وهو في مسلم أيضًا (١)، وقال: سألته عن بيع النخل واعترض ابن بطال، فقال: هذا الحديث ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب الذي بعده، وغلط فيه الناسخ (٢).
قلت: لم يغلط فيه، قال ابن المنير: التحقيق أنه من هذا الباب، وقلَّ من يفهم ذلك إلا مثل البخاري، ووجهه: أن ابن عباس لما سئل عن السلم إلى من له نخل في ذلك النخل، عدَّ ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، فإذا كان السلم في النخيل لا يجوز، لم يبق في وجودها في ملك المسلَّم إليه فائدة متعلقة بالسلم، فيصير جواز السلم إلى من ليس عنده أصل، ولا يلزم سد باب السلم (٣)، وإنما كره السلم إلى من ليس عنده أصل؛ لأنه جعله من باب الغرر. وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يُسْلَم فيه أصل، إلا أنه لما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة والكيل والوزن والأجل المعلوم كان ذلك عامًّا فيمن عنده أصل، وفيمن ليس عنده، وجماعة الفقهاء يجيزونه إلى من ليس عنده أصل، وحجتهم حديث الباب، وهو نص فيه، وزعم أنه لا يجوز سلم من لا أصل له، وليس من شرطه عند مالك أن يكون المسلم فيه موجودًا- حال العقد خلافًا لأبي حنيفة وإنما من شرطه أن يكون موجودًا حال حلوله.
وفيه: من الفقه جواز السلم في العروض إلى من ليس عنده ما باع بالسلم، ولو كان عندما باع ما حلَّ البيع؛ لأنه بيع شيء معين لم يقبض إلى مدة طويلة، وهذا لا يجوز بإجماع كما قاله المهلب.
стр. 8542
وفيه: مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم، وإباحة السلم في السمن والشيرق، وما أشبه ذلك، إذ هو في معنى الزيت.
فائدة: قوله: (نبيط أهل الشام)، ويأتي: (أنباط من أنباط الشام) هم نصارى الشام الذين عمروها، قال الجوهري: نبط الماء ينبط نبوطًا (١): نبع فهو نبيط للذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، وأنبط الحفار بلغ الماء. والاستنباط: الاستخراج والنبط والنبيط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أنباط، يقال: رجل نبطي ونباطي ونباط، وحكى يعقوب: نباطي بالنون المضمومة، وقد استنبط الرجل.
فائدة ثانية: قوله: (ليحرز)، جعل الحزر وزنًا تمثيلًا له، فإن يخبر بالخرص عن مقدار، كأنه وزنه، وفائدة الخرص إذا اشتد وصلح للأكل وأمنه من العاهة أن يعلم كمية حقوق الفقراء قبل أن يأكل منه أربابه، ثم يخلى بينهم وبينه، ثم يؤخر العشر بالخرص. قال الخطابي: وقوله: (حتى يوزن) معناه: حتى يخرص (٢)، وسماه وزنًا؛ لأن الخارص يحزرها ويقدرها، فيحل ذلك محل الوزن لها. والمعنى في النهي عن بيعها قبل الخرص شيئان:
أحدهما: تحصين الأموال، وذلك أنها في الغالب لا تأمن العاهة إلا بعد الإدراك، وهو أوان الخرص.
الثاني: أنه إذا باعها قبل بدوه على القطع سقط حقوق الفقراء؛ لأن الله سبحانه أوجب إخراجها وقت الحصاد.
стр. 8543
٤ - باب السَّلَمِ فِي النَّخْلِ
٢٢٤٧ - ٢٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. [انظر: ١٤٨٦ - فتح: ٤/ ٤٣٢]
وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. [انظر: ٢٢٤٦ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣٢]
٢٢٤٩ - ٢٢٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهَى عَنِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ.
وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يُؤْكَلَ، مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وما يوزن؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حتَّى يُحرَزَ. [انظر: ٢٢٤٦ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣٢]
ذكر فيه حديث عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ عَنِ السَّلَمِ في النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ.
وَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَم فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ.
وفي رواية: سألت ابن عمر عن السلم في النخل فقال: نهى عمر عن بيع التمر حتى يصلح، ونهى عن الورق بالذهب نساء بناجز، وسألت ابن عباس (١) قال: نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يأكل
стр. 8544
أو يؤكل، وحتى يوزن. قلت: ما يوزن؟ قال رجل عنده: حتى يحزر. حديث ابن عباس سلف (١).
وعمرو هو: ابن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي، مات سنة ست عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة، وكان أعمى (٢). وأبو البخترى: سعيد بن فيروز، أو ابن جبير أو سعد قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين، وقال الهيثم: قتل يوم دحيل سنة إحدى وثمانين (٣).
إذا عرفت ذلك. فقد اختلف العلماء في هذا الباب فقال الكوفيون والثوري والأوزاعي: لا يجوز السلم إلا أن يكون المسلم فيه موجودًا في أيدي الناس من حين العقد إلى وقت حلول الأجل، فإن انقطع في شيء من ذلك لم يجز، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس على ما ذكره البخاري في الباب.
وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز السلم فيما هو معدوم من أيدي الناس، إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل في الغالب، فإن كان حينئذ ينقطع لم يجز.
احتج الأولون بأنه ﵇ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وعن بيع ما لم يخلق، وقالوا: من مات فقد حل دينه، وإن لم يوجد كان غررًا، وهو فاسد، كما قال ابن القصار؛ لأنه قد يحل الأجل ويتعذر السلم بأن يموت المسلم إليه أو يفلس، ولو وجب أن يمنع السلم
стр. 8545
لجواز ما ذكروه لوجب أن لا يجوز بيع شيء نسيئة؛ لأنه قد يطرأ على المشتري الموت والفلس قبل محل الأجل، فلا يصل صاحب الحق إلى ماله، فيكون هذا غررًا، ولكنه جائز؛ لأن الناس يدخلون في وقت العقد على رجاء السلامة، ولم يكلفوا مراعاة ما يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث.
ولو أسلم في شيء إلى شهر فإن وقت المطالبة بالمسلم فيه هو رأس الشهر، بدليل أن الشيء لو كان موجودًا قبل الشهر لم يكن له المطالبة ولا للمسلم إليه أن يجبره على مراعاة وجوده قبل المحل وحين العقد؛ لأن وجوده كعدمه، ولو كان المسلم فيه موجودًا طول السنة إلا يوم القبض فأسلم فيه إلى سنة، كان هذا السلم باطلًا بإجماع.
وإن كان موجودًا عند العقد وطول السنة؛ لأن حين المحل والقبض معدوم، فعلم بهذا الاعتبار بوجوده حين القبض لا حين العقد، والدليل على هذا أنهم كانوا يسلفون في عهده ﵇ التمر في السنة والسنتين، ومعلوم أنه إذا أسلم في التمر سنة، فإنه يتخلل الأجل زمان ينقطع فيه التمر، وهو زمن الشتاء، ثم إنه ﵇ أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم السلف في سنة وأكثر، فثبت ما قلناه.
وأما نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فهو محمول عندنا على أن بيع الثمرة عينًا لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها، وفي السلم ليس عند العقد ثمرة موجودة عند البائع تستحق اسم البيع حقيقة، وحديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مرتب على السلم، تقديره: أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها، إلا أن يكون سلمًا: لحديث ابن عباس: أنهم كانوا يسلفون في التمر السنتين
والثلاث، وذلك بيع له قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق، فإذا جاز
стр. 8546
السلم في الثمرة فقد جاز في الرطب، والرطب لا يوجد في سائر السنة كما يوجد التمر، فلا معنى لقولهم.
وقال ابن التين: قول ابن عباس في السلم في النخل، وذكره، لنهي الشارع عن بيع النخل حتى يؤكل واضح، وهو الذي كان يفعله أهل المدينة أن يسلفوا في تمر نخلة بعينه، فأمرهم الشارع أن يسلفوا في كيل المعلوم، فإذا أسلم في ثمرة معينة فهو شراء، ولا يجوز إلا بعد الزهو، وجائز أن يتأخر خمسة عشر يومًا [ما] (١) لم ييبس؛ لضرورة الناس إلى أخذه شيئًا فشيئًا، والضرورة أباحته.
وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي، عن سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أبي حسان مسلم الأعرج، عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، أن الله أحله وأذن فيه وقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، ثنا قتادة (١).
стр. 8551
وأثر أبي سعيد أخرجه البيهقي من حديث نبيح العنزي عنه: السلم كما يقوم السعر ربا ولكن قيل معلوم إلى أجل معلوم (١).
وأثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عنه (٢). وأخبرنا ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن وبرة قال: قال ابن عمر: لا بأس بالسلم إذا كان في كيل معلوم إلى أجل معلوم (٣). ورواه ابن بكير، عن مالك، عن نافع، عن مولاه قال: يريد -والله أعلم- أن يسلفه في زرع بعينه أو ثمره بعينه، فلا يجوز؛ لأن بيع أعيان الثمار على رءوس الأشجار إنما يجوز إذا بدا فيها الصلاح.
واختلف العلماء في أجل السلم، فقال مالك والكوفيون وجمهور الفقهاء كما نقله ابن بطال عنهم أنه لا يجوز السلم الحال، ولا بد فيه من أجل معلوم (٤). وقد أسلفنا رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم،
عن مالك.
стр. 8552
وقال الشافعي وأبو ثور: يجوز السلم بغير ذكر الأجل أصلًا.
وانتصر ابن بطال وقال: هذا خلاف الحديث؛ لأنه ﵇ قال: "من أسلم" فأتى بلفظ العموم، وقد سلف جوابه، وأيضًا فإنه أحل الأجل محل الكيل والوزن، وقرنه بينهما، فلما لم يجز العقد إذا عدم صفة الكيل والوزن، فكذلك الأجل يجب اعتباره، كما لو قال: صلِّ على صفة كذا لم يجز العدول عنها (١).
احتج الشافعي أن السلم بيع من البيوع، وهي تجوز بثمن معجل ومؤجل، فكذا هو، قيل: إنه ينتقض بجواز السلم في المعدوم، وهو يجوز مؤجلًا فقط، وإنما لم يجز ابن عمر السلم في زرع لم يبد صلاحه؛ لأنه سلم في عين، وحكم السلم أن لا يكون في عين معلومة، وإنما يكون في الذمة لا ينفسخ بموت أحد العاقدين في السلم، ولا بجائحة تنزل، وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أن مالكًا أجاز السلم في طعام بلد بعينه إذا كان الأغلب فيه أنه لا يخلف.
ولم يختلف العلماء أنه لا يجوز أن يكون السلم في قمح فدان بعينه؛ لأنه غرر، ولا يُدرى هل يتم زرعه أم لا، ويجوز عند جميعهم أن يكون السلم في زمن يكون فيه الزرع قد بدا صلاحه إذا لم يكن يعين زرعًا ما، فإن أسلم في ثمر حائط بعد طيبه أو في زرع بعدما أدرك، فعن ابن القاسم أنه كرهه، وإن مات لم يفسخ، وليس بالحرام البين، ولا يجوز عند سائر الفقهاء؛ لأنه كبيع عين اشترط فيها تأخير القبض، وهو لا يجوز؛ لأنه من شرط البيع تسليم المبيع.
وفي قوله: ("أسلموا فِي الثِّمَارِ") إجازة السلم في الثمار كلها؛
стр. 8553
لعموم لفظه، وهو قول ابن عمر: لا بأس بالسلم في الطعام بسعر معلوم، فإن العلماء اختلفوا في رأس مال السلم، فقال مالك: لو أسلم إليه عروضًا أو تبرًا أو فضة مكسورة جزافًا، صح السلم، ولا يجوز أن يسلم إليه دينارًا أو دراهم فرق بين التبر والدراهم والدنانير؛ لأن التبر بمنزلة الثوب والسلعة عنده.
وقال أبو حنيفة: لا يسلم إليه تبرٌ جزافًا، ولا شيء مما يكال أو يوزن جزافًا، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يسلم إليه الدراهم والدنانير، وكل ما يكال أو يوزن جزافًا، وهو
الأظهر من قولي الشافعي، كثمن المبيع، ووجه مقابله أنه قد ينقطع، ويكون رأس المال تالفًا، فلا يدرى بم يرجع؟! (١).
стр. 8554
٨ - باب السَّلَمِ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ
٢٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ. فَسَّرَهُ نَافِعٌ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا. [انظر: ٢١٤٣ - مسلم: ١٥١٤ - فتح: ٤/ ٤٣٥]
ذكر فيه حديث نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ. فَسَّرَهُ نَافِعٌ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا في بَطْنِهَا.
وقد سلف تفسير ذلك. والإجماع قائم على بطلان هذا السلم؛ لأنه أجل مجهول، والشارع إنما أجازه إلى أجل معلوم.
واختلفوا فيمن باع إلى الحصاد، أو الجذاذ، أو إلى العطاء، أو إلى عيد النصارى:
فقالت طائفة البيع جائز، وكذا لو باع إلى رجوع الحاج. وأجاز ذلك كله أبو ثور، وقال مالك: من باع إلى الحصاد، أو إلى الجذاذ فهو جائز؛ لأنه معروف، وبه قال أحمد، قال: وكذلك إلى قدوم الغزاة. وروي عن ابن عمر أنه كان يشتري إلى العطاء، وعن القاسم بن محمد مثله، وقال الأوزاعي: إن باع إلى فصح النصارى أو صومهم فذلك جائز، وإن باع إلى الأندر والعصير فهو مكروه؛ لتفاوت ما بين أول الأندر وآخره. وقالت طائفة: لا يجوز السلم إلى العصير والحصاد والدراس، هذا قول ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واحتجوا بأن الله جعل المواقيت بالأهلة قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] وفيها قول رابع: أن البيع إلى العطاء جائز، والمال حلال، وهو قول ابن أبي ليلى، ومن باع إلى أجل غير معلوم فالبيع فاسد استدلالًا بحديث الباب.
стр. 8555
وحجة مالك أن المقصود بالحصاد وجذاذ النخل: الأوقات، فهي أوقات معلومة عند أهل المعرفة بها، سواء تقدمت أفعال الناس لها أو تأخرت (١)(٢).
стр. 8556
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٦ - كِتَابُ الشُّفْعَةُ
هي بضم الشين وإسكان الفاء، وممن ضبطه كذلك ابن التياني حيث قال: الشفعة على مثال ركبة. ونقل ابن التين عن بعضهم أنه لا يجوز غيره، قال صاحب "تثقيف اللسان": والفقهاء يضمون الفاء، والصواب الإسكان، وذكر بعض العلماء أن كل فعل يجوز تثقيله وتخفيفه إذا لم يكن مسموعًا.
قال ابن حزم: وهي لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل رسول الله ﷺ ، كما لم يعرف معنى الصلاة، والزكاة، والصيام، والكفارة، والنسل، وشبهها حتى بينها الشارع (١).
واختلف في اشتقاقها في اللغة على أقوال، إما من الضم أو الزيادة أو التقوية والإعانة أو من الشفاعة، قال ابن دريد: لأنه يشفع ماله بها، والشافع: الطالب لغيره، يستشفع به إلى المطلوب منه (٢).
стр. 8557
وقال أبو العباس: الزيادة، وهو أن يشفعك فيما يطلب (١). وقال ابن سيده: الشفعة في الشيء القضاء به لصاحبه (٢).
وهي في الشرع حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث بسبب الشركة الذي تملك به؛ لدفع الضرر.
стр. 8558
١ - باب الشُّفْعَةُ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ
٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. [انظر: ٣٣١٣ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح: ٤/ ٤٣٦]
ذكر فيه حديث جَابِرِ: قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.
وقد سلف في باب: بيع الشريك من شريكه واضحًا (١).
وقام الإجماع على القول بهذا الحديث، وأوجبوا الشفعة للشريك في المشاع من الرباع، وكل ما تأخذه الحدود، ويحتمل القسمة، وإنما اختلفوا في غير الشريك كما سبق هناك، وأوجبها بعضهم إذا كانت الطرق واحدة، وفي هذا الحديث ما ينفي الشفعة للجار؛ لأن ضرب الحدود إذا نفي الشفعة كان الجار أبعد منه.
وفيه أيضًا:
نفيها في كل ما لا يحتمل القسمة ولا تضرب فيه الحدود، وذلك ينفيها في العروض والحيوان، والمروي عن عطاء شاذ كما سلف، والسنة المجمع عليها بالمدينة لا شفعة إلا في الأرضين والرباع.
واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي أن المسلم والذمي في أخذ
стр. 8559
الشفعة سواء (١). وعن الشعبي أنه لا شفعة لذمي؛ (٢) لأنه صاغر، وهو قول الثوري وأحمد (٣).
حجة الأولين عموم الحديث، ولم يفرق بين مسلم وذمي، وأيضًا فإنما تجب بالشركة، لا يختلف فيه المسلم والذمي كالعتق، ألا ترى أنه لو أعتق شقصًا من عبد بينهما قُوِّم عليه كما يقوم على شريكه المسلم. والشفعة حق من حقوق الآدميين كسائر الحقوق التي هي لهم، مثل البيع والإجارة وغيرهما، والشفعة حق يتعلق بالمال، وضع لإزالة الضرر، كالرد بالعيب، فما وجب للمسلم فيه وجب للذمي مثله، وليس الصغار مما يدل على بطلان حقه؛ لأنه لا فرق بين المسلم والذمي في الحقوق المتعلقة بالأموال، كخيار الشرط في الأجل وإمساك الرهن.
تنبيهات:
أحدها: زعم بعضهم أن قوله: (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ إلى آخره) ليس مرفوعًا، إنما هو من كلام الراوي، وفيه نظر (٤).
ثانيها: خُصَّ العقار بالشفعة؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا، واتفقوا على
стр. 8560
أن لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة إلا ما سلف عن عطاء، وفي رواية عن أحمد بثبوتها في الحيوان والبناء المفرد.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن ابن أبي مليكة: وسئل عن الشفعة فقال: قضى النبي ﷺ في كل شيء: الأرض، والدار، والخادم، والجارية (١).
قال ابن حزم: وإلى هذا رجع عطاء، وهو عنهما بأصح سند (٢).
وروي عن عمر بن هارون، عن سعيد، عن ابن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: "الشفعة في العبد وفي كل شيء" رده ابن عدي بعمر هذا، (٣). وروى الطحاوي عن ابن خزيمة، عن يوسف (٤) بن عدي، ثنا أبو إدريس الأودي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء (٥).
وعند ابن حزم أن الشفعة واجبة في كل جزء بيغ مشاعًا بين اثنين فصاعدًا، من أي شيء كان، مما يقسم ومما لا ينقسم، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، ومن عبد أو أمة أو ثوب أو سيف، أو من طعام أو حيوان أو أي شيء بيع. ورُفع إلى عبد الملك بن يعلى رجل باع نصيبًا له غير مقسوم، فلم يجزه.
стр. 8561
وقال ابن سيرين: لا بأس بالشريكين بينهما الشيء الذي لا يكال ولا يوزن أن يبيعه قبل أن يقاسمه. وقال الحسن: لا بيع فيه ولا في غيره حتى يقاسمه، إلا أن يكون لؤلؤة أو ما لا يقدر على قسمته. ولم
يرَ عثمان البتي شفعة لشريك (١).
ورأى ابن شبرمة الشفعة في الماء، ورأى مالك الشفعة في التين والعنب والزيتون والفواكه في رءوس الشجر (٢).
وفي "الاستذكار" لابن عبد البر عن معمر: قلت لأيوب: أتعلم أحدًا كان يجعل في الحيوان شفعة؟ قال: لا. قال معمر: ولا أنا أعلم أحدًا جعل فيه شفعة.
وقال ابن شهاب: ليس في الحيوان شفعة (٣)، وعن إبراهيم: لا شفعة إلا في دار أو أرض.
وعن عمر بن عبد العزيز أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في الدين (٤).
وفي لفظ: "من ابتاع دينًا على رجل فصاحب الدين أولى إذا أدى مثل الذي أدى صاحبه". (٥).
ثالثها: قد أسلفت الكلام على حديث: "الجار أحق بصقبه" في
الباب المشار إليه قريبًا، وأخرجه ابن حزم من حديث عبد الله بن
стр. 8562
عمرو، ووهاه (١)، وأبو داود من حديث جابر بزيادة: "ينتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" (٢)، حسنه الترمذي مع الغرابة (٣)، ووهاه أحمد (٤).
وأما حديث الحسن، عن سمرة رفعه: "جار الدار أحق بالدار" فصححه الترمذي، وذكر مثله عن أنس، وقال: الصحيح الأول (٥) وخطأ النسائي رفعه (٦)، وكذا الدارقطني، وابن حزم (٧).
стр. 8563
٢ - باب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ البَيْعِ
وَقَالَ الحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ البَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ.
٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ -مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ - فَقَالَ: يَا سَعْدُ، ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا. فَقَالَ المِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ -أَوْ مُقَطَّعَةٍ-. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ". مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ. [٦٩٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١ - فتح: ٤/ ٤٣٧]
ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ .. الحديث. وذكر عرض أبي رافع بيته عليه. وقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسائة دينار، ولولا أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بسقبه" ما أعطيتكها بأربعة الآف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه.
الشرح:
تعليق الحكم رواه وكيع، عن سفيان، عن أشعث عنه: إذا أذن الشفيع للمشتري في الشراء فلا شفعة له (١).
стр. 8564
وأثر الشعبي رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعت الشعبي به. وفيه لا ينكر بدل: يغير (١).
وحديث أبي رافع من أفراده، ويأتي في الحيل أيضًا (٢).
إذا تقرر ذلك فعرض الشفعة على الشريك قبل البيع فأبى إليه كما فعل أبو رافع، ألا ترى أنه حط من ثمن البيتين كثيرًا، رغبة في العمل بالسنة.
وفيه: ما كانوا عليه من الحرص على موافقة السنن والعمل بها، والسماحة بأموالهم في جنب ذلك، فإن عرض عليه الشفعة وأذن له الشريك في بيع نصيبه، ثم رجع فطالبه بالشفعة، فقالت طائفة: لا شفعة له، هذا قول الحكم، والثوري، وأبي عبيد وطائفة من أهل الحديث، واحتجوا بحديث جابر الذي أسلفناه هناك: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وهو دال على أن تركه تنقطع به شفعته، ومحال أن يقول ﷺ إن شاء أخذ وإن شاء ترك!! فإذا ترك لا يكون لتركه معنى.
وقالت طائفة: إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ، ثم باع فأراد أن يأخذ بشفعته، فذلك له، هذا قول مالك والكوفيين، ورواية عن أحمد، ويشبه مذهب الشافعي، كما ذكره ابن بطال، وهو مذهبه، وحكي أيضًا عن عثمان البتي، وابن أبي ليلى (٣).
واحتج أحمد وقال: لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع، فإن شاء
стр. 8565
أخذ، وإن شاء ترك. واحتج بمثله ابن أبي ليلى.
واختلفوا في المسألة التي ذكرها الشعبي في الباب، فقال مالك: إذا
باع المشتري نصيبه من أجنبي وشريكه حاضر يعلم بيعه، فله المطالبة بالشفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته إلا بمضي مدة يعلم أنه في مثلها تارك.
واختلف في المدة، فقيل: سنة، وقيل: فوقها، وقيل: فوق ثلاث، وقيل: فوق خمس، حكاها ابن الحاجب.
وقال أبو حنيفة: إذا وقع البيع فعلم الشفيع به، فإن أشهد مكانه أنه على شفعته وإلا بطلت شفعته، وبه قال الشافعي. قال: إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها، من حبس أو غيره فهو على شفعته.
حجة أبي حنيفة بأن سكوته رضا بإسقاط حقه، قياسًا على خيار البكر أنه على الفور. حجة مالك القياس على عتق الأمة تحت عبد عنده.
واستدل أهل العراق على شفعة الجوار بحديث الباب، غير أنهم جعلوا الشريك في المنزل أحق بها من الجار، فإن سلم الشفعة الشريك في الدار فالجار الملاصق أحقُّ بها من غيره، فإن كان بينهما طريق نافذ فلا حق له فيها، هذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وتعلقوا بلفظ: "الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ"، وقالوا: لا يراد به الشريك؛ لأن الجار لا يقع إلا على غير الشريك، وزعموا أنه لا يوجد في اللغة أن الشريك يسمى جارًا، فخالفوا نص الحديث وتركوا أوله؛ لتأويل تأولوه في آخره، أما مخالفتهم نصه فهو أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين في داره؛ ولذلك دعاه إلى الشراء بأقل مما أعطاه غيره ممن ليس بشريك.
стр. 8566
وفيه: أن أبا رافع سمى شريكه جارًا حين صرف معنى الحديث إلى الشريك، وهو راويه وأعلم بمعناه، ولو كان المراد غيره كما زعم أهل العراق ما سلم سعد لأبي رافع احتجاجه بالحديث، ولا استدلاله به، ولقال له سعد: ليس معناه كما تأولته، وإنما الجار المراد به غير الشريك، فلما لم يرد عليه تأويله، ولا أنكره المسور وهم الفصحاء وأهل اللسان المرجوع إليهم على أن معنى الحديث ما تأوله أبو رافع، وأن الجار فيه يراد به الشريك، وأما بيع أبي رافع من سعد بأقل مما أعطاه غيره فهو من باب الإحسان بالإجماع، وكل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له: جار في لسان العرب؛ ولذلك قالوا لامرأة الرجل:
جارة: لما بينهما من الاختلاط بالزوجية.
وقد جاء في حديث دية الجنين: أن حمل بن مالك قال: كنت بين جارتين لي -يريد امرأتيه- ومنه قول الأعشى لامرأته:
أجارتنا بيني فإنك طالقة.
فكذلك الشريك يسمى جارًا؛ لما بينهما من الاختلاط بالشركة.
وتأويل الحديث عند أهل الحجاز على وجهين:
أحدهما: أن يراد به الشريك، ويكون حقه الأخذ بالشفعة دون غيره، وهو الأولى لما تقرر.
ثانيهما: يحتمل أن يراد به الجار غير الشريك، ويكون حقه غير الشفعة، فيكون جارًا لرحبة يريد الارتفاق بها، ويريد مثل ذلك غير الجار، فيكون الجار أحق بصقبه، فإن لم يكن هذا فيكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار، ومما للأجنبين من الكرامة والبر، وسائر الحقوق التي إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس
стр. 8567
بجار وجب إيثار الجار على من ليس بجار، من طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا من طريق الفرض اللازم، فقد أوصى الرب ﷻ بالجار فقال: ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقال رسوله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (١) وهذا الاحتمال ذكره ابن المنذر عن الشافعي وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل، ثم فسره حديث آخر بقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" كان المفسر أولى من المجمل.
تنبيهات:
أحدها: الصقب، بفتح الصاد والقاف، وهو بالصاد أكثر من السين كما قاله في "الجامع"، وهو: القرب، يقال: قد أصقب فلان فلانًا إذا قربه منه، فهو يصقبه وقد تصاقبا إذا تقاربا، قال ابن دريد: سقبت الدار سقوبًا، وأسقبت لغتان فصيحتان: قربت. وأبياتهم متساقبة. أي: متدانية (٢).
وقال ابن الأنباري في "زاهره": الصقب: الملاصقة. كأنه أراد ما يليه ويقرب منه، وفي "الغريبين" أراد بالجار الملاصق من غير شركة.
وفيه حديث علي: إذا وجد قتيل بين قريتين حمل على أصقبهما إليه (٣).
ثانيها: قال ابن التين قول الحكم قال به سفيان، وخالفهما مالك وقال: لا يلزم إذنه بذلك واستقرأ بعضهم إلزامه قياسًا على قوله: إن اشتريت عبد فلان فهو حر، أو تزوجت فلانة فهي طالق. قال: وهو
стр. 8568
في الشفعة أبين؛ لأنه لولا ذلك لم يشتر. قال: وقول الشعبي هو قول أبي حنيفة والشافعي وابن وهب، وقال مالك: هو على شفعته وإن جاوز السنة والسنة؛ لحديث قاله في "المدونة". وقد سلف الخلاف فيه في الباب وعن مالك هو على حقه أبدًا ما لم يوقف.
ثالثها: قوله (أحدَ مَنْكِبَيَّ) كذا بخط الدمياطي وذكره ابن التين بلفظ: إحدى. ثم قال: هكذا: إحدى، مؤنثًا. وأنكره بعضهم، وقال: المنكب: مذكر، والمنكب مجتمع ما بين العضد والكتف. وثبه ابن التين -أيضًا- أن بيع أبي رافع بدون ما أُعطي من باب الاشفاق دون اللزوم، وكذا تأويله في السقب لأجل الجوار.
قال الخطابي: وفيه: دليل على أن الشفعة ثابتة في الطرق كهي في البناء إذا كانت واسعة تحتمل القسمة، وقد أضاف البائع بيته إلى داره في قوله لسعد: (ابتع مني بيتي في دارك). وطريقهما لا محالة شائعة في العرصة وهي جزء من الدار، ولذلك استحق به الشفعة (١).
وعن أحمد روايتان فيما حكاه ابن الجوزي في الطرق والعرصة، هل يجب فيهما الشفعة بانفرادهما؟
رابعها: ذهب ابن حزم إلى الأخذ بالشفعة متى شاء ولو بعد ثمانين سنة أو أكثر أو تلّفظ بالترك (٢)، وعن أبي حنيفة: ثلاثة أيام، وبه يقول البتي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال عبيد الله بن الحسن: لا يمهل إلا ساعة واحدة (٣)، وعن الشعبي: يوم واحد، وعن عمر بن عبد العزيز: بضع عشرة سنة.
стр. 8569
قال ابن عبد البر: قضى عمر بن عبد العزيز بالشفعة بعد أربع عشرة سنة -يعني- للغائب (١)، قال: وأهل العلم مجمعون على أن الغائب إذا لم يعلم بالبيع ثم قدم فله الشفعة مع طول غيبته، واختلفوا إذا علم في سفره فقيل: يشهد، وإلا فلا شفعة له، وقيل: على شفعته (٢).
ومن الأحاديث الضعيفة -بسبب ابن البيلماني- حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا شفعة لغائب ولا لصغير، ولا لشريك على شريكه إذا سبقه بالشراء"، و"الشفعة كحل العقال" (٣).
خامسها: الخلاف السالف في إسقاط الشفعة قبل ثبوتها جار فيمن أسقط شيئًا قبل وجوبه كإسقاط المواريث قبل الموت وإجازة الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة أو كسوة في السنة القابلة، ففي كل واحدة من هذِه المسائل خلاف.
سادسها: الشفعة ثابتة للبدوي والقروي والغائب والصغير إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق والذمي.
وقال قوم من السلف: لا شفعة لمن لم يسكن المصر ولا للذمي.
قاله الشعبي والحارث (٤) العكلي والبتي، وهو قول أحمد وقد تقدم.
زاد الشعبي: ولا لغائب.
стр. 8570
وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة لصغير (١). "ولا تورث الشفعة". وهو قول ابن سيرين.
وعن الشعبي: لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا تعار هي لصاحبها التي وقعت له (٢)، وقال إبراهيم -فيما نقله الأثرم- لا تورث.
قال ابن حزم: قال عبد الرزاق: وهو قول الثوري (٣). وأبي حنيفة
وأحمد وإسحاق والحسن بن حي وأبي سليمان وقال مالك والشافعي: تورث (٤).
سابعها: الشفعة هل هي على عدد الرءوس أو على عدد الأنصباء إذا كانوا شركاء؟
فيه خلاف للعلماء، توقف في ذلك أحمد -كما حكاه الأثرم عنه- وقال: ما أدري.
وعندنا قولان أيضًا -رجح المتأخرون الثاني، وبه قال مالك والحسن بن حي وشريح وعطاء، ولما حكاهما الشافعي في "الأم" قال: بالأول أقول (٥).
ثامنها: قال أبو حنيفة: الهبة بلا ثواب لا شفعة فيها؛ لأنها عنده هبة ليست بيعًا، وكذا لا شفعة عنده في صراف ولا أجرة ولا جعل ولا خلع
стр. 8571
ولا في شيء صولح عليه من دم عمد، وعندنا: تثبت في الهبة ذات الثواب لأنها معاوضة.
وهل يأخذ قبل قبض الموهوب؛ لأنه صار بيعًا أو لا؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض؟ فيه وجهان: أصحهما أولهما، وأشار الشافعي والماوردي إلى توقف الأخذ على دفع المتهب الثواب.
قال ابن عبد البر: وكان مالك يرى أولًا أن في الهبة الشفعة، وإن كانت بغير ثواب، ثم رجع عنه (١).
стр. 8572
٣ - باب: أَيُّ الجِوَارِ أَقْرَبُ ؟
٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا". [٢٥٩٥، ٦٠٢٠ - فتح: ٤/ ٤٣٨]
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ، ثَنَا شَبَابَةُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا".
هذا الحديث من أفراده، وحجاج هو ابن منهال السلمي مولاهم البصري الأنماطي أبو محمد مات سنة سبع عشرة ومائتين (١)، وعليُّ قيل: هو ابن سلمة بن عقبة أبو الحسن القرشي اللبقي مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. كذا بخط الدمياطي وسبقه به ابن طلحة فقال: يقال: هو ابن سلمة، وكذا قاله الكلاباذي وغيره، وقال الجياني: نسبه ابن السكن: ابن عبد الله. وهو ضعيف عندي (٢).
وشبابة: هو ابن موَّار مات سنة ست ومائتين (٣).
стр. 8573
وأبو عمران: هو عبد الملك بن حبيب الجوني البصري، مات سنة ثماني وعشرين ومائة.
قال الدارقطني: في رواية سليمان بن حرب، عن شعبة: طلحة بن عبيد الله الخزاعي، وقال الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن طلحة، ولم ينسبه. وقال أبو داود، سليمان بن الأشعث: قال شعبة
في هذا الحديث: عن طلحة رجل من قريش (١).
وقال الإسماعيلي: قال يحيى بن يونس: عن شعبة أخبرني أبو عمران سمع طلحة عن عائشة. قال شعبة: وأظنه سمعه من عائشة، ولم يقل: سمعته منها.
وقولها: (أُهْدِي) هو بضم الهمزة من أهديت الهدية، وإنما أمر بالهدية إلى من قرب بابه؛ لأنه ينظر ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن يشاركه فيه، وأنه أسرع إجابة لجاره
عندما ينوبه من حاجة إليه في أوقات الغفلة والغرة، فلذلك بدُئ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب.
وهذا الحديث دال على أن اسم الجار يقع على غير الملاصق لأنه قد يكون له جار ملاصق، وبابه من سكة غير سكته وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بملاصق وهو أدناهما بابًا، وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث، فقال: إن الجار اللزيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي بجنبه وليس له حد إلى الدار ولا طريق لا شفعة له.
وعوام العلماء يقولون: إذا أوصى الرجل بجيرانه أُعطي اللزيق وغيره، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء، وقال: لا يعطى
стр. 8574
إلا اللزيق وحده، وكان الأوزاعي يقول: الجار أربعون دارًا من كل جانب وقاله ابن شهاب وأصحابنا والحسن وأبو قلابة، وقال علي: من سمع النداء فهو جار.
ولابن حزم من حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله ﷺ ما حق الجوار؟ قال: "أربعون ذراعًا". ثم قال: ساقط (١).
وفي "مراسيل أبي داود" عن ابن شهاب رفعه: "أربعون دارًا جار".
قال يونس: قلت لابن شهاب وكيف أربعون دارًا؟ قال: أربعون عن يمينه وعن يساره وخلفه وبين يديه (٢).
وقال آخرون -فيما حكاه ابن حزم-: هو كل من صلى معكم صلاة الصبح في المسجد. وقال بعضهم: هم أهل المدينة كلهم جيران (٣)، ولا حجة في حديث الباب لمن أوجب الشفعة بالجوار؛ لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية، فأخبرها أنه من قرب بابه أولى بها من غيره، فدل بهذا أنه أولى بحقوق الجوار وكرم العشرة والبر ممن هو أبعد منه بابًا.
ثم ساق حديث: أَبِي مُوسَى: "الخَازِنُ الأَمِينُ الذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طيَبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ".
وحديث أبي موسى أيضًا: "إنا لا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ".
أما الآية فهي من قول ابنة شعيب صفوراء، وقيل: ابنة أخيه، وكان شعيب غيورًا فقال لها: من أين عرفت قوته وأمانته؟ قالت: أما قوته: فإنه قلَّ حجرًا لا يحمله إلا عشرة، أو أربعون، أو جملة من الناس، فئام منهم، أو لم أر رجلًا أقوى في السقاء منه، وأما أمانته: فإنه لما جاء معي مررت بين يديه، فقال: كوني خلفي ودليني على الطريق؛ لئلا تصفك الريح، وقيل: قال ذلك لما رأى عجزها، أو لم يرفع رأسه (١).
قال مقاتل: ولدت صفوراء، ثم بعد نصف يوم ولدت غيراء، فهما توأم، وكان بين المكان الذي سقى فيه الغنم وبين شعيب ثلاثة أميال.
وذكر السهيلي أن شعيبًا هو ابن يثرون بن صيفون بن مدين بن إبراهيم، ويقال: شعيب بن ملكاين، وقيل: لم يكن من مدين، وإنما هو من القوم الذين آمنوا بإبراهيم حين نجا من النار. وابنتاه كياء وصفوراء، وأكثر الناس على أنهم ابن بنتا شعيب، وقيل: إن شعيبًا من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
وروي أن سلمة بن سعد لما انتسب للنبي ﷺ إلى عنزة قال ﵇:
"نعم الحي عنزة، رهط شعيب، وأختان موسى" (٢) فإن صح فعنزة إذًا ليس هو ابن أسد بن ربيعة، فإن معدًّا كان بعد شعيب بنحو من ألف سنة.
стр. 8578
قلت: وقيل اسم إحداهما شرفا، وقيل: صفيراء بنتا يثرون، والتي تزوجها الصغرى.
وقولها: (﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾) أي: لرعي غنمك، والقيام عليها؛ ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ﴾ على حرزماشيتك وإصلاحها، ﴿الأَمِينُ﴾ عليها فلا يخاف منه فيها خيانة (١)، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في الشهادات من أفراده عن ابن عباس أن موسى ﷺ قضى أقصى الأجلين.
وقول البخاري: (والخازن الأمين، ومن لم يستعمل من أراده)، قد ساقهما بعد، وسلف في الزكاة بعضه مع حديث أبي موسى واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في هذا معنى الإجارة.
وقال الداودي: ذكره للخازن ليس من هذا الباب؛ لأنه لم يذكر فيه إجارة، وإنما أراد أن الخازن لا شيء له في المال، وإنما هو أجير، فلذا أدخله هنا.
وقال ابن بطال: إنما أدخله فيه؛ لأن من استؤجر على شيء فهو
أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف، إلا أن يضيع تضييعًا معلومًا، فعليه الضمان.
قال مالك: لا يضمن المستأجر ما يعاب عليه، والقول قوله في ذلك مع يمينه. وروى أشهب عنه فيمن استأجر جفنة أنه لها ضامن إلا أن يقيم بينة على الضياع.
قال المهلب: ولما كان طلب العمالة دليلًا على الحرص وجب أن يحترس من الحريص عليها، وقد أخبر ﵇ أنه لا يعان من طلب العمل على ما يطلبه، وإنما يعان عليه من طلب به، وإذا كان هذا في علم الله
стр. 8579
معروفًا وعلى لسان نبيه، وجب ألا يستعمل من علم أنه لا يعان عليه ممن طلبه، فوجب على العاقل ألا يدخل في ذلك إلا بضم السلطان له إليه، إذا علم أنه سيطلع به (١).
وقوله: ("أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ") روي بالتثنية والجمع، قال ابن التين: والأول أبين.
وقوله: ("إنا لَا نَسْتَعْمِلُ") وفي بعض النسخ "إنا إن نستعمل" وفي أخرى: "إن أو لا نستعمل" وصحح عليها الدمياطي.
قال ابن التين: "أو لا" ضبط في بعض النسخ بضم الهمزة وفتح الواو وتشديد (اللام) (٢)، فعل مستقبل من ولَّى، وفي بعضها بفتح الهمزة وسكون الواو، كأنه شك هل قال: إن، أو لا.
وحديث أبي موسى دال لما ترجم له قال تعالى: ﴿وَالعاملِينَ عَلَيهاَ﴾ [التوبة: ٦٠].
وفيه: أنه لا يؤمر مريد الإمارة من وال أو قاض أو غيرهما، وهي نهي، وظاهره التحريم كما قال القرطبي، لما قال: لا يسأل الإمارة، وإنا والله لا نولي على عملنا هذا أحدًا يسأله ويحرص عليه (٣).
стр. 8580
٢ - باب رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ
٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ". فَقَالَ: أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ". [فتح: ٤/ ٤٤١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ" هذا الحديث من أفراده.
ومعناه: أن ذلك تقدمة وتوطئة في تعريف سياسة العباد، واعتبار بأحوال رعاة الغنم وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ لها وإيرادها أفضل مواردها، واختيار المسرح والمراح لها، وجبر كسرها، والرفق بضعيفها ومعرفة أعيانها، وحسن تعاهدها، فإذا وقف على هذِه الأمور كانت مثالًا لرعاية العباد حكمة بالغة، وخصت بالغنم لأنها أسرع انقيادًا، وهي من دواب الجنة. وقام الإجماع على
جواز الاستئجار للرعي مدة معلومة بأجرة معلومة، ولا ضمان عليه إذا لم يفرط كالوكيل.
وهل القراريط في الحديث اسم مكان أو نقد؟ قولان:
أحدهما: اسم مكان بقرب جياد، قاله الحربي، ويدل له أن العرب لم تكن تعرف القيراط، وأخبر أن مصر تفتح ويذكر فيها القيراط؛ ولهذا لم يبوب البخاري على الاستئجار لرعيها؛ لأنه لم يذكر الأجرة، ويجوز أن يكون تركه إعظامًا لجنابه، ولما رواه ابن ماجه قال: "كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط" ثم قال: قال سويد بن سعيد: يعني كلَّ شاة