وللنسائي: سأل رجل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: إن امرأتي ترضع وأنا أكره أن تحمل، فقال: ما قدر في الرحم سيكون (١). وفي الباب عن جابر (د. ت) (٢) وغيره، كما سيأتي في بابه. وروى حديث الباب موسى بن عقبة، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد، فقال: أصبنا سبيًا من سبي هوازن، وذلك يوم حنين سنة ثمانٍ. ووهم ابن عقبة في ذلك (٣) ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ليس من كل الماء يكون الولد" (٤) ورواه مسلم من حديث علي بن أبي طلحة، عن أبي الوداك بلفظ: سئل رسول الله ﷺ عن العزل (٥). لم يذكر سبي حنين ولا غيره، وكذا ما ذكره أبو عمر (٦) من رواية موسى بن عقبة، عن ابن محيريز ذكره مسلم (٧)، ولم يذكر فيه سبي
стр. 8507
أوطاس ولا غيره، وإنما ذكر مسلم يوم أوطاس من حديث أبي علقمة، عن أبي سعيد في قصة تحرج أصحابه من وطء السبايا من أجل أزواجهن (١)، وهي قصة أخرى في زمن آخر غير زمان بني المصطلق التي في الخامسة، والصحيح في الأول رواية من روى بني المصطلق.
وقوله: "فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ".
فيه: دلالة على عدم جواز بيع أمهات الأولاد؛ لأن العمل منهن يمنع الفداء والثمن، وهو حجة على داود وغيره ممن يجوز (٢) بيعهن، وسيأتي بسطه في موضعه. وفي لفظ: (وأحببنا الفداء).
وقوله: ("أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ ") على التعجب منه يقول: وقد فعلتم؟!
وقوله: ("لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا"). قال الداودي: هو أقرب إلى النهي. وقال المبرد: لا بأس عليكم أن تفعلوا، ومعنى (لا) الثانية: طرحها.
و (النَسَمَة): النفس وكل ذات روح، والنسم: الأرواح. أي: ليس ذو نسمة، ويراد بها الذكر والأنثى.
قال القزاز: كل إنسان نسمة، ونفسه نسمة.
وقوله: ("إِلَّا وهِيَ خَارِجَةٌ") أي: جف القلم بكل ما يكون.
وفيه: دلالة على أن الولد يكون مع العزل؛ ولهذا صحح أصحابنا أنه لو قال: وطئت وعزلت، لحقه على الأصح (٣).
стр. 8508
وما ترجم له من بيع الرقيق ظاهر كبيع سائر المباحات، وهي داخلة في عموم قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
تنبيهات:
أحدها: قد أسلفنا أن الحديث حجة على داود في إجازته بيع أمهات الأولاد، ووجهه أنه لولا أن الحمل يبطل الثمن لم يقرهم على هذا الاعتقاد، وتكلف الحيلة له، ولقال لهم: وأي حاجة إلى العزل، والبيع يجوز، وانفصل المحتج لداود بأنه قال: ظاهره أنهم كانوا يريدون الفداء، فإذا حملن تعذر ذلك حتى (١) يضعن، وإلا صار أولادهم في أيدي الكفار، ولعل العرب الذين كان ذلك السبي منهم
إذا حملن من المسلمين لا يفدونهم، أو يفدونهم بقليل الثمن، فعن هذا سألوا، لا على أن الإيلاد يمنع بيعهن.
ثانيها: وطء المسبية والالتذاذ بها موقوف على القسمة والاستبراء، فكيف أرادوا وطأهن؟ ولعلهم إنما سألوا ذلك؛ لاشتداد العزبة، وظنوا أن وطأهن دون الفرج مباح إذا اجتنبوا موضع الولد، فأعلم أن الماء ربما سبق إلى الفرج، فيكون منه الولد وإن عزل، ليبين لهم حكم العزل، وإذا حمل على ذلك لم يدل على منع بيعهن.
ثالثها: كان ذلك في غزوة بني المصطلق -كما مرَّ- وكانت سنة ست، أو خمس، أو أربع (٢)، واختلف: هل كانوا أهل كتاب أم لا؟ على قولين، قال أبو محمد الأصيلي: كانوا عبدة أوثان، وإنما جاز
стр. 8509
وطؤهن قبل نزول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال الداودي: كانوا أهل كتاب، فلم يحتج فيهن إلى ذكر الإسلام. قال ابن التين: والظاهر الأول؛ لقوله في بعض طرقه: فأصبنا سبيا من سبي العرب. ثم نقل عن الشيخ أبي محمد أنه كان أسر من بني المصطلق أكثر من سبعمائة، ومنهم جويرية بنت الحارث أعتقها وتزوجها. فلعله لما دخل بها سألته في الأسرى، فوهبهم لها.
رابعها: حكم العَزْلِ عندنا: إن كانت أمة جاز قطعًا على ما ادعاه الرافعي، وإن كان حكى في "البحر" وجها، وأما الزوجة فالأصح جوازه بكره (١)، ومنهم من جوزه عند إذنها، ومنعه عند عدمه. وذكر بعض العلماء أربعة أقوال فيه: الجواز كمذهبنا، والمنع، ومذهب مالك جوازه في التسري، وفي الحرة موقوف على إذنها، وسيد الأمة.
(خامسها) (٢): يجوز برضا الموطوءة كيف كانت، حكاها كذلك ابن التين.
حجة من أجاز حديث جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلم ينهنا.
وحجة من منع أنه ﵇ لما سئل عنه قال: "ذلك الوأد الخفي" (٣).
стр. 8510
١١٠ - باب بَيْعِ المُدَبَّرِ
٢٢٣٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ المُدَبَّرَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم:
٩٩٧ - فتح: ٤/ ٤٢٠]
٢٢٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: بَاعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٤/ ٤٢١]
٢٢٣٢ و ٢٢٣٣ - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رضى الله عنهما أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ. قَالَ: "اجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا" بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [انظر: ٢١٥٣ و ٢١٥٤ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٤/ ٤٢١]
٢٢٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ [عَلَيْهَا]، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". [انظر: ٢١٥٢ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح: ٤/ ٤٢١]
ذكر فيه حديثي جابر قال: بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ المُدَبَّرَ، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في بيع الأمة إذا زنت وقد سلف (١).
ثم ساقه من حديث أبي هريرة وحده وقد سلف أيضًا في باب بيع العبد الزاني.
стр. 8511
واختلف العلماء في بيع المدبر، فذهب مالك والكوفيون إلى أنه لا يجوز بيعه، ولا يجوز تحويله عن موضعه الذي وضع فيه (١)، وقال الشافعي: بيعه جائز؛ استدلالًا بهذا الحديث (٢).
وسيأتي إيضاحه في بابه إن شاء الله تعالى، ولهذا أسقط هذا الباب ابن التين، وأدخله ابن بطال في الباب الذي قبله، وما فعله جيد؛ لأجل حديث أبي هريرة الآخر، فإنه لا معنى لإدخاله في بيع المدبر (٣).
سيرين: يكره ذلك. ويذكر عن الحسن أنه كان لا يرى بالقبلة بأسًا، وعن عكرمة في الرجل يشتري الجارية الصغيرة، وهي أصغر من ذلك قال: لا بأس أن يمسها قبل أن يستبرئها. وقال إياس بن معاوية في رجل اشترى جارية صغيرة لا يجامع مثلها قال: لا بأس أن يطأها، ولا يستبرئها. وكره قتادة تقبيلها حتى يستبرئها (١). وقال أيوب اللخمي: وقعت في سهم ابن عمر جارية يوم جلولاء، فما ملك نفسه
أن جعل يقبلها.
قال ابن بطال: ثبت هذا عنه (٢).
وأثر ابن عمر رواه أيضًا ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن اشترى أمةً عذراء فلا يستبرئها (٣). قال ابن التين: وهذا خلاف ما يقوله مالك.
قلت: والشافعي، وقيل: تستبرأ استحبابًا.
وعَتَقَتْ، بفتح العين: هو الصحيح، وروي بضمها، وليس بشيء.
وعن ابن سيرين في الرجل يشتري الأمة العذراء قال: لا يقربن ما دون رحمها حتى يستبرئها.
وعن الحسن وإن كانت بكرًا، وكذا قاله عكرمة (٤). وقال عطاء في رجل اشترى جارية من أبويها عذراء: يستبرئها بحيضتين.
стр. 8514
ومذهب جماعة منهم ابن القاسم وسالم والليث وأبو يوسف (١): لا استبراء إلا على البالغة، وكان أبو يوسف لا يرى استبراء العذراء وإن كانت بالغة، وذكره ابن الجوزي عنه. وأثر عطاء لا يحضرني، قال ابن التين إن أراد الحامل من سيدها فهو فاسد، وإن أراد غيره وهي مسبية أو زانية فسيأتي إذا لم يكن العمل من زوجها.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة": سئل ابن عباس عن رجل اشترى جارية وهي حامل أيطؤها؟
قال: لا (٢)، ونهى عنه أبو موسى الأشعري وناجية بن كعب، وسعيد بن المسيب، وفيه أحاديث تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وحديث أنس يأتي أيضًا.
إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على أن الاستبراء أمانة، يؤتمن المبتاع عليها بأن لا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملًا، فإنه ﵇ جعل رداءه على صفية، وأمرها أن تحتجب بالجعرانة (٣)(٤) حين صارت في سهمه، ومعلوم أن من سنته أن الحائل لا توطأ حتى تحيض حيضة، خشية الحمل، وأن الحامل لا توطأ حتى تضع؛ لئلا يسقي ماؤه زرع غيره، فلما كان أمانة ارتفعت فيه الحكومة.
وفيه حجة لمن يوجب المواضعة على البائع، وهو قول جماعة فقهاء
стр. 8515
الأمصار، غير ربيعة ومالك، فإنهما أوجبا المواضعة في الجواري المرتفعات المتخذات للوطء خاصة. قال مالك في "المدونة": أكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء، فإن فعلا أجزأهما، وهي من البائع حتى تدخل في أول دمها، (١) وإنما قال مالك بها خشية أن يتذرع المشتري إلى المواضعة قبل الاستبراء؛ حياطة على الفروج؛ وحفظًا للأنساب؛ ولقوله ﵇: "لا توطأ حائل حتى تحيضر" (٢).
واحتج من لم ير المواضعة بأن عطاء بن أبي رباح قال: ما سمعنا بها قط. وقال محمد بن عبد الحكم: أول من قال بها ربيعة.
وقال الطحاوي: الدليل على أنها غير واجبة أن العقد إنما يوجب تسليم البدلين، وقد وافقنا مالك على أن غير المرتفعات من الجواري لا يجب فيهن استبراء، فوجب أن يكون كذلك حكم المرتفعات (٣).
وأجمع الفقهاء على أن حيضة واحدة براءة في الرحم، إلا أن مالكًا والليث قالا: إن اشتراها في أول حيضها اعتدَّ بها، وإن كان في آخرها لم يعتد بها. وقال ابن المسيب: حيضتان (٤).
وقال ابن سيرين ثلاث (٥).
واختلف إذا أمن فيها العمل، فقال مالك: تستبرأ (٦).
стр. 8516
وقال مطرف وابن الماجشون: لا (١).
واختلفوا في قبلة الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء، فأجاز ذلك الحسن البصري وعكرمة (٢)، وبه قال أبو ثور، وقد أسلفنا فعل ابن عمر فيه، وكرهه ابن سيرين (٣)، وهو قول مالك والليث وأبي حنيفة
والشافعي، ووجهه: قطعًا للذريعة وحفظًا للأنساب.
وحجة من أجاز الآية التي ذكرها البخاري وهي خرجت مخرج العموم أريد بها الخصوص، فقد يملك ذات محرم منه، أو يطلقها بائنًا، أو تكون محرمة، أو حائضًا.
وقوله ﵇: "إلا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (٤) فدل هذا أن ما دون الوطء من المباشرة والقبلة في حيز المباح. وسفره ﵇ بصفية قبل أن يستبرئها حجة في ذلك؛ لكونه لو لم يحل له من مباشرتها ما دون الجماع لم يسافر بها معه؛ لأنه لا بد أن يرفعها أو ينزلها، وكان ﵇ لا يمس بيده امرأة لا تحل له، ومن هذا اختلافهم في مباشرة المظاهرة، وقبلته لامرأته التي ظاهر منها، فذهب
стр. 8517
الزهري والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يقبل امرأته، ولا يتلذذ منها بشيء، وقال الحسن البصري: لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع، (١) وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكذلك فسر عطاء وقتادة والزهري.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لعله عني بالمس: الجماع في هذِه الآية (٢).
واختلفوا في استبراء العذراء فقال ابن عمر: لا تستبرأ (٣) -كما سبق- وبه قال أبو ثور، وقال سائر الفقهاء تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن يحيض ويوطأ مثلها (٤). وقال ابن الماجشون: إن كانت صغيرة
أو ممن انقطع حيضها فلا تسبرأ.
تنبيهات:
أحدها: قال الداودي: قول الحسن السالف إن كان في المسبية فصواب؛ لأنه لم يبق فيها ملك لأحد، قال ابن التين: وهذا غير بين بل يمنع ذلك جملة: قال: كنا نمتع أي: يلتذ بأمته إذا زنت وحملت، وقول ابن عمر السالف. هو قول مالك وأصحابه إذا كانت ممن يوطأ ويحمل.
ثانيها: غزوة خيبر سنة ست (٥)، وقيل: سبع، وقدمه ابن التين على
стр. 8518
الأول، فقال: كانت سنة سبع، وقال مالك: سنة ست. ومعنى اصطفاها: أي: أخذها صفيًّا، والصفي: سهم رسول الله ﷺ من المغنم، كان يأخذه من الأصل قبل القسمة، جاريةً أو سلاحًا. وقيل: إنما سميت صفية لذلك؛ لأنها كانت صفية من غنيمة خيبر، وزوجها المقتول هو كنانة بن أبي الحُقيق، فرأت في المنام قمرًا أقبل من يثرب، ووقع في حجرها، فقصت ذلك عليه، فلطم وجهها وقال: أنت تزعمين أن ملك يثرب يتزوجك (١).
وفي لفظ: تحبين أن يكون هذا الملك الذي يأتي من المدينة زوجك.
وفي لفظ: رأيت كأني وهذ الملك الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحه.
والعَرُوس: نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في تعريسهما أيامًا، وأحسن ما في ذلك أن يقال: الرجل معرس. وعن الخليل (٢): رجل عروس، وامرأة عروس، وشاعر أنيس، ذكره ابن فارس (٣).
وقوله: (فخرجنا بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ) فيه دلالة لفقهاء الأمصار أن الاستبراء بحيضة، وليس في هذِه المدة ما تحيض فيه أكثر من حيضة.
والرَّوْحَاءِ: منزل بقرب المدينة (٤) والحيس: أخلاط من تمر وسمن
стр. 8519
وأقط، وفي لفظ: التمر والسويق، وقيل: من تمر وسمن. ذكره الداودي.
وفيه: أن الوليمة بعد البناء.
والنطع: بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح، وقال ابن التين: يقال: نطع -بسكون الطاء وفتحها- جلود تدبغ ويجمع بعضها على بعض وتفرش.
ومعنى: "آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ" أي: أعلمه؛ لإشهار النكاح.
وقوله: (يُحَوِّي). ضبطه بالتخفيف ثلاثيًّا في رواية أبي الحسن، وبالتشديد في رواية أبي ذر وهو أن يوطئ لها بالعباءة حول سنام البعير وهو عند أهل اللغة بالتشديد -كما عند أبي ذر، ذكره كله ابن التين. والعباءة ممدودة والعباء أيضًا: ضرب من الأكسية، وفي "سيرة ابن إسحاق" لما أتى بها بلال أمر ﵇ فحيزت خلفه وغطى عليها ثوبه، فعرف الناس أنه قد اصطفاها لنفسه (١).
ثالثها: قوله: (فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ) هو من
المعاشرة بالمعروف. وفي كتاب الواقدي: كانت تعظم أن تضع رجلها على ركبته، وكانت تضع ركبتها على ركبته، قال: وفحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، ثم جيء بالأقط والسمن فشبع الناس. وحيي والدها، قال الدارقطني: المحدثون يقولون بكسر الحاء المهملة، وأهل اللغة بضمها.
و (صَفِيَّةُ): من سبط هارون ﵇، كانت عند سلَّام بن مشكم، وكان خمارًا في الجاهلية، وسلام بتخفيف اللام، وفيه يقول أبو سفيان بن حرب:
стр. 8520
سقاني فرواني كمينًا مدامة … على ظمأ مني سلام بن مشكم.
وقيل بالتشديد وخفف ضرورة (١)، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق.
قال الجاحظ في كتاب "الموالي": وَلَدَ صَفيَّةِ مائةُ نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله تعالى أمة لرسوله. وذكره القاضي أبو عمر محمد بن أحمد النوقاتي (٢) في كتاب "المحنة" أنه ﵇ لما أراد البناء بصفية استأذنته عائشة أن تكون في المنتقبات، فقال: "يا عائشة إنك إن رأيتها أقشعر جلدك من حسنها" فلما رأتها حصل لها ذلك.
وقال ابن سعد: الحصين التي كانت فيه اسمه القموص، سباها منه هي وابنة عم لها، فعرض عليها رسوله أن يعتقها إن اختارت الله ورسوله، فقالت: أختارهما، وأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها مهرها، ورأى بوجهها أثر خضرة قريبًا من عينها، فقال: "ما هذا"؟ فذكرت المنام السالف، فلما صار إلى منزل يقال لي: ثبار على ستة أميال من خيبر، قال: يريد أن يعرس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه من ذلك، فقالت: خفت عليك قرب يهود. فلما كان
стр. 8521
بالصهباء على بريد من خيبر عرس بها (١).
رابعها: كما رأت صفية في منامها سيد الأنام رآه غير واحدة من أزواجه، روى الحاكم في كتاب "الإكليل": أن جويرية رأت في المنام كما رأت صفية قبل تزوجها به، ولابن سعد: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن آتيًا يقول: يا أم المؤمنين. ففزعت وأولته أن رسول الله ﷺ يتزوجني (٢). وعن ابن عباس: رأت سودة في المنام كأن رسول الله ﷺ أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها، فقال زوجها: لئن صدقت رؤياك لتتزوجين. ثم رأت ليلة أخرى أن قمرًا انقض عليها من السماء وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها السكران، فقال: لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرًا حتى أموت وتتزوجين بعدي، فاشتكى من يومه ذلك، ولم يلبث إلا قليلًا حتى مات (٣)
خامسها: حديث أصطفائه صفية يعارضه في الظاهر حديث أنس أنها صارت لدحية، فأخذها منه وأعطاه سبعة أرؤس، ويروى أنه أعطاه بنتي عمها عوضًا منها، ويروى أنه قال له: "خذ رأسًا آخر مكانها" ولا معارضة -كما نبه عليه السهيلي- فإنما أخذها من دحية قبل القسمة، وما عوضه فيها ليس على جهة البيع، ولكن على جهة النفل أو الهبة، غير أن بعض رواة الحديث في "الصحيح" يقولون فيه: إنه اشترى صفية من دحية (٤) وبعضهم يزيد فيه بعد القسم، فالله تعالى أعلم أي ذلك كان (٥). وهذا
стр. 8522
الآخر هو الذي أراد به البخاري في الباب الذي سلف: بيع العبد والحيوان به، وأورده فيه كان تركه لها عنده، وأخذه جارية من السبي غير معينة بيعًا لها بجارية نسيئة، حتى يأخذها ويستحسنها، فحينئذ
تتعين له، وليس يدًا بيدٍ.
سادسها: الإمام إذا نفل ما لم يعلم مقداره له استرجاعه والتعويض عنه، وليس له أن يأخذه بغير عوض، ذكره المنذري في "حواشيه"، قال: وإعطاء دحية كان برضاه، فيكون معاوضة جارية بجارية، فإن قلت: الواهب منهي عن شراء هبته؟ قلنا: لم يهبه من مال نفسه، إنما أعطاه من مال الله على جهة النظر، كما يعطي الإمام النفل لأحد أهل الجيش نظرًا، وقيل: إنما يكون قصد إعطاء جارية من حشو السبي، فلما أطلع أن هذِه من خياره، وأن ليس يمكن إعطاء مثلها لمثله، لأنه قد يؤدي ذلك إلى المفسدة، فلذلك ارتجعها؛ لأنه خلاف ما أراد أن يعطيه.
محمد بن مثنى، عن أبي عاصم به، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل (١).
و (عبد الحميد) (٢) (م. الأربعة) هو ابن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم رافع بن سنان حليف الأنصار، مات وسنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، حدث هو وابنه (سعد) (د. ت. س. ق)، وأبوه (جعفر) (م. الأربعة)، وجده أبو الحكم (رافع) (٣) (م. والأربعة) وله صحبة، وابن عمه عمر بن الحكم بن رافع بن سنان، وهو من ولد الفطيون من ولد مخرق بن عمرو مزيقيا، وقيل: الفطيون من اليهود، وليس من ولد مخرق كان يهوديًّا وولده فخذ على حدتهم يهود بالمدينة منفردون عن سائر بني مخرق، وقيل: إنه ليس من ولد الفطيون وقد طعن في نسبهم، إذا علمت ذلك فالإجماع قائم على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها ووضع الثمن فيها إضاعة مال وقد نهي عن إضاعته.
قال ابن المنذر: فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة فبيع الكافر من أهل الحرب كذلك، وقد سلف فيه حديث، فإن قلت: فما وجه الجواب المذكور لما سئل عن شحوم الميتة، فأجاب بما ذكره؟
فالجواب أن وجهه أنه كان عن مسألته عن بيع الشحوم لا عن دهن الجلود والسفن، وإنما سأله عن بيع ذلك إذ ظنه جائزًا. من أجل ما فيه
стр. 8525
من المنافع كما جاز بيع الحمر الأهلية لما فيها من المنافع وإن حرم أكلها فظن أن شحوم الميتة مثل ذلك يحل بيعها وشراؤها، كمان حرم أكلها، فأخبره ﵇ أن ذلك ليس كالذي ظن وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كان نجسة نظيره الدم والخمر فيما يحرم من بيعها وأكل ثمنها، فأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بها فهو بخلاف بيعها وأكل ثمنها إذا كان ما يدهن بها من ذلك يغسل بالماء غسل الشيء الذي أصابته النجاسة، فيظهره الماء هذا قول عطاء بن أبي رباح وجماعة من العلماء، وممن أجاز الاستصباح بما تقع فيه الفأرة علي وابن عباس وابن عمر كما سيأتي واضحًا في الذبائح في باب إذا وقعت الفأرة في سمن جامد أو ذائب، وقال القرطبي: اختلف في جواز بيع كل محرم نجس فيه منفعة كالذبل والعذرة، فمنع من ذلك الشافعي ومالك وأجازه الكوفيون والطبري، وذهب آخرون إلى إجازة ذلك من المشتري دون البائع، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطر إلى ذلك، روي ذلك عن بعض أصحابنا (١).
وقوله: ("إن الله ورسوله حرم") فيه جواز قوله ذلك، وقال بعض الناس: إنما يقال: إن الله ثم رسوله ولا ينسق عليه؛ لأن التقدير أن الله حرم ورسوله حرم كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف. وقال الداودي: إنما وجد.
وقوله: ("حرم") إنما قال: "حرم" ولم يقل: حرما يعني: أن الله حرم على لسان رسوله ﵇، فأخلص ذلك لله؛ لأنه إنما يقوله بأمره، وبيع الخمر حرام بالإجماع كما سلف، ولا شيء في إراقتها لذمي
стр. 8526
عندنا خلافًا لمالك (١)، ووافقنا عبد الملك، والميتة تعم جميع ما احتوت عليه من قرن ولحم ودم وعظم وجلد، لا أن الجلد إذا دبغ ينتفع به كما سلف والخنزير قد سلف حكمه، وسلف حكم شعره، والأصنام لا يصح بيعها وإن كانت من جوهر نفيس، وقال ابن التين: بيعها ما دامت مصورة ممنوع، وإذا طمست صورها جاز بيعها كانت فضة أو نحاسًا أو حجرًا، والنهي في الشحوم منصب عند أكثر العلماء إلى البيع دون الانتفاع وأجاز أبو حنيفة بيع شحوم الميتة وخالف الحديث، ونحا إليه ابن وهب وسلف، واستدل الخطابي بجواز الانتفاع بإجماعهم أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلابه، فكذلك الدهن (٢) وظاهر كلام عبد الملك منعه وأَجمله: لغة في جمله كما سلف.
стр. 8527
١١٣ - باب ثَمَنِ الكَلْبِ
٢٢٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي، مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. [٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٧٦١ - مسلم: ١٥٦٧ - فتح: ٤/ ٤٢٦]
٢٢٣٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا، [فَاَمَرَ بِمَحَاجمِهِ فَكُسِرَتْ]، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. [انظر: ٢٠٨٦ - فتح: ٤/ ٤٢٦]
ذكر فيه حديث أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ.
وحديث أَبِي جُحَيْفَةَ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ المتوشمة، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ.
وهذا الحديث سبق في باب: موكل الربا. (١).
وحديث أبي مسعود أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وللبخاري وحده عن أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن كسب الإماء، خرجه في كتاب الإجارة (٣) وفي غيره كما ستعلمه.
وفي أفراد مسلم من حديث رافع بن خديج مرفوعًا: "شر الكسب مهر
стр. 8528
البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام" (١) وفي رواية له: "ثمن الكلب خبيث، وكسب الحجام خبيث" (٢) وفي أفراده من حديث أبي الزبير: سألت جابر بن عبد الله عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك، وما في حديث أبي جحيفة (عن ثمن الدم) أي: أجرة الحجامة، فهو مكروه؛ تنزهًا عن رذائل المكاسب، وكسب الإماء والربا محرمان بالكتاب، وموكله بالسنة، ففيه الجمع بين المختلفات.
والمراد عند مالك: الكلب الذي نهي عن اقتنائه، وينقص من أجره كل يوم قيراطان، كما سلف واضحًا.
"وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ": هو أجرته، والحلوان: العطاء، ووجه النهي عنه أنه من أكل المال بالباطل. يقال: حلوته كذا، أحلوه حلوا وحلوانًا، وقال بعضهم: أصله من الحلاوة، تشبه بالشيء الحلو، يقال: حلوت فلانًا: إذا أطعمته الحلوى، كما تقول: عسلته وتمرته.
"وَمَهْرِ البَغِيِّ" يأتي الكلام عليه في الإجارة، والمراد: ما كانوا في الجاهلية يفعلونه من إكراه فتياتهم على البغاء، فكان ما يؤخذ على ذلك مهرًا لها. قال ابن التين: وضبط (البغي) بكسر الغين وتشديد الياء، ثم نقل عن أبي الحسن أنه قال: الذي نقرؤه بإسكان الغين، والذي ذكره أهل اللغة أنه بكسر الغين وتشديد الياء: الفاجرة (والأمة) (٣).
وقوله: (وَكَسْبِ الأَمَةِ): هو مهر البغي أيضًا.
كيْلٍ مَعْلُومِ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ".
هذا اَلحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وزاد: "إلى أجل معلوم (٢)، وفي لفظ: "من أسلف"، وفي لفظ "من سلم". وفي رواية للبخاري: "من أسلف في شيء" (٣).
و (ابن أبي نجيح) اسمه عبد الله بن يسار مولى الأخنس، مكي، مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة (٤).
و (أَبو المِنْهَالِ) اسمه عبد الرحمن بن مطعم، بصري، نزل (٥) مكة (٦).
وقول البخاري بعده: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا إِسْمَاعِيلُ)، محمد هو ابن سلام البيكندي، كذا بخط الدمياطي، وسبقه إليه أبو علي الجياني حيث قال: لم ينسبه أحد من الرواة، والذي عندي في هذا: أنه محمد بن سلام. وذكر أبو نصر: أن ابن سلام روى عن ابن علية (٧).
و (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ) هو أخو كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهل السهمي المكي القاص، اتفقا عليهما، وليس هو بابن كثير القارئ، وليس له في البخاري غير هذا
стр. 8532
الحديث، وذكر له مسلم حديثًا آخر في الجنائز، رواه عنه ابن جريج (١).
وأما ابن التين فقال نقلًا عن أبي الحسن القابسي وغيره: هو عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وليس لأحد فيه رواية من القراء السبعة إلا هو وابن أبي النجود في المتابعة، قال: وقوله هذا غير صحيح، وإنما هو ما تقدم (٢)، وهو أبو معبد القاري، ووقع في "المدونة": عبد الله بن أبي كثير (٣)، وغلط فيه، وصوابه: حذف أبي.
إذا عرفت ذلك فالسلم والسلف بمعنى، سمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقدمه، ويطلق أيضًا على القرض كما قاله الأزهري (٤).
قال الماوردي: والسلم لغة حجازية، والسلف لغة عراقية (٥).
قلت: قد ثبتا في الحديث كما ذكرته لك. وفي "غريب الحديث" للخطابي أن ابن عمر كان يكره أن يقال: السلم بمعنى السلف، وكان يقول: الإسلام لله، ضَنَّ بالاسم الذي هو موضوع للطاعة أن يمتهن
في غيرها، وصيانة عن أن يبذل فيما سواها (٦).
стр. 8533
وأخرجه البيهقي في "سننه" أيضًا موقوفًا على ابن عمر أنه كان يكره هذِه الكلمة: أُسلم في كذا وكذا، ويقول: لرب العالمين (١).
والسلم هو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال ابن عباس: المراد به السلم (٢)، ويحتمل كما قال الشافعي أن المراد بها: كل دين، فلا يدل على خصوصيته بالسلم (٣)، وحقيقته في الشرع: إسلام شيءٍ حاضر في غائب بلفظه، وقام الإجماع على أنه لا يجوز السلم إلا في كيل معلوم أو وزن معلوم، فيما يكال أو يوزن، وأجمعوا أنه إذا كان السلم فيما لا يكال ولا يوزن أنه لا بد فيه من عدد معلوم، وأجمعوا أنه لا بد من صفة الشيءِ المسلم فيه.
ويدخل في قوله: "كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ"؛ إذ العلم بهما يستلزمه.
وقال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في مكيل أو موزون فقط، ولا يجوز في حيوان، ولا في مذروع أو معدود، ولا في شيء غير ما ذكر، قال: وكرهت طائفة السلم، روي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان يكره السلم كله، قال: وأباح أبو حنيفة ومالك السلف في العدد والمذروع من الثياب بغير ذكر وزنه، ومنعا من السلف حالًّا، وجوزه الشافعي حالًّا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا فالحال أجوز (٤).
والحديث سيق لبيان العلم بالأجل، وأجاز السلم في كل شيء قياسًا على المكيل والموزون، قال: والأجل ساعة فما فوقها.
стр. 8534
وقال بعض الحنيفة: لا يكون أقل من نصف يوم. وقال بعضهم: لا يكون أقل من ثلاثة أيام (١).
وقال المالكيون: يكره أقل من يومين (٢).
وقال الليث: خمسة عشر يومًا (٣). قلت: ورواية ابن القاسم عن مالك: ما تتغير فيه الأسواق (٤). ورواية ابن عبد الحكم عنه: أنه لا بد فيه من الأجل وإن كان أيامًا يسيرة.
واختلف في السلم في البيض، فلم يجزه أبو حنيفة، وأجازه مالك بالعدد (٥)، وفي اللحم أجازه الشافعي ومالك، ومنعه أبو حنيفة، وكذلك السلم في الرؤوس والأكارع منعه أبو حنيفة، وأجازه مالك، واختلف فيه قول الشافعي؛ والسلم في الدر والفصوص أجازه مالك، ولم يتعرض في الحديث لموضع القبض، وليس بشرط عند مالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ولو كان شرطًا لبينه، وقال بعض الناس: لا يجوز حتى يسميه.
وقال القاضي في: "معونته": الأولى أن يسمي، فإن أطلق جاز ولزم الموضع الذي عقد فيه، وأجري لهم عرف في قبض سلمهم (٦).
стр. 8535
ونقل ابن بطال عن مالك: أنه إن لم يذكر الموضع جاز السلم، ويقبضه في المكان الذي كان فيه السلم، فإن اختلفا في الموضع فالقول قول البائع.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يجوز فيما له حمل ومؤنة إلَّا أن يشترط في تسليمه مكانًا معلومًا (١). وعند الشافعية: أنه إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم أو يصلح ولحمله مؤنة لا بد من اشتراط بيان محله وإلَّا فلا.
وقوله: (يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ العَامَ وَالعَامَيْنِ) فيه إجازة السلم فيه، وإن لم يكن ذلك الوقت موجودًا إذا وجد في وقتٍ يحل فيه السلم.
بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ (فليسلف في) (١) كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ".
وفي رواية غير الصحَيح وقال: "فليسلف في كل معلوم … " إلى آخره.
(وفي رواية) (٢): قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "فِي كَيْلٍ مَعْلُومِ .. " إلى آخره.
وحديث محمد بن أبي المجالد وساق أيضًا: مُحَمَّد، أَوْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَادِ بْنِ الهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ في السلم، فَبَعَثُونِي إِلَى ابن أَبِي أَوْفَى فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ.
وَسَاَلْتُ ابن أَبْزى، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وهو من أفراده، وقول البخاري: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ)، هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي، مات سنة سبع وعشرين ومائتين (٣)(٤).
وقوله: (حَدَّثَنَي يَحْيَى)، هو ابن موسى خت مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (٥). وعبد الله بن شداد (٦) قتل بدجيل سنة إحدى
стр. 8538
وثمانين (١)، كناني ليثي، أمه: سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس، أخوات (٢) ميمونة بنت الحارث.
وأبو بردة هو: عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم، مات سنة ثلاث ومائة، وقيل: أربع، وقيل: قبيل موسى بن طلحة، ومات موسى سنة ست ومائة.
و (ابْنِ أَبِي أَوْفَى) هو: عبد الله بن أبي أوفى علقمة، وقيل: طعمة، آخر من مات بالكوفة من الصحابة (٣)، أخو زيد بن أبي أوفى، صحابي أيضًا.
و (ابْنَ أَبْزى)، اسمه: عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، مولاهم، له صحبة.
والقائل: (سَأَلْتُ ابن أَبْزى) هو محمد بن أبي المجالد الكوفي.
إذا تقرر ذلك فالوزن لا بد منه بالإجماع فيما يوزن كما أسلفناه، وفيه السلف فيما ذكره، وهو جائز بالإجماع.
فائدة:
شرط صحة السلم قبض رأس المال في المجلس عند الثوري والكوفيين والشافعي، وعند مالك إن تأخر قبل رأس المال يومين أو ثلاثة بغير شرط جاز، كما لو كان لرجل على رجل دين جاز أن يؤخر اليوم واليومين على وجه الرفق.
أَصْحَابُ رسول الله ﷺ فِي عَهْدِه يُسْلِفُونَ فِي الحِنْطَةِ؟ وقَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِي الحِنْطَةِ وَالشَعِيرِ وَالزَّيْيب (١)، فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلُومِ. قُلْتُ: إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
وكذا قال ابن أَبْزى، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ: أَلَهُمْ حَرْث أَمْ لا؟ وفي رواية: وقال: "والزيت".
ورواه عن محمد هذا شعبة في الباب قبله.
وهنا الشيباني (٢) وهو: سليمان -كما ذكره بعد في باب: السلم إلى أجل معلوم-. بن أبي سليمان: فيروز، وقيل: خاقان مولى شيبان بن ثعلبة، مات بعد الأربعين ومائة أو قبيلها.
وأبو عمرو الشيباني منسوب إلى ذهل بن شيبان بن ثعلبة، واسمه: سعد بن إياس. ورواه وكيع، عن شعبة، به، وفيه: لا ندري عند أصحابه منه شيء أم لا.
وقول البخاري: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ): هو ابن شاهين الواسطي، مات بعد الخمسين ومائتين.
وذكر فيه أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن السلم في النخل، فقال: نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل (٣) منه وحتى يوزن، فقال رجل إلى جانبه: حتى يحزر.
стр. 8541
وهو في مسلم أيضًا (١)، وقال: سألته عن بيع النخل واعترض ابن بطال، فقال: هذا الحديث ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب الذي بعده، وغلط فيه الناسخ (٢).
قلت: لم يغلط فيه، قال ابن المنير: التحقيق أنه من هذا الباب، وقلَّ من يفهم ذلك إلا مثل البخاري، ووجهه: أن ابن عباس لما سئل عن السلم إلى من له نخل في ذلك النخل، عدَّ ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، فإذا كان السلم في النخيل لا يجوز، لم يبق في وجودها في ملك المسلَّم إليه فائدة متعلقة بالسلم، فيصير جواز السلم إلى من ليس عنده أصل، ولا يلزم سد باب السلم (٣)، وإنما كره السلم إلى من ليس عنده أصل؛ لأنه جعله من باب الغرر. وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يُسْلَم فيه أصل، إلا أنه لما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة والكيل والوزن والأجل المعلوم كان ذلك عامًّا فيمن عنده أصل، وفيمن ليس عنده، وجماعة الفقهاء يجيزونه إلى من ليس عنده أصل، وحجتهم حديث الباب، وهو نص فيه، وزعم أنه لا يجوز سلم من لا أصل له، وليس من شرطه عند مالك أن يكون المسلم فيه موجودًا- حال العقد خلافًا لأبي حنيفة وإنما من شرطه أن يكون موجودًا حال حلوله.
وفيه: من الفقه جواز السلم في العروض إلى من ليس عنده ما باع بالسلم، ولو كان عندما باع ما حلَّ البيع؛ لأنه بيع شيء معين لم يقبض إلى مدة طويلة، وهذا لا يجوز بإجماع كما قاله المهلب.
стр. 8542
وفيه: مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم، وإباحة السلم في السمن والشيرق، وما أشبه ذلك، إذ هو في معنى الزيت.
فائدة: قوله: (نبيط أهل الشام)، ويأتي: (أنباط من أنباط الشام) هم نصارى الشام الذين عمروها، قال الجوهري: نبط الماء ينبط نبوطًا (١): نبع فهو نبيط للذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، وأنبط الحفار بلغ الماء. والاستنباط: الاستخراج والنبط والنبيط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أنباط، يقال: رجل نبطي ونباطي ونباط، وحكى يعقوب: نباطي بالنون المضمومة، وقد استنبط الرجل.
فائدة ثانية: قوله: (ليحرز)، جعل الحزر وزنًا تمثيلًا له، فإن يخبر بالخرص عن مقدار، كأنه وزنه، وفائدة الخرص إذا اشتد وصلح للأكل وأمنه من العاهة أن يعلم كمية حقوق الفقراء قبل أن يأكل منه أربابه، ثم يخلى بينهم وبينه، ثم يؤخر العشر بالخرص. قال الخطابي: وقوله: (حتى يوزن) معناه: حتى يخرص (٢)، وسماه وزنًا؛ لأن الخارص يحزرها ويقدرها، فيحل ذلك محل الوزن لها. والمعنى في النهي عن بيعها قبل الخرص شيئان:
أحدهما: تحصين الأموال، وذلك أنها في الغالب لا تأمن العاهة إلا بعد الإدراك، وهو أوان الخرص.
الثاني: أنه إذا باعها قبل بدوه على القطع سقط حقوق الفقراء؛ لأن الله سبحانه أوجب إخراجها وقت الحصاد.
стр. 8543
٤ - باب السَّلَمِ فِي النَّخْلِ
٢٢٤٧ - ٢٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. [انظر: ١٤٨٦ - فتح: ٤/ ٤٣٢]
وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. [انظر: ٢٢٤٦ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣٢]
٢٢٤٩ - ٢٢٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهَى عَنِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ.
وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يُؤْكَلَ، مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وما يوزن؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حتَّى يُحرَزَ. [انظر: ٢٢٤٦ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣٢]
ذكر فيه حديث عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ عَنِ السَّلَمِ في النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ.
وَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَم فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ.
وفي رواية: سألت ابن عمر عن السلم في النخل فقال: نهى عمر عن بيع التمر حتى يصلح، ونهى عن الورق بالذهب نساء بناجز، وسألت ابن عباس (١) قال: نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يأكل
стр. 8544
أو يؤكل، وحتى يوزن. قلت: ما يوزن؟ قال رجل عنده: حتى يحزر. حديث ابن عباس سلف (١).
وعمرو هو: ابن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي، مات سنة ست عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة، وكان أعمى (٢). وأبو البخترى: سعيد بن فيروز، أو ابن جبير أو سعد قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين، وقال الهيثم: قتل يوم دحيل سنة إحدى وثمانين (٣).
إذا عرفت ذلك. فقد اختلف العلماء في هذا الباب فقال الكوفيون والثوري والأوزاعي: لا يجوز السلم إلا أن يكون المسلم فيه موجودًا في أيدي الناس من حين العقد إلى وقت حلول الأجل، فإن انقطع في شيء من ذلك لم يجز، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس على ما ذكره البخاري في الباب.
وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز السلم فيما هو معدوم من أيدي الناس، إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل في الغالب، فإن كان حينئذ ينقطع لم يجز.
احتج الأولون بأنه ﵇ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وعن بيع ما لم يخلق، وقالوا: من مات فقد حل دينه، وإن لم يوجد كان غررًا، وهو فاسد، كما قال ابن القصار؛ لأنه قد يحل الأجل ويتعذر السلم بأن يموت المسلم إليه أو يفلس، ولو وجب أن يمنع السلم
стр. 8545
لجواز ما ذكروه لوجب أن لا يجوز بيع شيء نسيئة؛ لأنه قد يطرأ على المشتري الموت والفلس قبل محل الأجل، فلا يصل صاحب الحق إلى ماله، فيكون هذا غررًا، ولكنه جائز؛ لأن الناس يدخلون في وقت العقد على رجاء السلامة، ولم يكلفوا مراعاة ما يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث.
ولو أسلم في شيء إلى شهر فإن وقت المطالبة بالمسلم فيه هو رأس الشهر، بدليل أن الشيء لو كان موجودًا قبل الشهر لم يكن له المطالبة ولا للمسلم إليه أن يجبره على مراعاة وجوده قبل المحل وحين العقد؛ لأن وجوده كعدمه، ولو كان المسلم فيه موجودًا طول السنة إلا يوم القبض فأسلم فيه إلى سنة، كان هذا السلم باطلًا بإجماع.
وإن كان موجودًا عند العقد وطول السنة؛ لأن حين المحل والقبض معدوم، فعلم بهذا الاعتبار بوجوده حين القبض لا حين العقد، والدليل على هذا أنهم كانوا يسلفون في عهده ﵇ التمر في السنة والسنتين، ومعلوم أنه إذا أسلم في التمر سنة، فإنه يتخلل الأجل زمان ينقطع فيه التمر، وهو زمن الشتاء، ثم إنه ﵇ أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم السلف في سنة وأكثر، فثبت ما قلناه.
وأما نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فهو محمول عندنا على أن بيع الثمرة عينًا لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها، وفي السلم ليس عند العقد ثمرة موجودة عند البائع تستحق اسم البيع حقيقة، وحديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مرتب على السلم، تقديره: أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها، إلا أن يكون سلمًا: لحديث ابن عباس: أنهم كانوا يسلفون في التمر السنتين
والثلاث، وذلك بيع له قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق، فإذا جاز