← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

وقوله في الباب الأخير: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو الفريابي. (ثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن سعيد الثوري، كما بينه أبو نعيم. واعترض ابن التين على هذا التبويب فقال: لم يأتِ فيه هنا بما يدل على خيار البائع وحده. وأخذه القاضي من حديث حبان السالف، قال: وقول همام (١) إلى آخره، ليس بمحفوظ والرواية على خلافه، وإذا خالف الواحد الرواة جميعًا لم يقبل قوله، سيما أنه إنما وجده في كتابه، وربما أُدْخل على الرجل في كتبه إذا لم يكن شديد الضبط. قال: وليس في الباب الأول ذكر مدته إلا ما ذكر من التفرق. وأجاب ابن المنير بأنه يؤخذ من عدم تحديده إذ فيه تفويض الأمر إلى الحاجة في اشتراطه، وهو مذهب مالك (٢). قلت: لعله يشير إلى رواية همام السالفة؛ لأنه عقده للكمية لا للمدة. إذا عرفت ذلك: فألفاظ الحديث مع كثرة طرقه متواردة على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين؛ وأن التفرق المذكور إنما هو بالأبدان، وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين والشافعي (٣) وأحمد (٤)، وحمله طائفة على أنه محمول على ظاهره لكن على جهة الندب لا على الوجوب، وعليه طائفة من المالكية وغيرهم.

стр. 8157

وعن مالك وربيعة وأبى حنيفة وصاحبيه والثوري والنخعي في أحد قوليهما: أن التفرق إذا حصل بالأقوال وجب البيع، وأن لا خيار إلا إن اشترط، ولهم على الحديث شبه كثيرة ذكرتها موضحةً في "شرح العمدة" فلتراجع منه (١). ولنتكلم على أبواب البخاري بابًا بابًا: أما أمد الخيار: فاختلف الفقهاء فيه على خمسة أقوال: أحدها: أن البيع جائز والشرط لازم إلى الأمد الذي اشترط إليه الخيار، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور عن ابن المنذر (٢) (٣). ثانيها: وهو قول مالك: يجوز شرط الخيار في بيع الثوب اليوم واليومين، وفي "الواضحة": الثلاثة، والجارية الخمسة أيام والجمعة. وفي ابن وهب: الرقيق الشهر. وقيل: عشرة أيام. وقيل: خمسة. والدابة تُركب اليوم وشبهه، ويُسار عليها البريد ونحوه، وفي الدار الشهر لتُختبر ويُستشار فيها. وفي "الواضحة": الشهران والثلاثة، ذكره الداودي، وما بعد من أجل الخيار لا خير فيه؛ لأنه غرر، ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري (٤). ثالثها: وهو قول الثوري وابن شبرمة: يجوز شرطه للمشتري عشرة أيام وأكثر ولا يجوز شرطه للبائع.

стр. 8158

رابعها: وهو قول الأوزاعي: يجوز أن يشرط الخيار شهرًا وأكثر. خامسها: وهو قول أبي حنيفة والشافعي والليث وزفر: الخيار في البيع ثلاثة أيام، ولا تجوز الزيادة عليها، فإن زاد فسد البيع (١). وقال عبيد الله بن الحسن: لا يعجبني شرط الخيار الطويل إلا أن الخيار للمشتري ما رضي البائع، احتجوا بأن حبان بن منقذ أو والده كان يُخدع في البيوع، فقال له ﵇: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ" وجعل له الخيار ثلاثًا فيما يبتاع (٢). وفي حديث المصراة إثبات الخيار ثلاثًا (٣). قالوا: ولولا الحديث في الثلاثة أيام ما جاز الخيار ساعة واحدة. وحجة القول الأول ظاهر حديث الباب: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" إلا بيع الخيار وهو مطلق، وقد قال ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٤). وحجة الثاني أن العبد والجارية لا يُعرف أخلاقهما، ولا ما هما عليه من الطباع في الثلاث؛ لأنهما يتكلفان ما ليس من طبعهما في مدة يسيرة ثم يعودان بعد ذلك إلى الطبع، فيجب أن يكون الخيار مدة يختبران في مثلها، ليكون المبتاع داخلًا على بصيرة، يوضحه أنَّ أجل

стр. 8159

العنين سنة؛ لأن حاله يختبر فيها (١)؛ فلذلك ينبغي أن يكون كل خيار على حسب تعرف حال المختبر، ويقال لمن قال بالخامس: إن خيار الثلاث في حديث حبان من رواية ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أخرجه البخاري في "تاريخه"، وابن ماجه في "سننه"، وليس في رواية الثقات الحفاظ (٢).

стр. 8160

وأما حديث المصراة فهو حجة لنا؛ لأن المصراة لما كانت لا يختبر أمرها في أقل من ثلاث، جعل فيها هذا المقدار في يختبر في مثله، فوجب أن يكون الخيار في كل مبيع على قدر المدة التي يختبر فيها، وأما القول الثالث فلم يقل به أحد من أهل العلم غير الثوري، كما قاله الطحاوي. وأما الباب الثاني فهو: إذا اشترط في الخيار مدة غير معلومة، وقد اختلف العلماء فيه على خمسة أقوال: أحدها: صحة البيع وإبطال الشرط، وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي عملًا بحديث بريرة (١). ثانيها: صحتهما، وله الخيار أبدًا، وهو قول أحمد وإسحاق (٢). ثالثها: وهو قول مالك: البيع جائز، ويجعل له من الخيار مثل ما يكون له في تملك السلعة (٣). رابعها: وهو قول أبي يوسف ومحمد: له أن يختار بعد الثلاث (٤). خامسها: وهو قول أبي حنيفة والشافعي: البيع فاسد؛ فإن اختاره في الثلاث جاز، وإن مضت الثلاث لم يكن له أن يختاره (٥).

стр. 8161

وظاهر الحديث يرده ويدل أنه يجوز من غير توقيت؛ لأنه أطلق وسوى بين تمام البيع بعد التفرق، وبعد الأخذ بالخيار إذا شرطاه دون ذكر توقيت مدة، فلا معنى لقول من خالفه، وأما الثالث وهو معنى التفرق المذكور في الحديث. وفيه قولان: أحدهما: أن المراد به التفرق بالأبدان، وأن المتبايعين إذا عقدا بيعهما فكل واحد منهما بالخيار بين إتمامه وفسخه، ما داما في مجلسهما لم يتفرقا بأبدانهما، رُوي ذلك عن ابن عمر وأبي برزة وجماعة من التابعين، ذكرهم البخاري (١)، ورُوي عن سعيد بن المسيب (٢) والزهري، وبه قال الليث وابن أبي ذئب والثوري والأوزاعي وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣). ونقله ابن التين عن علي وابن عباس وأبي هريرة والحسن. ثانيهما: أن البيع يتم بالقول دون الافتراق بالأبدان، ومعنى قوله "ما لم يفترقا" أن البائع إذا قال له: قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري: قد قبلتُ، والمتبايعان هما المتساومان، رُوي هذا القول عن النخعي (٤)، وهو قول ربيعة ومالك وأبي حنيفة ومحمد. ونقله الطحاوي عن أبي يوسف أيضًا، وعيسى بن أبان (٥).

стр. 8162

احتج الأولون بأن ابن عمر راوي الحديث وهو أعلم بمخرجه قد رُوي عنه أنه بايع عثمان بن عفان، قال: فرجعت على عقبي كراهة أن يُرَادَّني البيع (١). قالوا: فالتفرق عند ابن عمر بالبدن لا باللفظ. وقالوا: إن من جعل المتبايعين هنا المتساومين لا وجه له؛ لأنه معقول أن كل واحد في سلعته بالخيار قبل السوم، وما دام متساومًا حتى يمضي البيع ويعقده وكذلك المشتري بالخيار قبل الشراء، وفي حين المساومة، وإذا كان هذا كله بطلت فائدة الخبر، والشارع يجل عن أن يخبر بما لا فائدة فيه. وأُجيب بأن له فائدة، وذلك أن المتبايعين لا يبعد أن يختلفا قبل الافتراق بالأبدان، فلو كان كل واحدٍ منهما بالخيار لم يجب على البائع يمين ولا ترادٌّ؛ لأن الترادَّ إنما يكون فيما تم من البيوع. وادَّعى الطحاوي أن من لم يسم المتساومين متساومين فقد أغفل سعة اللغة؛ لأنه يُحتمل أن يسميا متبايعين لقربهما من التبايع وإن لم يتبايعا، كما سُمي إسحاق ذبيحًا (٢) لقربه من الذبح وإن لم يذبح، وقد قال ﵇: "لا يسوم (٣) الرجل على سوم أخيه، ولا يبع الرجل على بيع أخيه" (٤) ومعناهما واحد (٥)، وهو اللازم لهم. والتفرق في لسان

стр. 8163

العرب بالكلام معروف كعقد النكاح، وكوقوع الطلاق في سمَّاه الله فراقًا قال تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤] وأجمعت الأمة أن التفريق فيها أن يقول لها: أنت طالق. وقال ﵇: "تفترق أمتي" (١) ولم يرد التفرق بالأبدان. وأجمعوا أن رجلًا لو اشترى قرصًا أو ماءً فأكل القرص أو شرب الماء قبل التفرق لكان ذلك له جائزًا، أو كان قد أكل ماله، وسيأتي ذكر مبايعة ابن عمر لعثمان، بعد بيان مذهب ابن عمر، وأنه حجة لمن قال: التفرق بالكلام؛ كذا قال، ولا يسلم له. وحكى الطحاوي، عن المزني، عن الشافعي أنه قال في قوله تعالى ﴿فَإذَا بَلَغنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن (٢). وإثبات الشارع الخيار للمتبايعين ما لم يفترقا، إنما هو على ما سوى بيع الخيار، عملًا بقوله: "إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ" فاستثنى بيع الخيار فيما قد تم فيه البيع، وبقي الخيار في بيع الخيار بعد التفرق حتى يتم أمد الخيار فيختار البيع أو يرد. وذهب أكثر من يرى التفرق بالأبدان إلى أنه إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فاختار إمضاء البيع فقد تم البيع وإن لم يتفرقا بالأبدان، إلا أحمد فإنه قال: هما بالخيار حتى يتفرقا، خَيَّرَ أحدهما صاحبه أو لم يُخَيِّرْه (٣).

стр. 8164

وأما الذين يجيزون البيع بالكلام دون افتراق الأبدان فهو عندهم بيع جائز. قال: اختر أو لم يقله، فجعل من ذلك اتفاق الجميع غير أحمد وحده، وقوله خلاف الحديث، فلا معنى له كما قاله ابن بطال (١). تنبيهات: أحدها؛ قوله: "إن المتبايعين" كذا وقع في الأصل، وهو الصواب. وادعى ابن التين أنه وقع في رواية أبي الحسن "المتبايعان" وخرجه على لغة من يجعل المثنى على حد سواء رفعًا ونصبًا وجرًا، وهو أحد وجوه ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]. ثانيها: قال ابن التين: جمهور أصحاب مالك على أن حديث الخيار ليس بمعمول به؛ ثم اختلفوا في الانفصال عنه، فادَّعى أشهب نسخه بقوله "المسلمون على شروطهم" (٢)، وبقوله: "إذا اختلف البيعان استحلف البائع" (٣)، أي: لو كان هناك خيار لم يحتج إلى اليمين.

стр. 8165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8166

وقيل: إنه مخالف لظاهر قوله ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لا يمكن الإشهاد بعد التفرق. وقيل: عمل أهل المدينة ومكة أقوى منه. وقيل: إنها جهالة وقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة، وكبيع خيار إلى أجل مجهول. وسلف أن من جملتها حمله علي المتساومين، ويرده أنه لو حلف ما باع -وكان في السوم- لا حنث.

стр. 8167

ثالثها: قوله في الباب الثاني ("أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع خيار"): هما سواء كما قال الداودي، ومعناهما: أنه بيع خيار الشرط. وقال ابن حبيب: معناه قطع خيار المجلس (١). وقوله في الباب الرابع: ("مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا") إلى آخره، هو أوضح حديث فيه كما قال الخطابي (٢)؛ لأن قوله: "وكانا جميعًا" يبطل كل تأويل يخالف ظاهر الحديث مما تأوله أهل العراق وغيرهم يعني: مالكًا وأصحابه (٣). وكذا قوله: "وإن تفرفا بعد أن تبايعا" إلى آخره، فيه أبين دليل على أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار، وأن للمتبايعين أن يتركا البيع بعد عقده ما داما في مجلسهما، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن الفائدة؛ لأن الناس على اختيارهم في أملاكهم، فأي فائدة في ذكر البيع إذا وقع. وادَّعى الداودي أن قوله في هذا الحديث "وكانا جميعًا" إلى آخره ليس بمحفوظ، قال: وليس مقام الليث في نافع مقام مالك. رابعها: في الترمذي محسنًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي "إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" (٤) وهو مؤول إما باستقلاله باختيار الفسخ أو باختيار الاستقلال كما قاله ابن العربي، والصواب الأول، وعبَّر عن الإقالة به. خامسها: نقل ابن حزم عن الأوزاعي أن كل بيع فالمتبايعان فيه

стр. 8168

بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، إلا بيوعًا ثلاثة: المغنم، والشركاء في الميراث يتقاومونه، والشركاء في التجارة يتقاومونها (١). سادسها: من تلك الاعتراضات المشار إليها فيما سلف خمسة: أن مالكًا رواه وذهب إلى خلافه (٢)، وأنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه يخالف قياس الأصول؛ لأن عقود المعاوضات لا خيار فيها، حمله على المتساومين باعتبار ما يئول إليه حالهما من التبايع، وحمله على ما إذا قال البائع: بعت، ولم يقل المشتري: قبلت؛ لأنه بعد تمام العقد يقال: كانا متبايعين، وحمله التفرق على الأقوال، وقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وجوابه كله لائح، والحق أحق بالاتباع. سابعها: لما ذكر ابن حزم مقالة الثوري السالفة قال: روينا في ذلك آثارًا عن المتقدمين. روى الشعبي أن عمر اشترى فرسًا واشترط حبسه على إن رضيه وإلا فلا بيع بعد بينهما، فحمل عليه رجلًا فعطب الفرس فجعل بينهما شريحًا، فقال شريح لعمر: سلم ما ابتعت أو رُدَّ ما أخذت، فقال عمر: قضيت بالحق (٣). ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، عن أبيه قال: اشترى نافع دار السجن بأربعة آلاف، فإن رضي عمر فالبيع بيعه، وإن عمر لم يرضَ فلصفوان أربعة، فأخذها عمر (٤). وعن ابن عمر قال: كنت أبتاع إن رضيت

стр. 8169

حتى ابتاع ابن مطيع إن رضيها فقال: إن الرجل ليرضى ثم يدع وكأنما أيقظني، وكان يبتاع ويقول: ما إن أحدثت. وقال سليمان بن البرصاء، بايعت ابن عمر بيعًا فقال لي: إن جاءتنا نفقتنا إلى ثلاث ليالٍ فالبيع بيعنا وإلا فلا بيع بيننا وبينك (١). قال ابن حزم: لا نعلم عن الصحابة في بيع الخيار غير هذا، وهو خلاف قول أبي حنيفة والشافعي ومالك، وهي عندهم بيوع مفسودة مفسوخة (٢). ثامنها: في "علل الخلال": قال الأثرم: قلت لأحمد: في يقول أهل المدينة في العهدة الثلاث والسنة؟! قال: أما عهدة السنة فما أدري رووه عن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل (٣). وأما حديث الثلاث فلو ثبت حديث عقبة، ولكن الحسن ما أراه سمع منه؛ لأنه بصري، ولكن الحسن كان يأخذ الحديث هكذا. وقال محمد بن الحكم عن أحمد: ليس في عهدة الرقيق حديث صحيح، ولا أذهب إليه، إنما روي عن الحسن، عن عقبة (٤) وليس فيه شيء يصح. قلت: إن مالكًا يذهب إليه، قال: لا يعجبني.

стр. 8170

تاسعها: الكلام كله في خيار المجلس، أما خيار الشرط فثابت بالإجماع (١) ودليله حديث حبان بن منقذ السالف (٢)، وإنما يجوز شرط الخيار في البيوع التي لا ربا فيها، أما تلك فلا، إذ لو جوزنا تفرقًا ولم يتم البيع بينهما. عاشرها: إذا شرط الخيار عندنا زيادة على الثلاث بطل البيع، ولا يخرج على تفريق الصفقة، وقد روى الجذامي محمد بن يوسف، أنا محمد بن عبد الرحيم بن شروس، أنا حفص بن سليمان، أنا أبان، عن أنس أن رجلًا اشترى بعيرًا واشترط الخيار أربعة أيام، فأبطل النبي ﷺ البيع فقال: "إنما الخيار ثلاثة أيامٍ". قال: ثنا عبد الرزاق: ثنا رجل سمع أبانًا يقول عن الحسن: اشترى رجل بيعًا، وجعل الخيار أربعة أيام فقال ﵇: "البيع مردود، وإنما الخيار ثلاثة أيام" وأبان وحفص ضعيفان، والحديثان عزيزان (٣).

стр. 8171

الحادي عشر: قال ابن المنير في ترجمة البخاري: إذا لم يوَقِّت في الخيار هل يجوز البيع؟ ثم ذكر حديث ابن عمر: "أو يقول أحدهما لصاحبه اختر" (١): الظاهر أنه قصد تجوز البيع، وتفويض الأمر بعد اشتراط الخيار المطلق إلى العادة في مثل السلعة، وهذا مذهب مالك، وهو أسعد بإطلاق الحديث، خلافًا لمن منع البيع لذلك إلحاقًا بالغرر.

стр. 8172

٤٧ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَمْ يُنْكِرِ البَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي، أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ . وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِى السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا: وَجَبَتْ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ. ٢١١٥ - وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ "بِعْنِيهِ". قَالَ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "بِعْنِيهِ". فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ". [٢٦١٠، ٢٦١١ - فتح:٤/ ٣٣٤] ٢١١٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ مَالًا بِالوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي البَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. [انظر: ٢١٠٧ - مسلم: ١٥٣١ - فتح: ٤/ ٣٣٤] وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابن عُمَرَ في بيع الجمل الصعب بطوله.

стр. 8173

وَقَالَ اللَّيْثُ (١): حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بِعْتُ مِنْ عُثْمَانَ بن عفان مَالًا بِالوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي البَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَةُ أَنَّ المُتَبَايعَيْنِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. الشرح: أثر طاوس أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه به (٢). وعن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: إذا بعت شيئًا على الرضا قال: الخيار لكليهما حتى يتفرقا عن رضا (٣). وتعليق الحميدي روى البخاري منه قطعة في باب: من أهدي له هدية وعنده جلساؤه. فقال: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا ابن عيينة (٤). وأخرجه الإسماعيلي من حديث ابن أبي عمر وهارون عنه، وأخرجه أبو نعيم من حديث بشر بن موسى عنه، وكذا هو في "مسنده" من رواية بشر بن موسى عنه. وتعليق الليث رواه الإسماعيلي من حديث أبي صالح عنه، ورواه أيضًا من حديث أيوب بن سويد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري به، قال: ورواه أبو صالح، عن الليث: عن يونس أخبرنا القاسم: أنا ابن زنجويه، ثنا أبو صالح.

стр. 8174

وقال البيهقي: رواه يحيى بن بكير أيضًا عن الليث، عن يونس، عن الزهري به (١) وذكره أبو نعيم من حديث أبي صالح عنه، ثم قال: ذكره -يعني: البخاري- فقال: وقال الليث، ولم يذكر من دونه، ويدل على أن الحديث لأبي صالح، وأبو صالح ليس من شرطه. إذا تقرر ذلك: فالحديث حجة لمن يرى الافتراق بالكلام في الحديث السالف في الباب قبله "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" وهو بين في ذلك، ألا ترى أنه ﵇ وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق من عمر، ولو لم يكن الجمل له ما جاز له أن يهبه لابن عمر حتى يجب له بافتراق الأبدان. وأما حديث ابن عمر في مبايعته لعثمان فقد احتج به من قال: إن التفرق بالأبدان. واحتج به أيضًا من قال: إنه بالكلام، وكان من حجة الثاني أن قالوا: لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان، لكان المراد به الحض والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم وألَّا يفترسه في البيع على استخباره عن الداء والغائلة، وقد قال ﵇: "من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة". من حديث أبي هريرة (٢)؛ ألا ترى قول ابن عمر: (وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا)، وفي رواية:

стр. 8175

وكانت السنة يومئذٍ. ذكرها أبو عبد الملك، ولو كان على الإلزام لقال: كانت، وتكون إلى يوم الدين، فحكى ابن عمر أن الناس حينئذٍ كانوا يلتزمون الندب، لأنه كان زمن مكارمةٍ، وأن الوقت في حدث ابن عمر بهذا الحديث كان التفرق بالأبدان متروكًا، ولو كان على الوجوب ما قال: وكانت السنة، فكذلك جاز أن يرجع على عقبيه؛ لأنه فهم أن المراد بالحديث الحض والندب، لا سيما وهو في حصر فعله في هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق. وقال الطحاوي: يحتمل حديث ابن عمر الوجهين جميعًا، فنظرنا في ذلك، فروينا عنه ما يدل أن رأيه كان في الفرقة، بخلاف ما ذهب إليه من قال: إن البيع لا يتم إلا بها. وهو ما رويناه عن ابن عمر قال: ما أدركت الصفقة حيًّا فهو من مال المبتاع (١). قال ابن حزم: صح هذا عنه ولا يُعلم له مخالف من الصحابة (٢). قال ابن المنذر: يعني في السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها

стр. 8176

المشتري بعد تمام البيع هي من مال المشتري؛ لأنه لو كان عبدًا فأعتقه المشتري كان عتقه جائزًا؛ بخلاف عتق البائع، فهذا ابن عمر يذهب فيما أدركت الصفقة حيًّا فهلك بعدها أنه من مال المشتري، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك، وأن البيع ينتقل بالأقوال من ملك البائع إلى ملك المبتاع حتى يهلك من ماله إن هلك، وهذا من ابن عمر قال على أن مذهبه في الفرقة التي سمعها من رسول الله ﷺ فيما ذكروا. وقد وجدنا عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن المبيع يملكه المشتري بالقول دون التفرق بالأبدان، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" (١) فكان ذلك دليلًا على أنه إذا قبضه حل له بيعه فيكون قابضًا له قبل التفرق بالأبدان. وفي ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عثمان يخطب على المنبر ويقول: كنت أشتري التمر وأبيعه بربح فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا اشتريت فاكتل، وإذا بعت فكِلْ" (٢) وسيأتي عند البخاري أيضًا معلقًا (٣). وكان من ابتاع طعامًا مكايلة فباعه قبل أن يكتاله لا يجوز بيعه، فإذا ابتاعه واكتاله وقبضه ثم فارق بائعه، فكلٌّ قد أجمع أنه لا يحتاج بعد الفرقة إلى إعادة الكيل. وخولف بين اكتياله إياه بعد البيع قبل التفرق وبين اكتياله إياه قبل البيع، فدل ذلك أنه إذا اكتاله اكتيالًا يحل له به بيعه،

стр. 8177

فقد كان ذلك اكتيالًا له وهو له مالك، وإن اكتال اكتيالًا لا يحل له، فهو كاله وهو غير مالك له، فثبت بما ذكرنا وقوع ملك المشتري في المبيع بابتياعه إياه قبل فرقة تكون بعد ذلك، فهذا وجه طريق الآثار. وأما طريق النظر: فرأينا الأموال تملك بعقود في أبدان وفي أموال وفي أبضاع وفي منافع، فكان ما يملك من الأبضاع هو النكاح، وكأنه (يملك) (١) بعقده لا بفرقةٍ بعد العقد وكان ما يملك به المنافع هو الإجارات، وكان ذلك أيضًا مملوكًا بالعقد لا بفرقةٍ بعده، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع، وغيرها تكون مملوكة بالأقوال لا بفرقة بعدها قياسًا ونظرًا. وفي الحديث: أن يسأل رب السلعة بيعها وإن لم يعرضها، وأن البيع لا يحتاج إلى قبض. وقول البخاري: (ولم ينكر البائع على المشتري) فيه تعسف، ولا يحمل فعله أنه وهب ما فيه لآخر خيار ولا إنكار؛ لأنه إنما بعث مبينًا. نبه عليه ابن التين، قال: وليس فيه ما بوَّب له. ومعنى: (سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُود): يعني: أن الأرض التي أعطيت بعدها من أرض ثمود ثلاث ليالٍ، والأرض التي أعطاني من المدينة على ثلاث، وما قرب موضع حاجته، وقد ذكر أن مسافة ما بين المدينة وخيبر أكثر من أربعة أيام. وقوله في الترجمة: (أو اشترى عبدًا فأعتقه). كأنه إنما أخذه من القياس على الهبة؛ لأن القبض آكد من الهبة.

стр. 8178

وفي الحديث: جواز بيع الغائب علي الصفة، وهو مذهب جماعات، وسيأتي ذلك بعد إن شاء الله تعالى. وقام الإجماع أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أخذ به من الهبة أو العتق أنه بيع جائز، واختلفوا إذا لم ينكر ولم يرض بما أخذ به المشتري، فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام يجيزون هبته وعتقه، ومن يرى التفرق بالأبدان لا يجيز شيئًا من ذلك، إلا بعد التفرق، وحديث عمر حجة عليهم، وفي حديث الجمل توقيرهم الشارع، ولا يتقدمونه في المشي. وفيه: زجر الدواب، وهبة المبيع للغير وإن لم يأذن البائع كما سلف. وفي مبايعة ابن عمر جواز بيع الأرض بالأرض. وفي تلطف ابن عمر وافتراقه من عثمان استعمال الندب؛ إذ ليس من شأنهم التحيل.

стр. 8179

٤٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَيْعِ ٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". [٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٤٦ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح: ٤/ ٣٣٧] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، فكان إذا بايع يقول: لا خلابة (١). وهذا الرجل هو حَبَّان بن منقذ، بفتح الحاء المهملة ثم باء موحدة مفتوحة، شهد أحدًا وأصابته آفة في رأسه، وولد ولده محمد بن يحيى بن حبان، روى له الجماعة، وعمه واسع بن حبان أخرجوا له أيضًا، وروى مسلم وأبو داود والترمذي لابنه حبان (٢). وقيل: إن هذِه القصة لمنقذ بن عمرو، قال ابن بطال: وهو أصح (٣). وعاش منقذ مائة وثلاثين سنة كما سيأتي. وفي "الاستيعاب" أنه منقذ (٤)، وذلك محفوظ من حديث ابن عمر وغيره. والحاكم ذكره من حديث ابن عمر في ولده حَبان، ثم قال:

стр. 8180

متصل الإسناد (١). وللدارقطني من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا من الأنصار كان بلسانه لوثة (٢)، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ مرتين". قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمرو، وكان رجلًا قد أصابته آفة في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن. وفيه، وكان عَمَّر عُمرًا طويلًا، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان حين فشا الناس (٣). وفي لفظ عن ابن عمر: كان حبان رجلًا ضعيفًا، وكان قد سُفع في رأسه مأمومة، فجعل رسول الله ﷺ له الخيار فيما يشتري ثلاثًا، وكان قد ثقل لسانه، فكنت أسمعه يقول: لا خذابة لا خذابة. (٤) قال الدارقطني: وكان ضرير البصر (٥). وفي الطبراني لما عمي قال له ﵇ ذلك. ولابن حزم من حديث ابن إسحاق: أن منقذًا سفع في رأسه مأمومة في الجاهلية فحلت لسانه. وفيه: "وأنت بالخيار ثلاثًا" (٦).

стр. 8181

وقال الجياني: شج مع رسول الله ﷺ في بعض الحصون بحجر. قال صاحب "المطالع": وكان ألثغ لا يعطيه لسانه إخراج اللام، وكان ينطق به ياءً أو ذالًا معجمة، وصحف من قال: لا خيانة (١). و (الخِلَابَة): المخادعة، فلا خلابة، أي: لا خديعة، ولا غش، ولا كيد، ولا غبن ونحو ذلك. قال المهلب: أي: لا تخلبوني فإنه لا يحل، فإن اطلعتُ على عيب رجعت به. واختلف الفقهاء فيمن باع بيعًا غبن فيه غبنًا لا يتغابن الناس بمثله، فقال مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وبأسعارها في وقت البيع لم يفسخ ولو كثر الغبن، وإن كانا أو أحدهما غير عارفٍ بتقلب السعر وتغيره وتفاوت الغبن فسخ البيع، إلا أن يريد أن يمضيه. ومن أصحاب مالك من اعتبر مقدار ثلث السلعة، ولم يجد مالك في ذلك حدًّا. ومذهبه إذا خرج عن تغابن الناس في مثل تلك السلعة أنه يفسخ. وبهذا قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له أن يفسخ في الغبن وإن كثر، وبه قال ابن القاسم: وحجتهم هذا الحديث؛ لأن من يخدع في عقله بضعف يلحقه الغبن في عقوده، فجعل له الشارع الخيار لما يلحقه من ذلك، فلو كان الغبن شيئًا يملك به فسخ العقد لما احتاج إلى شرط خيار مع استغنائه عنه (٢).

стр. 8182

قلت: ذلك بأنه ﵇ قال: "لك الخيار" (١) ولم يقل له: اشترط الخيار. وقال له: ("قُلْ: لَا خِلَابَةَ") أي: لا خديعة، فلو كان الغبن مباحًا لم يكن لقوله: "لا خِلابة" معنًى، ولم ينفعه ذلك، فلما كان ذلك ينفعه جعل له الشارع الخيار بعد ذلك، لينظر فيما باعه ويسأل عن سعره ويرى رأيه فيه، وإنما جعل ذلك في حبان ليعلمنا الحكم في مثله، وإنما تعرف الأحكام بما يبينه، فبين من يغبن في بيعه إذا لم يكن عارفًا بما يبيعه. وأيضًا فقد جعل الشارع الخيار للمتلقي لأجل الغبن، واعترضه ابن حزم بأن فيه الخيار إلى دخول السوق، ولعله لا يدخله إلا بعد عام أو أكثر (٢). قلت: خلاف الغالب، وأيضًا لو ابتاع سلعةً فوجد بها عيبًا كان له الخيار في الرد لأجل النقص الموجود بها، فلا فرق بين أن يجد النقص بالسلعة أو بالثمن؛ لأنه في كلا الموضعين قد وجد النقص في يخرج به عن القصد، ولا يرد الغبن اليسير؛ لاحتماله غالبًا. وذكر ابن حبيب عن مالك أنه سُئل عن جاهل باع حجرًا أو درة بدرهمين فألفاه، أي: وجده المشتري ياقوتة فلم ير فيه رجوعًا؛ لأن الغلط ماض على البائع والمبتاع في المساومة، وإنما يرد في البيع على المرابحة، إلا أن يبيعه بائعه على أنه زجاج فألفاه المشتري ياقوتة، فإنه يرد البيع، وكذلك لو باعه على أنه ياقوت فألفاه المشتري زجاجًا، يُرد أيضًا (٣). وزعم ابن عبد البر أن هذا خاص بحبان، وأن الغبن بين المتبايعين

стр. 8183

لازمه، ولا خيار للمغبون بتسببها، سواء قلت أو كثرت (١)، وهو أصح الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة (٢). وكذا حدَّه أبو بكر بن موسى من الحنابلة. وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل (٣). ويؤيد الخصوص رواية ابن لهيعة، عن حبان، عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع، فقال: ما أجد لكم شيئًا مما جعله سيدنا رسول الله ﷺ لحبان (٤)، ورواية ابن لهيعة أيضًا عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن جده، قال عمر بن الخطاب الحديث (٥)، لكنهما ضعيفان. وتمسك بهذا الحديث من لا يرى الحجر على الكبير، لا سيما وقد جاء في بعض طرقه أن أهل هذا الرجل سألوا رسول الله ﷺ أن يحجر عليه لما في عقوده من الغبن، فلم يحجر عليه، وأمره بقوله: "لَا خِلَابَةَ". قلت: قد يقال: إن الحجر عليه يؤخذ منه؛ لأنهم سألوه ما أنكر عليهم، وقد قال له: "قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا". ويروى: "واشترط الخيار ثلاثًا" (٦).

стр. 8184

ويجوز أن يكون تركه لكونه يسيرًا لا يحجر بمثله. قال الدودي: أسفر لنفسه فدله على وجه يختص به، ولم يضرب على يديه. وأجاب ابن العربي بأنه يحتمل أن تكون الخديعة كانت في العيب أو في الغبن أو في الكذب أو في الثمن أو في العين. وليست قضية عامة فتحمل على العموم، وإنما هي خاصة في عين وحكاية حال. وعند المالكية خلاف في الحجر على من يخدع في بيعه، قال ابن شعبان: نعم. وقال غيره: لا؛ عملًا بهذا الحديث، واستدل به على أن بيع السفيه إذا لم يكن عليه وصي على الجواز حتى يضرب على يده، لإجازة الشارع ما تقدم من بيوعه. وعورض بأنه يحتمل أن يكون بائعه غير معروف أو غائبًا. وقد قال ابن القاسم: يفسخ بيعه وإن لم يضرب على يديه، وخالفه جميع أصحاب مالك (١). قال ابن حزم: من قال حين يبيع أو يبتاع: لا خلابة، فله الخيار ثلاث ليالٍ بما في خلالهن من الأيام، إن شاء رد بعيب أو بغيره أو بخديعةٍ أو بغيرها بغبن أو بغيره، وإن شاء أمسكه، فإذا انقضت الليالي الثلاث بطل خياره ولزمه، ولا رد إلا من عيب إذا وجد، فإن قال لفظًا غير: لا خلابة بأن يقول: لا خديعة، أو لا غش، أو لا كيد، أو لا غبن، أو لا منكر، أو لا عيب، أو لا ضرر، أو على السلامة، أو لا داء، أو لا غائلة أو لا خبث، أو نحو هذا لم يكن له الخيار المجعول لمن قال: لا خلابة؛ لكن إن وجد شيئًا مما بايع على أن لا يعقد بيعه عليه بطل البيع، وإن لم يجده لزم البيع (٢).

стр. 8185

وحكى ابن التين قولًا أن معنى: لا خلابة في صفة النقد، وفي وفاء الوزن والكيل، قال: ويحتمل أن يأمره بذلك على وجه الإعذار لبائعه. وقيل: إنه ﵇ جعل له ذلك علامة يثبت له بها الخيار ثلاثًا. واحتج به على جواز اشتراطه للبائع والمشتري والأجنبي؛ لإطلاق الحديث. وفيه: ما كان القوم عليه من أداء الأمانة لمن عاملهم والنصح لمن استنصحهم.

стр. 8186

٤٩ - باب مَا ذُكِرَ فِي الأَسْوَاقِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قُلْتُ: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. [انظر: ٢٠٤٨] وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. [انظر: ٢٠٤٩] وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. [انظر: ٢٠٦٢] ٢١١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ". [مسلم: ٢٨٨٤ - فتح: ٤/ ٣٣٨] ٢١١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ". وَقَالَ: "أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ". [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٤/ ٣٣٨] ٢١٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي".

стр. 8187

٢١٢١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: دَعَا رَجُلٌ بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: لَمْ أَعْنِكَ. قَالَ: "سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي". [انظر: ٢١٢٠ - مسلم: ٢١٣١ - فتح: ٤/ ٣٣٩] ٢١٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: "أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟ ". فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. [٥٨٨٤ - مسلم: ٢٤٢١ - فتح: ٤/ ٣٣٩] ٢١٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ. [٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٣٩] ٢١٢٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٣٩] ذكر فيه أثر عبد الرحمن السالف أول البيع (١). وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وقد سلف هناك (٢). وفعلهما دال على فضل الكفاف. ثم ذكر حديث عائشة مرفوعًا: "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ

стр. 8188

مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ" -الحديث-. وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ؟ "ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ". وأخرجه مسلم أيضًا (١). وحديث أبي هريرة السالف في الصلاة (٢): "صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاِتهِ فِي بيته وسوقه بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً … " الحديث بطوله. وفيه: ("ولَا يَنْهَزُهُ") أي: لا يخرجه ولا يدفعه، يقال: نهز الرجل بنفسه إذا نهض، وهو بضم الياء وفتحها. والخطوة: -بفتح الخاء وحكي الضم-. ويؤذ: يغتب. وقال: أبو هريرة: يحدث. وحديث أنس: كَانَ ﵇ بالسوق، فَقَالَ: رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ … الحديث. وفي آخره: "لا تسموا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي". وفي رواية (٣): دَعَا رَجُلٌ بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ … الحديث. وحديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلَّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: "أثَمَّ لُكَعُ، أثَمَّ لُكَعُ؟ " وفي آخره: "اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". يريد: الحسن (٤) بن علي.

стр. 8189

وعند الإسماعيلي: جاء الحسن والحسين يشتدوا. واللكع: الاستصغار، ويقال: اللؤم. وفيه: (فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا) والسِخَابً: قلادة خرزها طيب. قال سفيان (١): قال عبيد الله -يعني: ابن أبي يزيد- أخبرني أنه رأى نافع بن جبير أوتر بركعة. وحديث موسى بن عقبة، عَنْ نَافِعٍ، ثَنَا ابن عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ ، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابن عُمَرَ: نَهَى رسول الله ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. وأخرجه مسلم أيضًا (٢).

стр. 8190

الشرح: إنما أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر، ودخول السوق والشراء فيه للعلماء والفضلاء، وكأنه لم يصح عنده الحديث المروي: "شر البقاع الأسواق وخيرها المساجد" (١)، وهذا إنما خرج علي الأغلب؛ لأن

стр. 8191

المساجد يُذكر فيها اسم الله، والأسواق غلب عليها اللغط واللهو، والاشتغال بجمع الأموال، والكلب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذكر الله فيه فهو من أفضل الأعمال: لحديث: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير. كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيت في الجنة" (١).

стр. 8192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8193

ولذلك إذا لغا في المسجد أو لغط فيه أو عصى ربه لم يضر المسجد، ولا نقص من فضله، وإنما أضر بنفسه، وبالغ في إثمه. وقد روي عن علي أنه قال: من عصى الله في المسجد فكأنما عصاه في الجنة، ومن عصاه في الحمام فكأنما عصاه في النار، ومن عصاه في المقبرة فكأنما عصاه في عرصات القيامة، ومن عصاه في البحر فكأنما عصاه على أكف الملائكة. وفي حديث عائشة: أن من كثَّر سواد قوم في معصية أو في فتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك؛ لأن الخسف لما أخذ السوق عقوبة لهم شمل الجميع. واستنبط منه مالك أن من وُجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب أنه يعاقب، ويريد أن المغلوبين على تكثير السواد ليسوا ممن يستحق العقوبة، لقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]. وفيه: علم من أعلام النبوة، وهو إخباره بما يكون. وفيه: أنه لا بأس بمهازلة الصبي وغيره إذا كان واقعًا تحت السنن والفضل، لاسيما إن عضد ذلك أبوه؛ لأنه ﵇ أبوه، والجد أب. والبيداء: المفازة وجمعها بيد. وقوله: (وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ)، في "مستخرج أبي نعيم": فيهم أشرافهم بالشين المعجمة بدله، وعند الإسماعيلي: وفيهم سواهم، بدل: من أسواقهم، قال: ورواه البخاري: (وفيهم أسواقهم)، وليس هذا الحرف في حديثنا، وأظن أن أسواقهم تصحيف، فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق. قال ابن التين: ولعل هذا الجيش الذين يخسف بهم هم الذين

стр. 8194

(يهدمون) (١) الكعبة فينتقم منهم، ويكون الذين يبعثون على نياتهم وحضرت آجالهم بالخسف، كانوا ينكرون بقلوبهم ولا يقدرون على غير ذلك؛ وقد قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٤]. قلت: قد يقال: (الحبش) (٢) الذين يقدمون ليسوا من هذِه الأمة. والشارع قال في "صحيح مسلم": "إن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد لجأ إلى البيت" فذكر الحديث (٣). فإن قلت: فما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعته وإياهم الطريق؟ قلت: عائشة لما سألت، قال: "يبعثون على نياتهم" فماتوا بها لما حضر من آجالهم وبعثوا على نياتهم. وحديث أنس -يعني: الثاني- لا مناسبة له للباب، نعم ذكر في أصله. وروي أيضًا من حديث جابر وأبى حميد الساعدي "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي" (٤).

стр. 8195

وأبي هريرة: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم، والله يعطي وأنا أقسم" (١). والبراء بن عازب: "لا تجمعوا بين أسمي وكنيتي" (٢). وعائشة: "ما أحل اسمي وحرَّم كنيتي" (٣) ذكرها ابن شاهين (٤)، وذكر عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن محمد بن علي ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة ومحمد بن سعد كانوا كلهم يكنون بأبي القاسم، وكان لمالك بن أنس ابن يقال له محمد وكنيته أبو القاسم، فقيل له في ذلك، فقال: لا بأس به. قال: وهذا الحديث يوجب أن يكون ناسخًا للأول؛ لأن ولدان الصحابة كنوا بأبي القاسم، وقد روي عن بعض التابعين أنه كان يقول: إذا رأينا
следующие страницы →