وقوله: (أرأيت) إلى آخره هو من قول أنس، وقد جاء صريحًا بعده في باب: بيع المخاضرة؛ فقلت لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، ثم قال: أرأيت إن منع الله الثمرة، بم تستحل مال أخيك (١) وقد بين ذلك الخطيب في كتاب "المدرج" (٢)، والدارقطني في تتبعه روايات مالك، وقال عبد الحق: ليس بموصول عنه في كل طريق، ثم روى بعده عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إن لم يثمرها الله، فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ".
ومن أفراد مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (٣). وفي رواية له "لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق" (٤)
وحديث ابن عمر سلف (٥)، وتعليق الليث أسنده مسلم عن أبي الطاهر، وحرملة عن ابن وهب، عن يونس (٦)، وذكر الخطيب في كتاب "المدرج" أن أبا الوليد رواه، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر بزيادة: وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها. قال الخطيب: وهذِه الزيادة من قول ابن عمر، بيَّن ذلك مسلم بن إبراهيم وغندر في روايتهما هذا الحديث عن شعبة (٧).
стр. 8404
والحديث دليل على أبي حنيفة كما سلف، وأن حكم الثمار إذا بيعت بعد بدو صلاحها إذا لم يشترط فيها القطع التبقية، وأن على البائع تركها إلى أوان الجداد، وأن العرف فيه بمنزلة الشرط.
وفيه: دلالة على استحباب وضع الجائحة، وأكثر العلماء على أنه استحباب، وقال مالك: هو إيجاب.
قال ابن بطال: بيع الثمار قبل بدو صلاحها فاسد؛ لنهيه ﵇ عنه ومصيبة الجائحة فيه من البائع؛ لفساد البيع، وأنه لم ينتقل ملك البائع عن الثمرة بالعقد، ولا قبضه المشتري؛ لأن القبض لا يكون فيما لم يتم، وإنما يلبث في ملك البائع ويده فلا شيء على المشتري، والأصل في وضع الجائحة حديث جابر الذي أسلفناه، واستدل جماعة من الفقهاء بقوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة) على وضعها في التمر يشترى بعد بدو صلاحه شراءً فاسدًا، ويقبضه في رءوس النخل ثم تصبه جائحه.
وذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدًا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة. وقال أحمد، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث: الجائحة، موضوعة قليلها وكثيرها. وذهب الليث والكوفيون والشافعي إلى أن الجائحة في مال المشتري، ولا يرجع على البائع بشيء واحتجوا بأن قوله: "أرأيت" إلى آخره إنما ورد في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير شرط القطع فتلفت بجائحة، أن مصيبتها من البائع؛ لأن البيع كان باطلًا، وإلى هذا المعنى ذهب البخاري في هذا الباب، والدليل عليه أنه وارد في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قوله: "فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ "
стр. 8405
وبعد بدو الصلاح يكون البيع صحيحًا، ولا يجوز أن يقال فيه ذلك؛ لأنه يستحله بالعقد.
وأجيب بأنه إن استحله بعقد البيع فإن تمام العقد لا يحصل عند المخالف إلا باجتناء الثمرة، وقبل ذلك المصيبة من البائع، وليس قبض كل ما يشترى كله على وجه واحد، ألا ترى أن الرجل يستأجر ظئرا شهرًا واحدًا؛ لإرضاع ولده، فهو في معنى اللبن الذي لا يستطيع قبضه في موضع واحد، فلو انقطع اللبن في نصف الشهر لرجع بما يصيبه، فكذلك الثمرة إذ العادة أن تؤخذ أولًا، فأولًا عند إدراكه وتناهيه، ولو اشتراه مقطوعًا لكانت مصيبته من المشتري؛ لأنه يقدر على أخذه كله حالًا، فإن قلت: فقولوا بالجائحة مطلقًا، كما قال به من سلف.
فالجواب: أنها في لسان العرب، إنما هي فيما كثر دون ما قل؛ لأنه لا يقال لمن ذهب درهم من ماله وهو يملك ألوفًا: إنه أُجيح (١).
ومن جهة المعقول أن المشتري قد دخل على ذهاب اليسير من الثمرة؛ لأنه لا بد أن يسقط منها شيءٌ، وتلحقه الآفة، ويأكل الطير وغيره منها فلم يجب على البائع أن يضع عن المشتري ذلك المقدار الذي دخل عليه حتَّى يكون في حد الكثير، وأول حدِّ الكثير في الشيء ثلثه فصاعدًا بدليل قوله ﵇ لسعد: "الثلث والثلث كثير" (٢) فجعل ثلث ماله كثيرًا في ماله، ولهذا قال مالك: إنه يوضع الثلث فصاعدًا؛ ليكون قد أخذ بالخبر والنظر. وقال يحيى بن سعيد:
стр. 8406
لا جائحة فيما أصيب دون رأس المال، وذلك سنة المسلمين.
خاتمة: تحصلنا على أن النهي للتحريم عند الجمهور، وبالتنزيه قال أبو حنيفة، وإنه إن شرط القطع جاز؛ لانتفاء الضرر، وخالف ابن أبي ليلى والثوري، ولو شرط تمسكًا بعموم الأحاديث، وهو: خلاف
الإجماع كما نقله النوويُّ.
قال القرطبيُّ: ويجوز اشتراط البقاء عند الكافة، وكذلك له الإبقاء، وإن لم يصرِّح باشتراطه عند مالك، إذ لا يصلح اجتناء الثمرة دفعة واحدة؛ لأن تناهي طيبها ليس حاصلًا، وإنما يحصل في أوقات، وشذَّ ابن حبيب فقال: هي على الجدِّ حتى يشترط البقاء (١)، وإذا اشترط القطع ثم لم يقطع فالبيع صحيح، ويلزم البائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه جاز، وإنما اشترط بدو الصلاح لأمور منها: أن ثمن الثمرة في تلك الحال قليل، فإذا تركها حتى تصلح زاد ثمنها، وفي تعجيله القليل نوع تضييع للمال. ومنها: أن يوقع أخاه المسلم في نوع غرر، ومنها: المخاطرة والتغرير بماله، ومنها: مخافة
التشاجر عند فساد الثمرة.
стр. 8407
٨٨ - باب شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ
٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٤/ ٣٩٩]
ذكر فيه حديث الأَعْمَش قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
هذا الحديث سلف في أوائل البيع، وترجم عليه (هناك) (١) باب: شراء النبي ﷺ بالنسيئة (٢)، ولا خلاف فيه بين الأمة أن يشتري شيئًا بثمن معلوم إلى أجل معلوم.
стр. 8408
٨٩ - باب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ جنيب
٢٢٠١، ٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ". قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".
الحديث ٢٢٠١ - [٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦، ٧٣٥٠ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٤/ ٣٩٩]
الحديث ٢٢٠٢ - [٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧، ٧٣٥١ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٤/ ٣٩٩]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النبي ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَييبٍ، فَقَالَ النبي ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ". قَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
قال ابن عبد البرِّ: ذكر (أبو) (٢) هريرة في هذا الحديث لا يوجد من غير رواية عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن عن ابن المسيب عنهما رواه عنه مالك، وإنما يحفظ لأبي سعيد، كذا رواه قتادة عن سعيد من رواية حفاظ أصحاب قتادة، وروى الدراوردي عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي صالح السمان عنهما، ولا نعرفه بهذا الإسناد هكذا
стр. 8409
إلَّا من حديث الدراوردي، وكل من روى عن عبد المجيد بن سهيل هذا عنه بإسناده عن سعيد عنهما ذكره في آخره. وكذا الميزان، إلَّا مالكًا فإنه لم يذكره في حديثه (١)، وذكر البخاري، في المغازي، قال عبد العزيز الدراوردي: عن عبد المجيد، عن ابن المسيب عنهما أنهما حدثاه:
أنَّ النبيَّ ﷺ بعث أخا عديٍّ من الأنصار إلى خيبر فأمَّره عليها. وعن عبد المجيد، عن أبي صالح عنهما مثله (٢).
قال أبو عمر: جل أصحاب مالك يقولون: عبد المجيد (٣)، وفي رواية ابن نافع: عبد الحميد، وعند يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير وابن عيينة القولان جميعًا، وعبد الحميد أصح (٤).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: اسم هذا العامل: سواد بن غزية بن وهب البدري البلوي حليف الأنصار. وقيل: مالك بن صعصعة الخزرجي، ذكره الخطيب (٥)، وجزم ابن بشكوال بالأوَّلِ (٦).
ثانيها: وقع في بعض الروايات بالثلاث بغير هاءٍ، وفي بعضها
стр. 8410
بإثباتها. والصاع يذكر ويؤنث (١)، والجنيب: أرفع التمر، والجمع رديء.
ثالثها: قال ابن عبد البرِّ: الميزان، وإن لم يذكره مالك فهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كل يقوله على أصله إن ما داخله (٢) في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم تجز فيه الزيادة والتفاضل لا في كيل ولا في وزن، والوزن والكيل عندهم في ذلك سواء، إلَّا ما كان أصله الكيل لا يباع إلَّا كيلًا، وما كان أصله الوزن لا يباع إلَّا وزنًا، وما كان أصله الكيل فبيع وزنًا فهو عندهم مماثلة وإن كرهوا ذلك، وما كان موزونًا فلا يجوز أن يباع كيلًا عند جميعهم؛ لأنَّ المماثلة لا تدرك بالكيل، إلَا فيما كان كيلًا ولا وزنًا اتباعًا للسنة.
وأجمعوا أنَّ الذهب والورق والنحاس وما أشبه لا يجوز شيء من هذا كله كيلًا بكيل بوجه من الوجوه، والتمر كله على اختلاف أنواعه جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل في البيع والمعاوضة، وكذلك البر والزبيب، وكل طعام مكيل (٣)، هذا حكم الطعام المقتات عند مالك، وعند الشافعي: الطعام كله مقتات، أو غير مقتات، وعند الكوفيين: الطعام المكيل والموزون دون غيره (٤).
رابعها: فيه: أن من لم يعلم بتحريم الشيء فلا حرج عليه حتَّى يعلمه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقام الإجماع على أن البيع إذا وقع محرمًا فهو مفسوخ مردود؛
стр. 8411
لقوله: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (١) وفي "صحيح مسلم": "فردوه" (٢). وسيأتي حديث أبي سعيد الخدري قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له ﵇: "من أين هذا؟ " فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعته صاعين بصاع؛ لمطعم النبي ﷺ ، فقال عند ذلك: "أوه عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به" (٣)، وللبخاري: "أوه أوه عين الربا" مرتين (٤)، ولم يعز ابن بطال هذا الحديث إلى البخاري الذي هو شارحه بل قال: وقد روي أنه ﵇ أمر بردِّ هذا البيع من حديث بلال بن رباح، ومن حديث أبي سعيد الخدري، ثم ساق حديث بلال وفي آخره: "انطلق فرده على صاحبه، وخذ تمرك، وبعه، ثم اشتر التمر"، وقد زعم قوم أن بيع العامل الصالح بالصاعين كان قبل نزول آية الربا، وقبل أن يخبرهم الشارع بتحريم التفاضل في ذلك، ولذلك لم يأمر بفسخه وهذِه غفلة؛ لأنه ﵇ قال في مغنم خيبر للسعدين: "أربيتما فرُدَّا"، وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع في تمرها، وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقدًا ويبتاع منه بذلك طعامًا قبل الافتراق وبعده؛ لأنه لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور، ولا يجوز هذا عند مالك؛
стр. 8412
لأنه عنده كأنه طعام بطعام، والدراهم ملغاة إلَّا أن يكون الطعام جنسًا واحدًا وكيلًا واحدًا فيجوز عنده (١). وهذِه عندنا حيلة، وتسمَّى بيع العينة، ووافق مالكًا أحمد، وهو على قاعدة مالك في سد الذرائع فإن هذِه الصورة عندهم تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلًا، ثم إنه ليس في الحديث أن الذي اشترى منه ثانيًا هو الأول، فهو مطلق صالح له بخلاف العموم فإنه ظاهر في الاستغراق.
قلت: وحديث العينة وإن أخرجه أبو داود (٢) وغيره فهو متكلم فيه، ووافقنا ابن حزم، فقال: هو حلال ما لم يكن عن شرط، قال: ومنع منه قوم وقالوا: إنه باع منه دنانير بدنانير متفاضلًا، فقلنا: بل هما صفقتان، ثم أوضحه وقد أمر به عمر والأسود بن يزيد (٣).
وقد يحتج بالحديث من يرى أن الربا جائز بأصله دون وصفه، فيسقط الربا ويصحُّ البيع كما قاله أبو حنيفة، وفي التخيير له ﵇ التمر الطيب وإقرارهم عليه دليلٌ على أنَّ النفس يرفق بها بحقها، وهو عكس ما يصنعه الجهال المتزهدون من حملهم على أنفسهم ما لا تطيق جهلًا منهم بالسنة، نبه عليه ابن الجوزي.
стр. 8413
٩٠ - باب مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ
٢٢٠٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ، عَنْ نَافِعٍ -مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ- أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ العَبْدُ وَالحَرْثُ. سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ. [٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠١]
٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ". [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠١]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أنا هِشَامٌ، أنا ابن جُرَيْجٍ (قَالَ) (١): سَمِعْتُ ابن أَبِي مُلَيكَةَ يُخْبِرُ، عَنْ نَافِع -مَوْلَى ابن عُمَرَ- أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ للَّذي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ العَبْدُ وَالحَرْثُ. سمَّى لَهُ نَافِع هؤلاء الثَّلَاثَ.
ثم ساق حديث ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فثمرتها لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ".
الشرح:
إبراهيم هذا هو ابن أبي موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء الصغير، وهذا من باب المذاكرة كما أسلفناه. وحديث ابن عمر أخرجه مسلم (٢)، قال الطرقي: الصحيح من رواية نافع ما اقتصر عليه
стр. 8414
من التأبير خاصة، وذكر العبد يعني: "ومن ابتاع عبدًا وله ماله فماله للذي باعه إلَّا أن يشترط المبتاع" (١) يذكر عن ابن عمر عن عمر قوله قال: وقد رواه عن نافع عبد ربه بن سعيد، وبكير بن الأشج فجمعا بين الحديثين، مثل رواية سالم وعكرمة بن خالد، فإنهما رويا الحديثين جميعًا عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ، وكذا قال أبو عمر: اتفق نافع وسالم عن ابن عمر مرفوعًا في قصة النخل، واختلفا في قصة العبد، رفعها سالم، ووقفها نافع على عمر قوله، وهو أحد الأحاديث الأربعة، التي اختلف فيها نافع وسالم، ولمَّا روى النسائي حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر مرفوعًا لحديث التأبير والعبد، قال: هذا خطأ، والصواب حديث عمر موقوفًا (٢). وقال الدارقطني: رواه سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر مرفوعًا، وغيره لم يذكر فيه عمر، ورواه نافع فخالف سالمًا فجعله عن ابن عمر، عن عمر موقوفًا، ووهم أبو معاوية فرفعه، والصواب الأول وهو الصحيح (٣)، ورواه ابن إسحاق وجماعات عددهم عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا بإسقاط عمر بالقصتين جميعًا، ووهموا على نافع، ورواه الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا ولم
стр. 8415
يتابع عن ابن دينار، وذكره البخاري أيضًا في باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل (١).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: أبرت النخل آبرُها (٢)، بالكسر والضمِّ والتخفيف فهي مأبورة، كقومت الشيء تقويمًا فهو مقوم، وإبار كل تمر بحسبه، ومما جرت العادة فيه بما ينبت تمره ويعقده، وهو: شق طلع النخلة، هان
لم يحط فيه، وقد يعبر بالتأبير عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم يفعل فيها شيء، ويقال: أبَّرته بتشديد الباء أيضًا أوبره تأبيرًا، وعلامته فيما عدا النخل سقوط النور الذي لا ينعقد.
وقال ابن بطال: أما معنى الإبار في سائر (النخل) (٣) فقال ابن القاسم: يراعى ظهور الثمرة لا غيره، وقال ابن عبد الحكم: كل ما لا يؤبَّر من الثمار فاللقاح فيها بمنزلة الإبار في النخل (٤).
ثانيها: قال القزاز: من رواه يشترط بغير هاء أجاز اشتراط بعض الثمرة، ومن رواها بالهاءِ لا يجيز إلَّا اشتراط الكل، قال: وكذلك وقع في مال العبد بالهاء وبغير هاء.
ثالثها: قوله: ("فثمرتها لِلْبَائِعِ") يريد أنها بمطلق القيد تكون له، وبه قال جمهور الفقهاء، وخالف ابن أبي ليلى أنها للمشتري كالعهن والصوف على ظهر الغنم، والنص يرده، والثمرة نماء عن الأصل
стр. 8416
بخلافهما، وأما قبل أن تؤبر فهي للمشتري عند مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة: هي للبائع كالمأبورة (١). ودليل الخطاب يرده، وأيضًا ما كان غير طاهر تبعًا لما نشأ عنه.
قال ابن بطال: أخذ بظاهر حديث الباب مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، فقالوا: من باع نخلًا قد أبرت ولم يشترط ثمرته المبتاع فالثمر للبائع، وهي في النخل متروكة إلى الجداد وعلى البائع السقي، وعلى المشتري تخليته وما يكفي من الماءِ، ولذلك إذا باع الثمرة دون الأصل فعلى البائع السقي.
وقال أبو حنيفة: سواء أبَّر أو لم يؤبِّر هو للبائع، وللمشتري مطالبته بقلعها عن النخل حالًا، ولا يلزمه أن يصبر عليه إلى الجداد، وإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجداد فالبيع فاسد، واحتجوا بالإجماع على أن الثمرة لو لم تكن تؤبَّر حتى تناهت وصارت بلحًا وبسرًا وبِيعَ النخلُ، أن الثمرة لا تدخل فيه فعلمنا أن المعنى في ذكر الإبار ظهور الثمرة خاصة، إذ لا فائدة في ذكر الإبار غيره، ولم يفرقوا بين الإبار وغيره، قالوا: وقد تقرر أنَّ من باع دارًا له فيها متاع فللمشتري المطالبة بنقله عن الدار في الحال، ومن باع شيئًا فعليه تسليمه ورفع يده عنه، وبقاء الثمرة على النخل بعد البيع انتفاع بالنخل إلى وقت الجداد، فيكون في معنى من باع شيئًا واستثنى منفعته، وهذا لا يجوز، فخالفوا السنة إلى قياس، ولا قياس لأحد معها، ويقال لهم: من باع شيئًا مشغولًا يحق للبائع، فإنَّ البائع يلزمه نقله عن المبيع على ما جرت به العادة في نقل مثله، ألا ترى أنه لو باع دارًا
стр. 8417
هو فيها وعياله في نصف الليل وله فيها طعام كثير وآلة فلا خلاف أنه لا يلزمه نقله عنها نصف الليل، حتى يرتاد منزلًا يسكنه ولا يطرح ماله في الطريق، هذا عرف الناس.
وكذلك جرت العادة في أخذ الثمرة عند الجداد، وهو حين كمال بلوغها، ولمَّا ملَّك الشارع الثمرة بعد الإبار للبائع اقتضى استيفاء منفعته بها على كمالها، وأغنى ذلك عن استثناء البائع بقية الثمرة إلى الجداد، وأبو حنيفة يجيز أن يبيع السلعة أو الثمرة ويستثني نصفها وثلثيها، وما (يستثنى) (١) منها إذا كان المستثنى معلومًا، وكذلك قول أكثر العلماء إذا باع نخلًا وفيها ثمرة لم تؤبر فهي للمبتاع متابعة
لأصلها بغير شرط، استدلالًا بحديث ابن عمر.
وخالف ذلك أبو حنيفة فقال: هي للبائع بمنزلة لو كانت مؤبرة إلَّا أن يشترطها المبتاع، فيقال لهم: التمر له صفتان: مؤبر وغير مؤبر، ولما جعله الشارع إذا كان مؤبرًا للبائع بترك المشتري اشتراطها، أفادنا ذلك أن الثمرة للمشتري إذا لم تؤبر وكانت في أكمامها، وان لم يشترطها المشتري، ولو كان الحكم فيها غير مختلف حتى يكون الكلُّ للبائع، لكان يقول: من باع نخلًا فيها ثمرة فهي للبائع، فخالف الحديث من وجهين: نصه فيما إذا كانت مؤبرة، ودليله إذا كانت غير مؤبرة (٢).
رابعها: قول نافع: (وكذلك العبد)، يريد أن ماله لبائعه. وقوله: (والحرث) يريد: الأرض المحروثة. وروى ابن القاسم عن مالك: أن من اشترى أرضًا مزروعة ولم تسبل فالزرع للبائع، إلَّا أن يشترط
стр. 8418
المشتري، وإن وقع البيع والبذر لم تنبته فهو للمبتاع بغير شرط (١). وروى ابن عبد الحكم عن مالك: إن كان الزرع لقح أكثره، ولقاحه: أن يتحتت ويسبل حتَّى لو يبس حينئذٍ لم يكن فسادًا فهو للبائع، إلَّا أن يشترط المشتري، وإن كان لم يلقح فهو للمبتاع (٢) وذكر ابن عبد الحكم في موضع آخر من كتابه مثل رواية ابن القاسم.
فرع: روى ابن القاسم عن مالك: أنه لا يجوز استثناء نصف مال العبد إلَّا أن يكون ماله معلومًا ويكون غير العين (٣)، يريد أنه إذ ابتاعه بالعين وهو حاضر يراه، وإنما الاستثناء في الجميع، وقاله سعيد بن حسان، وقال: لا يجوز أن يستثني مال أحدهما إذا اشتراهما، وأجازه أشهب في العبد أن يستثني بعض ماله.
واختلف بعض أصحاب مالك إذا استثنى بعض الثمرة، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم.
فرع: فإن وقع العقد على النخل، أو العبد خاصة ثم زاده شيئًا ليلحق الثمرة والمال بالربا.
لابن القاسم: إن كان بحضرة البائع وتقريب جاز وإلَّا فلا، وأجازه أشهب في ثمرة النخل، ومنعه في مال العبد، والمعنى بالقرب: أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص، فإن دخله شيء من ذلك فقد بعد
وامتنع إلحاقه بالعقد.
стр. 8419
٩١ - باب بَيْعِ الزَّرْعِ (بِالطَّعَامِ) (١) كَيْلًا
٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. [انظر: ٢١٧١ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٤٠٣]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ..
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وقد سلف الكلام عليه (٣)، وقام الإجماع على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام، ولا بيع العنب في كرمه بالزبيب، ولا بيع التمر في رءوس النخل بالتمر؛ لأنه مزابنة، وقد سلف النهي عنه، وذلك خطر وغرر؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم من جنسه، وأما بيع رطب ذلك بيابسه إذا كان مقطوعًا وأمكن فيه المماثلة، فجمهور العلماء على المنع خلافًا لأبي حنيفة (٤)، كما سلف، واحتج له الطحاوي فقال: لما أجمعوا أنه يجوز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل، وإن كانت في أحدهما رطوبة ليست في الآخر، وكان ذلك ينقص إذا بقي نقصانًا مختلفًا، ولم
стр. 8420
ينظروا إلى ذلك فيبطلوا به البيع، بل نظروا إلى حاله في وقت وقوع البيع، فالنظر أن يكون التمر بالرطب كذلك (١). ولا يسلم الإجماع له ثم هو قياس فاسد، فقد يعفي عن اليسير لقلته، وقد جوز في الشرع يسير الغرر؛ لأنه لا يكاد يخلو منه، ونقصان الرطب بالتمر له مال وقيمة، فافترقا لذلك.
وحديث الباب حجة للجماعة، فإن التمر هو الرطب، وكأنه نهى عن بيع الرطب بالتمر على النخل، ومقطوعًا على عموم اللفظ، ويدل على ذلك الحديث السالف: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذن" (٢) فنهى عنه فصار كأنه نهى عن الرطب بالتمر، ولم يخف عنهم ذلك، وإنما سألهم على سبيل التقرير لهم، حتَّى إذا تقرر ذلك عندهم نهاهم عنه، فصار كأنه نهاهم، وعلله فقال: لا يجوز بيع التمر بالرطب؛ لأنه ينقص إذا يبس، فسواء كان الرطب في النخل أو في الأرض إذا بيع بتمر مجهول، فإنه يكون مزابنة، يقال للكوفيين: يلزمكم التناقض في منعكم بيع الحنطة بالدقيق وبيعها بالسويق، والمماثلة بينهما أقرب من المماثلة بين التمر والرطب؛ وأجاز مالك والليث الدقيق بالحنطة مثلًا بمثل، وقول الشافعي كقول الكوفي (٣).
стр. 8421
٩٢ - باب بَيْعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ
٢٢٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ". [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر السالف في باب: من باع نخلًا قد أبرت (١).
وقد سلف الكلام عليه، واختلف قول مالك فيمن اشترى أصول النخل وفيها ثمر قد أبر ولم يشرطها، فأجازوا لمشتري النخل وحده أن يشتري التمر قبل بُدُوِّ صلاحها في صفقة أخرى، كما كان له أن يشرطها في صفقته، هذِه رواية ابن القاسم. وكذلك مال العبد، وروى ابن وهب عن مالك: أن ذلك لا يجوز في الثمرة ولا في مال العبد له ولا لغيره، وهذا قول المغيرة وابن دينار وابن عبد الحكم، وهو
قول الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٢). وهذا القول أقوى لعموم نهيه ﵇ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكذلك مال العبد فهو شراء مجهول، فهو من بيع الغرر (٣).
стр. 8422
٩٣ - باب بَيْعِ المُخَاضَرَةِ
٢٢٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ. [فتح: ٤/ ٤٠٤]
٢٢٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى تَزْهُوَ. فَقُلْنَا لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٤٠٤]
ذكر فيه حديث أنس أن النبي ﷺ نهى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُزَابَنَةِ.
وحديث أنس في بيع الثمار حتى تزهو، وقد أسلفناه، (١) وكذا الأول، وأنه من أفراد البخاري، قال الإسماعيلي: وفي بعض الروايات: والمخاضرة: بيع الثمار قبل أن تطعم، وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه، وقد أسلفنا الكلام على كلِّ ذلك.
والمخاضرة: بالخاءِ والضاد المعجمتين، وهي: بيع الثمار خضراء لم (يبدو) (٢) صلاحها. مفاعلة؛ لأنهما باعا شيئًا أخضر، وقام الإجماع
стр. 8423
على أنه لا يجوز بيع الثمار، والزروع، والبقول قبل بُدُوِّ صلاحها على شرط التبقية إلى وقت طيبها، ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا القصيل لأكل الدواب، وكذلك أجمعوا أنه يجوز بيع البقول إذا قلعت من الأرض، وانتفع بها، وأحاط علمًا بها المشتري، ومن بيع المخاضرة: شراؤها مغيبة في الأرض كالفجل والكراث والبصل واللفت وشبهه، وأجاز شراءها مالك والأوزاعي.
قال مالك: وذلك إذا استقل ورقه وأمن، والأمان عنده أن يكون ما يقطع منه ليس بفساد (١)، وقال أبو حنيفة: بيع المغيب في الأرض جائز، وهو بالخيار إذا رآه (٢)، قال الشافعي: لا يجوز بيع ما لا يرى (٣). وهو عنده من بيوع الغرر، وحجة من أجاز ذلك: أنه لو قلعها ثُمَّ باعها لأضرَّ ذلك به وبالناس؛ لأنهم إنما يأكلون ذلك أولًا أولًا كما يأكلون الرطب والتمر، ولا يقصدون بذلك الغرر، وإذا باعها على شيءٍ يراه، أو صفة توصف له جاز فمتى جاء بخلاف الصفة أو الرؤية كان له رد ذلك بحصته، وإنما يجوز بيع ذلك كلِّه على التبقية إذا طابت للأكل، كما يجوز بيع الثمرة على التبقية إذا
طابت للأكل.
واختلفوا في بيع القثاء والبطيخ، وما يأتي بطنًا بعد بطن، فقال مالك: يجوز بيعه إذا بدا صلاحه، ويكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره؛ لأنَّ وقته معروف عند الناس.
стр. 8424
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز بيع بطن منه إلا بعد طيبه كالبطن الأول، وهو عندهم من بيع ما لم يخلق (١)، وجعله مالك كالثمرة إذا بدا صلاح أولها جاز ما بدا صلاحه وما لم يبد؛ لحاجتهم إلى ذلك، ولو منعوا منه لأضرَّ بهم؛ لأن ما تدعو إليه الضرورة يجوز فيه بعض الغرر، ألا ترى أن الظئر تكرى لأجل لبنها الذي لم يخلق ولم يوجد إلا أوله، ولا يدرى كم يشرب الصبي منه، وكذلك لو اكترى عبدًا لخدمته لكانت المنفعة التي وقع عليها العقد لم تخلق، وإنما تجددت أولًا أولًا، ولو مات العبد لوقعت المحاسبة على ما حصل من المنفعة، فجوز ذلك لحاجة الناس إليه فبيع ما لم يخلق، وقد جرت العادة في الأغلب إذا كان الأصل سليمًا من الآفات أن تتتابع بطونه وتتلاحق، وعدم مشاهدته لا تدل على بطلان بيعه، بدليل بيع الجوز واللوز في قشريهما وفساده البين من خارج، ولو كان مقشورًا مغطى بشيء غير قشره لم يصح البيع.
стр. 8425
٩٤ - باب بَيْعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ
٢٢٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا، فَقَالَ: "مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ". فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ. فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ٤/ ٤٠٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَأكُلُ جُمَّارًا فَقَالَ: "مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ". فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: النَّخْلَةُ. فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ فقَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
هذا الحديث سلف في كتاب العلم، وتكرر فيه فراجعه (١).
والجمار: قلب النخلة، وذكر البخاري الأكل فقط ولم يذكر البيع؛ لأنه نبه عليه بأكله؛ لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، وكذا قال ابن المنير، أنه أخذه من القياس على أكله، إذ يدل على أنه مباح، واستغرب الشارح -يعني: ابن بطال- ذكره لبيع الجمار بناء منه على أنه مجمع عليه، وأنه لا يتخيل أحد فيه المنع، حيث قال: بيع الجمار وأكله من المباحات التي لا اختلاف فيها بين العلماء، وكل ما انتفع به للأكل وغيره فجائز بيعه (٢). قال: وقد وقع في عصرنا لبعضهم إنكار على من جمر نخله ليأكله تحريجًا من أكل غيره مما لم يصف من الشبهة، وينسبه لإضاعة المال، وذهل عن كونه حفظ ماله بماله (٣).
стр. 8426
وفيه من الفوائد: أكل الشارع بحضرة القوم تواضعًا، ولا عبرة بقول بعضهم: إنه يكره إظهاره، وإنه يخفي مدخله كما يخفي مخرجه، وهذا الحديث يرد عليه.
وقوله: ("كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ"). أخذه من قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقوله: (أحدثهم سنًا) أي: وفعل ذلك استحياء.
رضي الله عنها تَقُولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ، وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ. [٢٧٦٥، ٤٥٧٥ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٤/ ٤٠٦]
ثم ساق حديث أنس: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ أَبُو طَيْبَةَ … الحديث. وقد سلف (١) في ذكر الحجام بالسند سواء. (٢)؟
وحديث عائشة في قصة هند.
وحديثها أيضًا من طريقين أما الآية السالفة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتمِمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ.
وهما مسندان للتعليقين السالفين، والبخاري أخرج الأخير عن إسحاق، وهو: ابن منصور كما صرَّح به في التفسير (٣)، ولما استخرجه أبو نعيم هناك من طريق إسحاق بن إبراهيم، قال: رواه -يعني البخاري- عن إسحاق بن منصور، ومقصود البخاري بالترجمة -كما قال ابن المنير- إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ، ويرد إلى ما خالف الظاهر من العرف؛ ولهذا ساق:
(لا بأس العشرة بأحد عشر)، أي: لا بأس أن يبيعه سلعة مرابحة للعشرة بأحد عشر، وظاهره: أن ربح العشرة أحد عشر، فتكون
стр. 8429
الجملة أحدًا وعشرين ولكن العرف فيه أن للعشرة واحدًا ربحًا، فيقضي العرف على اللفظ، فإذا صحَّ الاعتماد على العرف معارضًا بالظاهر، فالاعتماد عليه مطلقًا أولى. ووجه دخول حديث أبي طيبة في الترجمة أنه ﵇ لم يشارطه اعتمادًا على العرف في مثله (١).
وقوله: (وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا)، إن أراد نفقة نفسه فمذهب مالك أنها لا تحسب ولا يحسب له ربح (٢)، وإن أراد نفقة الرقيق فتحسب عند مالك ولا يحسب لها ربح، فهو خلاف مالك على كل حال إلا أن يريد أنه بين ذلك، أو كانت عندهم عادة، فتحتاج إلى بيان هذِه النفقة؛ لأنه يحتمل أن تكون قليلة أو كثيرة، ونبه عليه ابن التين، قال: وفي أكثر ما في الباب دليل لما بوب عليه أن العادة تقوم عند
عدم الشرط مقامه وهو مذهب مالك وغيره.
وقال الشافعي: لا اعتبار بذلك.
وقال ابن بطال: العرف عند الفقهاء أمر معمول به، وهو كالشرط اللازم في البيوع وغيرها، ولو أن رجلًا وكَّل رجلًا على بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس لم يجز ذلك، ولزمه النقد
стр. 8430
البخاري، وكذلك لو باع طعامًا موزونًا أو مكيلًا بغير الوزن، أو الكيل المعهود لم يجز، ولزم الكيل المعهود المتعارف من ذلك.
قال: وقوله: (يأخذ للْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ)، يعني لكلِّ عشرة واحدًا من رأس المال دينار (١). وقال ابن التين: يزيد في بيع المرابحة، يقول: كل عشرة أخرجتها يأخذ لها أحد عشر.
واختلف العلماء في ذلك، فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن كرهه ابن عباس وابن عمر ومسروق والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق، قال أحمد: البيع مردود، وأجازه سعيد بن المسيب والنخعي، وهو قول مالك والثوري والكوفيين والأوزاعي (٢).
حجة الأول: أنه عنده بيع مجهول، إلا أن يعلم عدد العشرات، فيعلم عدد ربحها، ويكون الثمن كله معلومًا. وحجة الثاني: أن الثمن معلوم فكذا الربح، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم،
ولا يعلم مقدار ما في الصبرة من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون، ومنهم من قال: لا يلزمه إلا القفيز الواحد ومن بيع العشرة الواحد.
واختلفوا في النفقة: هل يأخذ لها ربحًا في بيع المرابحة؟ فقال مالك: لا، إلَّا فيما له تأثير في السلعة وعين قائمة كالصبغ، والخياطة، والكماد، فهذا كله يحسب في أصل المال، ويحسب له الربح؛ لأن تلك المنافع كلها سلعة ضمت إلى سلعة.
قال مالك: ولا يحسب في المرابحة أجر السمسار، ولا الشد والطي، ولا النفقة على الرقيق، ولا كراء البيت، وإنما يحسب هذا
стр. 8431
في أصل المال وما يحسب له ربح (١).
وأما كراء البر فيحسب له الربح؛ لأنه لا بد منه، ولا يمكنه حمله بيده من بلد إلى بلد، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك، فإن لم يبين البائع للمشتري ذلك وأجمل البيع كان للمشتري ردُّ ذلك كله إن شاء؛ لأن البائع قد غرَّه. وقال أبو حنيفة: يحسب في المرابحة أجر القصارة، وكراء البيت، وأجر السمسار، ونفقة الرقيق وكسوتهم، ويقول: قام عليَّ بكذا وكذا.
وأما أجرة الحجام فأكثر العلماء يجيزونها -كما سلف- هذا إذا كان الذي يعطاه فيما يرضى به، فإن أعطي ما لا يرضى فلا يلزم، ورد إلى العرف، ومما يدل على أن العرف عمل جارٍ حديث هند، فأطلق لها أن تأخذ من متاع زوجها ما تعلم أن نفسه تطيب لها بمثله، وكذلك أطلق الله تعالى لولي اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف (٢)، واستدل بحديث هند على القضاء على الغائب وبالإفتاء؛ لأنَّ زوجها أبا سفيان كان متواريًا بها، بل ذكر السهيلي أنه كان حاضرًا سؤالها فقال لها: أنت في حلٍّ مما أخذت (٣)، وبأن المرأة لا تأخذ من مال زوجها شيئًا بغير إذنه ولو قلَّ، ألا ترى أنه لما سألته قال لها: "لا"، ثم استثنى فقال: "لا، إلا بالمعروف" (٤).
стр. 8432
وقولها: (رَجُلٌ شَحِيحٌ)، كذا هنا وفي أخرى: (مسِّيك) (١)، بكسر الميم وتشديد السين، كما ضبطه أبو موسى المديني، ونقله صاحب "المطالع" عن (الأكثرين) (٢)، قال: ورواية المتقنين بفتح الميم وتخفيف السين وكسرها، كذا عند المستملي وأبي بحر، وكذا رواه أهل اللغة؛ لأن أمسك لا يبنى منه فعيل، إنما يبنى من (الثلاثي) (٣)، وتفسير عائشة للآية روي عن عمر نحوه (٤).
وقيل: إن الولي يستقرض من مال اليتيم إذا افتقر، وبه قال عبيدة، وعطاء، والشعبي، وأبو العالية (٥).
وقيل: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] في مال نفسه؛ لئلا يحتاج إلى مال اليتيم.
وقال مجاهد: ليس عليه أن يأخذ قرضًا ولا غيره (٦) وبه قال أبو يوسف، وذهب إلى أن الآية منسوخة نسخها ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
стр. 8433
وقولها: (أُنْزِلَتْ فِي والِي اليَتِيمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ) (١)، كذا وقع، وصوابه يقوم بالواو؛ لأن يقيم متعدٍ بغير حرف جرٍّ. (٢)
стр. 8434
٩٦ - باب بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ
٢٢١٣ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. [٢٢١٤، ٥٧٢٢، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح: ٤/ ٤٠٧]
ذكر فيه حديث جابر: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ (١).
هذا الحديث ذكره بعد، وترجم عليه باب بيع الأرض، والدور، والعروض مشاعًا غير مقسوم، ولفظه: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كلِّ ما لم يقسم) بمثله (٢).
وفي آخر في موضع آخر: (إنما جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ الشُّفْعَةَ) بمثله أيضًا (٣)، وأخرجه مسلم (٤) بألفاظ نحوها، وقال البخاري هنا: (في كلِّ ما لم يقسم) رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، تابعه هشام، عن معمر، وقال عبد الرزاق: في كلِّ مالٍ، فإن قلت: من أين يؤخذ ما بوب له؟ وهو بيع الشريك من شريكه.
стр. 8435
قلت: لأن أخذه من الشريك كأنه شراء، فإذا كان له الأخذ بالشراء فالشفعة أولى؛ لأنه إنما يأخذ بحقِّ الشركة المتقدمة، فيأخذ ما هو أولى أن يقع البيع منه.
إذا عرفت ذلك فبيع الشريك من الشريك في كلِّ شيءٍ مشاع جائز، وهو كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة لعلة الإشاعة، وخوف دخول الضرر عليه.
وإن باعه من شريكه ارتفعت الشفعة وإذا كان للشريك الأخذ بالشفعة، فبالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ فعلى البائع إذا أحبَّ البيع أن لا يبيع من أجنبي حتَّى يستأذن شريكه، كما ثبت في الصحيح من حديث جابر.
وفي لفظ: "لا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه" (١) وفي لفظ: "لا يصلح" (٢) وبه صرَّح الإمام أحمد (٣).
وأمَّا بيع الجروض مشاعًا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها، وإنما الشفعة في الدور والأرضين خاصة، وهو قول عطاء والحسن وربيعة والحكم وحماد (٤)، وبه قال مالك، والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن عطاء أنه قال: الشفعة في كلِّ شيءٍ حتى في الثوب (٥)، وإذا اختلف فيها قول عطاء فكأنه لم يأت عنه فيها
стр. 8436
شيء، فهو كالإجماع أنه لا شفعة في العروض والحيوان، قاله ابن المنذر، وحكى مقالة عطاء بعض الشافعية عن مالك، وأنكره القاضي أبو محمد. وقول البخاري في باب بيع الأرض والدور رواه عبد الرحمن ابن إسحاق عن الزهري. (١) عبد الرحمن (٢) هذا يعرف بعباد، مدني نزل البصرة.
وقول عبد الرزاق: كل مال. رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الرزاق: في كل مال يقسم (٣). ورواه إسحاق بن إبراهيم عنه فقال: في الأموال ما لم يقسم، فإذا قسمت الحدود عرف الناس حقوقهم فلا شفعة.
وفيه: جواز بيع المشاع.
وقوله: (فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ)، لفظ عام، ومراده: العقار كما سلف، ولا شفعة عندنا في البئر وفاقًا لمالك وخلافًا لأبي حنيفة، وقواه الخطابي لانتفاء قسمته. والحدود: هي التي تمسك الماء بين الأرضين، سميت بذلك لمنعها الماء.
وقوله: (وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) يحتج به من يرى الشفعة واجبة في الطريق إذا كانت واحدة، وهو حكم الظاهر، وتأوله من لا يراه على أنه أراد به الطريق في المشاع دون المقسوم، وذلك أن الطريق المشاع مشاع بين الشركاء، فإذا قسم بينهم منع كلُّ واحد أن يطرق في حق صاحبه،
стр. 8437
وجمهور العلماء على أنه لا شفعة إلا في المشاع لحق ضرر الشركة، منهم الأربعة خلا أبا حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبا ثور، وروي عن عمر، وعثمان، وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وربيعة، وأبي الزناد، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، والمغيرة بن عبد الرحمن.
وخالف بعض أهل العراق، فقال: تجب الشفعة بالجوار الملاصق، وهو قول الثوري وشريح، فيما حكاه ابن أبي شيبة وعمرو بن حريث (١).
وقال إبراهيم: الشريك أحق، فإن لم يكن شريك فالجار (٢). ورواه الشعبي مرفوعًا مرسلًا (٣)، وكذا عن الحسن (٤). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الشفعة فقالا: إن كانت الدار إلى جنب الدار ليس بينهما طريق ففيها شفعة (٥).
وروى الطحاوي عن عمر أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملاصق (٦).
واحتجوا بقوله ﵇: "الجار أحقُّ بسقبه" (٧) وأباه أكثرهم وقالوا: معناه: أحقُّ بمواساته وما توجبه المجاورة. وحديث الباب حجة لهم:
стр. 8438
(إذا صرفت الطرق فلا شفعة) لأنه حينئذٍ يصير جارًا فلم يجعل له الشفعة بجواره، وحديث: "الجار أحق بسقبه ما كان" وإن حسنه الترمذي، ونقل عن البخاري تصحيحه من طريق الشريد بن سويد (١) قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحدٍ فيها شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال ﵇ … الحديث (٢). قال عبد الله الراوي، عن عمرو قلت لعمرو: ما سقبه؟ قال: الشفعة، فقلت: زعم الناس أنها الجوار، قال الناس يقولون ذلك (٣)، فهذا راويه لا يرى الشفعة بالجوار، ولا يرى لفظ ما روى يقتضيه.
ذكر فيه حديث ابن عمر في الثلاثة الذين سد عليهم الغار مطولًا.
وقد أخرجه مسلم أيضًا (١).
وفيه: الإخبار عن متقدمي الأمم وذكر أعمالهم؛ لترغب أمته في
مثلها، ولم يكن يتكلم بشيءٍ إلَّا للفائدة، وإذا كان مزحه حقًّا فما ظنك بإخباره؟!
وفيه: سؤال الرب ﷻ بإنجاز وعده قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وقوله: "آواهم" وفي رواية: "فأووا" هو: بقصر الهمزة، ويجوز مدها كما سلف إيضاحه في العلم (٢) مع بيان الأشهر
فيه، أي: انضموا إلى الغار وجعلوه مأوى.
وفيه: التوسل بصالح الأعمال.
وفيه: إثبات كرامات الأولياء والصالحين.
وقوله: ("فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ")، يعني: الإناء الذي يحلب فيه. وقيل: اللبن. وقوله في رواية أخرى: لا أغبق (٣): هو الغبوق، وهو: اسم للشراب المعد للعشي (٤).
وقوله أيضًا: ("دَأْبِي وَدَأْبهُمَا")، أي: شأني وشأنهما (٥).
قال الفراء: أصله من دأبت، إلا أن العرب حولت معناه إلى الشأن، يقال: دأب وداب، وقيل: الدأب الفعل، وهو: نحو الأول. وقوله