لها موقف وإنما يطاف بها فأدخلت أزقة الحاضرة فلا بأس أن يشتري وإن لم تبلغ السوق (١). وقال الليث: من كان على بابه أو في طريقه فمرت به سلعة فاشتراها، فلا بأس بذلك، والتلقي عنده الخارج القاصد إليه، قال ابن حبيب: ومن كان موضعه غير الحاضرة قريبًا منها أو بعيدًا، لا بأس أن يشترى ما مرَّ به للأكل خاصة لا للبيع، رواه أشهب عن مالك.
ثم ذكر بعده عنها حديثًا آخر بنحوه، وهو حديث صحيح حفيل له طرق، وقد أفرد بالتأليف (١)، وقام الإجماع على أن من اشترط في البيع شرطًا لا يحل أنه لا يجوز شيء منها؛ عملًا بهذا الحديث واختلفوا في غيرها من الشروط على مذاهب مختلفة، فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز، والشرط باطل على نص حديث بريرة، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وابن جرير، وبه قال أبو ثور، قالوا: ودلَّ هذا الحديث أن الشروط كلها في البيع تبطل وتثبت البيوع (٢).
وذهبت أخرى إلى جوازهما، واحتجوا بحديث جابر في بيعه واستثنائه حمله إلى المدينة، روى ذلك عن حماد وابن شبرمة وبعض التابعين وذهبت ثالثة إلى بطلانها، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط (٣)، وهو قول عمر وولده وابن مسعود والكوفيين والشافعي (٤)، فحملوا هذِه الأحاديث التي نزعوا بها على العموم، ولكل واحد منهما موضع لا يتعداه، ولها عند مالك أحكام مختلفة، وقد يجوز عنده البيع والشرط في مواضع، فإما إجازتهما فمثل أن يشترط المشتري على
стр. 8334
البائع شيئًا ما في ملك البائع ما لم يدخل في صفقة البيع، وذلك مثل أن يشتري منه زرعًا ويشترط على البائع حصده، أو دارًا ويشترط سكناها مدة يسيرة، أو يشترط ركوب الدابة يومًا أو يومين، وقد روي أنه لا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة (١)؛ ووجه إجازته لذلك أن البيع وقع على الشيئين معًا، وعلى الزرع والحصاد، والحصاد إجارة، وهي بيع منفعة، وكذا وقع البيع على الدار غير سكنى المدة وعلى الدابة غير الركوب.
وأبو حنيفة والشافعي لا يجيزان هذا البيع كله؛ لأنه عندهم بيع وإجارة ولا يجوز؛ لأن الإجارة عندهم بيع منافع طارئة في ملك البائع لم تخلق بعد، وهو من باب بيعتين في بيعة.
ومما أجاز مالك فيه البيع والشرط: شراء العبد بشرط عتقه، إتباعًا للسنة في بريرة، وهو قول الليث، وبه قال الشافعي في رواية الربيع، ولم يقس عليه غيره من أجل نهيه ﵇ عن بيع وشرط، وأجاز ابن أبي ليلى هذا البيع وأبطل الشرط، وبه قال أبو ثور، وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط، وأخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط؛ لأن أبا حنيفة يقول: إن المبتاع يقول: إذا أعتقه كان مضمونًا عليه بالثمن، وهذا خلاف أصوله؛ لأنه كان ينبغي أن يكون مضمونًا عليه بالقيمة، كما قال وقلنا في البيع الفاسد (٢).
ومضى أبو يوسف ومحمد على القياس فقالا: لا يكون مضمونًا بالقيمة، قال ابن المنذر: وما قالوه خطأ؛ لأن البيع إن كان غير جائز
стр. 8335
فالعبد في ملك البائع لم يُزل ملكه عنه، وعتق المشتري له باطل؛ لأنه أعتق ما لم يملك، ومما أجاز مالك فيه البيع وأبطل الشرط، وذلك شراء العبد على أن يكون الولاء للبائع، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه وإبطال الشرط فيه لمخالفته السنة في أن: "الولاء لمن أعتق" فإنه ﵇ أجاز هذا البيع وأبطل الشرط، وكذلك من باع سلعة وشرط أنه لم ينقد المشتري إلى ثلاثة أيام أو نحوها مما يرى أنه لا يريد تحويل الأسواق والمخاطرة، فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك، وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط، وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا أجاز الوقت فلا خيار له، وممن أجاز هذا البيع والشرط: الثوري، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، ولم يفرقوا بين ثلاثة أيام وأكثر منها، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام، وإن قال: إلى أربعة أيام، بطل البيع؛ لأن الخيار لا يجوز
عنده اشتراطه أكثر من ثلاثة أيام، وبه قال أبو ثور.
ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط، وذلك مثل أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها، وعلى أن يتخذها أم ولد، فالبيع عنده فاسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
واعتلوا في فساد البيع بفساد الشرط فيه، وذلك عدم تصرف المشتري في المبيع وكما لا يجوز عند الجميع أن يشترط المبتاع على البائع عدم التصرف فيما اشتراه وهذا عندهم معنى نهيه عن بيع وشرط.
وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط، هذا قول النخعي والشعبي والحسن وابن أبي ليلى، وبه قال أبو ثور، وقال حماد الكوفي: البيع جائز والشرط لازم.
قال ابن المنذر: وقد أبطل الشارع ما اشترطه أهل بريرة من الولاء
стр. 8336
وأثبت البيع، فمثال هذا أن كل من اشترط في البيع شرطًا خلاف كتاب الله وسنة رسوله أن الشرط باطل والبيع ثابت؛ استدلالًا بحديث بريرة، واشتراط البائع على المشتري أن لا يبيع ولا يهب شروطًا ينبغي إبطالها وإثبات البيع؛ لأن الله تعالى أحل وطء ما ملكت اليمين، وأحل للناس أن يبيعوا أملاكهم ويهبوها فإذا اشترط البائع شيئًا من هذِه فقد اشترط خلاف كتاب الله، وهو مثل اشتراط موالي بريرة ولاءها لهم، فأجاز ﵇ البيع وأبطل الشرط، فكذلك ما كان مثله، ومما يبطل فيه عند مالك والشافعي والكوفيين البيع والشرط بيع الأمة والناقة واستثناء ما في بطنها، وهو عندهم من بيوع الغرر؛ لأنه لا يعلم مقدار ما يصلح أن يحط من ثمنها قيمة الجنين، وقد أجاز هذا البيع والشرط النخعي والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور؛ واحتجوا بأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها.
قال ابن المنذر: وهذا البيع معلوم ولا يضرهما أن يجهلا ما لم يدخل في البيع، ولا أعلمهم يختلفون أنه يجوز بيع جارية قد أعتق ما في بطنها، ولا فرق بين ذلك؛ لأن المبيع في المسألتين جميعًا الجارية دون الولد.
وما أحسن الحكاية المشهورة في ذلك أنبأنا بها غير واحد عن الدمياطي الحافظ، منهم المعمر ناصر الدين محمد بن علي الحراوي (١)، أنا أبو القاسم بن أبي السعود، أنا أبو الرضا محمد بن
стр. 8337
بدر بن عبد الله السنجي (١)، أنا أبو الحسن على بن محمد العلاف (٢)، أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عمر الحمَّامي (٣)، ثنا جعفر بن محمد بن
стр. 8338
الحجاج (١)، ثنا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير (٢)، ثنا محمد بن سليمان الذُهلي (٣)، ثنا عبد الوارث بن سعيد (٤) قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز.
стр. 8339
فقلت: سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا على مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: ما أدرى ما قالا؟ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، البيع باطل والشرط باطل.
ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا؟ حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها، البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا؟ حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: بعت من النبي ﷺ ناقة واشترط لي حملانها إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز (١).
стр. 8340
قال الحافظ أبو الفتح بن أبي الفوارس (١): هذا حديث غريب من حديث ابن شبرمة، عن مسعر وهذا الحديث تفرد به عبد الوارث بن سعيد (٢).
قال المهلب: وحديث بريرة أصل في العقوبة بالأموال؛ لأن مواليها أبوا الوقوف عند حكم الله وحكم السنة، فلما عرفت عائشة رسول الله ﷺ بإبائهم واستمرارهم على خلاف الحق باشتراطهم ما لا يجوز، قال لها: "اشترطي لهم ذلك" فإن ذلك غير نافعهم ولا ناقض لبيعهم،
فعاقبهم في المال بعشر ما وضعوا من الثمن، من أجل اشتراط الولاء واستبقائه لهم ولم يعطهم قيمة عقوبة.
стр. 8341
قال أبو عبد الله: فلو وقع اليوم مثل هذا وباع رجل جارية على أن يتخذها المشتري أم ولد وعلى أن لا يبيعها ولا يهبها، ثبت البيع ورجع البائع بقيمة ما وضع.
ولنذكر نبذة من فوائده وألفاظه:
ففيه: جواز كتابة الأمة، وكرهها القاضي في "معونته" (١) لما روي عن عثمان أنه قال: لا تكلفوا الأمة الكسب فتكتسب بفرجها (٢) وفيه: تنجيم الكتابة خلافًا للمالكية (٣)، والإعانة عليها، ويدل على أن الخير في الآية الصلاح والعفة لا المال.
وفيه: جواز السؤال للضرورة. لقولها: أعينيني.
وفيه: أخذ المكاتب للزكاة: وهو المعني بقوله ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] خلافًا لمالك.
وفيه: جواز بيع المكاتب، وقد يقال: إنها عجزت نفسها، وأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي (٤).
وفي تعجيز المكاتب ثلاثة أقوال عند المالكية: ثالثها: ما في "المدونة": نعم، إلا أن يكون له مال ظاهر (٥).
стр. 8342
وقوله: ("واشترطي لهم الولاء") قد أسلفنا أنه أعل بتفرد مالك به عن هشام، وأنه لم يتابع، وقال يحيى بن أكثم: هذا لا يجوز عن رسول الله ﷺ ، ولا يتوهم أنه يأمر بغرور أحد (١). وليس كما قال، فقد تابعه عليه أبو أسامة (٢) وجرير (٣)، وقد سلف تأويله وأن (لهم) بمعنى عليهم (٤)، أو أنه من باب: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] على التهكم، أو أنه لم يعبأ بقولهم، ولا رآه قادحًا في البيع، أو أن هشامًا نقله على المعنى، أو أنه قد يخرج الحكم بخاص يتعلق به، ثم يرتفع السبب ويرتفع الحكم، فإن الجاهلية كانت تعتقد ذلك، فأراد ﵇ أن يمنعهم منه وينهاهم عنه، فأمرهم بفعله، ثم منعه ليكون أبلغ في منعه، قاله الشافعي (٥). أو معنى "اشترطي لهم الولاء" أي: لا يلزمك، ويدل له رواية البخاري في بعض طرقه "اشتريها وأعتقيها، ودعيهم يشترطون ما شاءوا" (٦)، وروي "أشرطي" (٧) رباعي أي: بيني،
стр. 8343
أو خصت به عائشة، أو لم يكن الشرط في العقد، فهذِه تأويلات، وخطبته ﵇ علي رءوس الأشهاد أبلغ في النكير وأوكد في التنفير.
وقوله: "قضاء الله أحق" وفي لفظ: "شرط الله أحق" (١) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فأثبت الولاء للمعتق.
وفيه: الابتداء بالحمد عند الموعظة.
وفيه: دليل على ابن عباس القائل بأن المكاتب حر بنفس الكتابة، لانتقال الولاء إلى عائشة، وعندنا وعند مالك: أنه عبد ما بقي عليه درهم (٢)، وعند ابن مسعود: يعتق بأداء نصف كتابته.
وفيه: أن المسئول لا يجب عليه أن يعطي سائله إذا لم يخف عليه هلكة من موت أو أسر.
وفيه: أن العدة لا تلزم؛ لأنه ﵇ لم يلزمها ما شرطت لهم، ورد ذلك عليهم.
стр. 8344
٧٤ - باب بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ
٢١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، سَمِعَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "البُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ". [انظر: ٣١٣٤ - مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٤/ ٣٧٧]
ذكر فيه حديث عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "البُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ".
هذا الحديث سلف في باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة (١)؛ ولفظ الحديث والترجمة: "التمر بالتمر" (٢) بالتاء المثناة، وكذا هو بضبط الحفَّاظ، وتقدم الكلام على (هاء وهاء) واللغات في ذلك.
قال ابن بطال هنا: وهي في كلام العرب خذ وأعط، المعنى: لا يجوز بيع التمر بجنسه إلا يدًا بيد.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أنه لا تباع الحنطة بالحنطة، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الحنطة بالتمر، ولا شيء من الطعام كله بعضه ببعض، إلا يدًا بيد، فإن دخل الأجل شيئًا من ذلك
فلا يصلح وكان حرامًا، قال: وكذلك حكم الإدام كله (٣)، وعلى هذا عامة علماء الأمة بالحجاز والعراق، أن الطعام بالطعام من صنف واحد كانا أو من صنفين، فإنه لا يجوز فيه النسيئة، فهو بمنزلة
стр. 8345
الذهب والورق، وكذلك حكم كل ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب، حكم ما ذكره رسول الله ﷺ من البر والشعير والتمر في ذلك.
قال مالك: إذا اختلف ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب فلا بأس فيه أن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة، وصاع من تمر بصاعين من زبيب، وصاع من حنطة بصاعين من تمر، فإن دخل ذلك الأجل فلا يحل، قال: ولا تباع صبرة الحنطة بصبرة الحنطة، ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر يدًا بيد (١).
قال مالك: وكل ما اختلف من الطعام أو الإدام فبان اختلافه فلا بأس أن يشتري بعضه ببعض جزافًا، يدًا بيد، وشراء بعض ذلك جزافًا كشراء بعض الذهب بالذهب والورق جزافًا، واتفق أهل الحجاز والعراق على أن التفاضل جائز في كل ما اختلف أجناسه من الطعام؛ لأنه إذا اختلفت أجناسه اختلفت أغراض الناس فيه؛ لاختلاف منافعه، فلذلك جاز بيعه متفاضلًا، وكل ما جاز فيه التفاضل جاز بيع بعضه ببعض جزافًا معلومًا بمجهول، ومجهولًا بمجهول، وما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز بيعه جزافًا، ولا يباع معلوم بمجهول، إلا أن مالكًا يجعل البر والشعير والسلت صنفًا واحدًا، لا يجوز فيه التفاضل أحدهما بصاحبه، وهو قول الليث والأوزاعي. وعند الكوفيين والثوري والشافعي يجوز بيع الشعير بالبر متفاضلًا، وهما جنسان عندهم، وهو قول إسحاق وأبي ثور (٢)(٣).
стр. 8346
٧٥ - باب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ
٢١٧١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيْلًا. [٢١٧٢، ٢١٨٥، ٢٢٠٥ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٣٧٧]
٢١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، قَالَ: وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ، إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ. [انظر: ٢١٧١ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٣٧٧]
٢١٧٣ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا بِخَرْصِهَا. [٢١٨٤، ٢١٨٨، ٢١٩٢، ٢٣٨٠ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٧٧]
ذكر فيه حديث ابن عمر: نهى رَسُولَ الله ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيْلًا.
وعنه: نهى رسول ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، قَالَ: وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلِ، إِنْ زَادَ فَلِي، وإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بيع العَرَايَا بِخَرْصِهَا.
هَذان الحديثان أخرجهما مسلم (١).
قوله: (قال: وحدثني زيد) يعني: ابن عمر هو القائل، وسيأتي للمزابنة باب فلنؤخر الكلام عليها إليه (٢)، واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث الذي ذكره البخاري من جهة النص بيع
стр. 8347
الزبيب بالزبيب، ولا الطعام بالطعام إلا جهة المعنى، قال: والبخاري ينحو نحو أصحاب الظاهر، فلو حقق الحديث ببيع الثمر في رءوس الشجر بمثله من جنسه يابسًا أو صحح الكلام على قدر ما ورد به لفظ الخبر كان أولى، وصح أنه ﷺ ، سئل عن شراء التمر بالرطب فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، قال "فلا إذن" أخرجه مالك وأصحاب السنن الأربعة من حديث سعد بن أبي وقاص، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (١).
٧٦ - باب بَيْعِ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ
٢١٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ التَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَتَرَاوَضْنَا، حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنَ الغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ". [انظر: ٢١٣٤ - مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٤/ ٣٧٧]
ذكر فيه حديث عمر، وقد سلف الكلام عليه في آخر بيع الطعام قبل أن يقبض (١).
وقوله: (فتراوضنا) أي: زدت أنا ونقص هو.
وفيه: المراوضة في الصرف.
وقوله: (حتى يجيء خازني من الغابة).
فيه: أن العقوبة لا تلحق من لا يعلم.
وقول عمر: (والله لا تفارقه حتى تأخذ منه). ظاهره أن التراخي في المجلس لا يضر في الصرف، وهو قول الشافعي خلافًا لمالك عملًا بقوله "إلا هاءً وهاءً ويدًا بيد" (٢).
وقوله: (والله لا تفارقه حتى تأخذ منه). وفي الترمذي: والله لتعطينه وَرِقَه أو لتؤدين إليه ذهبه (٣).
стр. 8350
فيه: حلف الإمام من غير استحلاف والتأكيد باليمين؛ لأنه أبلغ، وسمي الذهب بالورق وسائر ما ذكر ربًا، وكان الربا في الجاهلية الزيادة في الدين عند حلوله، وألحق به كل حرام.
стр. 8351
٧٧ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ
٢١٧٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ". [٢١٨٢ - مسلم: ١٥٩٠ - فتح: ٤/ ٣٧٩]
ذكر فيه حديث يحيى بن أبي إسحاق -واسمه يزيد بن الحارث
الحضرمي- عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عن أبيه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كيْفَ شِئْتُمْ".
هذا الحديث أخرجه مسلم بزيادة: فسأله رجل فقال: يدًا بيد، فقال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ (١).
واسم أبي بكرة: نفيع بن الحارث.
وولده عبد الرحمن أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وسبعين.
ومات والده أيضًا بالبصرة في ولاية أخيه زياد سنة تسع وأربعين.
وقيل سنة إحدى.
وقيل: سنة اثنتين وخمسين.
стр. 8352
وكانت ولاية زياد المِصْرَين: البصرة والكوفة خمس سنين، أولها سنة ثماني وأربعين إلى أن مات بالكوفة في رمضان سنة ثلاث وخمسين.
وسلف هناك ضبط "سواء بسواء" أعني: أخر باب: بيع الطعام قبل أن يقبض (١)، وكرر قوله: "وبيعوا الذهب بالفضة" وعكسه لئلا يشكل فيقال: لا يجوز بيعه ويجوز شراؤه.
وفي السند الأول: حدثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عمر بن يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن أخي الزهري، عن عمه.
وابن أخي الزهري هو: محمد بن عبد الله بن مسلم، قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان سفيهًا شاطرًا، قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر، ثم وثب غلمانه عليه بعد سنين فقتلوه أيضًا (١).
وقد أسلفنا في ذلك الباب معنى "ولا تُشفوا" والمراد هنا: الزيادة،
وهذا يرد على ابن عباس أنه كان يجيز الدرهم بالدرهمين يدًا بيد، ويقول: إنما الربا في النسيئة (٢)، وقد سلف ما فيه هناك، والإجماع
على خلافه سلف عن خلف، وبذلك كتب الصديق إلى عماله (٣)، وروي مثله عن علي (٤)، وروى مجاهد عن ثمانية عشر من الصحابة مثله (٥).
والشارع حرم الربا؛ حراسة للأموال وحفظًا لها، فلا يجوز واحد باثنين من جنسه؛ لاتفاق الأغراض بخلاف غير الجنس؛ لاختلاف الأغراض والمنافع، ولذلك قال: "وبيعوا الذهب بالفضة -وعكسه-
كيف شئتم كان يدًا بيد".
стр. 8355
و (الناجز): الحاضر، يقال: نجز المال إذا حضر، ومنه قوله: وما نجز فلان وعدًا، وفي إطلاق عدم الشف ما يقتضي تحريم قليل الزيادة وكثيرها أي: لا تبيعوا إحداهما زائدًا على الأخرى، تقول العرب: قد أشف فلان بعض بنيه على بعض: إذا فضل بعضهم على بعض. ويقال: ما أقرب شف ما بينهما -أي: فضل ما بينهما وفلان حريص على الشف، يعني: الربح.
стр. 8356
٧٩ - باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسْاءً
٢١٧٨، ٢١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ.
فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّي، وَلَكِنَّنِي أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ". [انظر: ٢١٧٦ - مسلم: ١٥٨٤ و ١٥٩٦ - فتح: ٤/ ٣٨١]
ذكر فيه حديث أبي صالح الزيات عن أبي سعيد قالَ: الدِّينَارُ بِالدِّينَا رِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ.
فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابن عَبَّاس لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ رسول الله ﷺ ، أوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَاب اللهِ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّي، ولكن أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بن زيد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ".
هذا الحديث سلف في آخر باب: الطعام قبل أن يقبض، واضحًا مع الجواب عنه، فراجعه (١)، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا وابن ماجه في: التجارات (٢).
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في تأويله، فروي عن قوم من السلف أنهم أجازوا بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد
стр. 8357
متفاضلة، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: ما كان ربا قط في هات وهات. ورواية عن (ابن عمر) (١) وهو قول عكرمة وشريح. واحتجوا بظاهر حديث أسامة، فدل أن ما كان نقدًا فلا بأس بالتفاضل فيه، وخالف جماعة العلماء بعدهم هذا التأويل، وقالوا: قد عارض ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبي بكرة (٢)، وقد أنكره أبو سعيد عليه كما سلف، فهذِه السنن الثابتة لا تأويل لأحد معها، فلا معنى لما خالفها، وقد تأول بعض العلماء: "لا ربا إلا في النسيئة" أنه خرج على جواب سائل سأل عن الربا في الذهب بالورق والبر بالتمر أو نحو ذلك مما هو جنسان، فقال ﵇ "لا ربا إلا في النسيئة" فسمع أسامة كلامه ولم يسمع السؤال فنقل ما سمع.
وقال الطبري: المراد به الخصوص، ومعناه: لا ربًا إلا في النسيئة إذا اختلفت أنواع المبيع، فأما إذا اتفقت فلا يصلح بيع شيء منه من نوعه إلا مثلًا بمثل، والفضل فيه يدًا بيد ربًا، وقد قامت الحجة ببيانه ﵇ في الذهب والفضة وعكسه، والحنطة بالتمر نَسَاءً أنه لا يجوز متفاضلًا
ولا مثلًا بمثل فعلمنا أن قوله "لا ربا إلا في النسيئة" هو فيما اختلفت أنواعه دون ما اتفقت.
وفيه: مناظرة العالم للعالم وتوقيفه على معنى قوله، ورده من الاختلاف إلى الإجماع، وإقرار الصغير للكبير بفضل المتقدم؛ لقول ابن عباس لأبي سعيد: أنتم أعلم برسول الله ﷺ مني.
стр. 8358
والنساء: التأجيل: يقال: باع منه بنسيئةِ ونظرةٍ وأخرةٍ ودينٍ، كله بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]﴾ يعني: تأخير الأشهر الحرم التي كانت العرب في الجاهلية تفعلها من تأخير المحرم إلى صفر، ومنه انتسأ فلان على فلان تباعد عنه (١).
٨١ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ
٢١٨٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا. [انظر: ٢١٧٥ - مسلم: ١٥٩٠ - فتح: ٤/ ٣٨٣]
ذكر حديث أبي بكرة السالف قريبًا في باب: بيع الذهب بالذهب (١).
وحديث أبي المنهال السالف في باب: التجارة في البر، ولفظه: نهى عن بيع الورق بالذهب دينًا (٢)، وأسلفنا هناك أن مسلمًا أخرجه أيضًا (٣).
وأبو المنهال هو: عبد الرحمن بن مطعم البصري كما سلف أيضًا هناك. وقد قام الإجماع على أنه لا تجوز النسيئة، وهي: التأخير في بيع الذهب بالورق ولا عكسه، كما لا يجوز في بيع كل منهما بمثله، وهو الربا المحرم في القرآن، وفي هذا الحديث حجة للشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهم ولذلك الرجل دنانير، فلا يجوز أن يقاض أحدهما ماله بما عليه، وإن كان قد حل أجلهما جميعًا؛ لأنه يدخل في معنى النهي عن بيع الذهب بالورق دينًا؛ لأنه غائب بغائب، وإذا لم يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب (٤). وأجاز ذلك مالك إذا كانا قد حلا جميعًا، فإن كانا إلى
стр. 8361
أجل لم يجز؛ لأنه يكون ذهبًا بفضة متأخرًا (١). وقال أبو حنيفة: يجوز في الحال وغير الحال، حجة من فصل أنه إذا حل الدين واجتمع المتضاربان فإن الذمم تبرأ كالعين إذا لم يفترقا إلا وقد تفاضلا في صرفهما، والغائب لا يحل بيعه بناجز ولا بغائب مثله، وحجته حديث ابن عمر: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ الدراهم أو بالعكس، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "لا بأس به إذا كان بسعر يومكما ما لم تفترقا وبينكما شيء" (٢) وحجة من جوزه مطلقًا أنه ﵇ لم يسأله عن الدين أحالي هو أو مؤجل؟ دل ذلك على استواء الحكم فيهما.
стр. 8362
ولو كان بينهما فرق لوقفه عليه.
وأما تقاضي الدنانير من الدراهم وعكسه من غير أن يكون على
الآخر فأجازه عمر بن الخطاب وابنه (١)، وروي عن عطاء والحسن (٢) وطاوس (٣) والقاسم، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٤)، وقال كثير منهم: إذا كان بسعر يومه، ورخص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك وبأغلى وبأرخص، وكره ذلك ابن
стр. 8363
عباس وأبو سلمة (١) وابن شبرمة، وهو قول الليث، وروي عن طاوس قول ثالث أنه كرهه في البيع، وأجازه في القرض (٢).
قال ابن المنذر: والقول الأول أولى لحديث ابن عمر. قلت: ولا يدخل هذا في نهيه ﵇ عن بيع الذهب بالورق ربًا، لأن الذي يقتضي الدراهم من الدنانير لم يقصد تأخيرًا في الصرف ولا نواه
ولا عمل عليه فهذا الفرق بينهما.
مسلم (١)، وكذا حديث زيد بن ثابت (٢) وابن عمر في المزابنة سلف (٣). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم (٤).
وأبو سفيان (٥) مولى ابن أبي أحمد اسمه وهب، وقال مالك: قزمان مولى ابن أبي أحمد بن جحش الشاعر، ويقال: كان له انقطاع إلى ابن جحش فنسب إلى ولائهم، وقيل: هو مولى بني عبد الأشهل (٦).
وحديث ابن عباس من أفراده، وحديث جابر أخرجه مسلم (٧)، وكذا حديث أبي هريرة (٨)، ومن تراجم البخاري عليه فيما سيأتي: باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل (٩).
وحديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١٠)، وحثمة بالثاء المثلثة، واسم أبي حثمة: عبد الله، وقيل: عامر وكان دليله ﵇ إلى أحد، وكان بعثه إلى خيبر هو وأبو بكر وعمر وعثمان للخرص (١١)، توفي رسول الله ﷺ
стр. 8370
ولولده سهل ثماني سنين وقد حفظ عنه (١).
وبُشير بضم الموحدة. والوسق: ستون صاعًا. والصاع: أربعة أمداد والمد: رطل وثلث.
وقوله: (وقال ابن إدريس … إلى آخره) هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، كما نبه عليه الحافظ المزي، وأن له هذا الموضع وموضعًا آخر سلف في الزكاة (٢).
وقال ابن التين فيهما: قيل هو الشافعي، وقيل -وهو الأكثر-: هو عبد الله بن إدريس الأودي الفقيه الكوفي. وقوله: (ومما يقويه): ذكر ابن بطال أنه من قول البخاري (٣)، وكذا ابن التين فقال: احتجاج البخاري له بقول سهل لا دليل فيه، لأنها تكون مؤجلة، وإنما يشهد له قول سفيان بن حسين المذكور بعد، وصرح من سلف أنه من تتمة كلام الشافعي، قال ابن بطال: وهو إجماع، مستغن عن تقوية، ولم يأت ذكر الأوساق الموسقة إلا في حديث مالك، عن داود بن الحصين. وفي حديث جابر من رواية ابن إسحاق، لا في رواية ابن أبي حثمة، وإنما يُروى عن سهل من قوله، من رواية الليث عن جعفر بن أبي ربيعة عن