← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

شيء، فهو كالإجماع أنه لا شفعة في العروض والحيوان، قاله ابن المنذر، وحكى مقالة عطاء بعض الشافعية عن مالك، وأنكره القاضي أبو محمد. وقول البخاري في باب بيع الأرض والدور رواه عبد الرحمن ابن إسحاق عن الزهري. (١) عبد الرحمن (٢) هذا يعرف بعباد، مدني نزل البصرة. وقول عبد الرزاق: كل مال. رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الرزاق: في كل مال يقسم (٣). ورواه إسحاق بن إبراهيم عنه فقال: في الأموال ما لم يقسم، فإذا قسمت الحدود عرف الناس حقوقهم فلا شفعة. وفيه: جواز بيع المشاع. وقوله: (فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ)، لفظ عام، ومراده: العقار كما سلف، ولا شفعة عندنا في البئر وفاقًا لمالك وخلافًا لأبي حنيفة، وقواه الخطابي لانتفاء قسمته. والحدود: هي التي تمسك الماء بين الأرضين، سميت بذلك لمنعها الماء. وقوله: (وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) يحتج به من يرى الشفعة واجبة في الطريق إذا كانت واحدة، وهو حكم الظاهر، وتأوله من لا يراه على أنه أراد به الطريق في المشاع دون المقسوم، وذلك أن الطريق المشاع مشاع بين الشركاء، فإذا قسم بينهم منع كلُّ واحد أن يطرق في حق صاحبه،

стр. 8437

وجمهور العلماء على أنه لا شفعة إلا في المشاع لحق ضرر الشركة، منهم الأربعة خلا أبا حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبا ثور، وروي عن عمر، وعثمان، وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وربيعة، وأبي الزناد، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، والمغيرة بن عبد الرحمن. وخالف بعض أهل العراق، فقال: تجب الشفعة بالجوار الملاصق، وهو قول الثوري وشريح، فيما حكاه ابن أبي شيبة وعمرو بن حريث (١). وقال إبراهيم: الشريك أحق، فإن لم يكن شريك فالجار (٢). ورواه الشعبي مرفوعًا مرسلًا (٣)، وكذا عن الحسن (٤). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الشفعة فقالا: إن كانت الدار إلى جنب الدار ليس بينهما طريق ففيها شفعة (٥). وروى الطحاوي عن عمر أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملاصق (٦). واحتجوا بقوله ﵇: "الجار أحقُّ بسقبه" (٧) وأباه أكثرهم وقالوا: معناه: أحقُّ بمواساته وما توجبه المجاورة. وحديث الباب حجة لهم:

стр. 8438

(إذا صرفت الطرق فلا شفعة) لأنه حينئذٍ يصير جارًا فلم يجعل له الشفعة بجواره، وحديث: "الجار أحق بسقبه ما كان" وإن حسنه الترمذي، ونقل عن البخاري تصحيحه من طريق الشريد بن سويد (١) قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحدٍ فيها شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال ﵇ … الحديث (٢). قال عبد الله الراوي، عن عمرو قلت لعمرو: ما سقبه؟ قال: الشفعة، فقلت: زعم الناس أنها الجوار، قال الناس يقولون ذلك (٣)، فهذا راويه لا يرى الشفعة بالجوار، ولا يرى لفظ ما روى يقتضيه.

стр. 8439

٩٨ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا [لِغَيْرِهِ] بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ ٢٢١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَرَجَ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ، فَأَصَابَهُمُ المَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ. -قَالَ:- فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِئُ فَأَحْلُبُ، فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ -قَالَ:- فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبِيْةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. -قَالَ:- فَفُرِجَ عَنْهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ: لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ. فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتِ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً، -قَالَ:- فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ فَأَعْطَيْتُهُ، وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ، فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَعْطِنِي حَقِّي. فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَإِنَّهَا لَكَ. فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ وَلَكِنَّهَا لَكَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا. فَكُشِفَ عَنْهُمْ". [٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤ - مسلم: ٢٧٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠٨]

стр. 8440

ذكر فيه حديث ابن عمر في الثلاثة الذين سد عليهم الغار مطولًا. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). وفيه: الإخبار عن متقدمي الأمم وذكر أعمالهم؛ لترغب أمته في مثلها، ولم يكن يتكلم بشيءٍ إلَّا للفائدة، وإذا كان مزحه حقًّا فما ظنك بإخباره؟! وفيه: سؤال الرب ﷻ بإنجاز وعده قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وقوله: "آواهم" وفي رواية: "فأووا" هو: بقصر الهمزة، ويجوز مدها كما سلف إيضاحه في العلم (٢) مع بيان الأشهر فيه، أي: انضموا إلى الغار وجعلوه مأوى. وفيه: التوسل بصالح الأعمال. وفيه: إثبات كرامات الأولياء والصالحين. وقوله: ("فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ")، يعني: الإناء الذي يحلب فيه. وقيل: اللبن. وقوله في رواية أخرى: لا أغبق (٣): هو الغبوق، وهو: اسم للشراب المعد للعشي (٤). وقوله أيضًا: ("دَأْبِي وَدَأْبهُمَا")، أي: شأني وشأنهما (٥). قال الفراء: أصله من دأبت، إلا أن العرب حولت معناه إلى الشأن، يقال: دأب وداب، وقيل: الدأب الفعل، وهو: نحو الأول. وقوله

стр. 8441

أيضًا: (فنأى بي طلب الشجر يومًا) من يجعل الهمزة قبل الألف، ومنهم من يجعلها بعده، وهما لغتان وقراءتان، وهو البعد أي: بعد بي طلب الشجر التي ترعاها الإبل. وقوله أيضًا: (لم أرح)، هو من الرواح، وهو ما بعد الزوال. وقوله هنا: (يَتَضَاغَوْنَ)، أي: يصيحون من الجوع ويبكون ويشكون، والضغاء: -ممدود مضموم الأول- صوت الذلة والفاقة. و (فُرْجَةً): بضمِّ الفاء وفتحها، وفي الفم مثلثة، وقال ابن فارس وغيره: الفُرجة في الحائط كالشق، والفَرجة: انفراج الكروب (١). وقوله: (فَافْرُجْ)، قال ابن التين: هو بضمِّ الراء في أكثر الأمهات، وذكر الجوهري أنه بكسرها (٢) (٣). وقوله: (حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ). وذكر البخاري بعد هذا أنه دفع إليها عشرين ومائة. وفيه: فضل الوالدين والصبر على المكروه. ومعنى: لا تفض الخاتم، أي: لا تكسره، وقيل: الفضُّ: التفرق، والبكر أشبه بالخاتم من الثيب؛ لأن الخاتم عُذرتها. ومعنى: "إِلَّا بِحَقِّهِ" بوجه شرعي، وهو: النكاح. وفيه: قبول التوبة، وأن من أصلح فيما بقي غفر له، وأن من همَّ بسيئة فتركها؛ ابتغاء وجهه كتب له أجرها، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾.

стр. 8442

فصل: و (الفَرَقِ) (١): بفتح الراء، وسكونها وهو ثلاثة أصع، وقال هنا: "بفرق من ذرة"، وقال الذي المزارعة: بفرق أرز (٢). وفيه: جواز الإجارة بالطعام المعلوم. وقولى: "فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا": هو موضع الترجمة، وبه استدل الحنفية، وغيرهم ممن يجيز بيع مال الإنسان والتصرف فيه بغير إذنه إذا أجازه المالك بعد. وموضع الدلالة قوله: "فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرًا"، وفي رواية: "فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال" (٣) مع أنه شرع من قبلنا، وهل هو في شرعنا؟ لنا فيه خلاف مشتهر، ومشهور مذهب مالك أن له الخيار، واستدل به أحمد، كما قاله الخطابي على أن المستوح إذا اتَّجر في مال الوديعة، وربح أن الربح إنما يكون لرب المال، ولا دلالة فيه (٤)؛ لأن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله، وقد

стр. 8443

قال: إنه اشترى بقرًا، وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به فلا يستحق عليه ربحًا. والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتَّجر فيه وأنماه. والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودع إذا اتَّجر بمال الوديعة، والمضارب إذا خالف رب المال فربما أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء (١). قال ابن التين: وقوله في المضارب غير بين؛ لأنه مال ماذون فيه، فربحه عند مالك لربه، بخلاف الوديعة، وعند أبي حنيفة المضارب ضامن لرأس المال، والربح له ويتصدق به، والوديعة عليه. وقال الشافعي: إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري، وهو ضامن للمال. ومذهب مالك: أن الربح للمودع كيفما اشترى إن اشترى لنفسه ولا دليل عليه من الحديث؛ لأنه اشتراه لرب الفرق. وقال ابن بطال: أجمع الفقهاء أنه لا يلزم شراء الرجل لغيره بغير إذنه إلا حتى يعلمه ويرضى به، فيلزمه بعد الرضا به إذا أحاط علمًا به، واختلف ابن القاسم وأشهب فيما إذا أودع رجل رجلًا طعامًا فباعه المودع بثمن فرضي المودع، فقال ابن القاسم: له الخيار، إن شاء أخذ مثل طعامه من المودع، وإن شاء أخذ الثمن بالذي باعه به، وقال أشهب: إن رضي بذلك فلا يجوز؛ لأنه طعام بطعام فيه خيار. وهذا الحديث دلَّ على صحة قول ابن القاسم؛ لأن فيه أن الذي كان ترك الأجير فرق ذرة، وأنه زرعه له الذي بقي عنده حتى صار منه ما ذكر،

стр. 8444

فلو كان خيار صاحب الطعام يحرم عليه ما جاز له أخذ البقر وراعيها؛ لأن أصلها كان من ذلك الفرق المزروع له بغير علمه، وقد رضي ﵇ ذلك، وأقره وأخبر أنَّ الذي انطبق عليه الغار توسل بذلك إلى ربه، ونجاه به. فدلَّ هذا الحديث أنه لم يكن أخذ الأجير لذلك لازمًا إلا بعد رضاه بذلك لقوله: "أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ " وإنكاره ما بذل له عوضًا من الفرق؛ ولذلك عظمت المثوبة في هذِه القصة، وظهرت هذِه الآية من أجل تطوع الزارع للفرق بما بذل له، وأنه فعل أكثر مما كان يلزمه في تأدية ما عليه، فشكر الله له ذلك. وقد اختلف العلماء في الطعام المغصوب يزرعه الغاصب، فذكر ابن المنذر أن قول مالك والكوفيين أن الزرع للغاصب، وعليه مثل الطعام الذي غصب؛ لأن كل من تعدى على كل ما لهُ مثل فليس عليه غير مثل الشيء المتعدى عليه، غير أن الكوفيين قالوا: إن زيادة الطعام حرام على الغاصب لا يحل له وعليه أن يتصدق به. وقال أبو ثور: كل ما أخرجت الأرض من الحنطة فهي لصاحب الحنطة وسيأتي اختلافهم فيمن تعدى على نقد فَتَجَر به بغير إذن صاحبه في حديث ابن عمر هذا في الإجارة (١) حيث ذكره. ولنذكر هنا نبذة منه، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا ردَّ رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبًا للمال أو كان وديعة عنده، متعديًا فيه، هذا قول عطاء ومالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه عنه، ويتصدق به.

стр. 8445

وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح ولا يطيب له منه شيء. هذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر، وقالت طائفة: الربح لرب المال، وهو ضامن لما تعدى فيه، هذا قول ابن عمر وأبي قلابة (١)، وبه قال أحمد وإسحاق، ثم ادعى ابن بطال: أن أصح هذِه الأقوال أن الربح للغاصب والمتعدي (٢).

стр. 8446

٩٩ - باب الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ مَعَ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الحَرْبِ ٢٢١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ -مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ- بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟ " -أَوْ قَالَ:- أَمْ هِبَةً؟ ". قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً. [٢٦١٨، ٥٣٨٢ - مسلم: ٢٠٥٦ - فتح: ٤/ ٤١٠] ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ رَجُل مُشْرِكٌ مُشْعَانٌ طَوِيل بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْعًا أَمْ عَطِية؟ " -أَوْ قَالَ:- أَمْ هِبَةً؟ ". قَالَ: بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرى مِنْهُ شَاةً. هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر: كنا مع النبي ﷺ مائة وثلاثين رجلًا، فقال- ﵇: "هل مع أحد منكم طعام؟ " فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل. وفيه: فصنعت، وأمر بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلَّا وقد حز له حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خبأ له، وجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، وفضل في القصعتين، فحملناه على البعير (١). قال أبو عبد الله: (مُشْعَانٌّ): طويل جدًّا فوق الطول. وقال الأصمعي- فيما حكاه في "الموعب": شعر مشعان -بتشديد النون- منتفش، واشعانَّ الرجل اشعنانا، وهو: الثائر المتفرق. وقال الأزهري أيضًا: هو الشعث المنتفش الرأس المغبر (٢).

стр. 8447

وروى عمرو عن أبيه: أشعن الرجل إذا ناصى عدوه فاشعان شعره. وقال ابن التين: هو شعث الشعر، ثائر الرأس في قول أكثرهم، ووزنه مُفعال. وعبارة صاحب "العين": مشعان إذا كان منتفشًا، ورجل مشعان الرأس. وسواد البطن، قيل: هو الكبد خاصة، وقيل: حشوة البطن كلها، حكاهما صاحب "المطالع". وحز: قطع، والحُزة- بضمِّ الحاء: القطعة (١)، وقال في باب قبول الهدية من المشركين. ضبط حُزَة في الأمهات بالضم، وصوابه كما ضبط، لأن الحزة بالضم: القطعة، مثل الأكلة واللقمة، وأما بالفتح فتعود على الفعل. وقد سلف -من قول أبي عبيد- أنَّ كلَّ شيءٍ يقال فيه: فعلت فعلة -بالفتح- إلا ثنتين: رأيت رؤية، وحججت حجة، يريد إلى الغزو. وقال الداودي: الحزة: القطعة، وهو كالأول. أما فقه الباب: فالبيع والشراء من الكفار كلهم جائز إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح، وما يقوون به عليهم. قال ابن المنذر: اختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام، وقبول هداياه وجوائزه، فرخصت طائفة في ذلك، كان الحسن البصري لا يرى بأسًا أن يأكل الرجل من طعام العقار والصراف والعامل، ويقول: قد أحل الله طعام اليهود والنصارى، وأكله أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال تعالى في اليهود:

стр. 8448

﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال مكحول والزهري: إذا اختلط المال وكان فيه الحلال والحرام فلا بأس أن يؤكل منه، وإنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرفه بعينه. وقال الحسن: لا بأس ما لم يعرفوا شيئًا منه (١). وقال الشافعي: لا تجب مبايعة مَنْ أكثرُ مالهِ ربا أو كسبه حرام، وإن بايعه لم أفسخ البيع؛ لأن هؤلاء قد يملكون حلالًا، ولا نحرم إلا حرامًا بينًا إلا أن يشتري حرامًا بينًا يعرفه، والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء. حجة من رخص في ذلك حديث الباب، وحديث رهنه درعه عند اليهودي (٢)، وكان ابن عمر، وابن عباس يأخذان هدايا المختار (٣)، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار، فأخذها ابن عمر وقال: لقد جاءنا على حاجة، وأبى أن يقبلها القاسم، فقالت امرأته: إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه، فأخذتها (٤). وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف، فقسمته بين أمهات المؤمنين (٥). وكرهت طائفة الأخذ منهم، روي ذلك عن مسروق، وسعيد بن

стр. 8449

المسيب، والقاسم بن محمد، وبسر بن سعيد، وطاوس، وابن سيرين، والثوري، وابن المبارك، ومحمد بن واسع، وأحمد، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض، فقال: من أخذ مثل هذِه فهو منهم (١). وسلف هذا المعنى في الزكاة في باب: إعطاء المال من غير مسألة. وقوله ﵇: " (بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟ -أو قال:- أَمْ هِبَةً؟ ") إنما قال ذلك على معنى أنه يثيبه لو كان هدية، لا أنه كان يقبلها منه دون إثابة عليها، كما فعل ﵇ بكل من هاداه من المشركين، بل كان هذا دأبه. وسيأتي في الهبة حكم هبة المشرك إن شاء الله. (٢) وحديث: "إنا لا نقبل زبد المشركين" (٣) يعني عطاياهم، يشبه أن يكون منسوخًا كما قال الخطابي، فقد قبل هدية غير واحد منهم، أهدى له المقوقس مارية والبغلة (٤)، وأكيدر دومة، إلا أن يفرق فارق بين هدية أهل الشرك وأهل الكتاب؛ لكن هذا الرجل كان مشركًا (٥)، ويجوز أن يكون القبول من باب التألف. وفيه: قصد الرؤساء والأكابر بالسلع لاستجزال الثمن.

стр. 8450

وفيه: أن ابتياع الأشياء من مجهول الناس ومن لا يعلم حاله بعفاف أو غيره جائز، حتى يطلع على ما يلزم الورع عنه، أو يوجب ترك مبايعته بغصب أو سرقة أو غير ذلك. قال ابن المنذر: لأن من بيده الشيء فهو مالكه على الظاهر، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه له بحكم اليد. وفيه: تأنيس الكافر لإثابته أكثر مما أخذ، إذ كان ذلك من شأنه. فرع: اختلف في الذي يهدى إلى الأئمة، فروي عن علي رده إلى بيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال أبو يوسف: هو له. وقيل: إنه ﵇ في ذلك بخلاف غيره؛ لأن الله خصه في أموال الحرب بما لم يكن لغيره. قاله الخطابي (١). وفيه: ذكر بعض الخبر وحذف باقيه، إذ لم يذكر فيه قدر ما اشترى به. وفيه: علم من أعلام نبوته، حيث أكل من سواد البطن ما ذكر. وفيه: رأفته بالحاضرين، وتفقد الغائبين، وهو رد على جهلة الصوفية حيث يقولون: من غاب غاب نصيبه.

стр. 8451

١٠٠ - باب شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَلْمَانَ: "كَاتِبْ". وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ. وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلَالٌ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، إلى قوله: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] ٢٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ -أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ- فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ، هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنْ هَذِهِ التِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ. فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ". قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ. فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ. فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً". [٢٦٣٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠ - مسلم: ٢٣٧١ - فتح: ٤/ ٤١٠] ٢٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ

стр. 8452

سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ". فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ. [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٤/ ٤١١] ٢٢١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ. [فتح: ٤/ ٤١١] ٢٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ -أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا- فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ". [انظر: ١٤٣٦ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٤/ ٤١١] ثم ساق حديث أبي هريرة في إعطاء الكافر آجَرَ سارة زوجة إبراهيم ﷺ . وحديث عائشة: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ … الحديث بطوله. وقد سلف (١). وحديث سعد عن أبيه: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ.

стр. 8453

وحديث حكيم بن حزام: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ -أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا- فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلفت مِنْ خَيْرٍ". الشرح: التعليق الأول أسنده ابن حبان (١) والحاكم من حديث سماك بن حرب، عن زيد بن صوحان، فذكره، قال الحاكم: حديث صحيح عال في ذكر إسلام سلمان (٢). وفيه: حتى لقيني ركب من كلب فسألتهم، فلما سمعوا كلامي حملوني حتى أتوا بلادهم فباعوني، فقال ﵇: "كَاتِبْ يا سَلْمَانَ" وأسنده البزار أيضًا من حديث محمود بن لبيد، عن ابن عباس، فذكره مطوَّلًا (٣). وعند البخاري حدثنا الحسن، ثنا معتمر، ثنا أبو عثمان، عن سلمان أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب، وسيأتي طرف منه في الفضائل (٤). وقوله: (وسبي عمار وصهيب وبلال)، يعني: أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضًا ويملكون بذلك، وروينا عن ابن سعد بإسناده عن حمزة بن صهيب، عن أبيه قال: إني رجل من العرب من النمر بن قاسط، ولكن سبيت، سبتني الروم غلامًا صغيرًا بعد أن عقلت أهلي

стр. 8454

وقومي، وعرفت نسبي (١). ومعنى الآية التي ساقها: أنَّ الله فضَّل الملَّاك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقوى على ملك مع مولاه، واعلم أن المالك لا يشرك مملوكه فيما عنده. وهما من بني آدم، فكيف تجعلون بعض الرزق الذي رزقكم الله وبعضه لأصنامكم، فتشركون بين الله وبين الأصنام، وأنتم لا ترضون ذلك مع عبيدكم لأنفسكم؟! نبه عليه ابن التين. وقال ابن بطَّال: إنما تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم عبادة الأصنام بعبادة الرب تعالى، فنبههم تعالى على أن مماليكهم غير مساوين لهم في أموالهم، فالله تعالى أولى بإفراد العبادة، وأن لا يشرك معه أحد من عبيده، إذ لا مالك على الحقيقة سواه، ولا يستحق الإلهية غيره (٢). وقال الضحَّاك: هو مثل لله، ولعيسى بن مريم، أي: أنتم لا تفعلون هذا لغيركم، فكيف ترضون لي باتخاذ بشرًا ولدًا؟! (٣) وقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] أي: فبأن أنعم الله عليهم جحدوا النعمة، وجعلوا ما رزقهم لغيره. وقيل: المعنى: فبأن أنعم الله عليهم بالبراهين جحدوا نعمه. وغرض البخاري في هذا الباب: إثبات ملك الحربي والمشرك، وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وجميع ضروب التصرف،

стр. 8455

إذ أقر الشارع سلمان عند مالكه من الكفار، فلم يَزُل ملكه عنه، وأمره أن يكاتب، وقد كان حرًّا، وأنهم ظلموه وباعوه، ولم ينقض ذلك ملك مالكه، وكذلك كان أمر عمَّار وصهيمب وبلال، باعوهم مالكوهم الكفار من مسلمين، واستحقوا أثمانهم، وصاروا ملكًا لهم، ألا ترى أن إبراهيم قبل هبة الملك الكافر (١)، وأن عبد بن زمعة قال لرسول الله ﷺ : (هذا ابن أمة أبي، ولد على فراشه)، فأثبت لأبيه أمةً وملكًا عليها في الجاهلية، فلم ينكر ذلك. وسماعه الخصام في ذلك دليل على تنفيذ عهد المشرك والحكم به أن يحتكم فيه للمسلمين، ولذلك جوز ﵇ عتق حكيم بن حزام وصدقته في الجاهلية، ونبه على عتق القرابة بحكم الشارع في قضائه لأحدهما في قصة سعد، بناء على أن من ملك ذارحم محرم فهو حرٌّ. فإن قلت: كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم، ولا يجوز للكافر ملك مسلم؟ قلت: أجاب عنه الطبري بأن حكم هذِه الشريعة: أن من غلب من أهل الحرب على نفس غيره أو ماله، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام، فهو لغالبه ملكًا، وكان سلمان حين غلب على نفسه لم يكن مؤمنًا، وإنما كان إيمانه إيمان تصديق بالنبي ﷺ إذا بعث مع إقامته على شريعة عيسى، فأقره ﵇ مملوكًا لمن كان في يده، إذ كان حكمه ﵇: أن من أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيده فهو لسيده، أو كان سيده من أهل صلح المسلمين فهو مملوك لمالكيه (٢).

стр. 8456

وفيه من الفقه: إباحة المعاريض لقوله: ("إنها أُخْتِي")، وأنها مندوحة عن الكذب. وفيه: أن أخوة الإسلام أخوة يجب أن ينتمى بها. وفيه: الرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة السلطان الظالم، وقبول هدية المشرك، وقد ترجم عليه هناك بذلك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب ﷻ لمن أخلصها بما يكون نوعًا من الآيات، وزيادة في الإيمان، ومعونة على التصديق والتسليم والتوكل. وقوله: ("فَغُطَّ") أي: صوت في نومه، يقال منه: غط غطيطًا، ذكره ابن بطال عن "الأفعال" (١). وقال ابن التين: غط، أي: خنق، وصرع: أصابه مس الشيطان. قال: وضبط في بعض الأمهات بفتح الغين، وصوابه: ضمها، وكذلك هو في بعض الكتب. وقوله: ("رَكَضَ بِرِجْلِهِ") أي: ضرب بها. ومعنى: "كَبَتَ الكَافِرَ" صرعه لوجهه، وكبت الله العدو -أيضًا- ردَّه خائبًا، وقيل: أذله وأخزاه، وقيل: أصله كبد أي: بلغ الهم كبده، فأبدل من الدال تاءً، وقيل: معناه: ضربه وأذله، والمعاني متقاربة. يقال: إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى ذلك معاينة، وأنه لم ينل منها شيئًا لما كان عليه من المغيرة. وفيه: ابتلاء الصالحين: لرفع درجاتهم. ومعنى: ("أَخْدَمَ") أعطى خادمًا.

стр. 8457

تنبيهات: أحدها: أسلم بلال وسيده كافر وهو بدار الحرب، فثبت ولاؤه عند مالك وابن القاسم للصديق، وقال أشهب: هو حرٌّ بنفس إسلامه، فلا ولاء لأبي بكر فيه. وعمار هو: ابن ياسر أبو اليقظان مولى بني مخزوم، قتل بصفين وهو ابن ثلاث وتسعين، وصهيب: هو ابن سنان أبو يحيى مولى ابن جدعان القرشي. ثانيها: (آجَرَ) بهمزة ممدودة، وقلبت هاءً فصارت: هاجر، وأصل المادة: الترك، وكانت من حفن من كورة أنصنا. و (القرية) جمعها قرى، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض أي: جمعته. قال الداودي: يقع على المدن الصغار والكبار. وقوله: "من هذِه؟ قال: أختي" يريد في الإسلام، وهي من المعاريض، وفر من زوجتي بذلك؛ لأن الزوج قد يدفع بالقتل بخلاف الأخ. وقال الداودي: فعله خوفًا من تغلبه عليها. وسيأتي زيادة على ذلك. وفيه: أنَّ من قال لزوجته: أختي، ولم ينو شيئًا لا يكون طلاقًا، وكذا لو قال: مثل أختي لا يكون ظهارًا، وفيه: هدية المشرك للمسلم. وفيه: مستند لمن يقول: إن طلاق المكره لا يقع، وليس ببين. وقولها: ("وَأَحْصَنْتُ") أي: عففت، وقال الداودي: أعففت، ولا يعرف هذا الفعل رباعيًّا، وإنما هو ثلاثي. قولها: ("إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قتَلَتْهُ") فيه خوف سارة أن ينسب إليها قتله.

стр. 8458

وفيه: أخذ الحذر مع الإيمان بالقدر. وقوله: ("مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا") أي: لأجل الحيلولة التي وقعت بينهما حال دونها إخوانها من الشياطين، وجاء في بعض الروايات لما قبضت يده عنها قال لها: "ادعي لي" (١) فقال ذلك لئلَّا تحدث بما ظهر من كرامتها، فيعظم في نفوس الناس وتتبع، فلبس على السامع فذكر الشيطان. وقول ابن عوف لصهيب: (اتق الله ولا تدّع إلى غير أبيك)، أراد عبد الرحمن أن يدعوه لأبيه إن عرفه، ولم ينسب إلى الروم: لقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فذكر صهيب أنه لا يعرف أباه، وانتسب إلى مواليه. وحديث حكيم سلف في الزكاة (٢). وقوله هنا: (كُنْتُ أَتَحَنَّتُ -أَوْ أَتَحَنَّثُ- بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ) كذا في الأولى بالمثناة. قال عياض: وهو غلط من جهة المعنى، وأما الرواية فصحيحة، والوهم فيه من شيوخ البخاري بدليل (أو أتحنث) بعده على الشك، والذي رواه الكافة بالمثلثة، وكذا قال ابن التين: ضبط في الأول بالمثناة، وصوابه بالمثلثة كما في الثاني، أي: أتعبد، ولم يذكره أحد من أهل اللغة بالمثناة كما في حديث الوحي: كان يأتي حراء فيتحنث فيه. أي: يتعبد (٣)، وقال أبو العباس: أي: يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، كتأثم وتحرج، زاد القزاز: وتحوب أي: ألقى

стр. 8459

الحوب، وهو: الإثم والذنب، ويحتمل على تقدير الصحة أن يكون أصلها من الحانوت أو الحانة. قال ابن الأثير: كانت العرب تسمي بيوت الخمارين: الحوانيت، والحانة مثله (١)، فعلى هذا التقدير: أتحنث: أتجنب مواضع الخمارين والحانة. وفيه: أنهم كانوا في الجاهلية على بقية من دين إبراهيم، وأنهم كانوا يصنعون شيئًا يريدون به وجه الله. وأن ما أصابوا به من ذلك ثم أسلموا كتب لهم؛ لأنه لا يضيع عمل عامل كمن أحبط من ارتد بعد الإسلام. رابعها: ذكر ابن قتيبة في "معارفه"، أن القرية: الأردن، والملك: (صاروق) (٢)، وكانت هاجر لملك من ملوك القبط (٣). وعند الطبري: كانت امرأة ملك من ملوك مصر، فلما قتله أهل عين شمس احتملوها معهم، وزعم أن الملك الذي أراد سارة اسمه سنان بن علوان أخو الضحاك (٤). وذكر السهيلي في "روضه" أن سارة هي: بنت توبيل بن ناحور. وقيل: بنت هاران بن ناحور، وقيل: بنت هاران بن تارخ، وهي: بنت أخيه على هذا، وأخت لوط، قاله القتبي في "المعارف" (٥)،

стр. 8460

والنقاش في "تفسيره"، قال: وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالًا؛ إذ ذاك ثم إن النقاش ناقض ذلك، وقال الذي تفسير قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] أنه يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح. قال السهيلي: وهذا هو الحق، وإنما توهموا أنها بنت أخيه؛ لأنَّ هاران أخوه، وهو هاران الأصغر وكانت بنت هاران الأكبر وهو عمه (١). وذكر أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتابه "التيجان": أنَّ إبراهيم ﵇ خرج من مدين إلى مصر، وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلًا ومصر ملكها عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ، وكان خال إبراهيم لشدة إعجابه به فوشى به حنَّاط كان إبراهيم يمتار منه، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نحى إبراهيم وقام إلى سارة، فلما صار إبراهيم خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما، فهمَّ عمرو بسارة ومد يده إليها فيبست، فمد الأخرى فكذلك، فلما رأى ذلك كف عنها. قال: يا سارة هكذا نصيب الرجال معك؟ قالت: أنا ممنوعة من الخلق إلا من بعلي إبراهيم فأمر بدخوله، فقال: لا تحدث يا إبراهيم نفسك بشيءٍ، فقال: أيها الملك إنَّ الله قال جعل قصرك لي كالقارورة فما خفي عليَّ شيءٌ مما فعلتَ فقال الملك: لكما شأن عظيم يا إبراهيم. قال ابن هشام: وكان الحناظ أخبر الملك بأنه رآها تطحن، فقال الملك: يا إبراهيم ما ينبغي لهذِه أن تخدم نفسها فأمر له بهاجر. خامسها: وقد أسلفت الإشارة إليه.

стр. 8461

قال ابن الجوزي: على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري، وهو أن يقال ما معنى توريته ﵇ على الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجية أسلم لها؛ لأنه إذا قال: هذِه أختي، قال زوجنيها، وإذا قال: هذِه امرأتي سكت هذا إن كان الملك يعمل بالشرع، فأما إذا كان كما وصف من جوره فما يبالي أكانت زوجة أو أختًا إلى أن وقع لي أنَّ القوم كانوا على دين المجوس، وفي دينهم أنَّ الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحقَّ بها من غيره، فكأن إبراهيم أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله، فإذا هو جبار لا يراعي جانب دينه. قال: واعترض على هذا بأن الذي جاء بمذهب المجوس زرادشت، وهو متأخر عن هذا الزمن. والجواب: أن لمذهب القوم أصلًا قديمًا ادعاه زرادشت، وزاد عليه خرافات أخر، وقد كان نكاح الأخوات جائزًا من زمن آدم، ويقال: إن حرمته كانت على لسان موسى، قال: ويدل على أن دين المجوس له أصل ما رواه أبو داود أنه ﵇ أخذ الجزية من مجوس هجر (١) (٢)، ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب، ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال: كان من مذهب القوم: أن من له زوجة لا يجوز أن تتزوج إلى أن يهلك زوجها، فلما

стр. 8462

علم إبراهيم هذا قال: هي أختي كأنه قال: إن كان الملك عادلًا فخطبها مني أمكنني دفعه، وإن كان ظالمًا تخلصت من القتل، وقيل: إنَّ النفوس تأبى أن يتزوج الإنسان بامرأة وزوجها موجود، فعدل عن قوله: زوجتي؛ لأنه يؤدي إلى قتله، أو طرده عنها، أو تكلفه لفراقها. وقيل: إن ذلك الجبار كان من سيرته أنه لا يغلب الأخ على أخته ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدل مساق الحديث حكاه القرطبي، قال: وإلا فما الفرق بينهما في حقِّ جبار ظالم؟ (١) وهذا من باب: المعاريض الجائزة، كما سلف والحيل من التخلص من الظلمة، بل نقول: إنه إذا لم يتخلص رجل من الظلمة إلا بالكذب الصراح جاز له أن يكذب، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق؛ لكونه ينجي نبيًّا أو وليًّا ممن يريد قتله، أو نجاة المسلمين من عدوهم. سادسها: قوله: (قال الأعرج: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت:) إلى آخره، هو موقوف ظاهر، أو كذا ذكره أصحاب الأطراف، وكأن أبا الزناد روى القطعة الأولى مسندة، وهذِه موقوفة.

стр. 8463

١٠١ - باب جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ ٢٢٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةِ مَيِّتَةِ فَقَالَ: "هَلَا استَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ ". قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَة. قَالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أكلُهَا". [انظر: ١٤٩٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح: ٤/ ٤١٣] ذكر حديث ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: "هَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ ". فقَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا". هذا الحديث سلف في الزكاة في باب: الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ (١)، وأوضحنا الكلام عليه، ويأتي في الذبائح أيضًا (٢). وجمهور العلماء على جواز بيعها والانتفاع بها بعد الدباغ. وأسلفنا هناك أن الخلاف في أنَّ الإهاب هل هو الجلد مطلقًا أو قبل الدباغ (٣)، وهذا الاستمتاع محمول عند أكثر العلماء على ما بعد دباغه، إلا الزهري. وفيه: دلالة قوية على تحريم أكله، وادعى ابن التين أنه لم يختلف فيه، وهو غريب، فالخلاف عندنا مشهور، بل الراجح عندنا إباحته.

стр. 8464

فائدة: جوَّز ابن وهب بيع زيت الفأرة إذا بُيِّنَ، وخالفه جميع أصحاب مالك، وجوَّزه أبو موسى الأشعري من غير مسلم (١)، وبقول ابن وهب قال أبو حنيفة، وانفرد أحمد فقال: في الجلد لا يستمتع به، وإن دبغ، والحديث حجة عليه (٢).

стр. 8465

١٠٢ - باب قَتْلِ الخِنْزِيرِ وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ رسول الله بَيْعَ الخِنْزِيرِ. ٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". [٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٤/ ٤١٤] ثم ساق حديث أبي هريرة قَالَ: قال النبيّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتعليق جابر سيأتي بعد مسندًا بلفظ: سمعت النبيَّ ﷺ عام الفتح بمكة يقول: "إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" (٢). ومعنى: "لَيُوشِكَنَّ": ليسرعن، يقال: أوشك فلان خروجًا من العجلة، وقال الداودي: ليكونن، قال: ويوشك يأتي بمعنى: يكون، وبمعنى: يقرب أن ينزل، أي: من السماء فإدنَّ الله رفعه إليها وهو: حي، "مُقْسِطًا" أي: عدلًا. وقوله: ("فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ") أي: بعد قتل أهله. "وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ" أي: يفنيه فلا يؤكل، وقيل: يحتمل أنه ليضعف

стр. 8466

أهل الكفر عندما يريد قتالهم، ويحتمل أن يقتله بعدما يغلبهم، وإنما كان ذلك؛ لأنه نازل بتقرير هذِه الشريعة. ومعنى "يَضَعَ الجزْيَةَ" يحمل الناس كلهم على الإسلام، ولا حاجة لأحدٍ إذ ذاك إلى الجزية؛ لأنها إنما تؤخذ لتصرف في المصالح، ولا عدو إذ ذاك للدين والمال فاض فلا حاجة إليها. وقوله: ("وَيَفِيضَ المَالُ") أي: يكثر ويتسع، وهو بالنصب عطفًا على ما قبله كما ضبطه الدمياطي. قال ابن التين: إعرابه بالضمِّ؛ لأنه مستأنفٌ غير معطوف؛ لأنه ليس من فعل عيسى، قال: ويصح أن يعطف على ما عملت فيه أن فينصب، وظاهره قتل الخنزير مطلقًا، وإن لم تعد حكمته ما أسلفناه. وقال ابن التين في موضع آخر: فيه: إبطال لقول من شذ من الشافعية إذ جوز تركه إذا لم يكن فيه ضراوة، ومذهب الجمهور: أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه. وقد قام الإجماع على أن بيعه وشراءه حرام، وعلى قتل كل ما يُسْتَضَرُ به ويؤذي مما لم يبلغ أذى الخنزير، كالفواسق التي أمر الشارع بقتلها في الحل والحرم للحلال والمحرم، فالخنزير أولى بذلك لشدة أذاه، ألا ترى أن عيسى ﷺ يقتله عند نزوله، فقتله واجب كذا قال ابن بطال. ثم قال: وفيه: دليلٌ على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم. واختلف العلماء في الانتفاع بشعره فكرهه ابن سيرين والحكم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الطحاوي عن أصحابه: لا ينتفع من الخنزير بشيء، ولا يجوز بيع شيءٍ منه، ويجوز للخرازين

стр. 8467

أن (يبيعوا) (١) شعرة وشعرتين للخرازة، ورخّص فيه الحسن وطائفة. ذكر عن مالك: أنه لا بأس بالخرازة بشعره، فعليه أنه لا بأس ببيعه وشرائه. وقال الأوزاعي: يجوز للخراز أن يشتريه، ولا يجوز له بيعه. قال المهلب: وظاهر الحديث: أن الناس كلهم يدخلون في الإسلام، ولا يبقى من يخالفه (٢)، وهو كما قال. وقد استدل به البيهقي في "سننه" أن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب؛ لأنه لم ينزل بقتله بخلافه (٣).

стр. 8468

١٠٣ - باب لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟ ". [٣٤٦٠ - مسلم: ١٥٨٢ - فتح: ٤/ ٤١٤] ٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ يَهُودًا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا". [قَالَ أَبُو عَبْد اللهِ: ﴿قَاتَلَهُمُ الله﴾ [التوبة: ٣٠]: لَعَنَهُم ﴿قُتِلَ﴾ [الذاريات: ١٠]: لُعِنَ ﴿اَلخَرَّاصُونَ﴾: الكَذابُونَ]. [مسلم: ١٥٨٣ - فتح: ٤/ ٤١٤] ثم أسند حديث ابن عباس بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟ ". وحديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليهود، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا". الشرح: تعليق جابر أخرجاه، وهو المذكور قبله، ولفظه: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" (١).

стр. 8469

وذكره ابن أبي حاتم في "علله" من حديث عبد الله بن عمرو، وتوقف فيه (١). وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا، وسمى المبهم فقال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" (٢). وقال المحب في "أحكامه" أنه جابر بن سمرة، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣). وقال البخاري في أخبار بني إسرائيل، رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ ، وأراد هذا (٤). وأخرج أبو داود حديث ابن عباس. وفيه: "إن الله إذا حرَّم أكل شيءٍ حرم عليهم ثمنه" (٥). وأجاب الخطابي عن فعل سمرة بن جندب نقلًا أنه لم يبعها بعينها، وإنما خللها متأولًا ثم باعها (٦). وإلا فلا يخفي عليه ذلك، وكان واليًا على البصرة، أو يحمل على أنه باع العصير ممن يتخذه خمرًا لكنه حرام، وجواب ثالث: وهو أنه كان يأخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فيبيعها منهم ظنًّا منه جوازه. قاله ابن الجوزي نقلًا عن ابن ناصر، وكان ينبغي له أن يوليهم بيعها، وذكر الإسماعيلي والحافظ أبو بكر في "مدخله": أنه يجوز أن يكون لم

стр. 8470

يعلم تحريم بيعها، ولو لم يكن كذلك لما أقره عمر على عمله، ولعزله ولا رضي هذا. وقام الإجماع على تحريم بيع الميتة لتحريم الله تعالى بقوله: ﴿حُرمَت عَلَيكُمُ اَلمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية. فإن قلت: ما وجه قوله: ("فَبَاعُوهَا، فَأكَلُوا أَثْمَانَهَا") مع أشياء كثيرة حرم أكلها دون بيعها، كالحمر الأهلية، وسباع الطير كالبزاة والعقبان وأشباهها؟ قلت: وجهه: أن الشحوم لما كانت محرمة عليهم كان من حقهم اجتناب بيعها كالخمر وشبهه. واختلف العلماء في جواز بيع العذرة والسرقين، فكره مالك والكوفيون بيع العذرة، وقالوا: لا خير في الانتفاع بها، وأجاز الكوفيون بيع السرقين، وزبل الدواب عند مالك نجس فينبغي أن يكون كالعذرة، وأما بعر الإبل وخثاء البقر فلا بأس ببيعه عند مالك. وقال الشافعي: لا يجوز بيع العذرة ولا الروث ولا شيء من الأنجاس، وشرط المبيع أن يكون طاهرًا، وانتفاع الناس بالسرقين، وإن كان نجسًا في الزراعة لا بأس به، وكذا خلطهم إياه بالطين، والبناء للفخار ولوقود النيران، ولا يدل على الملكية ولا الضمان عند الاستهلاك، خلافًا لمن خالف. وفي سماع ابن القاسم: أنه سئل عن قوم لهم خربة يرمي الناس فيها الزبل، فأرادوا ضربه طوبًا وبيعه؛ ليعمروا به تلك الأرض، قال: ذلك لهم، وهذا على قاعدتهم. ومعنى: "جَمَلُوهَ" أذابوه، جملتُ الشيء، أجمله جملًا، وأجملته واجتملته: أذبته، والجميل: الودك.

стр. 8471

قال الداودي: ومنه سمي الجمال؛ لأنه يكون عن الشحم، وليس ببين لأنه قد يكون مع الهزال، واستدل به أصحاب مالك على سد الذرائع؛ لأن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل، وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه، لكنه لما كان سببًا إلى أكل الأصل بطريق المعنى استحقوا اللوم، ولهذا قال الخطابي: في هذا الحديث إبطال الحيل والوسائل التي يتوسل بها إلى المحظورات؛ ليعلم أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه (١)، وهو حجة على ابن وهب وأبي حنيفة فيما مضى من إجازتهما بيع الزيت النجس. واعترض بعض الملاحدة على كون الشيء حرامًا ويحل بيعه بما إذا ورث أمة وطئها أبوه، فإنه يحرم على الابن وطؤها، ويحل بيعها إجماعًا وأكل ثمنها، وهذا تمويه؛ لأن الابن لا يحرم عليه منها غير الاستمتاع، وهي مباحة للغير بخلاف الشحم، فإن ما عدا الأكل تابع له بخلافها، وفي عموم تحريم الميتة بيع جثة الكافر. وقد روى ابن هشام (٢) وغيره: أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق فبذل الكفار في جسده لرسول الله ﷺ عشرة آلاف درهم، فلم يأخذها ودفعها إليهم وقال: "لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه" (٣).

стр. 8472

وقوله: (قاتل الله فلانًا) كلمة ليست على الحقيقة، وهي: كلمة تجري على ألسنتهم من غير قصد حقيقتها، وقالها زجرًا له، وعلم عمر أنه يكفيه ذلك فلم يأمره. وفيه: إقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود. وقوله: ("قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ") فسره أبو عبد الله في رواية أبي ذر باللعنة (١)، وهو قول ابن عباس (٢)، وقال الهروي: معناه: قتلهم الله (٣)، وحكي عن بعضهم: عاداهم. قال الداودي: صار عدو الله فوجب قتله وسبيل فَاَعلَ أن يكون من اثنين، ولا يكون من واحد مثل: سافرت و (طارقت) (٤).

стр. 8473

١٠٤ - باب بَيْعِ التَّصَاوِيرِ التِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ ٢٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الوَاحِدَ. [٥٩٦٣، ٧٠٤٢ - مسلم: ٢١١٠ - فتح: ٤/ ٤١٦] ذكر فيه حديث عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الوَاحِدَ. الشرح: هذِه الطريقة أعني: طريقة سعيد، أخرجها البخاري في كتاب اللباس عن عياش، عن عبد الأعلى، عن سعيد: سمعت النضر

стр. 8474

يحدث قتادة قال: كنت عند ابن عباس فذكره (١) وروي عن هشام فيه، فأدخل بين سعيد والنضر قتادة. قال الجياني: ليس بشيءٍ؛ لتصريح البخاري وغيره بسماع سعيد من النضر هذا الحديث وحده وعند مسلم أيضًا عن أبي غسان وأبي موسى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النضر مثله (٢). وسعيد بن أبي الحسن هو أخو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مات قبل الحسن، قال ابن سعد: مات سنة مائة (٣)، ومات الحسن: بعده بعشرٍ. وقال ابن قانع: بتسع، وليس لسعيد هذا في الصحيحين غيره، ولا للنضر عن ابن عباس فيهما غيره. وقد سلف في باب: آكل الربا حديث أبي جحيفة في لعن المصورين (٤)، وفي مسلم: "كلُّ مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم" (٥). إذا تقرر ذلك: فإنما كُره هذا؛ لأجل أن الصور التي فيها الأرواح كانت معبودة في الجاهلية، فكرهت كل صورة وإن كانت لا روح لها ولا جسم؛ قطعًا للذريعة، حتى إذا تقررت الشريعة وزالت الجاهلية أرخص فيما كان رقمًا أو ما وضع موضع المهنة، وإذا نصب نصب العبادة كُره، قاله المهلب (٦).

стр. 8475

وقال النووي: كل ذلك حرام، وما لا روح فيه فليس بحرام، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي لا ظلَّ لها، وهو مذهب باطل. وقال الزهري: النهي عن الصورة عامٌّ. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب، وهو مذهب القاسم بن محمد. (١) قلت: وكأن البخاري فهم من قوله في الحديث: (إنما معيشتي من صنعة يدي)، وأجابه ابن عباس بإباحة صور الشجر وشبهه جواز البيع، فترجم عليه. واغتفر بعض العلماء تصوير اللعب للبنات؛ لأجل تدريبهن. قال القاضي عياض: أجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، إلا ما ورد في اللعب (النيات) (٢) لصغار البنات، والرخصة في ذلك، وكره مالك شرى الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب بهن للبنات منسوخ (٣)، واستثنى بعض أصحاب مالك -كما حكاه القرطبي- من ذلك، ما لا يبقى كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك، وهو مطالب بدليل التخصيص (٤)، وكانت الجاهلية تعمل أصنامًا من العجوة حتَّى إن بعضهم جاع فأكل صنمه.
следующие страницы →