قال مالك: مَن سرق مِن الغنيمة قُطِع، أو زنى يُحَدُّ. فقيل: له فيها نصيب. فقال: كم عسى نصيبه من ذلك (١)! فعلى هذا إن قبل الغانمون لا يحد ويعتق ولا يقطع، وقيل: الغنيمة لا تملك إلا بالقسمة، فلذلك لم يعتق عليه، وأما العم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يعتق عليه (٢) خلافًا لابن وهب (٣).
وقال سحنون: إن كان فيها من يعتق عليه أعتق نصيبه وغرم ما سواه وإذا أولد الجارية لم يحد؛ للشركة التي له فرأى أنه ملك بنفس الغنيمة وأشهب يقول: لا يحد ولا يقطع وإن سرق فوق سهمه أقل من ثلاثة دراهم، واختلف: هل يراعي حقه من جميع الغنيمة أو من المسروق خاصة؟
وقول الأنصار: (ائذن لنا فلنترك لابن أُختنا عباس فداءه) كان العباس جدته من بني النجار، تزوجها هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد المطلب وقال الكلبي: اسمها سلمى (٤).
стр. 9382
واختلف في علة منعه إياهم من ذلك، فقيل: لأنه كان مشركًا، ولذلك عطف عليه رسول الله ﷺ لما أسلم وأعطاه من المغانم ما جبر به صدعه، وقيل: منعهم خشية أن يقع في قلوب بعض المسلمين شيء، كما منع الأنصار أن يبارزوا عتبة وشيبة والوليد وأمر قرناءهم عليًّا وحمزة وعبيدة أن يبارزوهم؛ لئلا يبارزهم الأنصار، فيصابوا فيقع في نفس بعضهم شيء.
وقيل: كان العباس أسر يوم بدر مع قريش ففاداهم رسول الله ﷺ ، فأراد الأنصار أن يتركوا له فداءه إكرامًا لرسول الله ﷺ ، ثم لقرابتهم منه، فلم يأذن لهم في ذلك ولا في أن يحابوه في ذلك، وكان العباس ذا مال فاستوفيت منه الفدية وصرفت مصرفها من حقوق الغانمين.
وفي هذِه القصة في أُسار العباس وعقيل معه دلالة على أن الأخ لا يعتق على أخيه إذا ملكه كما يعتق عليه أصوله وفروعه، وكان لعليٍّ جزء في الغنيمة، فلم يعتق عليه عقيل، كما سلف. والسبي يوجب
الرق في الصغير والكبير.
قال المهلب: أسر العباس وعقيل مع من أسر يوم بدر، فأخذ ﵇ رأي الصديق في استحيائهم وكره استعبادهم وأباح لهم أن يفادوا أنفسهم بالمال من ذلة العبودية، فقطع كل واحد على نفسه بعدد من المال وقطع العباس بفدائه وفداء ابن أخيه عقيل، فأراد الأنصار أن يتركوا فداء العباس؛ إكرامًا لرسول الله ﷺ لمكان عمومته وللرحم التي بينهم في الخئولة فقال لهم: "لا تَدَعُون منه درهمًا" أراد أن يوهنهم بالغرم ويضعفهم، وسيأتي في الجهاد في باب فداء المشركين (١).
стр. 9383
وإنما ذكر البخاري هذا هنا؛ لأنه استنبط منه أن العم وابن العم لا يعتقان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأن الشارع قد ملك من عمه العباس ومن ابن عمه عقيل بالغنيمة التي له فيها نصيب، وكذلك ملك علي منها المشركين في ذلك الوقت بنصيبه من الغنيمة ولم يعتقا عليه.
وهذا حجة على من قال من السلف: إن من ملك ذا رحم محرم أنه يعتق عليه، وهو قول الكوفيين.
وفيه حجة للشافعي في قوله: إنه لا يعتق الأخ على من ملكه؛ لأن عقيلًا كان أخا علي، فلم يعتق عليه بما ملك من نصيبه منه.
وقد اختلف العلماء فيمن يعتق على الرجل إذا ملكه، فذهب مالك أنه لا يعتق عليه إلا أهل الفرائض في كتاب الله تعالى، وهم الولد ذكرًا كان أو أنثى، وولد الولد وإن سفلوا، وأبوه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم وإن بعدوا، وإخوته لأبوين أو لأب أو لأم (١)، وبه قال الشافعي، إلا في الإخوة فإنهم لا يعتقون على ما سلف في الباب.
وقال الكوفيون: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه (٢)، وروي ذلك عن عمر (٣) وابن مسعود، وعن عطاء والشعبي والحسن والحكم والزهري (٤). وحجتهم ما رواه ضمرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا؟ "من ملك ذا رحم محرم، فهو حر" (٥)(١) انظر: "المدونة" ٢/ ٣٨٥.
(٢) انظر: "الهداية" ٢/ ٣٣٥.
(٣) رواه النسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧٣ (٤٩٠٣).
(٤) انظر: "الإشراف على مذاهب أهل العلم" ٣/ ١٨١.
(٥) رواه ابن ماجه (٢٥٢٥)، والنسائي في "الكبرى" ٣/ ١٧٣ (٤٨٩٧)، وضعفه.
стр. 9384
ورواه الحسن عن سمرة مرفوعًا (١).
وقال ابن المنذر: قد تكلم الناس في هذين الحديثين، فقالوا: لم يرو حديث ابن عمر عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن عن سمرة، وقد تكلم الناس فيهما وليس منهما ثابت (٢). والحجة لمالك أنه لا يجوز ملك الأخ، وأنه يعتق على من ملكه قوله تعالى حكايته عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]، وكما لا يجوز أن يسترق نفسه، كذلك لا يجوز أن يسترق أخاه. وحجة الجميع في أنه لا يجوز ملك الأبوين قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] واسترقاقهما أعظم من قول: أف والأجداد داخلون في اسم الآباء، ولم يجز ملك الولد لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (٣)، فلا يجوز أن يستعبد الابن بهذا النص.
وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه" وفي رواية: "ولد والده" (٤).
стр. 9385
١٢ - باب عِتْقِ المُشْرِكِ
٢٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا، يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ". [انظر: ١٤٣٦ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٥/ ١٦٩]
ذكر حديث هشام: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ على مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا يَعْنِي أَتَبَرَّرُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ الخير" (١).
الشرح:
هذا الحديث سلف بعضه في الزكاة (٢)، لا خلاف أن عتق المشرك على وجه التطوع جائز لهذا الحديث (٣)، حيث جعل عتق المائة رقبة في الجاهلية من أفعال الخير المجازى بها عند الله، المتقرب بها إليه، ودل ذلك على أن مسلمًا لو أعتق كافرًا لكان مأجورًا على عتقه؛ لأن حكيمًا إنما جعل له الأجر على ما فعل في جاهليته بالإِسلام الذي صار إليه،
стр. 9386
فلم يكن المسلم الذي فعل مثل فعله في الإسلام دون حال حكيم، بل هو أولى بالأجر.
واختلف في عتق المشرك في كفارة اليمين والظهار، فأجازه قوم وقالوا: لما أطلق اللفظ في عتق رقبة الظهار وكفارة اليمين، ولم يشترط فيها الإيمان جاز في ذلك المشرك، ومنع ذلك آخرون، وقالوا: لا يجوز في شيء من الكفارات إلا عتق رقبة مؤمنة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فقيد: الرقبة بالإيمان.
قالوا: فوجب حمل المطلق على المقيد إذا كان في معناه، وهذا في معناه؛ لأن الكفارة تجمع ذلك واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى أمر بالإشهاد عند التبايع، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قيد ذلك بالعدالة في موضع آخر بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يجز من الشهداء إلا العدول، فوجب حمل المطلق على المقيد (١).
ثالثها:
حديث أبي سعيد: خَرَجْنَا مَعَ النَّبي ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فذكر حديث العزل.
رابعها:
حديث أبي هريرة قال: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيم. وفي لفظٍ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمِ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ، يَقُولُ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِيَ عَلَى الدَّجَّالِ". قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "هذِه صَدَقَاتُ قَوْمِنَا". وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَال: "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".
الشرح:
اختلف المفسرون في معنى هذِه الآية، فقال مجاهد والضحاك: هذا المثل لله تعالى ومن عُبِدَ دونه (١). وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر، يذهب إلى أن العبد المملوك هو الكافر؛ لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المؤمن فَحسن الأول؛ لأنه وقع بين كلامين لا نعلم بين أهل التفسير خلافًا فيه إلا من شذ منهم أنهما لله تعالى وهما: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ وبعده ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (٢) [النحل: ٧٦].
وقد تأول بعض الناس هذِه الآية على أن العبد لا يملك شيئًا، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك قريبًا.
стр. 9390
وأتى البخاري بأحاديث أتى فيها بقبائل سماها من العرب (١)، وفي التبويب: من ملك من العرب رقيقا، وروى في موضع آخر أنه ﷺ قال: "سبعة موالي ليس لهم مولى إلا الله قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار" (٢) فهؤلاء ليس لأحد عليهم ولاء، ولذلك قال لأسارى بدر طلقاء وسمي غيرهم عتقاء؛ لأنهم لم يجر عليهم ملك ولا عتق ومن سوى هؤلاء يجري عليهم الرق ويكون الولاء لمعتقهم، ذكره الداودي.
وقال ابن بطال في هذِه الآثار: إنه ﷺ سبى العرب واسترقهم من هوازن وبني المصطلق وغيرهم.
وقال ﵇ لعائشة في السبية التميمية: " [اعتقيها] (٣) فإنها من ولد إسماعيل".
فصحَّ بهذا كله جواز استرقاق العرب وتملكهم كسائر فرق العجم، وقام الإجماع على أن من وطئ أمة بملك يمينه أن ولده منها أحرار عربية كانت أو عجمية (٤).
واختلفوا إذا تزوج العربي أمة، هل يكون ولده منها رقيقًا تبعًا لها أم لا؟
فقال مالك والكوفيون والليث والشافعي: الولد مملوك لسيد الأمة تَبَع لها. وحجتهم أحاديث الباب في سبى العرب واسترقاقهم.
стр. 9391
وقال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وإسحاق: يلزم سيد الأمة أن يقومه على أبيه، ويلزم (أباه) (١) أداء القيمة إليه ولا يسترق (٢)، وهو قول سعيد بن المسيب (٣) واحتجوا بما روي عن عمر أنه قال لابن عباس: لا يسترق ولد عربي من أمةٍ (٤).
وقال الليث: أما ما روي عن عمر من فداء ولد العرب من الولائد (٥) إنما كان من أولاد الجاهلية، وفيما أقر به الرجل من نكاح الإماء، فأما اليوم فمن تزوج أمة وهو يعلم أنها أمة فولده عبد [لسيدها] (٦) عربيًّا كان أو قرشيًّا أو غيره (٧).
ومن حجة من جعلهم رقيقًا أنه ﵇ لما سوى بين العرب والعجم في الدماء، فقال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" وأجمع العلماء على القول به، وَجَبَ إذا اختلفوا فيما دون الدماء أن يكون حكم ذلك حكم الدماء (٨).
стр. 9392
وقوله لعائشة: "أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل" يدل على جواز تملك العرب إلا أن عتقهم أفضل لمراعاة الرحم التي تجمعهم.
وكذلك فعل عمر في خلافته بمن ملك رقيقًا من العرب الذين ارتدوا في خلافة الصديق وقال: إن الله قد أوسع عليكم في سبي أهل الكتاب من غير العرب، وإن من العار أن يملك الرجل بنت ابن عمه، فأجابوه إلى ما حض عليه وهذا كله على وجه الندب لا على أنه لا يجوز تملكهم (١).
وقال ابن التين: أجل مذهب مالك أن الولاء لمن أعتق سواء كان عربيًّا أو غيره. وقيل: إن كان من العرب فلا، والذي قاله أشهب نعم. وهو ما في كتاب ابن حبيب.
تنبيهات:
أحدها: في حديث سبي هوازن وبني المصطلق، وقول أبي سعيد: (اشتهينا) دليل على أن الصحابة أطبقوا على وطء ما وقع في سهامهم من السبي، وهذا لا يكون إلا بعد الاستبراء بإجماع من العلماء، وهذا يدل على أن السباء يقطع العصمة بين الزوجين الكافرين.
واختلف السلف في حكم وطء الوثنيات والمجوسيات إذا سبين، فأجازه سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد، وحجتهم أنه ﵇ أباح وطء سبايا العرب إذا حاضت الحائض أو وضعت الحامل منهن، وهذا القول شذوذ عند العلماء لم يلتفت أحد إليه.
واتفق أئمة الفتوى بالأمصار وعامة العلماء على أنه لا يجوز وطء الوثنيات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]
стр. 9393
وإنما أباح الله تعالى وطء نساء أهل الكتاب خاصة بقوله: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١).
وإنما أطلق أصحابه على وطء سبايا العرب بعد إسلامهن؛ لأن سبي هوازن كان سنة ثمان وسبي بني المصطلق سنة ست، وسورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، فقد علموا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وتقرر عندهم أنه لا يجوز وطء الوثنيات البتة حتى يسلمن.
وروى عبد الرزاق، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا يونس بن عبيد أنه سمع الحسن يقول: كنا نغزو مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا أصاب أحدهم جارية من الفيء فأراد أن يصيبها أمرها فاغتسلت، ثم علمها الإسلام وأمرها بالصلاة واستبرأها بحيضة، ثم أصابها (٢).
قال: وسمعت الثوري يقول: أما السنة فلا يقع عليها حتى تصلي إذا استبرأها (٣).
وعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] يقتضي تحريم وطء المجوسيات بالتزويج وبملك اليمين، ألا ترى أنه ﵇ سن أن تؤخذ الجزية من المجوس على أن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وعلى هذا أئمة الفتوى وعامة العلماء.
ثانيها: قولهم: (وأحببثا الفداء وأردنا أن نعزل) استدل به جماعة على منع بيع أمهات الأولاد وقالوا: معلوم أن الحبل منهن يمنع
стр. 9394
الفداء ويذهب بالثمن، والعلماء مجمعون على أنه لا يجوز بيعها وهي حامل، فإذا وضعت فهي على الأصل الذي اتفقوا عليه في منع البيع، ولا يجوز الانتقال عنه إلا باتفاق آخر، وأئمة الفتوى بالأمصار متفقون على أنه لا يجوز بيع أم الولد (١)، وإنما خالف ذلك أهل الظاهر وبشر المريسي وهو شذوذ لا يلتفت إليه (٢).
وقد أسلفنا حديث ابن عباس في مارية "أعتقها ولدها" (٣). وحديث عمرو بن الحارث: ما ترك النبي ﷺ أمة (٤).
وأورده ابن بطال من حديث عائشة: ما خلَّف النبي ﷺ عبدًا ولا أمة، وقد كان خلَّف مارية، فعلم أنها عتقت بموته ولم تكن أمة، وقد قال ﵇: "لا نورث ما تركنا صدقة" ولم ينقل أن مارية كانت صدقة، فعلم أنها عتقت بموته ولم تكن مما تركه (٥)، وقد أسلفنا ذلك مبسوطًا.
ثالثها: قوله: "ما عليكم أن لا تفعلوا"، احتج به من أباح العزل ومن كرهه. واختلف السلف في ذلك قديمًا، وإباحته أظهر في الحديث، وهو حاصل مذهبنا حرة كانت أو أمة مع الإذن ودونه (٦).
وروى مالك عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس أنهم كانوا يعزلون (٧)، وروي ذلك أيضًا عن ابن مسعود
стр. 9395
وجابر (١)، وذكر مالك أيضًا عن ابن عمر أنه كره العزل (٢)، وروي كراهته عن عمر وعثمان (٣)، وقد روي عن علي القولان جميعًا (٤).
واحتج من كره العزل بأنه: "الوأد الخفي" كما روته عائشة (عن) (٥) جذامة (م. الأربعة) بنت وهب الأسدية (٦).
واتفق أئمة الفتوى على جواز العزل عن الحرة إذا أذنت فيه لزوجها (٧)، واختلفوا في الأمة المزوجة. فقال مالك وأبو حنيفة: الإذن في ذلك لمولاها (٨). وقال أبو يوسف: الإذن في ذلك إليها (٩). وقال الشافعي: يعزل عنها دون إذنها ودون إذن مولاها (١٠).
واحتج من أباحه بما روي عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار. قال: تذاكر أصحاب النبي ﷺ عند عمر العزل فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
стр. 9396
الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخر الآية (١).
وروى سفيان عن الأعمش، عن أبي الودّاك، عن ابن عباس أنه سئل عن العزل، فذكر مثل كلام علي سواء (٢).
قال الطحاوي: فهذا علي وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا ووافقهما عمر ومن كان بحضرتهم من الصحابة، فدل على أنه غير مكروه (٣).
قال: وقوله: "ما عليكم أن لا تفعلوا" إلى آخر الحديث يدل على أنه غير مكروه؛ لأنه لما أخبروه أنهم يفعلون ذلك لم ينكره عليهم ولا نهاهم عنه.
وقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا" فإنما هو القدر، فإن الله تعالى إذا قدّر تَكَوّن الولد لم يمنعه عزل ووصل الله من الماء إلى الرحم شيئًا وإنْ قَلّ يكون منه الولد وإن لم يقدر كونه لم يكن بالإفضاء، فأعلمهم أن الإفضاء لا يكون منه ولد إلا بالقدرة وأن العزل لا يمنع الولد إذا سبق في علم الله أنه كائن.
وقال ابن مسعود: لو أن النطفة التي أخذ الله ميثاقها كانت في صخرة لنفخ فيها الروح (٤)، وروي أيضًا مرفوعًا (٥).
стр. 9397
رابعها: في قوله: "إلا وهي كائنة" إثبات قدم العلم، فإن العباد يجرون في قدر الله وعلمه والقدر: هو سر الله وعلمه لا يدرك بحجة ولا بجدال وأنه لا يكون في ملكه إلا بما شاء ولا يقوم شيء إلا بإذنه
له الخلق والأمر.
خامسها: قول أبي هريرة: (مازلت أحب بني تميم) لأنهم: "أشد أمتي على الدجال"، وقد روي عنهم أنهم كانوا يختارون ما يخرجون من الصدقات من أفضل ما عندهم، فأعجب رسول الله ﷺ بفراهيتها، فقال هذا المعنى على معنى المبالغة في نصحهم لله ولرسوله في جودة الاختيار للصدقة، وبنو تميم يلقون رسول الله في مدركة بن إلياس (١) بن مضر، وكان لهم شرف في الجاهلية والإسلام منهم: قيس بن عاصم المنقري (خ، د، ت، س) قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم أتى يومًا وأنا عنده، قيل له: إن ابن أخيك قتل ابنك. قال: عصى ربه وقطع رحمه وفت عضده، ثم قال: جهزوه وما حل حبوته.
سادسها: معنى (وهم غارون): على غرة، بتشديد الراء وضمها. قال ابن فارس: الغرارة كالغفلة. قال الكسائي: من الإنسان الغر يغر غرارة، ومن الغار وهو القائل أغررت. وقال الفارسي: كذا في بعض
النسخ، وأنا أظن أن ذلك: وهم غادون بدال مهملة مخففة.
قال الداودي على رواية وهم غارون: يعني أنهم خرجوا لقتال المسلمين وكانوا قد خرجوا بالنساء والذراري؛ لئلا يعرفوا، فكان
стр. 9398
أقل لحدهم وأضعف لقوتهم، فخالفهم المسلمون إلى الأموال، ثم قوتلوا فغلبوا.
سابعها: قوله: (وأصاب يومئذ جويرية) يعني: بنت الحارث، أسلفنا أن غزوة بني المصطلق (١) سنة ست وهي على ست مراحل أو سبع من المدينة مما يلي مكة، وجاءت جويرية تستعينه في كتابتها. قالت عائشة: فلما رأيتها كرهت مكانها وعلمت أني ألقى منها ما لقيت، وكانت إملاحة ذات حدقتين، فقال لها النبي ﷺ : "هل لك أن أشتريك فأعتقك وأتزوجك". قالت: ذاك إليك. فاشتراها وأعتقها وتزوجها، فبلغ الناس ذلك، فقالوا: أصهار رسول الله ﷺ وأطلقوا ما كان بأيديهم من السبي، فما رأيت امرأة أيمن على قومها منها، قاله الداودي.
وقال الشيخ أبو محمد: سباها وأعتقها وتزوجها، وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة فوهبهم لها ليلة دخل بها.
стр. 9399
١٤ - باب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا
٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ". [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ٥/ ١٧٣]
ذكر فيه حديث أبي موسى السالف في العلم، في باب تعليم الرجل أمته أو أهله مطولًا (١).
وفيه: أجر التأديب والتعليم، وأجر التزوج لله تعالى، وأن الله تعالى قد ضاعف له أجره بالنكاح والتعليم وجعله كمثل أجر المعتق.
وفيه: الحض على العتق، وعلى نكاح المعتق وعلى التواضع وترك الغلو في أمر الدنيا، وأخذ القصد والبلغة منها، وأن من تواضع لله في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشرف والحسب والمال، فإن ذلك مما يرجى عليه جزيل الأجر وجسيم الثواب.
وقوله: "له أجران" أي: أجر الإحسان وأجر العتق، وروى البزار في "مسنده" عن ابن عمر: لما نزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إلى من جارية رومية فأعتقتها، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها (٢).
стр. 9400
وجمع بعض العلماء بينه وبين حديث عمر: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم (١). على من لا يرغب في نكاحها لكون فعله امتثالًا للحديث؛ لأن عادة العرب الرغبة عن تزويج المعتقة.
وحمل الحديث الآخر على أن المعتق هو الراغب، فيكون كغيره، فيكره له حينئذ النكاح، ويحتمل أن يفرق بينهما؛ لأن النكاح ليس يراجع في عتقه، وإنما يملك الآن منفعة الوطء.
وقد أجاز مالك وأكثر أصحابه الرجوع في المنافع إذا تصدق بها وشراءها والحجة لهم، حديث العرايا، فكيف إن تصدق بالرقبة؟! فإنه يجوز شراء منفعتها، بل هو أولى من الصدقة بالمنفعة، والذي منع من الرجوع في المنافع إذا تصدق بها ابن الماجشون وحده كما حكاه ابن التين.
стр. 9401
١٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ".
وَقَوْلِهِ : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. ذِي القُرْبَى: القَرِيبُ، وَالجُنُبُ: الغَرِيبُ، الجَارُ الجُنُبُ يَعْنِي: الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ.
٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ المَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ ﵁ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ". [انظر: ٣٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح: ٥/ ١٧٣]
ثم ساق حديث أبي ذر السالف في الإيمان، في باب المعاصي من أمر الجاهلية (١)، وساق الآية لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] والتقدير: وصاكم بالوالدين إحسانًا أي: أحسنوا للوالدين إحسانًا وبكل من ذكر عطفه عليهم، وما ذكره في ذي القربى هو كذلك، وما ذكره في الجنب هو قول ابن عباس: والصاحب بالجنب هو المرأة (٢)، قاله علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٣).
стр. 9402
وقال عكرمة والضحاك: هو الرفيق في السفر، وابن السبيل هو الضيف، والمختال ذو الخيلاء، ولما كان من الناس من يتكبر على أقربائه أعلم الرب ﷻ أنه لا يحب من كان كذا.
وقوله: (إني ساببتُ رجلًا) قيل: هو بلال.
وقوله: ("إخوانكم خَوَلُكُمْ") أي: حشمكم وخدمكم، والمراد: أخوة الإسلام والنسب؛ لأن الناس كلهم بنو آدم. وقوله: ("تحت يده") أي: ملكه، وإن كان العبد محترفًا فلا وجوب على السيد. وقوله: ("فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس") هو أمر ندب. وقيل لمالك: أيأكل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه، ويلبس ثيابًا لا يكسوهم؟ قال: أراه من ذلك في سعة. قيل له: فحديث أبي ذر؟
قال: كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت (١).
وقوله: ("ولا تكلفوهم ما يغلبهم")، هو أمر واجب، وكان عمر بن الخطاب يأتي الحوائط فمن رآه من العبيد كلف ما لا يطيق وضع عنه، ومن أقل رزقه زاده منه. قال مالك: وكذلك كان يفعل فيمن يعمل بالأجر ولا يطيقه، وروي أنه ﷺ قال: "أوصيكم بالضعيفين: المرأة والمملوك" (٢)، وأمر ﵇ موالي أبي طيبة أن يخففوا عنه من خراجه (٣)، وقد قررنا أن التسوية في المطعم والملبس استحباب وهو ما عليه العلماء، فلو كان سيده يأكل الفائق ويلبس الغالي، فلا يجب عليه مساواة مملوكه
стр. 9403
وما أحسن تعليل مالك ﵁ أنه كان ليس لهم هذا القوت، يشير إلى أن ما ذكرناه لم يكن لأحد من الصحابة الذين خاطبهم بما خاطبهم به بأكل مثلها، إنما كان الغالب من قوتهم التمر والشعير، وقد صح أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلًا متطوعًا" (١).
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لو أن رجلًا عمل لنفسه خبيصًا، فأكله دون خادمه ما كان بذلك بأس (٢)، وكان يرى أنه إذا أطعم خادمه من الخبز الذي يأكل منه فقد أطعمه مما يأكل منه؛ لأن (من) عند العرب للتبعيض، ولو قال: أطعموهم من كل ما تأكلون لعم الخبيص وغيره، وكذا في اللباس.
وقوله: ("ولا تكلفوهم ما يغلبهم") هو كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولما لم يكلفنا الله فوق طاقتنا ونحن عبيده وجب أن نمتثل لحكمه وطريقته في عبيدنا.
وقوله: ("فإن جلفتموهم فأعينوهم")، فيه جواز تكليف ما فيه مشقة، فإن كانت غالبة وجب العون عليها، وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: "لا تستخدموا رقيقكم بالليل، فإن النهار
لكم والليل لهم" (٣).
стр. 9404
وروى معمر عن أيوب، عن أبي قلابة يرفعه إلى سليمان أن رجلًا أتاه وهو يعجن فقال: أين الخادم؟ قال: أرسلته في حاجة فلم لكن لنجمع عليه ثنتين، أن نرسله ولا نكفيه عمله (١).
وفيه: الوصاة من الشارع بما ملكت أيماننا، وهو آخر ما أوصى به عند موته؛ لأن الله تعالى وصى بهم في كتابه، وفيه أنه لا حدّ على من قذف عبدًا ولا عقوبة ولا تعزير، وقد قال بعض العلماء: أرى إذا كان العبد صالحًا أن يعاقب القاذف له والمؤذي.
جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا" الحديث، كما سلف قريبًا، وزيادة: "وأيما عبد أدى حق الله وحق مواليه فله أجران" وسلف في العلم (١).
وحديث أبي هريرة: قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ (٢) أَجْرَانِ" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ.
وحديثه أيضًا: "نِعْمَ مَا لأَحَدِهِمْ، يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ".
الشرح:
وقع في كتاب ابن بطال عزو حديث أبي هريرة الأول لأبي موسى، وهو غلط، فإنه أسقط حديث أبي موسى وركبه على حديث أبي هريرة (٣). ولما كان للعبد في عبادة ربه أجر كان له في طاعة سيده ونصحه له أجر أيضًا، لكن لا بالتساوي؛ لأن طاعة الرب أوجب من طاعة السيد. وفيه: حض المملوك على نصح سيده؛ لأنه راع في ماله وهو مسئول عما استرعى، فبان أن أثر نصحه طاعة الله وهذا يبين فضل أجره في طاعة ربه على طاعة سيده.
وقوله: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد .. إلى آخره)، هو من قول أبي هريرة، كما نبه عليه الداودي وغيره (٤)، وفيه دليل أنه لا جهاد على عبد إلا أن يتعين ولا حج؛ لأنه غير مستطيع السبيل، وأما بر الوالدين
стр. 9407
فيلزم العبد منه من خفض الجناح ولين القول والتذلل ما يلزم المسلمين، وأما السعي عليهما بالنفقة والكسوة فلا يلزمه؛ لأن نفقته وكسوته على مولاه وكسبه لمولاه ولا تصرف له في شيء إلا بإذنه.
وقوله: ("نِعْمَ مَا لأحدهم") أي: نعم العمل، ووقع في نسخة الشيخ أبي الحسن نعمَّ ما بتشديد الميم الأولى (١). قال ابن التين: ولا أعلم له وجهًا، وإنما صوابه نعمَّا لأحدهم بالتشديد، إذا وصلت تدغم مثل: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.
وقوله: ("له أجران في العبد والأمة") يعني: بتضعيفهما، قاله ابن التين، ثم قال: وقيل: معناه: له أجره مرتين على كل واحد من هذين الغرضين؛ لأنه زاد لربه إحسانًا ولسيده نصحًا فكان له أجر الواجبين وأجر الزيادة عليهما؛ لأن الدليل قد علم من غير هذا أنه على كل واحد أجر، فحمل على فائدة جديدة. وقال: والظاهر من الأخبار خلاف هذا، وأن الشارع إنما بين ذلك لئلا يظن ظان أنه غير مأجور على العبودية، ويدل على ذلك قوله: "أيما عبد أدى" إلى آخره، والنصح واجب عليه لسيده وليس هو زيادة على الواجب.
وقوله: (الأحببت أن أموت وأنا مملوك)، على هذا المعنى امتحان الله أنبياءه وأولياءه، ابتلى يوسف بالرق، ودانيال حين سباه بختنصر في جملة بني إسرائيل، وكذا ما روي أن الخضر وقع في الرق حين سأله سائل بوجه الله فلم يكن عنده ما يعطيه، فقال له: سألتني بوجه الله ولا أملك إلا رقبتي فبعني واستنفق ثمني أو كما قال.
وحديث نافع عن عبد الله: "كلكم راع ومسئول عن رعيته" بطوله وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد: "إذا زنت الأمة فاجلدوها" وقد سلف.
الشرح:
التطاول على الرقيق مكروه؛ لأن الكل عبيد الله، وهو لطيف بعباده، رفيق بهم، فينبغي للسادة امتثال ذلك في عبيدهم ومن مَلَّكهم الله إياهم، وواجب عليهم حسن الملك ولين الحديث، كما يجب على العبيد حسن الطاعة والنصح لساداتهم والانقياد لهم وترك مخالفتهم، وقد جاء في الحديث "الله الله وما ملكت أيمانكم، فلو شاء الله لملكهم إياكم" وإنما منع "أطعم ربك" إلى آخره؛ لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لخالقه، فُكِرَه له المضاهاة بالاسم؛ لئلا يكون في معنى الشرك، والحر والعبد في ذلك سواء، بخلاف ما لا يعبد عليه من سائر الجمادات والحيوان، فيقال: رب الدابة والثوب ولم يمنع العبد أن يقول: سيدي ومولاي؛ لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة على من تحت يده والسياسة له وحسن التدبير، ولذلك سمي الزوج سيدًا، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى البَابِ﴾ [يوسف: ٢٥].
وقد قيل لمالك: هل كَرِهَ أحد بالمدينة قوله لسيده: يا سيدي؟ قال: لا. واحتج بهذِه الآية وبقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قيل له: يقولون: السيد هو الله. فقال أين هو في كتاب الله تعالى؟ وإنما في القرآن ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (١) [نوح: ٢٨]، قيل: أتكره أن ندعو يا سيدي؟ قال: ما في القرآن أحب إلى ودعاء الأنبياء. وقال بعض أهل اللغة إنما سمي السيد؛ لأنه
стр. 9411
يملك السواد الأعظم (١)، وقد قال ﵇ في الحسن: "إن ابني هذا سيد" (٢)، فأما لفظة: (مولاي) فلها وجوه في التصريف من ولي وناصر وابن عم وحلف، ولكن لا يقال: المولى من غير إضافة إلا لله تعالى، واختلف هل يطلق على الله اسم سيد (٣)؟ ولا يقال: السيد على الإطلاق لمن أجاز أن يسمى به الخالق إلا لله تعالى.
فصل:
وكره أن يقول عبدي؛ لأن هذا الاسم من باب المضاف، ومقتضاه إثبات العبودية له، وصاحبه الذي هو المالك عبد لله تعالى، متعبد بأمره ونهيه، فإدخال مملوك الله تعالى تحت هذا الاسم يوجب الشرك؛ ويعنى: المضاهاة، فلذلك استحب له أن يقول: فتاي، والمعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل، وهو أليق بالعبد المملوك أن لا يقول: فلان عبدي، وإن كان قد ملك قياده في الاستخدام ابتلاء فيه من الله لخلقه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وقال الداودي: إن قال: عبدي، أو أمتي ولم يرد التكبر فأرجو أن لا إثم عليه.
стр. 9412
وقول يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ خاصة بمن يعقل، وما اشتهرت به عادتهم في المخاطبة، وفيه نظر لابن التين؛ لأن النبي لا يتلفظ إلا بما هو سائغ.
وقال ابن بطال: ما جاء في الباب من النهي عن التسمية فإنه من باب التواضع، وجائز أن يقول الرجل: عبدي وأمتي؛ لأن القرآن قد نطق بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وإنما نهى ﵇ عن ذلك على سبيل التطاول والغلظة لا على سبيل التحريم، واتباع ما حض عليه أولى وأجمل، فإن في ذلك تواضعًا لله؛ لأن قول الرجل: عبدي وأمتي يشترك فيه الخالق والمخلوق، ويقال: عبد الله وأمة الله، فكره ذلك لاشتراك اللفظ، وأما الرب فهي كلمة وإن كانت مشتركة وتقع على غير الخالق للشيء كربّ الدابة والدار، يراد صاحبهما، فإنها لفظة تختص بالله في الأغلب والأكثر، فوجب أن لا تستعمل في المخلوقين لنفي الله الشركة بينهم وبين الله، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال لأحد غير الله إله ولا رحمن، ويجوز أن يقال: رحيم، لاختصاص الله بهذِه الأسماء، وكذلك الرب لا يقال لغير الله (١).
فصل:
وقوله: "والمرأة راعية على بيت بعلها" سمي زوج المرأة بعلًا؛ لأنه يعلو عليها، ومنه قيل: لما شرب من السماء بعل. والأمر ببيع الأمة الزانية في الثالثة أو الرابعة، قد أسلفنا أنه للندب عند الجمهور خلافًا لداود، وذكر البخاري في التبويب "العبد راع في مال سيده" (٢) يحتمل
стр. 9413
أن يريد مال سيده الذي ائتمنه عليه، ويحتمل أن ينسبه إلى السيد مجازًا، إذ له انتزاعه منه، والدليل على ذلك ما أسلفناه من قوله: "من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" (١)، وهذا مذهب مالك (٢)، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يملك (٣)، وعليه احتج البخاري بقوله: "والعبد راع في مال سيده" كما ستعلمه؛ لأن الرق مناف لذلك، وماله لسيده عند عتقه وبيعه إياه، وإن لم يشترط ماله سيده، وروي عن ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن المسيب، وهو قول الثوري، وبه قال أحمد وإسحاق (٤).
وقالت طائفة: ماله له دون سيده في العتق والبيع، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة والنخعي والحسن (٥).
قال ابن بطال (٦): واضطرب قول مالك في ملك العبد، فقال: من باع وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، وقال فيمن أعتق عبدًا أن ماله للعبد إلا أن يشترط السيد، فدل الأول: أنه يملك،
والثاني لا، والحجة له في البيع حديث ابن عمر: "من باع عبدًا وله مال .. " الحديث.
стр. 9414
والثاني حديثه أيضًا: "من أعتق عبدًا فماله له إلا أن يستثنيه سيده" (١).
وقال ابن شهاب: السنة أن العبد إذا أعتق تبعه ماله (٢). ولم يكن أحد أعلم بسنة ماضية منه. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] هو الكافر (٣)، وقد سلف وإضافة المال إلى العبد؛ لأنه بيده.
стр. 9415
١٨ - باب إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ
٢٥٥٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ". [٥٤٦٠ - مسلم: ١٦٦٣ - فتح: ٥/ ١٨١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يجْلِسْهُ مَعَهُ، فَليُنَاوِلهُ لُقمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أكلَةً أَوْ أُكْلَتَينِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حره وعِلَاجَهُ".
هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا، والأُكلة بضم الهمزة وهي اللقمة، وأما بفتحها فالمرة الواحدة.
قال المهلب: هذا تفسير حديث أبي ذر في التسوية بين العبد وبين سيده في المطعم والكسوة أنه على سبيل الحض والندب والتفضل، لا على سبيل الإيجاب على السيد؛ لأنه لم يسوّه في هذا الحديث بسيده في المؤاكلة، وجعل إلى السيد الخيار في إجلاسه للأكل معه أو تركه، ثم حضه على إن لم يأكل معه أن ينيله من ذلك الطعام الذي تعب فيه وشمه (٢).
стр. 9416
١٩ - باب العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ
وَنَسَبَ النَّبِيُّ ﷺ المَالَ إِلَى السَّيِّدِ.
٢٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ -قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٥/ ١٨١]
ذكر حديث ابن عمر السالف قريبا "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .. " إلى أن قال: "وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
وقد سلف الكلام عليه قريبًا.
قال المهلب: أمانات يلزم من استرعيها أداء النصيحة فيها لله ولمن استرعاه عليها، ولكل واحد منهم أن يأخذ مما استرعي عليه ممن أمره ما يحتاج إليه بالمعروف من نفقة ومؤنة، وفيه حجة لمن قال: العبد
لا يملك (١).
стр. 9417
٢٠ - باب إِذَا ضَرَبَ العَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ
٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ". [مسلم: ٢٦١٢ - فتح: ٥/ ١٨٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
وقوله فيه: (وأخبرني ابن فلان) قائل ذلك هو ابن وهب وهو ابن سمعان.
قال الداودي: يريد: لأن فيه أكثر الجوارح وأكثو أمور الوضوء والجبهة وهي من المساجد واللسان والفم، وفي رواية في الصحيح علل ذلك بأن الله خلق آدم على صورته (٢). وأولى ما قيل فيه أن الحديث خرج على سبب وهو أنه ﵇ مر برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطمًا ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال ﵇ ذلك (٣).
стр. 9418
وذكره المهلب بلفظ: يضرب عبده في وجهه لطمًا، إلى آخره.
وقال: نقل (الناقلون) (١) هذِه القصة من الطرق الصحيحة (٢)؛ لأن تلك المقالة سب للأنبياء والمرسلين فزجره الشارع عن ذلك وخص آدم؛ لأنه الذي ابتدئت خلقة وجهه على الحد الذي يحتذى عليها من بعده كأنه ينبهه على أنك سببت آدم ومن ولد مبالغة في الزجر عن مثله، هذا وجه ظاهر والهاء كناية عن المضروب في وجهه وقيل فيه غير ذلك في تأويل ضمير الهاء من صورته إلى من يرجع.
قال ابن بطال: لم أو لذكرها وجهًا إذ لا يصح عندي في ذلك غير ما سلف، وهو قول المهلب (٣) فلا تضرب صورة خلقها الله بيده، وحق الأبوة وهو آدم مُرَاعى، وتفضيل الله لها حين خلق آدم بيده وأسجد له ملائكته.