← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أو أنه رواه عَلَى الأمرين. لكنه لما رد عليه الرجل قَالَ: لا ترد ما لا علم لك به، كما رواه في أحدهما. أو أن ابن عمر أرشده إلى التاريخ؛ لأن فرض رمضان في الثانية والحج بعده، إما في سنة خمس أو ستٍّ أو تسع (١).

стр. 877

٣ - باب أُمُورِ الإِيمَانِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وَقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] الآية. ٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الجعفي: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". [مسلم ٣٥ - فتح ١/ ٥١] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجعفي، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاء شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: التعريف برواته. أما أبو هريرة فاختلف في اسمه واسم أبيه عَلَى أقوال كثيرة، أفرد في جزء، وأقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وهو أول من كُنَّي بهذِه الكنية؛ لهرةٍ كان يلعب بها كناه النبي ﷺ بذلك، وقيل: والده، وكان عريف أهل الصفة، أسلم عام خيبر

стр. 878

بالاتفاق وشهدها مع رسول الله ﷺ ، وسيأتي -حيث ذكره البخاري- ما يدل على أنه حضر فتحها (١). وقيل: إنه خرج معه إليها، رواه البخاري من طريق ثور (٢)، وقال موسى بن هارون: وَهِمَ ثور، إنما قدم بعد خروجه ثمَّ لزمه وواظب عليه، وحمل عنه علمًا جمَّا، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع. روي له خمسة آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا. اتفقا عَلَى ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين. روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع منهم: ابن عباس وجابر وأنس. وهو أزدي دوسي يماني ثمَّ مدني، كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة، لَهُ بها دار تصدَّق بها على مواليه. ومن الرواة عنه ابنه المحرر -بحاء مهملة ثمَّ راء مكررة- مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. ودفن بالبقيع، وتوفيت عائشة تلك السنة، وصلى عليها أبو هريرة، وتوفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ومناقبه جَمَّةٌ (٣). فائدة: ما اشتهر أن قبره بقرب عَسْقلان (٤) لا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم، هناك

стр. 879

قبر خيْشَنة بن خَنْدَرَة (١) الصحابي فاعلمه، وقد نبهت عَلَى ذَلِكَ في "شرح العمدة" (٢). فائدة ثانية: أبو هريرة من الأفراد، ليس في الصحابة من اكتنى بهذِه الكنية سواه. وفي الرواة آخر اكتنى بهذِه الكنية، يروي عن مكحول، وعنه أبو المليح الرقي لا يعرف، وآخر اسمه محمد بن فراس الضبعِيُّ روى لَهُ الترمذي، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين (٣). وفي أصحابنا الشافعية: آخر اكتنى بهذِه الكنية واسمه: ثابت بن (سنبل) (٤)، قَالَ (عبد القادر) (٥) في حقه: شيخ فاضل مناظر، ذكرته عنه في "الطبقات" (٦). وأما الراوي عنه فهو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، ووقع في شرح شيخنا أنه مولى جويرية بنت الحارث، امرأة من قيس. سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه جمع من التابعين منهم: عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضا بنوه:

стр. 880

عبد الله وسهيل وصالح، واتفقوا عَلَى توثيقه. مات بالمدينة سنة إحدى ومائة (١). فائدة: أبو صالح في الرواة جماعة سلف بيانهم في الحديث الرابع من باب: بدء الوحي. فائدة: في الصحيحين أيضًا ذكوان، أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين (٢)، وليس في الكتب الستة ذكوان غيرهما. وأما الراوي عن أبي صالح فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار، أخو عمرو بن دينار ذكره النووي في "شرحه" القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر سمع مولاه وغيره، وعنه: ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو ثقة باتفاق. مات سنة سبع وعشرين ومائة (٣). فائدة: في الرواة أيضًا عمرو بن دينار (البصري) (٤) ليس بالقوي، وليس في الكتب الستة عمرو بن دينار غيرهما.

стр. 881

وأما الراوي عن عبد الله فهو أبو محمد، ويقال: أبو أيوب سليمان ابن بلال القرشي التيمي المدني مولى آل الصديق. سمع عبد الله بن دينار وجمعًا من التابعين وعنه الأعلام: كابن المبارك وغيره. قَالَ محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقال البخاري عن هارون بن محمد: سنة سبع وسبعين ومائة (١). فائدة: ليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن بلال سوى هذا. وأما الراوي عن سليمان فهو أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العَقَدي -بفتح العين والقاف- البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه: أحمد والناس، واتفق الناس عَلَى ثقته وجلالته، مات سنة خمس، وقيل: أربع ومائتين (٢). والعقد: قوم من قيس وهم بطن من الأزد كذا في "التهذيب" (٣)

стр. 882

وتبعه النووي في "شرحه" وشيخنا أيضًا. ونقل شيخنا في "تاريخه" عن أهل النسب أن العقد بطن من بجيلة، وقيل: من قيس بالولاء. قَالَ أبو الشيخ الحافظ: إنما سموا عقدًا؛ لأنهم كانوا لئامًا. وقال الحاكم: العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وقال صاحب "العين": العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن سعد، وجمل عقدي: قوي. وأما الراوي عن أبي عامر فهو: أبو جعفر (خ ت) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان بن أخنس بن خنيس الجعفي البخاري المسنَدي -بفتح النون-. سمي بذلك؛ لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطعات. قَالَ صاحب "الإرشاد": كان يتحرى المسانيد من الأخبار (١)، وقال الحاكم أبو عبد الله: عرف بذلك؛ لأنه أول من جمع مسند الصحابة عَلَى التراجم مما وراء النهر وهو ابن عم عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان. واليمان هذا: هو مولى أحد أجداد البخاري، ولاء إسلام كما سلف أول الكتاب، سمع وكيعًا وخلقًا، وعنه الذهلي وغيره من الحفاظ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، وانفرد البخاري [به] (٢) عن أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذي عن البخاري عنه (٣).

стр. 883

فائدة: هذا الإسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فبصري، وإلا المسندي وكلهم على شرط الستة إلا المسندي كما بيناه، وفيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله بن دينار، عن أبي صالح. الوجه الثاني: هذِه الترجمة ساقها البخاري للدلالة عَلَى إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال كما أسلفناه في الحديث قبله. وأراد به الرد عَلَى قول المرجئة: إن الإيمان قول بلا عمل فلا تضر المعصية مع الإيمان، ومقابله قول الخوارج أنها تضر ويكفر بها، وغالت المعتزلة فقالت: يخلد بها فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق، والحق مذهب الأشعرية أنه مؤمن، وإن عذب فلا بد من دخول الجنة (١). الوجه الثالث: هذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله كما سلف، ورواه مسلم في الإيمان عن عبيد الله بن سعيد وعبد بن حميد، عن العقدي به، وقال فيه: "بضع وسبعون" (٢)، ورواه أيضًا، عن زهير، عن جرير، عن سهيل بن عبد الله، عن ابن دينار عنه، وقال فيه: "بضع وسبعون أو بضع وستون" (٣) عَلَى الشك.

стр. 884

الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه. الأول: البرُّ: اسم جامع للخير كله. قَالَ ابن سيده: إنه الصدق والطاعة (١). وقال الهروي: هو الاتساع في الإحسان والزيادة منه، ومنه يقال: أبر فلان عَلَى فلان بكذا أي: زاد عليه، ومنه سميت البرية؛ لاتساعها (٢). وقال السدي: في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الجنة (٣). والبر أيضًا: الصلة، وهو اسم جامع للخير كله. وفي "الجامع" و"الجمهرة": إنه ضد العقوق (٤)، وقال ابن السيد في "مثلثه": إنه الخير (٥)، وكذا ذكره ابن عديس عنه، ونقل صاحب "الواعي" عنه أنه الإكرام. وفي "الشريعة" للآجري من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذرٍّ: أن رجلًا سأله عن الإيمان، فقرأ عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية، فقال الرجل: ليس عن البر سألتُك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله كما سألتني، فقرأ عليه كما قرأتُ عليك، فأبى أن يرضى كما أبيتَ أن ترضى، فقال: "ادن مني" فدنا منه. فقال: "المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره، ويرجو ثوابها، وإن عمل سيئة تسوؤه، ويخاف عاقبتها" (٦).

стр. 885

الثاني: معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية. أي: بِرُّ من آمن (١) كذا قدره سيبويه، وقال الزجاج: ولكن ذا البر فحذف المضاف كقوله ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: ذوو درجات. والأول فيه حذف المضاف كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، وما قدره سيبويه أولى؛ لأن المنفي هو البر، فيكون هو المستدرك من جنسه. وبقية تفسير الآية محل الخوض فيها كتب التفسير، فلا نطول به، وكذا الآية التي بعدها. الثالث: قوله: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً" كذا وقع هنا في بعض الأصول "بضع" وفي أكثرها "بضعة" بالهاء، وأكثر الروايات في غير هذا الموضع: "بضع" بلا هاء، وهو الجاري عَلَى اللغة المشهورة، ورواية الهاء صحيحة أيضًا عَلَى التأويل. الرابع: البضع والبضعة -بكسر الباء عَلَى اللغة المشهورة- وبها جاء القرآن العظيم، ويجوز فتحها في لغة قليلة (٢) كما في قطعة اللحم (٣)، وهو مستعمل فيما بين الثلاثة والعشرة. هذا هو الصحيح المشهور في معناه، وفيه أقوال أخر.

стр. 886

قَالَ ابن التياني في "الموعَب" (١) عن الأصمعي: يقال: بضعة عشر في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنث، وقال قطرب: أنا الثقة عن النبي ﷺ أنه قَالَ: " ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] ما بين خمس إلى سبع" وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس. وقال الفراء: البضع: نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، كذلك رأيت العرب تفعل، ولا يقولون: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ولا يذكر إلا مع عشر أو مع العشرين إلى التسعين. وقال الزجاج (٢): معناه القطعة من العدد، ويجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع وهو الصحيح، وقال أبو عبيدة: هو ما بين الواحد إلى الأربعة (٣)، وفي "المحكم": البضع ما بين الثلاث إلى العشر وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة (٤). وقال قوم في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، يدل على أن البضع سبع؛ لأن يوسف ﵇ لبث كذلك فيه، وفي "الصحاح": لا تقول: بضع وعشرون (٥).

стр. 887

وقال المطرز في "شرحه": المختار أنه من أربعة إلى تسعة، والنيف من واحد إلى ثلاثة. وقال ابن السيد في "مثلثه": البضع بالفتح والكسر: ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة. وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة. وهو الصحيح (١). الخامس: الشعبة -بضم الشين-: القطعة والفرقة، وهي واحد الشعب، وهي: أغصان الشجرة. قَالَ ابن سيده: الشعبة: الفرقة والطائفة من الشيء (٢). وكذا قَالَ القاضي: إن أصلها الفرقة والقطعة، ومنه شعب الآباء، وشعوب القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعب القبائل: شعب -بفتح الشين وقيل بكسرها- وهم العظام، وكذا شَعب الإناء: صدعه -بالفتح أيضًا-، ومنه قوله في الحديث: فاتخذ مكان الشعب سلسلة (٣) وقال الخليل: الشعب: الاجتماع والافتراق (٤) أي: فهما ضدان. والمراد بالشعبة في الحديث: الخصلة. أي أن الإيمان ذو خصال متعددة. السادس: قوله: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً". كذا وقع هنا من طريق أبي زيد المروزي، وثبت في "صحيح مسلم" وغيره من حديث سهيل عن عبد الله بن دينار: "بضع وسبعون أو بضع وستون" (٥) كما سلف. ورواه

стр. 888

أيضًا من حديث العقدي عن سليمان: "بضع وسبعون شعبة" (١). وكذا وقع في البخاري من طريق أبي ذر الهروي، ورواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وغيرهما من رواية سهيل: "بضع وسبعون" بلا شك. ورجحها القاضي عياض (٤) وقال: إنها الصواب، وكذا رجحها الحليمي وجماعات منهم النووي (٥)؛ لأنها زيادة من ثقة فقبلت وقدمت. وليس في رواية الأقل ما يمنعها، وقال ابن الصلاح: الأشبه ترجيح الأقل؛ لأنه المتيقن والشك من سهيل، كما قاله البيهقي (٦)، وقد روي عن سهيل عن جرير: "وسبعون" من غير شك، وكذا رواية سليمان بن بلال في مسلم وفي البخاري: "بضع وستون" (٧). السابع: قد بين ﷺ أعلى هذِه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : "أعلاها لا إله إلا الله" (٨)، وفي لفظ أنه "أفضلها" (٩) وفي

стр. 889

آخر أنها "أرفعها" (١) وآخر "أقصاها"، وآخر "أعظمها" (٢). "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". ولفظ اللالكائي (٣): "العظم" (٤) بدل "الأذى" ورواه محمد بن عجلان عن ابن دينار عن أبي صالح: "الإيمان ستون بابًا أو سبعون أو بضع" (٥) واحد من العددين. ورواه قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمارة بن غزية، عن أبي صالح: "الإيمان أربع وستون بابًا" (٦). وروى المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن جدي -وكانت لَهُ صحبة- أنه ﷺ قَالَ: "الإيمان ثلاثمائة وثلاثون شريعة، من وافي الله بشريعة منها دخل الجنة" (٧).

стр. 890

وروى ابن شاهين من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن عفان عن أبي سعيد مرفوعًا: "إن بين يدي الرحمن لوحًا فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول : لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا فيه واحد منهن إلا أدخلته الجنة (١) ". ومن حديث عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن مولاه عثمان مرفوعًا: "إن لله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل الجنة" (٢). قَالَ لنا أحمد: سُئِلَ إسحاق: ماذا في الأخلاق؟ قَالَ: يكون في الإنسان حياء، يكون فيه رحمة، يكون فيه سخاء، يكون فيه تسامح، هذا من أخلاق الله تعالى. وروى أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد (٣) من حديث ابن مهدي، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن صلة، عن حذيفة: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم،

стр. 891

وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له (١). الثامن: بين ﷺ في الحديث الذي سقناه أن أَعْلَى الشعب التوحيد المتعين عَلَى كل مكلَّفٍ، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته، وأن أدناها ما يتوقع منه ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالأنبياء والملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم. وقد صنف العلماء في تعيين هذِه الشعب كتبًا كبيرة، من أغزرها فوائد، وأعظمها محلًّا: كتاب "المنهاج" لأبي عبد الله الحليمي (٢)، ثمَّ كتاب البيهقي (٣).

стр. 892

وصنف عبد الجليل القصري (١) فيه أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم القرطبي (٢) في "النصائح". وقال أبو حاتم ابن حبان (٣) -بكسر الحاء المهملة- في كتاب "وصف الإيمان وشعبه": تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد عَلَى هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها الشارع من الإيمان، فإذا هي تنقص

стр. 893

عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، وقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتابِ السنةَ وأسقطت المُعَاد، فإذا كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان بضع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبي ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنة. التاسع: الحديث ناصٌّ على إطلاق اسم الإيمان الشرعي عَلَى الأعمال وقد سلف بيان هذا. العاشر: قوله ﷺ : "وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ"، وفي رواية أخرى في "الصحيح": "الحياء من الإيمان" (١)، وفي أخرى: "الحياء لا يأتى إلا بخير" (٢)، وفي أخرى: "الحياء خير كله" (٣). فالحياء: ممدود هو الاستحياء (٤). قَالَ الواحدي (٥) عن أهل اللغة: الاستحياء من الحياء، واستحيا

стр. 894

الرجل من قوة الحياء لشدة علمه بمواقع العيب. قَالَ: فالحياء من قوة الجبن ولطفه. وقال الجنيد: حيي حياء رؤية الآلاء أي: النعم ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء (١). وإنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قوة قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثًا عَلَى أفعال الخير، ومانعًا من المعاصي، ورب حياء يمنع من الخير، ويجبن عن قول الحق وليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور، وتسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لشبهه الحقيقي، وإنما حقيقته خلق يبعث عَلَى اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحوه. فائدة: الحياء أيضًا بالمد والقصر: الفرج من إناث الخف والظلف والسباع، وخصَّ ابن الأعرابي الشاة والبقرة والظبية، وبالقصر: الخصب والمطر، وحكي المد فيها أيضًا (٢).

стр. 895

٤ - باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما -، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -وهو ابن عمرو- عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . [٦٤٨٤ - مسلم ٤٠ - فتح ١/ ٥٣]. حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -وهو ابن عمرو- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أنه يجوز في قوله: (باب: المسلم) التنوين والإضافة. وكذا نظائر هذا الباب مما هو كلام مستقل، وتكون الإضافة إلى الجملة. أحدها: التعريف برواته غير من سلف. أما عبد الله (ع) بن عمرو فهو: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نُصير -بضم النون- عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد -بضم السين وفتح العين- بن سهم بن عمرو بن هُصيص -بضم الهاء وبصادين مهملتين- بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي

стр. 896

السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي. أُمُّه: ريطة بنت منبه بن الحجاج، أسلم قبل أبيه وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان غزير العلم، مجتهدًا في العبادة، وكان أكثر حديثًا من أبي هريرة؛ لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، كما سيأتي حيث ذكره البخاري (١)، ومع ذَلِكَ فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة، روي له سبعمائة حديث، اتفقا منها عَلَى سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين. مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة بعد الستين، سنة خمس أو ثلاث أو سبع. وقيل: سنة ثلاث وسبعين عن ثنتين وسبعين سنه (٢). فائدة: في الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات أخر عدتهم ثمانية عشر نفسًا (٣).

стр. 897

وأما الشعبي هو الإمام العلامة التابعي الجليل الثقة أبو عمرو عامر (ع) بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي. والشعبي -بفتح الشين- نسبة إلى شعب: بطن من همذان، أُمُّه من سبي جلولاء (١). ولد لست سنين مضت من خلافة عمر. روى عن خلق من الصحابة منهم: عمر وسعد وسعيد، وروينا عنه أنه قَالَ: أدركت خمسمائة صحابي (٢). قال أحمد بن عبد الله (٣): ومرسله صحيح (٤). روى عنه قتادة، وخلق من التابعين، ومناقبه جَمَّةٌ وَلِي قضاء الكوفة. مات بعد المائة، إما سنة أربع، أو ثلاث، أو خمس، أو ست، ابن نَيِّفٍ وثمانين سنة (٥). فائدة: إِذَا أطلق الشعبي فالمراد به هذا الإمام، وإن كان جماعة بما وراء النهر يطلق عليهم ذَلِكَ لكنهم متأخرون جدًّا، وقد أسلفنا أن هذِه النسبة إلى شعب بطن من همذان، وكذا قَالَ ابن قتيبة: الشعبي يقال: هو من

стр. 898

حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده، ودفن به. وقال الهمداني: الشعب الأصغر: بطن، منهم عامر بن شراحيل. قَالَ: والشعب الأصغر بن شراحيل بن حسان بن الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان. وقال الجوهري: شعب: جبل باليمن وهو عَلَى شعبين نزله حسان بن عمرو الحميري وولده فنسبوا إليه، وإن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم: شعبيون منهم: عامر الشعبي، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبانيون، ومن كان منهم باليمن يقال: لهم آل ذي شعبين، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم: الأشعوب (١). وأما إسماعيل (ع) فهو: ابن أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير البجلي الأحمسي. مولاهم الكوفي، سمع خلقًا من الصحابة، منهم أنس بن مالك، وجماعة من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام. وكان عالمًا متقنًا صالحًا ثقة، وكان يسمى: الميزان، وكان طحانًا. قَالَ ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث، مات سنة خمس وأربعين ومائة (٢). وأما عبد الله (ع) بن أبي السَّفَر -بفتح السين والفاء-، وحكي إسكانها، واسم أبي السفر: سعيد بن يُحمَد -بضم الياء وفتح الميم-

стр. 899

كذا ضبطه النووي في "شرحه" (١)، وغيره ضبطه بخطه بكسرها، ويقال: أحمد الثوري الهمداني الكوفي. روى عنه شعبة وغيره، مات في خلافة مروان بن محمد. قَالَ أحمد ويحيى بن معين: ثقة، روى لَهُ الجماعة إلا الترمذي (٢). فائدة: السفر كله بإسكان الفاء في الاسم وبتحريكها في الكنية، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله السالف كما سلف. وأما شعبة (ع) فهو العلامة الحافظ أمير المؤمنين، أبو بسطام، شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي البصري مولى عبدة بن الأغر، وعبدة مولى يزيد بن المهلب من تابعي التابعين، رأى الحسن وابن سيرين، سمع أنس بن سيرين وغيره من التابعين. قَالَ الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أحمد: كان أمةً وحده في هذا الشأن. وقال أبو بحر البكراوي (٣): ما رأيت أعبد لله تعالى منه، عَبدَ حتَّى جف لحمه عَلَى عظمه.

стр. 900

مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة عن سبع وسبعين سنة، وهو أكبر من الثوري بعشر سنين، والثوري أكبر من ابن عيينة بذلك (١). فائدة: ليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره. وفي النسائي: شعبة بن دينار الكوفي (٢): صدوق، وفي [أبي] (٣) داود: شعبة بن دينار عن مولاه ابن عباس ليس بالقوى (٤). وفي الضعفاء: شعبة بن عمرو يروي عن أنس، قَالَ البخاري: أحاديثه مناكير (٥). وفي الصحابة: شعبة بن التوأم (٦) وهو من الأفراد والظاهر أنه تابعي. وأما آدم (خ ت س ق) بن أبي إياس فهو أبو الحسن آدم بن عبد الرحمن، وقيل: ناهية بن محمد. أصله من خراسان، نشأ ببغداد، وكتب عن شيوخها، ثمَّ رحل إلى الكوفة وغيرها من الأمصار، واستوطن عسقلان.

стр. 901

سمع شعبة وغيره من الأعلام، وروى عنه البخاري، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه. وكان ثقة مأمونًا متعبِّدًا. مات بعسقلان سنة عشرين ومائتين، وقيل: إحدى وعشرين عن ثمان وثمانين سنة، وقيل: عن نيف وتسعين سنة (١). ولما حضرته الوفاة ختم القرآن وهو مسجى، ثمَّ قَالَ: بحبك لي إلا ما رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك ثمَّ قَالَ: لا إله إلا الله. ثمَّ قضى (٢). قَالَ الخطيب: حدَّث عنه: بشر بن بكر التنيسي وإسحاق ابن إسماعيل الرملي، وبين وفاتيهما ثمانون، وقيل: ثلاثة وثمانون سنة (٣).

стр. 902

فائدة: ليس في هذِه الكتب آدم بن أبي إياس غير هذا، وفي مسلم، والترمذي، والنسائي: آدم بن سليمان الكوفي (١)، وفي البخاري، والنسائي آدم بن علي العجلي الكوفي أيضا (٢) فحسب. وفي الرواة آدم بن عيينة، أخو سفيان لا يحتج به (٣)، وآدم بن فائد عن عمرو بن شعيب مجهول (٤). وأما أبو معاوية (ع) فهو: محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير الكوفي التيمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم. يقال: عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان. وروى عن الأعمش وغيره، وعنه: أحمد وإسحاق وهو ثبت في الأعمش، وكان مرجئًا. مات في صفر سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة (٥).

стр. 903

فائدة: في الرواة أيضًا: أبو معاوية النخعي عمرو (١)، وأبو معاوية شيبان (٢). وأما داود بن أبي هند فهو: أحد الأعلام الثقات، بصري، واسم أبي هند دينار مولى امرأة من قشير، ويقال: مولى عبيد الله بن عامر ابن كريز، رأى أنسًا، وسمع: الشعبي وغيره من التابعين، وعنه: شعبة والقطان. لَهُ نحو مائتا حديث. وكان حافظا صوامًا دهره قانتًا لله، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة (٣). فائدة: داود هذا خرَّج له الستة -كما أعلمت له- والبخاري استشهد به هنا خاصة، وليس لَهُ في "صحيحه" ذكر إلا هنا. وأما عبد الأعلى (ع) فهو: ابن عبد الأعلى السامى القرشي البصري، من بني سامة بن لؤي بن غالب. روى عن: الجريري وغيره، وعنه: بندار وغيره. وهو ثقة قدري لكنه

стр. 904

غير داعية، كما نبه عليه ابن حبان في "ثقاته" (١)، وأطلقه صاحب "الكاشف" (٢). مات في شعبان سنة تسع وثمانين ومائة (٣). فائدة: في الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة بهذا (٤)، وفي ابن ماجه: آخر واهٍ، وآخر كذلك (٥)، وآخر صدوق (٦)، وفيه وفي النسائي آخر ثقة (٧)، وفيه

стр. 905

وفي الترمذي آخر ثقة (١)، وفي الأربعة آخر لين (٢) ضعفه أحمد، فالجملة تسعة، وفي الضعفاء سبعة. فائدة أخرى: هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة إلا آدم فليس من شرط مسلم، وأبي داود. الوجه الثاني: قوله: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) هذا من تعليقات البخاري، وقد أسلفت لك أول الكتاب حكمها في الفصول (٣). وحديث أبي معاوية أخرجه ابن حبان في "صحيحه" فقال: أنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتُسْتَر (٤)، نا محمد بن العلاء بن غريب، حَدَّثَنَا أبو معاوية، نا داود بن أبي هند، عن الشعبي قَالَ: سمعت عبد الله بن عمرو -ورب هذِه البنية- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المهاجر من هاجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٥).

стр. 906

الوجه الثالث في فقهه: بعد أن تعلم أن هذا الحديث انفرد البخاري عن مسلم بجملته فأخرجه هنا. وفي: الرقاق عن أبي نعيم، عن زكريا، عن عامر (١). وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أيُّ الإسلام خير؟ قَالَ: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف" (٢). وأخرج من حديثه أيضًا: أن رجلًا سألَ رسولَ اللهِ ﷺ : أيُّ المسملين خير؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ المسْلِونَ مِنْ لِسَانهِ وَيده" (٣). ولم يخرِّج البخاريُ هذا اللفظ ولا الذي قبله، وانفردَ مسلم بإخراجهِ من حديثِ جابرٍ رفعه: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤). فمعنى قوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" المسلم الكامل الجامع لخصال الإسلام، من لم يؤذِ مسلمًا بقوْلٍ ولا فعْلٍ، وكذلك المهاجر الكامل، فأَعْلَمَ المهاجرين أن يهجروا ما نهى الله عنه، ولا يتكلوا على هجرتهم. ويحتمل أنه قَالَ ذَلِكَ لما شق فوات الهجرة عَلَى بعضهم، فأعلمهم أن هذا هو المهاجر المطلوب الكامل. والهجر لغةً: ضد الوصل (٥). ومنه قيل للكلام القبيح: الهُجر -بضم

стр. 907

الهاء-؛ لأنه ينبغي أن يهجر. والهاجرة: وقت يهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عشيرته ووطنه. وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، وفصيحه كما يقال: المال الإبل، والناس العرب، عَلَى التفضيل لا عَلَى الحصر. وقد أورد البخاري عقبه ما بين هذا التأويل وهو قول السائل: أيُّ الإسلام أفضل؟ قَالَ: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١) ثم أورد عقبه: أيُّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام" (٢) إلى آخره، وخصَّ اليد بالذكر؛ لأن أكثر الأفعال بها، وكذا اللسان؛ لأنه يعبر به عن ما في النفس. وفي "جامع الترمذي" والنسائي من حديث أبي هريرة: "والمؤمن من أمنه الناس عَلَى دمائهم وأموالهم" (٣). وفيه: الحثُّ عَلَى ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وسِرُّ الأمر في ذَلِكَ حسن التخلق مع العالم، كما قَالَ الحسن ﵀ في تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّر (٤)، ولا يرضون الشَّرَّ. وفيه رد عَلَى المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقص (٥).

стр. 908

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] ٥ - باب أَىُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ ١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". [مسلم ٤٣ - فتح ١/ ٥٤] نَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ نا أَبِي نا أَبُو بُرْدةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن أبي بردة، وفيه: أي المسلمين أفضل؟ ثانيها: في التعريف برواته: أما أبو موسى فهو عبد الله (ع) بن قيس بن سُليم -بضم السين- بن حضار- بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة، وقيل: بكسر الحاء وتخفيف الضاد- الأشعري الصحابي الكبير استعمله ﷺ عَلَى زبيد وعدن، وساحل اليمن، واستعمله عمر عَلَى الكوفة والبصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق عَلَى معاوية.

стр. 909

لَهُ ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا منها عَلَى خمسين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. روى عنه أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وخلق من التابعين، وبنوه: أبو بردة، وأبو بكر، وإبراهيم، وموسى. مات بمكة أو بالكوفة سنة خمسين أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين، وكان من علماء الصحابة ومفتيهم، قَالَ علي في حقه: صبغ في العلم صبغة ثمَّ أخرخ منه (١). فائدة: أبو موسى في الصحابة أربعة: هذا والأنصاري (٢) والغافقي مالك بن عبادة أو ابن عبد الله (٣) وأبو موسى الحكمي (٤). وفي الرواة أبو موسى جماعة منهم في "سنن أبي داود" اثنان (٥)،

стр. 910

وآخر في "سنن النسائي" (١). وأما الراوي عنه فهو: أبو بردة عامر (ع)، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته ابن أبي موسى الكوفي التابعي الثقة الجليل، قاضي الكوفة بعد شريح، وبها مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، سمع أباه وعليًّا وغيرهما، وعنه خلق من التابعين وغيرهم، قيل: توفي هو والشعبي في جمعة واحدة (٢). فائدة: في الصحابة أبو بردة سبعة منهم: ابن نيار البلوي هانئ أو الحارث أو مالك (٣) وفي الرواة: أبو بردة الآتي بريد بن عبد الله. وأما الراوي عنه فهو أبو بردة (ع) بُريد -بضم أوله- بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الكوفي، يروي عن أبيه وجده والحسن وعطاء، وعنه: ابن المبارك وغيره من الأعلام، وثَّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالمتقن، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال

стр. 911

أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة (١). وقال ابن عدي: روى عنه الأئمة، وأدخلوه في صحاحهم وهو صدوق، وأرجو أن لا يكون به بأس. وأنكر ما روي عنه ما رواه مرفوعًا عن جده. "إذا أراد الله بأمة خيرًا، قبضر نبيها قبلها" وهذا طريق حسن، رواته ثقات (٢). قُلْتُ: أخرجه مسلم في كتاب الفضائل معلقا (٣). فائدة: ليس في الكتب الستة بريد غير هذا. وفي الأربعة: بريد بن أبي مريم مالك (٤)، وفي "مسند علي" للنسائي: بريد بن أصرم (٥) وهو مجهول، كما قَالَ البخاري. وليس في الصحابة من اسمه بريد، ويشتبه بُرَيد بأربعة أشباه وهم: يزيد، وبَرِيد، وبرند، تزيد وقد أوضحتهم في "مشتبه النسبة".

стр. 912

وأما الراوي عنه فهو: أبو أيوب يحيى (ع) بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي الكوفي، سكن بغداد، سمع الأعمش وغيره من التابعين فمن بعدهم، وعنه: أحمد والأعلام. وهو ثقة، مات في شعبان سنة أربع وتسعين ومائة، وبلغ الثمانين، وقيل: ابن أربع وسبعين (١). فائدة: في الكتب الستة يحيى بن سعيد أربعة: أحدهم هذا، وثانيهم: التيمي الكوفي (٢)، وثالثهم: القطان (٣)، ورابعهم: الأنصاري قاضي المدينة (٤)، وفي مسلم: يحيى بن سعيد بن العاص الأموي تابعي (٥)، وذكر في الصحابة وهو فرد فيهم إن صحت (٦). وفي الرواة يحيى بن سعيد العطار ضعيف (٧)، ويحيى بن سعيد

стр. 913

الفارسي قاضي شيراز ضعيف أيضًا (١)، قَالَ ابن الجوزي في "ضعفائه" بعد ذكرهما؛ وجملة من يجيء في الحديث يحيى بن سعيد ستة عشر ما عرفنا طعنًا إلا في هذين (٢) قلت: ويحيى بن سعيد الراوي عن سالم القداح، صالح الحديث له مناكير، ويحيى بن سعيد السعدي. وقيل: ابن سعد. وهَّاه ابن حبان (٣). وأما الراوي عنه فهو أبو عثمان سعيد بن يحيى البغدادي، سمع أباه وغيره، وعنه الأعلام: أبو زرعة وغيره، وروى لَهُ الجماعة إلا ابن ماجه، مات في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين. وثقوه، وقال علي بن المديني: هو أثبت من أبيه، وقال صالح بن محمد: هو ثقة إلا أنه كان يغلط (٤). فائدة: في الرواة أيضًا سعيد بن يحيى الواسطي. روى له مسلم وابن

стр. 914

ماجه (١)، وسعيد بن يحيى الكوفي روى له البخاري، والنسائي، وابن ماجه (٢) وسعيد بن يحيى الحميري روى لَهُ البخاري والترمذي (٣). الوجه الثالث: معنى (أيُّ الإسلام أفضل؟): أيُّ خصاله، وجاء في هذا الحديث أنه: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" وفي الحديث الآتي: أيُّ الإسلام خير؟ قَالَ: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام" .. إلى آخره. والجمع بينهما أنه بحسب اختلاف حال السائل، فظهر من أحدهما قلة المراعاة لليد واللسان. ومن الآخر كبر وإمساك عن الإطعام، أو تخوف ﷺ عليهما ذَلِكَ، أو الحاجة في وقت سؤال كل واحد منهما أمس بما أجاب به. قَالَ الخطابي: فجعل أعلاها الإطعام الذي هو قوام الأبدان، ثمَّ جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص بمن عرفه حتَّى يكون خالصًا لله تعالى بريئًا من حظ النفس والتصنع؛ لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع (٤)، وقد روي في حديث: أن السلام في آخر الزمان يكون للمعرفة (٥) وإنما أجاب عليه

стр. 915

- ﷺ بالذات، والسؤال عن المعنى وهو خصال الإسلام؛ لأن المقصود السؤال عن الذات التي تشرف بالمعنى.
следующие страницы →