة. وحكى حب ثلاثي، وحكى المبرد قراءة (يَحْبِبْكم الله) [آل عمران: ٣١] كأنه من حببت وأُدغم في موضع الجزم (٢)، وهو مذهب تميم وقيس وأسد، ورد عليه بأنه (يحبَّكم الله) بإظهار التضعيف وفتح الباء من يحب، ولا يكادون يقولون حب، في الماضي، إنما يُقال في المستقبل فقط، هذا هو المشهور، على أنهم قالوا في يحب أيضًا؛ إنها لغةٌ، وقال غيره: إنها شذوذ، وفي المثل السائر: من حب طب (٣).

стр. 8202

٥٠ - باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي السُّوقِ ٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا. تَابَعَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: غُلْفٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا. [٤٨٣٨ - فتح: ٤/ ٣٤٢] ذكر فيه حديث فليح، ثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، فقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْانِ … الحديث. وفيه: (وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ) إلى آخره، تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال، وقالَ: سعيد عن هلال، عن عطاء، عن ابن سلام: غلف: كل شيء في غلاف، سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: إذا لم يكن مختونًا.

стр. 8203

الشرح: متابعة عبد العزيز أسندها البخاري فقال: حدثنا عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال به (١)، وهو حديث تفرد به البخاري، وعبد الله هذا قال ابن السكن: هو ابن مسلمة، وقال أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء. وقال الجياني: عندي أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث وإلى ذلك أشار أبو مسعود، على أن الحاكم أبا عبد الله قطع أن البخاري لم يخرج في "صحيحه" عن كاتب الليث (٢). وقد روى البخاري في كتاب "الأدب" هذا الحديث عنه (٣). وأما قول سعيد بن هلال، فأخرجه الطبراني في "معجمه" ثنا المطلب بن شعيب، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن خالد بن يزيد، عن (سعيد بن أسامة) (٤)، عن هلال، عن عطاء، عن

стр. 8204

عبد الله بن سلام: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ ، الحديث (١). وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده، ثم قال: حسن غريب (٢). والصخب عند أهل اللغة: الصياح، قال صاحب "العين": صخب صخبًا، إذا صاح (٣)، ولم يذكره في حرف السين وهو في النسخ كما قدمناه بالسين، ونقله ابن بطال عن بعض النسخ، وقال أبو حاتم: أمَّا ما كان مع الخاء فتجوز كتابته بالسين والصاد (٤). وبخط الدمياطي: الصخب بالسين والصاد: اختلاط الأصوات، قال: وقيل: الصوت الشديد، قيل: الفصيح بالصاد، وهي بالسين لغة قبيحة لربيعة، أعنى: السخب، وقال الفراء أيضًا: هما لغتان. قال ابن التين: والذي ذكره غيره من أهل اللغة بالصاد، وهو في البخاري بالسين. ومعنى (أجل): نعم. وكان عبد الله بن عمرو كما روى البزار من حديث ابن لهيعة، عن واهب عنه، رأى في المنام كان في إحدى يديه عسلًا وفي الأخرى سمنًا وكأنه يلعقهما، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال "تقرأ الكتابين التوراة والقرآن"، فكان يقرأهما (٥).

стр. 8205

وقوله: (شَاهِدًا) أي: شاهدًا بالإبلاغ، وقيل: لمن أطاعه. وقيل: على تصديق من قبله من الأنبياء، وقيل: مبشرًا بالجنة ونذيرًا من النار. روي عن ابن عباس: لما نزلت هذِه الآية دعا رسول الله ﷺ عليًّا ومعاذًا وقال: "يسِّرا ولا تعسِّرا، فإنه قد أُنزل عليَّ الليلة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ (١) [الأحزاب: ٤٥] ". (سميتك بالمتوكل): بأن قد أيقن بتمام وعد الله وتوكل عليه. وقوله: (وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ) أي: حافظهم وحافظ دينهم. يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازًا، إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. والأميون: العرب؛ لأن الكتابة عندهم قليلة. وقوله: (سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) يعني: لقناعتك باليسير من الرزق، واعتمادك علي في الرزق والنصر، والصبر عند انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكل عليه، فسمي المتوكل. وقوله: (لَيْسَ بِفَظٍّ) أي: سيئ الخلق. (وَلَا غَلِيظٍ): وهي الشدة في القول، وهما حالتان مكروهتان.

стр. 8206

وقول القائل لعمر: أنت أفظ وأغلظ (١). قيل: لم تأت هنا للمفاعلة بينه وبين من أشرك معه، بل بمعنى: أنت فظ غليظ على الجملة لا على التفصيل. والسخاب: الكثير الصياح والجلبة، ولم يكن سخابًا في سوق ولا غيره، بل كان على خلقٍ عظيم. وفيه: ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذِه الصفة المذمومة من الصخب، واللغط والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه، والأيمان الحانثة؛ ولهذا قال ﵇: "شر البقاع الأسواق" (٢) كما مضى لما يغلب على أهلها من هذِه الأحوال المذمومة. ومعنى (لَا يَدْفَعُ بِالسَّيئَةِ السَّيِّئَةَ): لا يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة، لكن يأخذ بالفضل كما قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] وسمى جزاء السيئة سيئة للمجاورة. والمراد (بالملة العوجاء) أي: المعوجة، ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، وتغيير ملة إبراهيم عن استقامتها، وإمالتها بعد قوامها، فأقام الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين الإسلام ووضحت أعلامه، وأيد الله نبيه بالصبر والإنابة والسياسة في نفوس العالمين والتوكل على الله. وقوله: (وَيفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا) كذا للأصيلي كما نقله ابن التين، جعل عميًا، نعتًا للأعين، وهو جمع عمياء، وفي بعض روايات

стр. 8207

الشيخ أبي الحسن: أعين عُمي، فأضاف أعين إلى عُمي وهو جمع أعمى، وكذلك الكلام في الآذان أيضًا. وقوله: (وَقُلُوبًا غُلْفًا) فليس هو إلا جمع أغلف سواء كان مضافًا أو غير مضاف، وترك الإضافة فيه بيِّن، وذلك كله ممن قبل الإسلام وخرج من الكفر إلى الإيمان. وقرأ ابن عباس ﴿غُلْفٌ﴾ -بضم اللام- كأنه جعله جمع غلاف، وهي قراءة الأعرج وابن محيصن (١). قال ابن عباس: مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد (٢). وقوله: (غُلْف) كل شيء في غلاف يريد أنه مستور عن الفهم والتمييز، وقال مجاهد: غُلْف: عليها غشاوة (٣). وقال عكرمة: طابع (٤). وفي الحديث: مدح النبي ﷺ ببعض صفاته الشريفة -التي خصه الله تعالى وجبله عليها، وقد وصفه الله تعالى في آخر سورة براءة نحو هذِه الصفة. وهذا الباب آخره ابن بطال بعد باب: بركة صاعه، فاعلمه (٥).

стр. 8208

٥١ - باب الكَيْلِ عَلَى البَائِعِ وَالمُعْطِي لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا". وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ". ٢١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ". [انظر: ٢١٢٦ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٤] ٢١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، العَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ". فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ، أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ: "كِلْ لِلْقَوْمِ". فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "جُذَّ لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ". [٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠١، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠ - فتح: ٤/ ٣٤٤] ثم ذكر حديث ابن عمر: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ". وسلف قريبًا في آخر ما ذكر في الأسواق. وحديث جابر في وفائه دين والده ثُمَّ قَالَ: " (كِلْ) (١) لِلْقَوْمِ". فَكِلْتُهُمْ

стр. 8209

حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. (وَقَالَ) (١) فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. (وَقَالَ) (٢) هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ رسول الله ﷺ : "جُذَّ لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ". الشرح: أما الآية فما فسره البخاري فسره الأخفش وأبو عبيدة وكذا الفراء، فقال: الهاء في موضع نصب، تقول في الكلام: قد كلتك طعامًا كثيرًا، وكلتني مثله، وقوله: (﴿اكتَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾) [المطففين: ٢] يريد من الناس وهما يتعاقبان: على ومَنْ هنا؛ لأنه حق عليه (٣). وهذِه السورة مكية، وقيل: مدنية. وقيل: نزلت في طريقه من مكة إلى المدينة. وقال السدي: استقبل بها رسول الله ﷺ وهو داخل المدينة من مكة -شرفها الله- وقيل: أولها مدني وآخرها مكي. وقال ابن عباس: كان يمر عليٌّ على الحارث بن قيس وناس معه فيسخرون من علي ويضحكون؛ ففيه نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾ إلى آخر السورة. وقال السدي فيما حكاه الواحدي عنه في "أسبابه": قدم رسول الله ﷺ المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. فأنزل الله الآية (٤). وقال الطبري في "تفسيره": كان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين ويقف على كالوا وعلى وزنوا، ثم يبتدئ فيقول: هم يخسرون، والصواب عندنا الوقف على هم (٥).

стр. 8210

والتعليق الأول ذكره ابن أبي شيبة من حديث طارق بن عبد الله المحاربي بإسناد جيد (١)، والثاني -ويذكر عن عثمان- أسنده الدارقطني بإسنادٍ ضعيف إلى منقذ مولى سراقة، وليس بمشهور عن عثمان، قال له النبي ﷺ : "إذا ابتعت طعامًا فاكتل، وإذا بعت فكِل" (٢). ولابن أبي حاتم، عن محمد بن حمير، عن الأوزاعي، حدثني ثابت بن ثوبان، حدثني مكحول، عن أبي قتادة قال: كان عثمان يشتري الطعام ويبيعه قبل أن يقبضه، فقال له النبي ﷺ : "وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكلتَلْ إِذَا بِعْتَ فَكِلْ" ثم قال: قال أبي: هذا حديث منكر الإسناد (٣). وأخرجه ابن ماجه (٤) من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان (٥)، وعن جابر: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري. وفي إسناده ابن أبي ليلى (٦). ومعنى "إذا بعت فكل" أي: أوفِ. "وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ" أي: استوف بكيل لا لك ولا عليك. نبه عليه ابن التين.

стр. 8211

والتعليقان إثر حديث جابر سلفا في الصلاة موصولين (١) وستكون لنا عودة إليه في الأطعمة. و (فِرَاسٌ) هو ابن يحيى ى أبو يحيى الهمداني المعلم. و (وَهْبٌ) هو ابن كيسان، أبو نعيم، مولى عبد الله بن الزبير المدني التابعي، مات سنة ست. وقيل: سنة سبع وعشرين ومائة (٢). وروي عنه أنه قال: رأيتا سعد بن مالك وأبا هويرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يلبسون الخز (٣)، ومغيرة الراوي عن الشعبي عن جابر هو ابن مقسم الضبي، مات بعد الثلاثين ومائة. أما فقه الباب: فالذي عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع ومن عليه الكيل والوزن فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور، وقال الثوري: كل بيع فيه قيل أو وزن أو عدّ فهو على البائع حتى يوفيه إياه، فإن قال: أبيعك النخلة فجذاذها على المشتري، قال: وكل بيع ليس فيه قيل ولا وزن ولا عد فجذاذه وحمله ونقصه على المشتري، والقرآن في ذكره البخاري يشهد لحديث عثمان في الباب، وكذا قصة يوسف ﵇ أن البائع عليه الكيل، قال تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٥٩] وقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] ومع أنه

стр. 8212

شرع من قبلنا. وكذا قوله: " (كِلْ لِلْقَوْمِ". فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ) وجابر هو الغارم عن أبيه، وهو لائح؛ لأن من باع شيئًا مسمًى ومقدارًا معروفًا من طعام فعليه أن يعينه ويميزه مما سواه، وكذلك من ابتاع بدراهم موزونة معلومة يعطيها للبائع فعليه الوزن والانتقاء، كذا قاله ابن بطال معللًا بأن عليه تعيين ما باعه من الدراهم بالسلعة (١). وعندنا أن مؤنة الكيل على البائع، ووزن الثمن على المشتري. وفي أجرة النقاد وجهان، وينبغي أن تكون على البائع، وأجرة النقل المحتاج إليها في تسليم المنقول على المشتري صرح به المتولي، وقال بعض أصحابنا: على الإمام أن ينصب كيَّالًا ووزَّانًا في الأسواق ويرزقهما من سهم المصالح، ثم إذا تولى ما ذكرناه أحد المتبايعين وجب عليه العدل وحرم عليه التطفيف. والأولى للباذل أن يزيد يسيرًا للاحتياط، وللبائع إن تولاه أن ينقص يسيرًا. قال الغزالي: وكل من خلط مع الطعام ترابًا أو وزن مع اللحم عظامًا لم تجر العادة بها فهو من المطففين، وكذا إذا جرَّ البزاز الثوب مع الذراع عند بيعه لغيره. وقال ابن التين: ومعنى ("إِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ") أي: استوف كما سلف، ليس أن الكيل على البائع والكيل على المشتري، وهذا تضاد لو كان هكذا. وحديث جابر: فيه: الشفاعة في وضع بعض الدين. وفيه: تأخير الغريم بمقدار ما لا يضر بأهل الدين، وكان غرماؤه يهود فلم يشفعوا رسول الله ﷺ كما سيأتي (٢).

стр. 8213

ومعنى ("صَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا"): اعزل كل صنف على حدة. والعجوة: أحد أنواع تمر المدينة. ("وَعَذْقَ زَيْدٍ") بفتح العين. نوع من التمر رديء كعذق ابن حبيق (١). و (العَذْقُ) بفتح العين: النخلة، وبكسرها: الكباسة. وفيه: الإرسال إلى رسول الله ﷺ أن يأتي الموضع في وعد أن يأتيه. وفيه: جواز الجلوس على التمر. وقوله: ("كِلْ لِلْقَوْم") فيه: أن الكيل على البائع كما قدمناه: لأنه يوفي عن أبيه، فصار كأَنه البائع، ولهذا أتى به البخاري هنا. وقوله: (وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء): هو من أعلام نبوته، وظهور بركته حين مشى في المجد. وفيه: أن بعض الورثة يقوم مقام بعض. ومعنى ("جُذَّ لَهُ") أي: اقطع، وفي رواية أخري: سألهم رسول الله ﷺ أن يقبضوا تمر حائطي ويبرئوه (٢). فائدة: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعامًا فليس له بيعه حتى يقبضه (٣)، واختلفوا في غير الطعام على أربعة مذاهب:

стр. 8214

أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه سواء جميع المبيعات كما في الطعام، قاله الشافعي ومحمد بن الحسن، وهو قول ابن عباس (١). ثانيها: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المكيل والموزون. قاله عثمان بن عفان وابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٢). ثالثها: لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأراضي، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف (٣). رابعها: مثله، إلا المأكول والمشروب، قاله مالك وأبو ثور. وفي رواية ابن وهب عن مالك: في دون الخضروات. وقال عثمان البتي يجوز بيع كل شيءٍ قبل قبضه، وهو مصادم للنصوص (٤).

стр. 8215

٥٢ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ ٢١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ". [فتح: ٤/ ٣٤٥] ذكر فيه حديث ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه". هذا الحديث من أفراده. و (ثَوْر) (خ. الأربعة) هو ابن يزيد الكلاعي الحمصي من أفراده، أما ثور (ع) بن زيد الديلي، فاتفقا عليه. وأخرجه ابن ماجه من حديث بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد، عن المقدام، عن أبي أيوب، فجعله من مسند أبي أيوب (١). ورواه إسماعيل بن عياش، عن بحير به (٢)، وقال الدارقطني في "علله": القول قول بحير لأنه زاد (٣). وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث إسماعيل بن عياش عن محمد بن عبد الرحمن الحمصي، عن عبد الله بن بسر (٤). وقال البيهقي: رواه أبو الربيع الزهراني، عن ابن

стр. 8216

المبارك، عن ثور، عن خالد، عن جبير بن نفير، عن المقدام. أخرجه من طريق الإسماعيلي عن المنيعي عنه (١). وكذا ذكره الإسماعيلي في "مستخرجه" من حديث أبي الربيع كذلك. وفي "علل ابن أبي حاتم" عن أبيه: هذا الصحيح؛ لأن ثورًا زاد رجلًا، وهو أشبه بالصواب (٢). أما فقه الباب: فالكيل مندوب فيما ينفقه المرء على عياله؛ والسر فيه معرفة ما يقوته ويستغله، وقد ندب الشارع إليه معللًا بالبركة، ويحتمل أنهم كانوا يأكلون بلا كيل فيزيدون في الأكل، فلا يبلغ بهم الطعام إلى المدة التي كانوا يتقدرونها، فندبهم الشارع إليه؛ أي: أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله تعالى من البركة في مُدِّ أهل المدينة بدعوته. وقال ابن الجوزي: يشبه أن تكون هذِه البركة للتسمية عليه؛ فإن قلت: هذا معارض بما ذكرته عائشة: كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى كال علي، فكلته ففني (٣). فالجواب: أن معناه أنها كانت تخرج قوتها بغير كيل، وهي متقوتة باليسير، فيبارك لها فيه مع بركته ﵇ الباقية عليها وفي بيتها، فلما كالته علمت. المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها، لا أن الكيل وكد فيه أن يفنى، وقيل أيضًا؛ إنه معارض بما روي أنه ﵇ دخل على حفصة فوجدها تكتال، فقال

стр. 8217

"لا توكلي يوك الله عليك" (١)، قالوا: قال ذاك في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق، أما إذا كان على معنى المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب، وقد كان الشارع يدخر لأهله قوت سنة، ولم يكن ذلك إلا بعد معرفة الكيل. وقال المحب في "أحكامه": أنها كالته ناظرة إلى مقتضى العادة، ولو قصدت البركة في كيلها لانخرقت لها العادة، ويشبه هذا قول أبي رافع: وهل للشاة إلا ذراعان (٢). أو يحمل الأول على القبض أولًا ثم تلف عنه بعد، أو يحمل الأول على ما إذا أراد ادخاره، فإنه إذا كاله بعد شك في الإجابة. فائدة: في الحديث النظر في المعيشة خير من بعض التجارة، ويقال: ما عال من اقتصد (٣).

стр. 8218

وقال أبو الدرداء: من فقهك عويمر إصلاحك معيشتك (١).

стр. 8219

٥٣ - باب بَرَكَةِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدِّه فِيهِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٢١٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِمَكَّةَ". [مسلم: ١٣٦٠ - فتح: ٤/ ٣٤٦] ٢١٣٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ". يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ. [٦٧١٤، ٧٣٣١ - مسلم: ١٣٦٨ - فتح: ٤/ ٣٤٧] وذكر حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ: "أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ … " الحديث. وحديث أنس: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ". يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ.

стр. 8220

ويأتي في الاعتصام أيضًا، وكفارة الأيمان (١)، وأخرجه مسلم والنسائي في المناسك (٢) فيه الدعاء بالبركة، فيما ذكر وهو علم من أعلام نبوته، فما أكثر بركته، وكم يؤكل منه ويدخر وينقل إلى سائر بلاد الله. والمراد بالبركة في المد والصاع: ما يكال بهما، وأضمر ذلك لفهم السامع، وهذا من باب تسمية الشيء بما قرب منه، وكان مد أهل المدينة صغيرًا؛ لقلة الطعام عندهم فدعا لهم بالبركة في طعامهم، ويستحب أن يتخذ ذلك المكيال رجاءً لبركة دعوته والاستنان بأهل البلد في دعا لهم. وقد أسلفنا الكلام في حرم المدينة آخر الحج، والخلاف في الجزاء في قتل صيدها. وفي الحديث: المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل (مكة) (٣)، وهو أصل لكل مكيل وموزون، وإنما يأتم الناس فيهما، ثم ألا ترى أن التمر يكال في المدينة ويوزن في كثير غيرها، والسمن عندهم موزون ويكال في كثير غيرها.

стр. 8221

٥٤ - باب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَالحُكْرَةِ ٢١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٤٧] ٢١٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ. [قَالَ أَبُو عبد الله: مرجئون [التوبة: ١٠٦]: مُؤَخَّرُونَ.] [٢١٣٥ - مسلم: ١٥٢٥ - فتح: ٤/ ٣٤٧] ٢١٣٣ - حَدَّثَنِي أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ". [انظر: ٢١٢٤ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٧] ٢١٣٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنَ الغَابَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ. فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ". [٢١٧٠، ٢١٧٤ - مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٤/ ٣٤٧] ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ: رَأَيْتُ الذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. وحديث ابن عباس: نَهَى رسول الله ﷺ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ.

стр. 8222

وحديث ابن عمر: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ". وحديث مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ". وذكر مثله في البر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير. الشرح: هذِه الأحاديث كلها في مسلم أيضًا (١) وسلف بعضها، منها حديث ابن عمر (٢). ورواه -أعني: حديث مالك- ابن حزم من طريق ابن وهب بإسقاط عمر، ثم قال: مالك لا يعرف له سماع من رسول الله في ﷺ وفي إسناده مجهول وكذاب (٣)، وعنى بالمجهول: جبير بن أبي صالح، لكن وثق (٤)، ومالك هذا هو النصري بالنون والصاد المهملة، أدرك الجاهلية، وقيل: له صحبة، ولا يصح، وإن ذكرها أبو نعيم وأبو عمر وغيرهما (٥)،

стр. 8223

بل البخاري في "تاريخه" (١). مات سنة اثنتين وتسعين (٢). ونصر هذا أخو حسم، وفي أسد خزيمة نصر بن قعين. (وَالحُكْرَةِ): بضم الحاء المهملة: حبس الطعام عن البيع مع الاستغناء عنه عند الحاجة إليه إرادة غلائه. والجزاف -بالتثليث- بيعك الشيء واشتراؤك بلا كيل ولا وزن. قال ابن سيده: وهو يرجع إلى المساهلة، وهو دخيل (٣).

стр. 8224

ولم يرو مالك لفظة (مُجَازَفَةً) وفسرها بأنهم كانوا يريدون بيعه بالدين (١)، وأما بالنقد فلا بأس. واعترضه ابن التين بأنه إذا باعه من غير بائعه لا فرق بين دين ونقد. وفي قوله: (مُجَازَفَةً): جواز بيع الجزاف، وأن الغرر اليسير معفو عنه في البيع. وقوله: (ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ) تأوله أن يشتري منه طعامًا بمائة إلى أجل ويبيعه منه قبل قبضه بمائة وعشرين، وهو غير جائز؛ لأنه في التقدير بيع دراهم بدراهم والطعام مرجأ غائب. وليس هذا تأويله عند أكثر العلماء، وقيل: معناه: أن يبيعه من آخر ويحيله به. قال ابن فارس: أرجأت الشيء: أخرته (٢)، وأرجيت أيضًا، ذكره الخطابي (٣). قال ابن التين: والذي سمعناه بغير همز، وبهمزة في بعض النسخ. وقوله: ("هاء وهاء") قال الهروي: اختلف في تفسيره، وظاهر معناه: أن يقول كل واحد منهما: هاء فيعطيه ما في يده. وقيل: معناه: هات وهاك، أي: خذ وأعط، وهو ممدود لكنهم يقرءونه بالقصر. وقال الخطابي: الهمزة في هاء وهاء بدل من الكاف، كأنه قال: هاك أي: خذ، وقد يقال بالكسر (٤). واختلف العلماء في بيع الطعام جزافًا قبل أن يقبض، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود إلى أنه

стр. 8225

لا يجوز بيعه قبل قبضه (١)، وروي عن مالك أيضًا، وقال ابن عبد الحكم: إنه استحسان من قوله (٢). وقالت طائفة: يجوز بيع الطعام الجزاف قبل قبضه، روي ذلك عن عثمان بن عفان، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد، وهو المشهور عن مالك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، حجة القول الأول ظاهر حديث ابن عمر، وعموم نهيه عن بيع الطعام قبل استيفائه، فدخل فيه الجزاف والكيل، وقد أشار ابن عباس إلى أنه إذا باعه قبل قبضه أنه دراهم بدراهم والطعام لغو، فأشبه عنده العينة. قال الأبهري: العينة من باب سلف جر منفعة. والحجة للثاني أن من باع جزافًا فلم يبع إلا ما وقعت حاسة العين عليه، ولذلك سقط الكيل عن البائع، والاستيفاء إنما يكون بالكيل أو الوزن، هذا مشهور عند العرب، ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] و ﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين: ٢] فإنما عنى بالاستيفاء في المكيل والموزون خاصة، وما عدا هذِه الصفة فلم يبق فيه إلا التسليم فيما يستوفى من جزاف الطعام كالعقار وشبهه. فإن قلت: لو كان كما زعمتم لم يتأكد النهي عن ذلك بضرب الناس عليه، فدل على أن حكم الجزاف حكم المكيل. فالجواب: أنهم إنما أمروا بانتقال طعامهم وإن كان جزافًا؛ لأنهم

стр. 8226

كانوا بالمدينة يتبايعون بالعينة، فكذلك يجب أن يؤمروا بانتقال الجزاف في كل موضع يشهد فيه العمل بالعيب؛ ليكون حاجزًا بين دراهم بأكثر منها؛ لأنه إذا باعه بالمكان في ابتاعه بدراهم أكثر منها كان الطعام لغوًا وكانت دراهم بأكثر منها، وقد روي عن ابن عمر أنَّ النهي إنما ورد في المكيل خاصة، وروى ابن وهب من حديث ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (١). وفي حديث ابن عمر: (رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ حتى يئووه إلى رحالهم) إباحة الحكرة؛ لأنه لو لم يجز لهم احتكاره لتقدم إليهم في بيعهم ولم يؤذن لهم في حبسه، هذا قول أئمة الأمصار، وبه يزول اعتراض الإسماعيلي بأن البخاري بوب لها ولم يذكرها. ورخصت طائفة لمن يقع الطعام من أرضه أو جلبه من مكان في حبسه، ومنعت من ذلك لمشتريه من الأسواق للحكرة، وروي ذلك عن عمر والحسن البصري، وبه قال الأوزاعي. قال مالك فيمن رفع طعامًا من ضيعته فرفعه: فليس بحكرة. وقال الشافعي وأحمد: إنما يحرم احتكار الطعام في هو قوت دون سائر الأشياء. وقالت طائفة: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه (٢). روي عن عمر ومجاهد (٣).

стр. 8227

وفي مسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ" من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة (١)، وروي عن عمر وعثمان أنهما نهيا عنها (٢). ومعنى هذا النهي عند الفقهاء، في وقت الشدة، فيما ينزل بالناس من حاجة، يدل على ذلك أن سعيد بن المسيب راوي الحديث عن معمر كان يحتكر الزيت، فقيل له في ذلك فقال: كان معمر يحتكر (٣).

стр. 8228

وفي "مسند أحمد" (١): كان يحتكر النوى والخبط والبزر (٢)، وجاء في الاحتكار أحاديث ضعيفة لا نطول بذكرها. وقال أبو الزناد: قلت لابن المسيب: أنت تحتكر، قال: ليس هذا بالذي قال رسول الله ﷺ ، إنما قال: "أن يأتي الرجل للسلعة عند غلائها فيغالي بها"، وأما أن يشتريه إذا أبضع ثم يرفعه فإذا احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير (٣).

стр. 8229

فبان أن معنى النهي عن الحكرة في وقت حاجة الناس. روى ابن القاسم، عن مالك أنه قال: من اشترى الطعام في وقت لا يضر بالناس اشتراؤه فلا يضره أن يتربص به ما شاء. وهو قول الكوفيين والشافعي. قال مالك: وجميع الأشياء في ذلك كالطعام، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يشتري في سنة الرخص طعامًا لسنين لنفسه وعياله مخافة الغلاء. قال مالك: وأما إذا قل الطعام في السوق واحتاج الناس إليه، فمن احتكر منه شيئًا فهو مضر بالمسلمين، فليخرجه إلى السوق ويبعه بما ابتاعه ولا يزدد فيه (١). فعلى هذا القول تتفق الآثار، ألا ترى أن الناس إذا استوت حالتهم في الحاجة فقد صاروا شركاء، ووجب على المسلمين المواساة في أموالهم، فكيف لا يمنع الضرر عنهم، وقد جمع رسول الله ﷺ الأزواد بالصهباء عند الحاجة (٢)، ونهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث للدافة (٣).

стр. 8230

وجمع أبو عبيدة بين أزواد السرية، وقسمها بين من لم يكن له زاد وبين من كان له (١). وأمر عمر أن يحمل في عام الرمادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، وقال: إنَّ المرء لا يهلك عن نصف شبعه (٢). فرع: يصح بيع الصبرة مجازفة، وفي كراهته قولان: أظهرهما: نعم، وكذا صبرة الدراهم، وعن مالك: لا يصح بيعه إذا كان بائع الصبرة جزافًا يعلم قدرها (٣). وروى الحارث بن أبي أسامة بسند فيه الواقدي من حديث عمران بن أبي أنس: سمع رسول الله ﷺ عثمان يقول: في هذا الوعاء كذا وكذا، ولا أبيعه إلاَّ مجازفة. فقال: "إذا سميت كيلًا فكِلْ" (٤).
следующие страницы →