← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

ومحمد: التصرية عيب، ولا يرد به. وحكي عن أبي حنيفة أنه يرجع بأرش التصرية، قالوا: ويعارضه حديث الخراج بالضمان، ووجهه أن مشتري المصراة ضامن لها لو هلكت عنده واللبن عليه، فلا يكون له، وأين هذا من قوة ذاك؟ ثم هذا عام وحديث المصراة خاص، ولا يعترض على السُّنة بالمعقولات. قال مالك فيما نقله عنه ابن عبد البر: أو لأحد في هذا الحديث رأي؟ قال ابن القاسم: وأنا آخذ به، إلَّا أنَّ مالكًا قال لي: أرى أهل البلد إذا نزل بهم هذا أنْ يعطوا الصالح من عيشهم، قال: وأهل مصر عيشهم الحنطة (١). وروي عنه أنه قال: أو لأحد في هذا الحديث رأي؟ وعنه أنَّه لمَّا سُئل عنه قرأ: ﴿فَليحْذَرِ اَلَذِينَ﴾ الآية. [النور: ٦٣] وزعم أبو حنيفة أنَّه كان قبل تحريم الربا، وروى أشهب نحوه عن مالك (٢)، وأنَّ ذلك كان حين كانت العقوبة بالمال، وهو واهٍ؛ لأنَّه إثبات نسخ بالاحتمال، وهو غير سائغ. وقيل: نسخه حديث الخراج بالضمان والكالئ بالكالئ. ومنهم من حمله على ما إذا اشترط ذلك وليس بشيء، ومنهم من ادَّعى نسخه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولم يجعلوا حديث المصراة أصلًا يقيسون عليه ولد

стр. 8297

الجارية إذا ولدت عند المشتري ثم ردت بالعيب. فالشافعي: يحبس الولد، ومالك يخالفه، ووافقه ابن القاسم، وخالفه أشهب، ومن جملة ما ردوا به الحديث اضطرابه، حيث قال مرة: "صاعًا من تمر" ومرة قال: "من طعام". ومرة قال: "مثل -أو مِثْلي- لبنها قمحًا". وجوابه: أنَّ الأخبار كلها متفقة على إثبات الخيار، ومنهم من قال: إنَّه مخالف لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فإذن يعلُّ الحديث بذلك (١). وقال محمد بن شجاع فيما نقله الطحاوي: نسخه حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٢). فلمَّا قطع بالفرقة الخيار ثبت بذلك أنْ لا خيار لأحد بعد هذا، إلا ما استثناه الشارع في قوله: "إلَّا بيع الخيار" (٣) ثم أفسده الطحاوي بأنَّ الخيار المجعول في المصراة خيار عيب، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة (٤)، وهو كما قال ابن حزم: صحَّ عن ابن مسعود: "من اشترى محفلة فليرد معها صاعًا من تمر" (٥) وصحَّ أيضًا عن أبي هريرة من فتياه، ولا مخالف لهما من الصحابة في ذلك، وعن زفر: يردها وصاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر. وقال ابن أبي ليلى في أحد قوليه، وأبو يوسف: يردها وقيمة صاع من تمر. وقال

стр. 8298

أبو حنيفة ومحمد: إنْ كان اللبن حاضرًا لم يتغير ردها ورد اللبن، ولا يرد معها صاع تمر ولا شيئًا، وإن كان قد أكله لم يكن له ردها، لكن يرجع بقيمة العيب فقط (١). وعن داود: لا يثبت الخيار بتصرية البقر؛ لأنها ليست مذكورة في الحديث. قلت: فيه: "من باع محفلة" كما تقدم، وهو أعم. وعند المالكية: لو ردَّ عين اللبن لم يصح ولو اتفقا؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه. وقال سحنون: إقاله، فإنْ تعذرت ففي الاكتفاء بصاع قولان عندهم، ولو ردت بعيب غيره ففي الصالح قولان لهم. ونقل ابن عبد البر عن مذهب الشافعي وأحمد تعدد الصالح في الأولى (٢). تنبيهات: أحدها: أكثر أصحاب مالك أنَّ التصرية عيب خلافًا لبعض متأخريهم، ذكره ابن التين. ثانيها: في الحديث أربعة أدلة للجمهور نهيه ﵇ عنها، وهي عيب، وجعل الخيار لمبتاعها، وإيجابه الصالح من التمر، وعندهم لا يجب، وأن اللبن له قسط من الثمن. ثالثها: في "المدونة" أنه إذا حلبها ثالثة، فإن كان ما تقدَّم اختيارًا فهو رضا، وقال مالك: له ذلك (٣). وقال محمد: يلزمه. وقال عيسى:

стр. 8299

يحلف في الثالثة ما كان رضي بها. رابعها: انفرد أحمد بقوله: إذا حلبها له الأرش ولا رد، فخالف النص، وانفرد ابن أبي ليلى وأبو يوسف فقالا: يرد قيمة ما حلب من اللبن. خامسها: في الحديث أنَّ بيع شاة لبون بمثلها غير جائز؛ لأنَّ اللبن يأخذ قسطًا من الثمن، قاله الخطابي (١).

стр. 8300

٦٦ - باب بَيْعِ العَبْدِ الزَّانِي وَقَالَ شُرَيْحٌ (١): إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا. ٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". [٢٢٣٤، ٦٨٣٩ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح: ٤/ ٣٦١] ٢١٥٣ - ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ. [٢٢٣٢ و ٢٢٣٣ و ٢٥٥٥ و ٢٥٥٦ و ٦٨٣٧ و ٦٧٣٨ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٤/ ٣٦٩] وعن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". وعنه وزيد بن خالد أنه ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ". قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. الحديثان في "الصحيح" (٢).

стр. 8301

وفي رواية أيوب بن موسى: "فليجلدها الحد" (١). قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا ذكر فيه الحد غيره (٢). وقال الدارقطني: رواه ابن جريج وعدَّد جماعة، فقالوا: عن سعيد، عن أبي هريرة، لم يذكروا أبا سعيد (٣). وفي مسلم كذلك (٤) وذكره البخاري في كتاب المحاربين متابعة من جهة إسماعيل ابن أمية (٥). قال الدارقطني: والمحفوظ حديث الليث يعني عن سعيد عن أبيه في الكتاب (٦). وقوله: (ولم تحصن): قال الطحاوي: لم يقل هذِه اللفظة غير مالك عن الزهري. قال ابن عبد البر: رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب، كما رواه مالك. قال: وتابع مالكًا على هذا السند يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد، ورواه عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبيد الله، عن شبل بن حامد المزني أنَّ عبد الله بن مالك الأوسي أخبره أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة .. الحديث،

стр. 8302

إلَّا أنَّ عقيلًا وحده قال: مالك بن عبد الله، وعكس آخرون، وكذا قال يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن شبل به، فجمع الإسنادين جميعًا فيه، وانفرد مالك بإسناد واحد عند عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، فيه أيضًا إسناد آخر عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أنَّه ﵇ سُئل عن الأمة إذا زنت .. الحديث، هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث جعل شبلًا مع أبي هريرة وزيد، فأخطأ وأدخل إسناد حديث في آخر، ولم يتم حديث شبل. قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى يقول: شبل لم يسمع من رسول الله ﷺ شيئًا، وفي رواية: ليست له صحبة، يقال: شبل بن معبد، وشبل بن حامد، روى عن عبد الله بن مالك، عن رسول الله ﷺ ، قال يحيى: وهذا عندي أشبه. وقال محمد بن يحيى النيسابوري: جمع ابن عيينة في حديث: أبا هريرة وزيد بن خالد وشبلًا، وأخطأ في ضمه شبلًا إلى أبي هريرة وزيد، في هذا الحديث، وإن كان عبيد الله بن عبد الله قد جمعهم فيه، فإنه رواه عن أبي هريرة وزيد عن رسول الله ﷺ ، وعن شبل، عن عبد الله بن مالك، عن رسول الله ﷺ فترك ابن عيينة حديثه، وضم شبلًا إلى أبي هريرة وزيد وجعله حديثًا واحدًا، وإنما ذا حديث وذاك حديث، وقد ميزهما يونس بن يزيد، وتفرد معمر ومالك بحديث أبي هريرة وزيد، وروى الزبيدي وابن أخي الزهري وعقيل حديث شبل فاجتمعوا على خلاف ابن عيينة، كذا قال محمد بن يحيى: إن مالكًا ومعمرًا انفردا بحديث أبي هريرة وزيد، وقد تابعهما يحيى بن سعيد الأنصاري (١).

стр. 8303

قلت: قد خرجه البخاري أيضًا من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد (١)، فذكره (٢). وصححه الترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة (٣). ورواه النسائي وأدخل بين الأعمش وأبي صالح، حبيب بن أبي ثابت (٤). وأخرجه من حديث الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة في الرابعة أو الثالثة ببيعها ولو بضفير، وقال: هذا خطأ (٥). قلت: وروى أيضًا من حديث عمارة بن أبي فروة، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة مرفوعًا: "إذا زنت الأمة" الحديث، ذكره ابن عبد البر، ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة، وهذان خطأ (٦). وروي أيضًا من حديث أبي جميلة عن علي أنه ﵇ أُخبر بأمة فجرت، فأرسلني إليها فقال: "أقم عليها الحد"، ثم قال: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" أخرجه ابن أبي شيبة (٧)، وممن كان

стр. 8304

يجلدها إذا زنت أو يأمر برجمها ابن مسعود وأبو برزة وفاطمة وابن عمر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي وأشياخ الأنصار -قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى- وعلقمة والأسود وأبو جعفر محمد بن علي وأبو ميسرة (١). إذا عرفت ذلك فمعنى: "تبين زناها" أي: ثبت بالبينة أو بالإقرار أو بالحبل على خلفت فيه، والأمة: المملوكة، وجمعها إماء، وإموان. وفقه الباب: الحض على بيع العبد الزاني، والندب إلى مباعدة الزانية. ومعنى قوله: "بحبل من شعر": المبالغة في التزهيد فيها، وليس هذا من وجه إضاعة المال؛ لأنَّ أهل المعاصي نحن مأمورون بقطعهم ومنابذتهم. والضفير: هو الحبل المضفور، فعيل بمعنى مفعول، تقول: ضفرته إذا فتلته. وقال ابن فارس: هو (حَبْك) (٢) الشعر وغيره عريضًا (٣). وهو مثل تضربه العرب للتقليل، مثل لو منعوني عقالًا ولو فرسن شاة، ولم يذكر الحد في الثالثة اكتفاءً بما تقدم من تقرره ووجوبه، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥].

стр. 8305

يعني بالعذاب: الجلد، لأنَّ الرجم لا ينتصف، وإحصان الأمة إسلامها عند مالك والكوفيين والشافعي وجماعة كما نقله عنهم ابن القطان، وقيل: معناه: لم تعتق فيزول بالعتق، وقيل: معناه: ما لم تتزوج، وقد اختلف فيه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] هل هو الإسلام أو التزويج -فتحد المزوجة وإن كانت كافرة، قاله الشافعي- أو الحرية. وحديث علي: "أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن". أخرجه مسلم موقوفًا (١) والنسائي مرفوعًا (٢)، فتُحد الأمة على أي حالة كانت، ويعتذر عن الإحصان في الآية فإنه أغلب حال الإماء، وزعم أبو عمر أن من قرأ (أحصن) بالفتح فمعناه: تزوجن وأسلمن، ومن ضم قال: زوجن (٣). ومعنى "لا يثرب": لا يلومن ولا يعذبن بعد الجلد، ويؤيده أنَّ توبة كعب بن مالك (٤)، ومن فرَّ يوم حنين حين تاب الله عليهم (٥)، كانت شرفًا لهم، ولم تكن لهم ملامة، فبان أنَّ اللوم والتثريب لا يكون إلَّا قبل التوبة أو الجلد. وقال الخطابي: معناه لا يقتصر على تعييرها وتوبيخها دون الجلد (٦)، ولا شك أنَّ الإكثار من اللوم يزيل الحياء والحشمة،

стр. 8306

وغالب أحوال العبيد عدم الاندفاع باللوم، بخلاف الحر. العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الملامة (١) وأوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجلدت، والأمة كلها على خلافه، وكفى بقولهم جهلًا خلاف الأمة له. واختلف العلماء في العبد إذا زنى، هل الزنا عيب يجب رده به أم لا؟ فقال مالك: هو عيب في العبد والأمة، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال الشافعي: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب. وقال الكوفيون: هو في الجارية عيب لأنها تستولد دون الغلام، وكذلك ولد الزنا عيب يرد به. وقال مالك: إذا كانت الجارية ولد زنا فهو عيب، وإنما جعل الزنا عيبًا؛ لأنه ربما بلغ الحد به مبلغ تلف النفس، وإنَّ المنايا قد تكون من القليل والكثير، وإذا صح أنَّه عيب وجب على البائع إعلامه، فإذا رضي به صح البيع كسائر العيوب، وإذا لم يبِّينه كان للمبتاع رده إن شاء. فإن قلت: فما معنى أمره ﵇ ببيع الأمة الزانية والذي يشتريها يلزمه من اجتنابها، ومباعدتها ما يلزم البائع. فالجواب: أنَّ فائدة ذلك -والله أعلم- المبالغة في تقبيح فعلها، وإعلام أنَّ الأمة الزانية لا جزاء لها إلَّا البيع أبدًا، وأنها لابقاء لها عند سيد، وذلك زجر لها عن معاودة الزنا وأدب بالغ، ولعل الثاني يعفها بالوطء، أويبالغ في التحرز عليها أو يزوجها أو يصونها بهيبته، أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها، وأشباه ذلك.

стр. 8307

وهل يجلدها السيد أم لا؟ قال مالك والشافعي وأحمد: نعم، وخالف أبو حنيفة فقال: لا يقيمه إلَّا الإمام بخلاف التعزير، احتج في "الهداية" بحديث "أربع إلى الوالي" فذكر منها الحدود (١)، ولا نعلمه (٢). وهل يكتفي السيد بعلم الزنا أو لا؟ فيه روايتان عند المالكية، ومنهم منْ فرَّق بين المزوجة فلا يقيمه السيد، وغيرها فيقيمه، وفي الحديث أنَّ الأمة لا تُرجم وإن كانت مزوجة، وأنَّ الزاني إذا حد ثم زنى ثانيًا حد أيضًا. واستنبط بعضهم من قوله: "ولو بضفير"، جواز البيع بالغبن، لأنه بيع حقير بثمن يسير، وليس بجيد؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنما هو مع الجهالة من المغبون، وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وما قبض فلا يختلف فيه؛ لأنه عن علم منه ورضا، فهو إسقاط لبعض الثمن لا سيما والحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة. وأجمع فقهاء الأمصار أنَّ العبد في الحد كالأمة. وانفرد أهل الظاهر فقالوا بجلده مائة، عملًا بظاهر القرآن، لكنهم خالفوا ظاهره في الأمة؛ فإنهم نصفوا عملًا بالآية الأخرى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. وزعم بعضهم فيما حكاه الطحاوي (٣) أنَّ قوله: (ويجلدها) على التأديب لا الحد، ويحتمل أنَّ الله تعالى أعلم نبيه أنَّ حد الإماء إذا

стр. 8308

زنين قبل الإحصان جلد خمسين، فأعلم بذلك الناس. وكان الشطر فيهن بعد الإحصان بالتزويج ما هو أغلظ من ذلك إذ كان هو المفعول بالقياس على الحرائر، ثم أبان الله جل وعز أنَّ حكمهن بعد الإحصان كحكمهن فيه تخفيفًا ورحمة بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. تنبيهان: أحدهما: تردد ابن شهاب (لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة)، قد جزم المقبري أنه في الثالثة، كما ذكره البخاري أولًا. ثانيهما: سقوط الرجم عن الأمة بالإجماع بين العلماء كما ادعاه ابن التين، وكان قتادة يرى زواج المملوك إحصانًا له، وبه قال أبو ثور. قال: واختلفوا إذا زنت المملوكة ولا زوج لها، فروي عن ابن عباس لا حد لها (١). وقرأى ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة، وقال أكثر العلماء: تجلد وإن لم تزوج ومعنى الإحصان فيهن الإسلام وعليه قرأه ﴿أَحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة (٢)، وقيل: على هذا أيضًا تزوجن، واحتج بقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] (٣).

стр. 8309

٦٧ - باب البَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ ٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اشْتَرِي وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العَشِيِّ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ". [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٦٩] ٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا الوَلَاءَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قُلْتُ لِنَافِعٍ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا؟ فَقَالَ: مَا يُدْرِينِي. [٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٧٠] ذكر فيه حديث عائشة في شرائها بريرة من طريقين. وشيخ البخاري في الثاني حسَّان بن أبي عباد، واسمه حسَّان (١) (٢)، فهو أبو علي حسَّان بن حسَّان، من أفراد البخاري، قال أبو حاتم: مُنكر الحديث (٣). قال الكلاباذي: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين (٤).

стр. 8310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8311

والأُمَّة مجمعة على أنَّ المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها جائزًا لها أمرها أنَّ لها أنْ تبيع وتشتري، وليس لزوجها عليها في ذلك اعتراض، فإنْ كان في البيع محاباة قصدت إليها، فالمحاباة كالعطية، وقد اختلف العلماء في عطيتها بغير إذن زوجها، وقد سلف في الزكاة. وفي قوله: "اشتري وأعتقي" بعد أنْ ذكرت له استشارة الزوج. وفيه: الاستثناء قبل النقل. وفيه: إذن الشارع لها في الاشتراء. وفيه: دلالة أنها أعلمته قبل الشراء، وهو دليل على بعض المالكية القائلين هو بيع فاسد، وأنها ابتاعت عن غير علمه، وقرنت البيع بالعتق. ففيه: أنَّ البيع الفاسد يفوت بالعتق عنده، والحديث يرده. وقال أصحاب أبي حنيفة: ملكت بالقبض في هذا العقد الفاسد ملكًا تامًّا ومذهبه مثلنا، إلَّا أنه قال: يرد المبيع بيعًا فاسدًا مع النماء المنفصل والمتصل، وإذا وطئ غرم الأرش. وقال الشافعي: لا تأثير للقبض في البيع الفاسد، وبه قال سحنون في الحرام البين، وانفصلت الشافعية بوجوه: منها: أنَّه يجوز أنْ يكون هذا الشرط تقدم العقد، وإنما تفسد المقارنة.

стр. 8312

ومنها: أنَّ عائشة قضت بالصحة، وإنْ قارنه فساد بدليل قوله: "واشترطي لهم الولاء" (١) وهو لا يأمر بشرط فاسد. ومنها: أنَّ (لهم) بمعنى (عليهم)، مثل ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] وغيره، ومنازع فيها. والتخصيص بعيد إذ لو وقع لنقل كما نقل في عناق أبي بردة (٢)، وشهادة خزيمة بشهادتين (٣)، وتخصيص ابن عوف بلبس الحرير (٤)، وحسَّان بإنشاد الشعر في المسجد (٥)، وفيهما نظر.

стр. 8313

وقوله: "اشتريها واشترطي لهم الولاء". تفرَّد به هشام بن عروة وكان قد ساء حفظه، واختلط في آخر عمره، وقد سلف التنبيه على ما فيه. وقوله: "فإنما الولاء لمن أعتق" فيه: حجة على أبي حنيفة حيث قال: لو والى رجل رجلًا ولا نسب بينهما توارثا وتعاقلا، ولهما أنْ يفسخا الموالاة ما لم يعقل أحدهما عن الآخر. وفيه أيضًا: نفي الإرث بالإسلام على يد شخص؛ خلافًا لعمر بن عبد العزيز، واستدل به من قال: إن عتق السائبة لمعتقه، وهو قول بعض أصحاب مالك، ومذهب مالك أنَّ ولاءه لجميع المسلمين، وعليهم عقله، وهو قول عمر والنخعي والشعبي. وزوج بريرة كان عبدًا كما قاله ابن عباس (١). وقال نافع: لا أدري كان حرًّا أو عبدًا. واسمه: مغيث (٢).

стр. 8314

٦٨ - باب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ؟ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ". وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ. ٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ: سَمِعْتُ جَرِيرًا ﵁ [يَقُولُ:] بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٧ - مسلم: ٥٦ - فتح: ٤/ ٣٧٠] ٢١٥٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ". قَالَ: فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. [٢١٦٣، ٢٢٧٤ - مسلم: ١٥٢١ - فتح: ٤/ ٣٧٠] ثم ساق حديث جرير: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدا رَسُولُ اللهِ، إلى قوله: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وحديث ابن عباس: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ". فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: "لَايَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. الشرح: حديث جرير سلف في الإيمان (١)، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٢)، والتعليق أسنده مسلم من حديث أبي هريرة

стр. 8315

مرفوعًا: "حق المسلم على المسلم ست" فذكر منها: "وإذا استنصحك فانصح له" ذكره في الاستئذان (١). وأخرجه البيهقي من حديث أبي حمزة. عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: "وإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه" (٢). قال البيهقي: وروي معناه، عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وقيل: عنه عن أبيه، عمن سمع النبي ﷺ (٣). وفيه: النهي عن بيع حاضر لبادٍ. وشيخ البخاري في حديث ابن عباس هو الصلت (م) بن محمد، من أفراده عن مسلم، صالح الحديث (٤)، كالصلت بن مسعود، انفرد به مسلم، ثقة (٥). إذا تقرر ذلك: فالبخاري أراد بحديث ابن عباس النهي، وبقول عطاء أن بيع الحاضر للبادي جائز بلا كراهة، وترجمته بعد تدل له، لأنَّ البدوي قد يستنصح الحضري. ويحتمل أنْ يكون ﵇ قال ذلك على معنى المصلحة لأهل الحضر والنظر لهم؛ لالتزامهم الجماعة، وطلبهم للعلم والمذاكرة فيه. وقد قال (إثره) (٦): "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" أخرجه مسلم من حديث جابر وهو من أفراده (٧)، فإذا تولى الحضري البيع للبدوي رفع

стр. 8316

في أثمان السلعة، بخلاف تولي البدوي ذلك بنفسه، فربما سأل أقل من سؤال الحضري وينتفع بذلك أهل الحضر، ولم يزل ﵇ ينظر للعامة على الخاصة، فيريد البخاري على هذا التأويل أن ترك السمسرة على هذا التأويل، وترك بيع الحاضر للبادي من النصيحة للمسلمين. قال الطحاوي: فعلمنا من النهي أنَّ الحاضر إنما نهي أن يبيع للبادي؛ لأنَّ الحاضر يعلم أسعار الأسواق فيستقصي على الحاضرين، فلا يكون لهم في ذلك ربح، وإذا باعهم أعرابي على غرته وجهله بالأسعار ربح عليه الحاضرون، فأمر ﵇ أنْ يخلي بين الأعراب والحاضرين في البيوع (١). واختلف العلماء في ذلك، فأخذ قوم بظاهر الحديث، وكرهوا بيع الحاضر للبادي، روي ذلك عن أنس وأبي هريرة وابن عمر (٢)، وهو قول مالك (٣) والليث والشافعي (٤) ورخص فيه آخرون، روي ذلك عن عطاء كما ذكره البخاري (٥)، ومجاهد قال: إنما نُهي عنه في زمانه فأما اليوم فلا (٦). وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقالوا: قد عارض هذا الحديث حديث: "الدين النصيحة" لكل مسلم (٧)، فيقال لهم: هذا عام وما نحن

стр. 8317

فيه خاص، وهو قاض على العام؛ لأنَّه استثناء، كأنه قال: الدين النصيحة إلا أنه لا يبيع حاضر لباد. فيستعملان جميعًا العام فيما عدا الخاص. وقال مالك في تفسير الحديث: لا أرى أنْ يبيع حاضر للبادي، ولا لأهل القرى، وأمَّا أهل المدن من أهل الريف فليس بالبيع لهم بأس، إلَّا من كان منهم يشبه أهل البادية، فإني لا أحب أنْ يبيع لهم حاضر. وقال في البدوي يقدم المدينة فيسأل الحاضر عن السعر: أكره أنْ يخبره. وقال مرة أخرى: لا بأس أن يشير عليه، روى عنه ابن القاسم القولين جميعًا (١). وقال ابن المنذر: قد تأول قوم نهيه على وجه التأديب لا على معنى التحريم، لحديث: "دعوا الناس" السالف (٢)، وليس ببيِّن عندي أنَّ هذا الكلام يدل على أنَّه تأديب بل هو عندي على الحظر. وقد اختلف في نسخه، وقد بيناه واضحًا في باب البيع على البيع وفي جعله الخيار للبائع دلالة على صحة البائع إذ الفساد لا خيار فيه، قال صاحب "اللباب": نسخ هذا الخيار قوله: "البيعان بالخيار" (٣). فرع: إذا قدم البدوي يريد الابتياع فتعرض له بلدي يريد أنْ يبتاع له رخيصًا، فهل يحرم ذلك عليه كما في البيع؟ فيه تردد من حيث

стр. 8318

البحث وظاهر إيراد البخاري هنا المنع. فائدة: في حديث طلحة بن عبيد الله في أبي داود من حديث سالم المكي: أنَّ أعرابيًّا حدَّثه أنه قدم بحلوبة له على عهد رسول الله ﷺ ، فنزل على طلحة، فقال له: إنَّ رسول الله ﷺ نهى أنْ يبيع حاضر لبادٍ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك، فشاورني حتى آمرك وأنهاك (١). ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن سالم أبي النضر، عن رجل من بني تميم، عن أبيه، عن طلحة (٢). ورواه سليمان بن أيوب الطلحي، عن أبيه، عن جده، عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال يعقوب بن شيبة في أحاديث سليمان بن أيوب الطلحي وهي سبعة عشر حديثا رواها عن أبيه عن جده عن موسى بن طلحة عن أبيه، هذِه الأحاديث عندي صحاح. ولمَّا خرَّجه البزار من حديث ابن إسحاق عن سالم المكي، عن أبيه، قال: لا نعلمه يروى عن طلحة إلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا قال: عن سالم، عن أبيه: عن طلحة إلَّا مؤمل بن إسماعيل، وغير مؤمل يرويه عن رجل (٣).

стр. 8319

عن الأوزاعي: ليست الإشارة بيعًا. وعن مالك الرخصة في الإشارة، وقال مالك: لا يشير عليه؛ لأنه إذا أشار عليه فقد باع له (١). ولم يراع الفقهاء في السمسار أجرًا ولا غيره، والناس في تأويل الحديث على قولين: فمن كرهه كرهه بأجر وبغير أجر، ومن أجازه أجازه بأجر وبغير أجر.

стр. 8320

٦٩ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ ٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. [فتح: ٤/ ٣٧٢] وبه قال ابن عباس (١)، ثم ذكر حديث ابن عمر: نَهَى النبي ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وهو من أفراده، وفيه أبو علي الحنفي، وهو عبيد الله بن عبد المجيد (٢). أراد البخاري في هذا الباب والذي قبله أن يجيز بيع الحاضر للبادي بغير أجر، ويمنعه إذا كان بأجر، واستدل على ذلك بقول ابن عباس: لا يكون له سمسارًا، وكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان من طريق النصح. وقد أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على البادي، كما سلف.

стр. 8321

٧٠ - باب لَا يشري حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَ وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي (١) ثَوْبًا. وَهْيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ. ٢١٦٠ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ" [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣ و ١٥١٥ و ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٣٧٢] ٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. [مسلم: ١٥٢٣ - فتح: ٤/ ٣٧٢] ثم ساق حديث أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ". وحديث معاذ: ثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. الحديثان سلفا، زاد في الثاني: (وإن كان أخاه أو أباه) (٢). ومعاذ هو: ابن معاذ، قاضي البصرة. وابن عون هو عبد الله. وقد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي، فكرهته طائفة كما كرهت البيع له، (واحتجوا) (٣) بأن البيع في اللغة يقع على الشراء كما

стр. 8322

يقع الشراء على البيع، لقوله تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]﴾ أي: باعوه، وهو من الأضداد (١) (٢)، وروي ذلك عن أنس (٣). وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، روي ذلك عن الحسن البصري (٤)، واختلف قول مالك في ذلك فمرة قال: لا يشتري له ولا يشير عليه، ومرة أجاز الشراء له (٥)، وبهذا قال الليث والشافعي (٦). واحتج الشافعي بجواز الشراء له بقوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٧).

стр. 8323

٧١ - باب النَّهْىِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ؛ لأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي البَيْعِ، وَالخِدَاعُ لَا يَجُوزُ. ٢١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥، ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ٢١٦٣ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: "لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؟ فَقَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا. [انظر: ٢١٥٨ - مسلم: ١٥٢١ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ٢١٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. قَالَ: وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَلَقِّي البُيُوعِ. [انظر: ٢١٤٩ - مسلم: ١٥١٨ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ٢١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ". [انظر: ٢١٣٩ - مسلم: ١٤١٢، ١٥١٧ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: عن أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. ثانيها: حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: "لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؟ فَقَالَ: لَا يكون لَهُ سِمْسَارًا. ثالثها: حديث ابن مسعود: مَنِ اشْتَرى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. قَالَ: وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَلَقِّي البُيُوعِ.

стр. 8324

رابعها: حديث ابن عمر أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ". الشرح: هذِه الأحاديث الأربعة أخرجها مسلم أيضًا (١)، وعبد الوهاب المذكور في إسناد حديث أبي هريرة، هو ابن عبد المجيد الحافظ الثقة، اختلط (٢). قال ابن عبد البر: روي هذا المعنى بألفاظ مختلفة، فرواية الأعرج، عن أبي هريرة: "لا تلقوا الركبان" (٣)، ورواية ابن سيرين عنه: "لا تلقوا الجلب" (٤)، ورواية ابن أبي صالح وغيره: نهى أن

стр. 8325

تتلقى السلع حتى تدخل الأسواق. ورواية ابن عباس: "لا تستقبلوا السوق ولا يتلقى بعضهم لبعض" (١). والمعنى واحد، فحمله مالك على أنه لا يجوز أن يشترى أحد من الجلب والسلع الهابطة في الأسواق، وسواء هبطت من أطراف العصر أو من البوادي حتى يبلغ بالسلعة سوقها، وقيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على رأس ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، والحيوان وغيره في ذلك سواء. وعن ابن القاسم: إذا تلقاها متلقٍّ واشتراها قبل أن يهبط بها السوق، قال ابن القاسم: تعرض، وإن نقصت عن ذلك الثمن لزمت المشتري. قال سحنون: وقال لي غير ابن القاسم: يفسخ البيع (٢). وقال الليث: أكره تلقي السلع وشراءها في الطريق أو على بابك حتى تقف السلعة في سوقها، وسبب ذلك الرفق بأهل الأسواق؛ لئلا يقطع بهم عَمَّا له جلسوا يبتغون من فضل الله فنهوا عن ذلك؛ لأن في ذلك فسادًا عليهم. وقال الشافعي: رفقًا بصاحب السلعة؛ لئلا يبخس في ثمن سلعته، وعند أبي حنيفة: من أجل الضرر، فإن لم يضر بالناس تلقي ذلك لضيق المعيشة وحاجتهم إلى تلك السلعة فلا بأس بذلك (٣). وعن الأوزاعي نحوه (٤).

стр. 8326

وقال ابن حزم: هو حرام سواء خرج لذلك أم لا، بعد موضع تلقيه أم قرب، ولو أنه من السوق على ذراع فصاعدًا، لا لأضحية ولا لقوت ولا لغير ذلك، أضر ذلك بالناس أم لا، فمن تلقى جلبًا أي شيء كان فالجالب بالخيار إذا دخل السوق، متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع، أورده، واحتج بحديث علي وابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود وابن عباس في النهي عن ذلك (١)، ثم قال: هذا نقل متواتر رواه خمسة من الصحابة، وأفتى به أبو هريرة وابن عمر (٢)، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة (٣). وقال ابن المنذر: كره تلقي السلع للشراء مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، وأجازه أبو حنيفة. واختلفوا في معنى التلقي، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقي السلع حتى تصل إلى السوق، ومن تلقاها فاشتراها منهم شركه فيها أهل السوق إن شاءوا وكان واحدًا منهم (٤). قال ابن القاسم: وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس في العصر فيشتركون فيها إن أحبوا، فإن أخذوها وإلا ردوها عليه، ولم أردها على بائعها. وقال غيره: يفسخ البيع في ذلك. وقد سلف.

стр. 8327

وقال الشافعي: من تلقى فقد أساء، وصاحب السلعة بالخيار إذا قدم به السوق في إنفاذ البيع أو رده؛ لأنهم يتلقونهم فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها، وهم أهل غرة ومكر وخديعة؛ حجته حديث أبي هريرة: "وإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" (١). وذهب مالك أن نهيه عن التلقي إنما يريد به نفع أهل السوق لا نفع رب السلعة كما سلف (٢)، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعي، وقال الأبهري: معناه: لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف، فيؤدي ذلك إلى الضرر بهم في معايشهم. ولهذا المعنى قال مالك: إنه يشرك بينهم إذا تلقوا السلع؛ ليشترك فيها من أرادها من أهل الضعف ولا ينفرد بها الأغنياء (٣). ومذهب الشافعي: إنما أريد به نفع رب السلعة وقد سلف، وهذا أشبه بمعنى الحديث، فإن تلقاها فصاحبه بالخيار فجعل الخيار للبائع؛ لأنه المعذور فثبت أن المراد بذلك نفع رب السلعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به، وإن كان يضرهم فهو مكروه (٤). واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال: كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام (٥).

стр. 8328

وقال الطحاوي: في هذا الحديث إباحة التلقي، وفي الأحاديث الأُوَل النهي عنه، فأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد، فيكون ما نهى عنه من التلقي لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين في السوق، وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر فيه عليهم. وتأويل هذا الحديث يأتي في الباب الآتي على الأثر، قال الطحاوي: والحجة في إجازة الشراء مع التلقي المنهي عنه حديث أبي هريرة: "لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فهو بالخيار" (١) إذا أتى السوق ففيه جعل الخيار مع النهي، وهو دال على الصحة إذ لا يكون الخيار إلا فيه، إذ لو كان فاسدًا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه (٢).

стр. 8329

٧٢ - باب مُنْتَهَى التَّلَقِّي ٢١٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٧٥] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ، يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ. ٢١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِمْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥١٧، ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث نافع عن عبد الله قَالَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هذا فِي أَعْلَى السُّوقِ، ويُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ. ثم ساقه من حديثه عن نافع عن عبد الله (١) قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مكانهم، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. هذان الحديثان أخرجهما مسلم بنحوه (٢). وقوله: (هذا في أعلى السوق) يريد أنهم كانوا يتلقونه في أعلى السوق وذلك جائز، وبينه ابن عمر بقوله: كانوا يتبايعونه في أعلاه

стр. 8330

وإن ما كان خارجًا عن السوق في الحاضرة أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل في معنى التلقي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع وليس بتلقٍ، قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي العصر حتى يهبط السوق (١)، وهذا أسلفناه في الباب الماضي. قال ابن المنذر: وبلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا في ذلك في أعلاه، واحتجا بحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه ﵇ نهى عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق (٢). ومذاهب العلماء في حد التلقي متقاربة، روي عن يحيى بن سعيد أنه قال: في مقدار الميل من المدينة أو آخر منازلها، هو من تلقي البيوع المنهي عنه. وروى ابن القاسم عن مالك أن الميل من المدينة تلقٍ، قيل له: فإن كان على ستة أميال؟ قال: لا بأس بالشرى وليس بتلقٍ. وروى أشهب عنه في (الصحانين) (٣) الذين يخرجون إلى الأجنة فيشترون الفاكهة قال: ذلك تلقٍ، وقال أشهب: لا بأس به، وليس ذلك بتلقٍ؛ لأنهم يشترون في مواضعه من غير جالب. وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك في الحضر أن يشتري ما مرَّ به من السلع، وإن كان على بابه إذا كان لها مواقف في السوق تباع فيها، وهو متلقٍّ إن فعل ذلك، وما لم يكن

стр. 8331

لها موقف وإنما يطاف بها فأدخلت أزقة الحاضرة فلا بأس أن يشتري وإن لم تبلغ السوق (١). وقال الليث: من كان على بابه أو في طريقه فمرت به سلعة فاشتراها، فلا بأس بذلك، والتلقي عنده الخارج القاصد إليه، قال ابن حبيب: ومن كان موضعه غير الحاضرة قريبًا منها أو بعيدًا، لا بأس أن يشترى ما مرَّ به للأكل خاصة لا للبيع، رواه أشهب عن مالك.

стр. 8332

٧٣ - باب إِذَا اشْتَرَطَ فِي البَيْعِ شُرُوطًا لَا تَحِلُّ ٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا [ذَلِكَ] عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ. مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٧٦] ٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". [انظر: ٢١٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٦/ ٣٧٦] ثم ساق حديث عائشة في قصة بريرة. وقوله ﵇: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".

стр. 8333

ثم ذكر بعده عنها حديثًا آخر بنحوه، وهو حديث صحيح حفيل له طرق، وقد أفرد بالتأليف (١)، وقام الإجماع على أن من اشترط في البيع شرطًا لا يحل أنه لا يجوز شيء منها؛ عملًا بهذا الحديث واختلفوا في غيرها من الشروط على مذاهب مختلفة، فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز، والشرط باطل على نص حديث بريرة، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وابن جرير، وبه قال أبو ثور، قالوا: ودلَّ هذا الحديث أن الشروط كلها في البيع تبطل وتثبت البيوع (٢). وذهبت أخرى إلى جوازهما، واحتجوا بحديث جابر في بيعه واستثنائه حمله إلى المدينة، روى ذلك عن حماد وابن شبرمة وبعض التابعين وذهبت ثالثة إلى بطلانها، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط (٣)، وهو قول عمر وولده وابن مسعود والكوفيين والشافعي (٤)، فحملوا هذِه الأحاديث التي نزعوا بها على العموم، ولكل واحد منهما موضع لا يتعداه، ولها عند مالك أحكام مختلفة، وقد يجوز عنده البيع والشرط في مواضع، فإما إجازتهما فمثل أن يشترط المشتري على

стр. 8334

البائع شيئًا ما في ملك البائع ما لم يدخل في صفقة البيع، وذلك مثل أن يشتري منه زرعًا ويشترط على البائع حصده، أو دارًا ويشترط سكناها مدة يسيرة، أو يشترط ركوب الدابة يومًا أو يومين، وقد روي أنه لا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة (١)؛ ووجه إجازته لذلك أن البيع وقع على الشيئين معًا، وعلى الزرع والحصاد، والحصاد إجارة، وهي بيع منفعة، وكذا وقع البيع على الدار غير سكنى المدة وعلى الدابة غير الركوب. وأبو حنيفة والشافعي لا يجيزان هذا البيع كله؛ لأنه عندهم بيع وإجارة ولا يجوز؛ لأن الإجارة عندهم بيع منافع طارئة في ملك البائع لم تخلق بعد، وهو من باب بيعتين في بيعة. ومما أجاز مالك فيه البيع والشرط: شراء العبد بشرط عتقه، إتباعًا للسنة في بريرة، وهو قول الليث، وبه قال الشافعي في رواية الربيع، ولم يقس عليه غيره من أجل نهيه ﵇ عن بيع وشرط، وأجاز ابن أبي ليلى هذا البيع وأبطل الشرط، وبه قال أبو ثور، وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط، وأخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط؛ لأن أبا حنيفة يقول: إن المبتاع يقول: إذا أعتقه كان مضمونًا عليه بالثمن، وهذا خلاف أصوله؛ لأنه كان ينبغي أن يكون مضمونًا عليه بالقيمة، كما قال وقلنا في البيع الفاسد (٢). ومضى أبو يوسف ومحمد على القياس فقالا: لا يكون مضمونًا بالقيمة، قال ابن المنذر: وما قالوه خطأ؛ لأن البيع إن كان غير جائز

стр. 8335

فالعبد في ملك البائع لم يُزل ملكه عنه، وعتق المشتري له باطل؛ لأنه أعتق ما لم يملك، ومما أجاز مالك فيه البيع وأبطل الشرط، وذلك شراء العبد على أن يكون الولاء للبائع، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه وإبطال الشرط فيه لمخالفته السنة في أن: "الولاء لمن أعتق" فإنه ﵇ أجاز هذا البيع وأبطل الشرط، وكذلك من باع سلعة وشرط أنه لم ينقد المشتري إلى ثلاثة أيام أو نحوها مما يرى أنه لا يريد تحويل الأسواق والمخاطرة، فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك، وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط، وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا أجاز الوقت فلا خيار له، وممن أجاز هذا البيع والشرط: الثوري، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، ولم يفرقوا بين ثلاثة أيام وأكثر منها، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام، وإن قال: إلى أربعة أيام، بطل البيع؛ لأن الخيار لا يجوز عنده اشتراطه أكثر من ثلاثة أيام، وبه قال أبو ثور. ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط، وذلك مثل أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها، وعلى أن يتخذها أم ولد، فالبيع عنده فاسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. واعتلوا في فساد البيع بفساد الشرط فيه، وذلك عدم تصرف المشتري في المبيع وكما لا يجوز عند الجميع أن يشترط المبتاع على البائع عدم التصرف فيما اشتراه وهذا عندهم معنى نهيه عن بيع وشرط. وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط، هذا قول النخعي والشعبي والحسن وابن أبي ليلى، وبه قال أبو ثور، وقال حماد الكوفي: البيع جائز والشرط لازم. قال ابن المنذر: وقد أبطل الشارع ما اشترطه أهل بريرة من الولاء
следующие страницы →