← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

وسأل عبد الله بن أحمد أباه عنه، فقال (١): رواه شيخ عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ومالك. قال مالك: عن نافع، عن ابن عمر يرفعه، وقال الأوزاعي: عن عطاء، عن ابن عباس. قال: هذا كذب وباطل وليس يروى إلا عن الحسن، عن رسول الله ﷺ (٢). قال ابن حزم: إنما كذّب أحمد من رواه من حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، ومن بدل الأسانيد فقد أخطأ أو كذب إن تعمده (٣). وقال ابن عساكر في "الرغائب" إثر حديث ابن عمر: هذا حديث غريب. ورواه أيضًا من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وَرْدَان عن عقبة بن عامر. وقال: غريب. وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي ذر بإسناد فيه ضعف (٤). ويشد ذلك حديث مسلم من طريق أبي هريرة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، اشتد ذلك على الصحابة فشكوا إلى رسول الله ﷺ . فقال: "قولوا: سمعنا وأطعنا"،

стр. 9347

فنزل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم". ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال: "نعم". إلى آخر السورة (١). فحديثُ النفسِ والوسواسِ لا يدخل تحت طوق العبد، وإنما غاية قدرته أن يعرض عنه، ولو حَدَّثَ نفْسَهُ بمعصيةٍ لم يؤاخذ، فإذا عَزَمَ خَرَجَ عن تحديثِ النفسِ ويصيرُ مِن أعمالِ القلبِ، فإنْ عَقَدَ النيةَ على الفعلِ فحينئذ يَأْثمُ بنيةِ الشِّر، وبيانُ الفرق بين النيةِ والعزمِ أنه لو حدث نفسه في الصلاة بقطعِهَا لم تنقطع، فإذا عَزَمَ حَكَمْنُا بقطعهِاَ، وقد سئل (الهروي) (٢): أيؤاخذُ الإنسانُ بالهمة؟ قال: إذا عزم (٣). وقال: الملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب (٤). وقوله: "ما وسوست به صدورها" وفي رواية: "ما حدثت به أنفسها". الرواية بالنصبِ على أنه مفعول حَدَّثَت، وأهلُ اللغةِ يرفعون على أنه فاعل، قاله القرطبي (٥). وقال عياض: الهمُّ: ما يمر في الفكرِ من غيرِ استقرار ولا توطن، فإن استقر وَوَطَّنَ قلبَهُ عليه كان عزمًا يؤاخذ به أو يثاب عليه (٦). قال القرطبي: وما ذهب إليه هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم

стр. 9348

والفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يهم به الإنسان وإنْ وَطَّنَ به لا يؤاخذ به، متمسكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ﴾ [يوسف: ٢٤] وبقوله ﷺ : "ما لم تعمل أو تكلم" ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا وأما الآية فَمِنَ الهمِّ ما يؤاخذ به وهو ما استقر واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر فلا يؤاخذ بها، كما شَهِدَ به الحديث، يوضح ذلك حديث أبي كبشة عمرو بن سعد سمع رسول الله ﷺ (١). فذكر حديثًا فيه: "قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به". وزعم الطبري أن فيه دلالة أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، خلافًا لمن نفاه، ولا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (٢). رابعها: قوله: (ولا نية للناسي ولا المخطئ) كذا في الأصول، وذكره ابن التين أولًا بلفظ: "الخاطئ"، ثم قال: وفي رواية غير أبي الحسن: "المخطئ" وهو أشبه بالتبويب؛ لأن الخاطئ: المذنب المتعمد للذنب، وأخطأ إذا لم يتعمد وهو الأشبه بالناسي الذي قَرَنَهُ في التبويب، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: خطئنا، أي: أذنبنا. وقيل: معناه: دخلنا في الخطيئة، مثل: أَصَبْحَ وأَظْلَمَ إذا دَخَلَ في ذلك. قال الداودي: إنما الخطأ في الطلاق والعتاق، يريد إن تلفظ بشيء فيخطئ لسانه فيلفظ بالطلاق أوالعتاق، مثل أن يريد أن يقول: ادخل

стр. 9349

أو أخرج لا يريد أن يلفظ بهما، فإذا كان هذا ولم يكن عليه نية حين قال كذلك فلا يعد نادمًا فلا شيء عليه، وإن كانت عليه نية مثل نية دعوى الخطأ. قال: وأما النسيان فلا يكون في الطلاق ولا العتاق إلا أن يريد أنه حلف بهما علي فعل ثم نسي يمينه وفعله، فهذا إنما يوضح فيه النسيان إذا لم يذكر يمينه، كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم يذكرها حتى يموت، وكذلك ديون الناس وغيرها لا يأثم بتركها ناسيًا. قال ابن التين: وهذا من الداودي على مذهب مالك، ولعل البخاري بني على مذهب الشافعي أن الساهي لا يحنث وهو الأظهر من تبويبه كما سلف؛ لأن الساهي لا نية له فلا يلزمه عتق بفعل سهو.

стр. 9350

٧ - باب إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: هُوَ للهِ. وَنَوَى العِتْقَ، وَالإِشْهَادُ فِي العِتْقِ ٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ". فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ فَهُوَ حِينَ يَقُولُ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ [٢٥٣١، ٢٥٣٢، ٤٣٩٣ - فتح: ٥/ ١٦٢] ٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ -قَالَ:- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ". فَقُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ٥/ ١٦٢] ٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فَأَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذَا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ للهِ. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ٥/ ١٦٢] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ".

стр. 9351

فَقَالَ: أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ وعنه (١) لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ … البيت. قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَام لِي فِي الطَّرِيقِ -قَالَ:- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَايَعْتُةُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ". فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. (٢) وعَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فضل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بهذا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لله. الشرح: هذا الحديث من أفراده، وقيس (٣) هو ابن أبي حازم، عوف بن عبد الحارث أبو عبد الله الأحمسي، مات سنة أربع وثمانين. وقيل: في آخر سلطان سليمان بن عبد الملك (٤). وشيخ البخاري في الثاني عبيد الله بن سعيد (خ، م، س) وهو السرخسي اليشكري مولاهم،

стр. 9352

مات سنة إحدى وأربعين ومائتين (١). وشيخه في الثالث: شهاب (خ، م، ت، ق) بن عباد وهو العبدي الكوفي: مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٢). وشيخ شهاب: إبراهيم (٣) بن حميد أبو إسحاق، مات سنة ثمان وسبعين ومائة (٤). قال المهلب: ولا خلاف بين العلماء علمتُ إذا قال لعبده: هو حر أو هو لوجه الله أو هو لله ونوى العتق أنه يلزمه العتق، وكل ما يفهم به عن المتكلم أنه أراد به العتق لزمه ونفذ عليه. وروى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة أن رجلًا قال لغلامه: أنت لله، فسئل الشعبي والمسيب بن رافع وحماد بن سليمان فقالوا: هو حر، وعن إبراهيم كذلك (٥). قال إبراهيم: وإن قال: إنك لحر النفس فهو حر، وعن الحسن أنه إذا قال: ما أنت إلا حر قال: نيته، وعن الشعبي مثله (٦). وأما الإشهاد في العتق فمن حقه، والعتق قام عند الله وجميع ما يراد به وجهه تعالى بالقول والنية، وإن لم يكن ثم إشهاد، وقد قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: لخدمة المسجد، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾، فتم ما نذرته بدعوة الله

стр. 9353

تعالى، وقبل الله ذلك منها، فكان ما في بطنها موقوفًا لما نذرته من خدمة المسجد، ولم تُشْهد غير الله. وفيه أيضًا من الفقه: العتق عند بلوغ الأمل والنجاة مما يخاف من الفتن والمحن، كما فعل أبو هريرة حين نَجّاه الله من دارة الكفر ومن ضلاله في الليل عن الطريق أعتق الغلام حين جمعه الله عليه وهداه إلى الإسلام، وفيه: جواز قول الشعر وتوجعه من طول ليلته ومبيته فيها، وحمد عاقبتها إذ نجته من دار الكفر، ومنه المثل: عند الصباح يَحْمَدُ القومُ السُّرى (١)، وظاهر (٢) رواية "الصحيح" أن أبا هريرة هو قائل هذا البيت. وقال ابن التين: فيه خلاف هل هو لأبي هريرة أو غلامه. وقوله: "هذا غلامك" إما أن يكون وصفه له، أو رآه مقبلًا إليه، أو أخبره الملك. وقوله: (يطلب الإسلام) يحتمل أن يكون حقيقة، فإنه لم يسلم وأسلم بعد، ويحتمل أن يكون المراد يظهر إسلامه.

стр. 9354

٨ - باب أُمِّ الوَلَدِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا". ٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ". مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ". مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ. وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٥/ ١٦٣] هذا سلف (١) من عند البخاري مسندًا في كتاب الإيمان (٢) فراجعه. قال ابن التين: معناه: أن تكثر السراري في آخر الزمان فيكون ابن الأمة مولاها، وقيل: هو أن يستطيل الولد على أمه ولا يبرها، فكأنه ربها. ثم ساق حديث عائشة في قصة الوليدة. وقوله: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ". مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، إلى آخره.

стр. 9355

وقد سلف واضحًا (١)، ويريد هنا أن الأُمَّةَ أشكلَ عليها معنى قصة عتبة، وتأولوا فيه ضروبًا من التأويل، لخروجه عن الأصول المجمع عليها، منها: أن الأمة متفقة أنه لا يدَّعي أحد عن أحد إلا بوكالة من المدعي، ولم يذكر في الحديث توكيل عتبة لأخيه سعد على ما ادعاه عنه. ومنها: ادعاء عبد بن زمعة على أبيه، وكذا بقوله: أخي، وابن وليدة أبي وُلِدَ على فراشه ولم يأت ببينة تشهد بإقرار أبيه، ولا يجوز أن تُقْبَلَ دعواه على أبيه؛ لأنه لا يستلحق غير الأب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الأمة إذا وطئها مولاها فقد لزمه كل ولد يجيء بعد ذلك ادعاه أو لم يدعه، هذا قول مالك والشافعي احتجاجًا بهذا الحديث (٢)؛ لأنه- ﵇ قال: "هو لك يا عبد بن زمعة"، ثم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فألحقه بزمعة لا لدعوة ابنه؛ لأن دعوة الابن بالنسب بغيره من أبيه غير مقبولة، ولكن؛ لأن أمه كانت فراشًا لزمعة بوطئه إياها. واحتجوا أيضًا بما رواه مالك عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن لا تأتيني وليدة تقر أن سيدها قد ألمَّ بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن (٣).

стр. 9356

وفي حديث آخر: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يعزلونهن (١). وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما جاءت به هذِه الأمة فلا يلزم مولاها إلا أن يقر به، وإن مات قبل أن يُقر به لم يلزمه، وهو قول الكوفيين. واحتجوا على ذلك بأنه ﷺ ، إنما قال لعبد بن زمعة: "هو لك" ولم يقل: هو أخوك، فيجوز أن يكون أراد بقوله: "هو لك" أي: هو مملوك لك بحق ما لَكَ عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء، والدليل على ذلك أمره سودة بالاحتجاب منه، فلو جعله ابن زمعة [لما حجب منه بنت زمعة] (٢)؛ لأنه لا يأمر بقطع الأرحام، وإنما كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور، وكيف يجوز أن يأمرها أن تحتجب من أخيها وهو يأمر عائشة أن تأذن لعمها من الرضاعة بالدخول عليها (٣)، ولكن وجه ذلك أنه لم يكن حكم فيه بشيء غير اليد التي جعلها لعبد ولسائر ورثة زمعة دون سعد. واحتجوا أيضًا بما رواه شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: كان ابن عباس يأتي جارية له فحملت، فقال: ليس هو مني، إني أتيتها إتيانًا لا أريد به الولد. وروى الثوري، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد أن أباه كان يعزل عن جارية فارسية فأتت يحمل فأنكره، وقال: إني لم أكن أريد ولدك وإنما استطبت نفسك فجلدها وأعتقها (٤).

стр. 9357

وقول ابن عباس وزيد خلاف ما رَوى عن عمرَ في ذلك أهلُ المقالةِ الأولى (١). واختلفوا في معنى قوله: "هو لك يا عبد بن زمعة". فقالت طائفة: أي: أخوك كما ادعيته، قضاء منه في ذلك بعلمه؛ لأن زمعة بن قيس كان صهره ﵇، وسودة بنت زمعة كانت زوجته، فيمكن أن يكون علم أن تلك الأمة كان يمسها زمعة، فألحق ولدها به لما علم من فراشه، لا أنه قضى بذلك لاستحقاق عبد بن زمعة له (٢). وقال الطحاوي: هو لك بيدك عليه لا أنك تملكه، ولكن تمنع منه مَن سواك كما في اللقطة: هي لك بيدك عليها تدفع غيرك عنها حتى يجيء صاحبها، ليس على أنها ملك لك، ولما كان عبد بن زمعة له شريك فيما ادعاه، وهي أخته سودة، ولم يُعلم منها تصديق له، ألزم ابن زمعة ما أقر به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجة على أخته إذ لم تصدقه، ولم تجعله أخاها، وأمرها بالحجاب منه (٣). وقال الطبري: هو لك ملك، لا أنه قضى له بنسبه، وعنه جوابان لابن القصار: أحدهما: أنه كان يدعي عبد بن زمعة أنه حر وأنه أخوه ولد على فراش أبيه، فكيف يقضي له بالملك؟ ولو كان مملوكًا لعتق بهذا القول. وثانيهما: أنه لو قضى بالملك لم يقل: "الولد للفراش"؛ لأن المملوك لا يلحق الفراش، ولكان يقول: هو ملك لك.

стр. 9358

وقال المزني: يحتمل أن يكون أجاب فيه على المسألة، فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنا لا أنه قبل قول سعد على أخيه ولا على زمعة قول ابنه عبد بن زمعة أنه أخوه؛ لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره، وقد قام الإجماع على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره، فحكم بذلك ليعرفهم الحكم في مثله إذا نزل، وقد حكى الله تعالى مثل ذلك في قصة داود: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين، ولا كان لواحد منهما تسع وتسعون نعجة، ولكنهم كلموه ليعرف ما أرادوا، فيحتمل أن يكون حكم في هذِه القصة بنحو ذلك، ويحتمل أن تكون سودة جهلت ما علم أخوها عبد بن زمعة فسكتت، فلما لم يصح أنه أخ لعدم البينة بذلك، [أو]، (١) الإقرار فيمن يلزم إقراره وزاده بُعدًا شبهه بعتبة أمرها بالاحتجاب منه، فكان جوابه عن السؤال لا على تحقيق زنا عتبة بقول أخيه، ولا بالولد أنه لزمعة لقول ابنه، بل قال: "الولد للفراش" على قولك يا عبد بن زمعة، لا على ما قال سعد، ثم أخبر بالذي يكون إذا ثبت مثل هذا. وقال الكوفيون: قوله: "واحتجبي منه يا سودة" دليل أنه جعل للزنا حكمًا فحرم به رؤية ذلك المستلحق لأخته سودة. وقال لها: "احتجبي منه" فمنعها من أخيها في الحكم؛ لأنه ليس بأخيها في غير الحكم؛ لأنه من زِنًا في الباطن إذا كان شبيهًا بعتبة، فجعله كأنه أجنبي لا يراها بحكم الزنا، وجعله أخاها بالفراش، وزعموا أن ما حرم الحلال فالزنا أشد تحريمًا له.

стр. 9359

وقال الشافعي: رؤية ابن زمعة لسودة مباح في الحكم، ولكنه كرهه للشبهة، وأمرها بالستر عنه اختيارًا. وقال بعض أصحابه: يجوز للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها، وذهب إلى أنه أخوها على كل حال؛ لأنه قضى بالولد للفراش، وألحق ابن أمة زمعة بفراش زمعة، قالوا: وما حكم به فهو الحق. وفي قوله: "الولد للفراش" من الحكم: إلحاق الولد بصاحب الفراش في الحرة والأمة. وقوله: "وللعاهر الحجر" أي: لا شيء له في الزاني إذا ادعاه صاحب الفراش، وهذِه كلمة تقولها العرب. واختلف السلف والخلف في عتق أم الولد وفي جواز بيعها، فالثابت عن عمر ما رواه مالك في "الموطأ"، عن نافع، عن عبد الله أن عمر قال: أيما وليدة ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، وهو يستمتع منها فإذا مات فهي حرة (١). وروي رفعه، أخرجه كذلك الدارقطني في "سننه" (٢). وقال في "علله": وقفه هو الصحيح (٣). والبيهقي. وقال: رفعه غلط (٤). وأما ابن القطان فقال: رواته كلهم ثقات. قال: وهو عندي حسن أو صحيح (٥).

стр. 9360

وروى الدارقطني من حديث ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن مسلم بن يسار، عن سعيد بن المسيب أن عمر أعتق أمهات الأولاد وقال عمر: اعتقهن رسول الله ﷺ (١). ورواه ابن حبيب في "الواضحة". فقال: حدثني المقبري، عن ابن أنعم، عن مسلم، عن ابن المسيب، فذكر نحوه. وعبد الرحمن هذا ضعفوه، وسعيد لم يسمع من عمر شيئًا على الصحيح (٢).

стр. 9361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9362

وقيل: سمع منه نعي النعمان بن مقرن (١)، وقوله عند رؤية البيت كما رواه سعيد بن منصور (٢). ورواه الثوري في "جامعه"، عن عبد الرحمن المذكور، عن مسلم بن يسار، قال: سألت سعيد بن المسيب عن عتق أمهات الأولاد، فقال: إن الناس يقولون: إن أول من أمر بعتق أمهات الأولاد عمر وليس كذلك، ولكن رسول الله ﷺ أول من اعتقهن فلا يجعلن في ثلث ولا يبعن في دين (٣). قلت: وروي ذلك عن عثمان وعمر بن عبد العزيز (٤). قال أبو عمر: وهو قول أكثر التابعين منهم الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء ومجاهد وسالم وابن شهاب وإبراهيم، وإلى ذلك ذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعى في أكثر كتبه، وقد أجاز بيعها في بعض كتبه. قال المزني: قطع في أربعة عشر موضعًا من كتبه بألا تباع (٥)، وهو

стр. 9363

الصحيح من مذهبه وعليه جمهور أصحابه وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وكان الصديق وعلى وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد. وبه قال داود. وقال جابر وأبو سعيد: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ (١)، وذكر عبد الرزاق: أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: كنا نبيع أمهات الأولاد ورسول الله ﷺ فينا لا نرى بذلك بأسًا. وأخبرنا ابن جريج، أنا عبد الرحمن بن الوليد أن أبا إسحاق الهمداني أخبره أن أبا بكر الصديق كان يبيع أمهات الأولاد في إمارته وعمر في نصف إمارته (٢). وقال ابن مسعود: تعتق في نصيب ولدها (٣)، وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير. قال (٤): وقد روي عن رسول الله ﷺ في مارية سريته لما ولدت إبراهيم، قال: "أعتقها ولدها" من وجه ليس بالقوي ولا يثبته أهل الحديث، قال: وكذا حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات" لا يصح أيضًا من جهة

стр. 9364

الإسناد؛ لأنه انفرد به حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وهو متروك الحديث، عن عكرمة، عن ابن عباس (١). أخرجه أحمد وابن ماجه (٢). ورواه عن حسين شَريك القاضي وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي بكر يعني: النهشلي، عن حسين هذا (٣)، كذا وقع وإنما هو عن أبي بكر بن أبي سبرة المتروك؛ كذا صرح به الدارقطني والبيهقي في روايتهما، قال البيهقي: وقد روى هذا الحديث أبو أويس عن حسين إلا أنه أرسله (٤). قلت: قد وصله من طريق الدارقطني (٥). وأخرجه الدارقطني من حديث أبي سارة عن ابن أبي حسين، عن عكرمة به (٦). وأبو سارة هذا قال بعض الحفاظ: إنه ابن أبي سبرة وابن أبي حسين هو حسين السالف. وأخرجه أيضًا -أعني: الدارقطني- من حديث الحسن بن عيسى الحنفي عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا (٧). ورواه ابن عيينة، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن عمر، قوله، وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، عن وكيع، عن أبيه، عن عكرمة،

стр. 9365

عن عمر ورواه خصيف عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر قال البيهقي: فرجع الحديث إلى قول ابن عباس عن عمر. قال البيهقي: وهو الأصل في ذلك (١). قال أبو عمر: والصحيح عن عكرمة أنه سئل عن أم الولد، فقال: هي حرة إذا مات سيدها، فقيل له: عمن هذا؟ قال: عن القرآن. قال الله -عزوجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) [النساء: ٥٩]. وكان عمر من أولي الأمر، وقد قال: أعتقها ولدها ولو كان سقطًا، رواه سعيد بن منصور (٣). قلت: ورواه أبو محمد ابن حزم في "محلاه" بإسناد كل رجاله ثقات من طريق قاسم بن أصبغ إلى عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما ولدت مارية -أُمُّ إبراهيم- قال رسول الله ﷺ : "أعتقها ولدها". وقال في كتاب البيع: صحيح الإسناد (٤). وقال في أمهات الأولاد: خبر جيد السند كل رواته ثقات (٥). قلت: وفي المسألة حديثان آخران: أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري في البخاري ومسلم أيضًا: يا رسول الله إنا نصيب سبيًا ونحب المال كيف ترى في العزل؟ فقال ﵇: "أو إنكم تفعلون ذلك! لا عليكم أن لا تفعلوا، إنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا وهي كائنة" (٦).

стр. 9366

ثانيهما: حديث البخاري عن عمرو بن الحارث، قال: ما ترك رسول الله ﷺ درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة، وذكره الحاكم وقال صحيح الإسناد (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبيدة، عن علي قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا وهو أنها إذا ولدت عتقت، فقضى به عمر حياته وعثمان بعده، فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال الشعبي: فحدثني ابن سيرين أنه قال لعبيدة: فما ترى أنت؟ قال: رأي علي وعمر في الجماعة أحب إلى من قول علي حين أدرك الاختلاف (٢). وعند معمر، عن أيوب، عن محمد قال عبيدة: قلت لعلي: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك في الفرقة -أو قال في الفتنة- قال: فضحك علي (٣). قال ابن عبد البر: وقد انعقد الإجماع أنها لا تعتق قبل موت سيدها وأنها في ديتها وأرش (جنايتها) (٤) كالأمة، وسئل ابن شهاب عن أم الولد ترق. فقال: لا يصلح لسيدها أن يبيعها ويقام عليها حد الأمة، وعن

стр. 9367

مجاهد لا يرقها حدث. وقال عمر بن عبد العزيز: يقام عليها الحد ولا تسترق. وروى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء، عن عمر أنها إذا زنت رقت (١). وجمهور العلماء القائلين بأن أم الولد لا تباع على خلاف هذا، ويحصل من الخلاف في بيعها سبعة أقوال بعد الاتفاق على أنها لا تعتق بمجرد الاستيلاد في حياة سيدها، كما قاله ابن عبد البر (٢). أحدها: أنه لا يجوز بيعها البتة وهو مذهب الجمهور كما أسلفناه وهو المشهور عن عمر الذي صار إليه في أثناء خلافته وعثمان، وعلى في أول أمره وجابر والشعبي وحماد بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وربيعة وابن شبرمة والليث (٣)، وابن حزم وغيره من أهل الظاهر (٤) وغيرهم ممن سلف، وحكاه غير واحد إجماعًا، منهم الخطابي (٥) وابن بطال (٦) والبيهقي وابن عبد البر (٧) والباجي (٨) والغزالي والبغوي (٩)، وقد سلف بعضه وقد استدل أيضًا بقوله تعالى:

стр. 9368

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ممن احتج بها عمر، كما رواه المنتجالي عنه والبيهقي أيضًا (١). وقال ابن حبيب في "واضحته": حدثني الأويسي، عن إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن يسار، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أمر بعتق أمهات الأولاد، وقال: "لا يجعلن في وصية، ولا يجعلق في دين" وهو معلول من أوجه: أحدها: أن جماعة من المالكية تكلموا في ابن حبيب (٢) كابن سحنون وغيره واتهموه في لفظه (٣). ثانيها: الكلام في إسماعيل لاسيما في روايته عن غير الشاميين (٤). ثالثها: أنه مرسل ولما أخرج الشافعي أثر "الموطأ" السالف، عن عمر قال: قلت: تقليدًا لعمر، وفي "علل ابن أبي حاتم" مثله من رواية أبي هريرة، لكنه قال: إنه حديث باطل (٥). فرع: يجوز عندنا عتقها على مال، صرح به القفال من أصحابنا في "فتاويه". المذهب الثاني: أنه يجوز بيعها مطلقًا، وقد سلف وهو مذهب جماعة من الصحابة كأبي بكر وخلائق، وهو قول قديم للشافعي. الثالث: أنه يجوز لسيدها بيعها حياته، فإذا مات عتقت، حكي عن الشافعي أيضًا.

стр. 9369

الرابع: أنها تباع في الدين، وفيه حديث سلامة بن معقل في "سنن أبي داود" (١). الخامس: أنها تباع ولكن إن كان ولدها موجودًا عند موت أبيه سيدها حسب من نصيبه إن كان ثَمَّ مشارك له في التركة، وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير السادس: أنه يجوز بيعها بشرط العتق، ولا يجوز بغيره، حكي عن عمر. سابعها: أنها إن عتقت وأبقت لم يجز بيعها وإن فجرت أو كفرت جاز بيعها، حكي عن عمر، وحكى المزني عن الشافعي التوقف (٢)، فهذا مع الفرع الذي ذكرناه، تصير الأقوال تسعة، ومن الغريب ما أنبأني الحجار عامة أنا ابن اللتي، أنا أبو الفتح مسعود بن محمد بن سيف، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين المعروف بابن السراج، وأبو غالب محمد بن محمد بن عبد الله العطار قالا: أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أنا أبو الحسن علي ابن محمد بن الزبير القرشي، أنا الحسن بن علي بن عفان العامري، ثنا جعفر بن عون العُمري، أنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أعتق الرجل أمته، فإنه يجوز له وطؤها واستخدامها، ولا يجوز له بيعها ولا إجارتها ولا رهنها وولدها مثلها. وهذا إسناد صحيح إليه، وقد يكون أراد أن يبين حكم أم الولد وغير ذلك بقوله إذا أعتق الرجل وليدته كما جاء في الحديث عن مارية: "أعتقها ولدها".

стр. 9370

٩ - باب بَيْعِ المُدَبَّرِ (١) ٢٥٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِهِ فَبَاعَهُ. قَالَ جَابِرٌ مَاتَ الغُلَامُ عَامَ أَوَّلَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٥/ ١٦٥] ذكر فيه حديث جابر، وقد سلف في باب: بيع المُدبر قبيل السلم (٢)، وقد اختلف العلماء في بيعه، فلنذكره لبعد العهد به. فقالت طائفة: يجوز بيعه ويرجع فيه متى شاء، وهو قول مجاهد وطاوس، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣)، واحتجوا بهذا الحديث. قالوا: وهو مذهب عائشة، وروي عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها (٤).

стр. 9371

وقال آخرون: لا يجوز بيعه، روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وهو قول الشعبي وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى والنخعي (١)، وبه قال مالك والثوري والليث والكوفيون والأوزاعي (٢). قالوا: لا يباع في دين ولا غيره في الحياة ولا بعد الموت وعن "المدونة" أنه لا يباع في حياة سيده في فلس ولا غيره إلا في دين قبل التدبير، ويباع بعد الموت إذا اغترقه الدين كان التدبير قبل الدين أو بعده. وعن أبي حنيفة لا يباع في الدين ولكن يستسعي للغرماء، فإذا أدى ما لهم عتق (٣)، والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. والتدبير: عقد طاعة يلزم الوفاء به، فلا سبيل إلى حله والرجوع فيه؛ لأنه عقد حرية بصفة آتية لا محالة. وحديث: "المدبر لا يباع ولا يوهب" (٤) قالوا: ولا حجة في حديث جابر لمن أجاز بيعه؛ لأن في الحديث أن سيده كان عليه دين فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم وأعطاه له، وقال له: "اقض دينك"، فثبت بهذا أن بيعه إنما كان لأجل الدين الذي عليه، فأما إذا لم يكن عليه دين قبل تدبيره، فلا سبيل إلى بيعه.

стр. 9372

وقد ترجم البخاري باب: من باع مال المفلس والمعدم وقسمه بين الغرماء (١). وأيضًا: فإنَّ سيده كان سفيهًا، ولذلك باعه ﵇. وبيع المدبر عند من أجازه لا يفتقر صاحبه فيه إلى بيع الإمام، وهذا الحديث عند العلماء أصل في أن أفعال السفيه مردودة، فلا حجة لهم فيه. وأجيب أيضًا بأنه يحتمل أن يكون أعتقه عن دبر في مرضه، فقال: إن مت من مرضي هذا فأنت حر عن دبر مني، وهو قول للمالكية. فإن قلت: التدبير وصية فالرجوع سائغ. قيل: ليس كونه وصية يجوز الرجوع فيه؛ لأن العتق البذل في المرض لا يجوز الرجوع فيه، وإن كان يخرج من الثلث، فكذلك المدبر، وجمهور العلماء كما حكاه ابن بطال (٢) متفقون أن ولد المدبرة الذين تلدهم بعد التدبير بمنزلتها يعتقون بموت سيدها، فإذا كان التدبير يسري إلى الولد فلأن يلزم في الأم أولى. قال الطبري: وفيه أن للإمام القيم بأمور المسلمين أن يحملهم في أموالهم على ما فيه صلاحهم ويرد في أفعالهم ما فيه مضرة لهم (٣). قال ابن التين: ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن من دبر عبده ولا دين عليه أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا نقض تدبيره ما دام حيًّا خلافًا للشافعي.

стр. 9373

فرع: يخرج المدبر بعد موت سيده من ثلثه. وقال داود: يخرج من جميع المال، فإن لم يحمله الثلث رق ما لم يحمله الثلث منه. وقال أبو حنيفة: يسعى في فكاك رقبته، فإن مات سيده ومحليه دين (سعى) (١) للغرماء. وقال أبو حنيفة: يسعى للغرماء ويخرج حرًّا (٢).

стр. 9374

١٠ - باب بَيْعِ الوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ٢٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. [٦٧٥٦ - مسلم: ١٥٠٦ - فتح: ٥/ ١٦٧] ٢٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ". فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ. فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٦٧] ذكر فيه حديث ابن عمر نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. وأخرجه مسلم أيضًا (١). وحديث عائشة في بريرة، وقد سلف (٢). والفقهاء بالحجاز والعراق مجمعون على أنه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وهذا أصله. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان: روي أن ميمونة بنت الحارث وهبت ولاء مواليها من العباس وولاؤهم اليوم لهم، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير. وذكر عبد الرزاق عن عطاء أنه يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء (٣)، هذا هو هبة الولاء.

стр. 9375

وستأتي المسألة في باب: إثم من تبرأ من مواليه، في الفرائض (١). وصح من حديث ابن عمر مرفوعًا: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يورث" (٢) صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وخالف البيهقي فأعله (٣).

стр. 9376

وذكره ابن بطال من حديث إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "الولاء لحمة كالنسب"، وأورده ابن التين بلفظ بزيادة: "لا يحل بيعه ولا هبته". ثم قال: وعليه جماعة أهل العلم، وقام الإجماع على أنه لا يجوز تحويل النسب، وقد نسخ الله المواريث بالتبني بقوله: ﴿﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، إلى قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ولعن رسول الله ﷺ من انتسب إلى غير أبيه، وانتمى إلى غير مواليه، فكان حكم الولاء كحكم النسب في ذلك. فكما لا يجوز بيع النسب ولا هبته كذلك الولاء ولا نقله ولا تحويله، وأنه للمعتق، كما قال ﷺ ، وهذا ينفي أن يكون الولاء للذي يسلم على يديه والملتقط، وسيأتي إيضاحه في الفرائض (١). ونقل ابن التين عن قوم أنه إذا أذن المولى الأعلى للأسفل فوالى غيره جاز، وكانت العرب تبيع الولاء وتهبه، فنهى الشارع عنه.

стр. 9377

قال: واختلف في ولاء النسب (١)، فمشهور مذهب مالك أن ولاءه لجميع المسلمين (٢)، وقيل: لمعتقه، قاله ابن نافع وابن الماجشون (٣)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٤). وقال ابن شهاب والأوزاعي عن السائبة يوالي من شاء (٥)، وهو عند مالك مكروه، وأنكرها سحنون وأصبغ، وقالا: هو جائز فعله (٦). واختلف في ولاء من أعتق عبدًا عن غيره، فمذهب مالك أنه للمعتق عنه (٧)، وقيل: الولاء للمعتق. وقال الشافعي (٨): بالأول إن كان بأمره وإلا فللمعتق؛ لقوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" (٩). وذُكر عن سحنون أن إجماعهم على الوَصِي يُعْتِق بأمر الموصي أن الولاء للموصي (١٠). يدل أن هذا الحديث ليس على عمومه، وهذا احتجاج فيه نظر.

стр. 9378

وكذا احتج في "المدونة" وإن أعتق نصراني مسلمًا ثم أسلم لم يرجع الولاء (إليه) (١) في مشهور مذهب مالك (٢). وكذلك لا ولاء لعصبته من المسلمين (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي: الولاء له إن أسلم، ولعصبته من المسلمين ما لم يسلم، وقاله محمد بن عبد الحكم، واحتج في "المدونة" (٤) ابن القاسم أن الولاء لمن أعتق عنه؛ لحديث سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أينفعها أن أعتق عنها وليس لها مال؟ قال: "نعم" (٥). واختلف في الولاء إذا أُعْتِقَ عبدٌ من الخمس أو الزكاة، فقال مالك: ولاؤه للمسلمين (٦). وقال الشافعي والكوفيون: لا يعتق منهما (٧). واختلف إذا أسلم على يديه. فقال مالك: ولاؤه لجميع المسلمين، وخالف الشافعي (٨). وقال العراقيون: إذا أسلم على يديه (ووالاه أو والاه فقط) (٩).

стр. 9379

وحديث بريرة سلف الكلام عليه، واختلف إذا عتقت الأمة تحت حر هل لها خيار؟ فعند مالك: لا (١). واختلف في المكاتب يموت سيده، فيؤدي بعض نجومه بعد موت سيده، فقيل: هو للسيد ولمن يرث ولاءه، وقيل: هو بين الورثة. وقيل: للسيد منه بحساب ما أدى وللورثة بحساب ما أدى بعد موته. واختلف في ولاء المنبوذ، فقال مالك: لجماعة المسلمين (٢)، وزاد العراقيون إلا أن يشاء أن يوالي أحدًا (٣). وقال الليث: للملتقطة (٤)، وولاء ابن المعتقة لموالي أمه حرًّا كان أبوه أو عبدًا عربيًّا كان أو غيره (٥). وقيل: يرثه العرب إن كان أبوه عربيًّا. واحتجوا بزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ؛ لأنه من العرب وأولاده إلى يومنا هذا بعتق رسول الله ﷺ يعدون في موالي بني هاشم ويعقل عنهم بنو هاشم (٦).

стр. 9380

١١ - باب إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ، هَلْ يُفَادَى إِذَا كَانَ مُشْرِكًا ؟ وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ العَبَّاسُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. [انظر: ٤٢١] وَكَانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الغَنِيمَةِ التِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ. ٢٥٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ ﵁ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: "لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا". [٣٠٤٨، ٤٠١٨ - فتح: ٥/ ١٦٧] ثم ساق حديث أنس أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: "لَا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا". الشرح: قوله: (وكان علي له نصيب في تلك الغنيمة) يريد: فلم يعتق عليه أخوه عقيل ولا عمه إذ كان مشركًا. كذا تأوله البخاري، ولا فرق عند مالك بين كونه مشركًا أو مسلمًا؛ لأنه حكم بين مسلم ومشركين فيجري فيه حكم المسلمين، واحتج به لقول الشافعي: إن ملك أخاه لا يعتق عليه (١). ومشهور قول مالك أنه يعتق عليه (٢). وانفصل عنه بعض الشافعية بأن نصيب عليٍّ لا يتعين إلا بالقسمة. وقد

стр. 9381

قال مالك: مَن سرق مِن الغنيمة قُطِع، أو زنى يُحَدُّ. فقيل: له فيها نصيب. فقال: كم عسى نصيبه من ذلك (١)! فعلى هذا إن قبل الغانمون لا يحد ويعتق ولا يقطع، وقيل: الغنيمة لا تملك إلا بالقسمة، فلذلك لم يعتق عليه، وأما العم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يعتق عليه (٢) خلافًا لابن وهب (٣). وقال سحنون: إن كان فيها من يعتق عليه أعتق نصيبه وغرم ما سواه وإذا أولد الجارية لم يحد؛ للشركة التي له فرأى أنه ملك بنفس الغنيمة وأشهب يقول: لا يحد ولا يقطع وإن سرق فوق سهمه أقل من ثلاثة دراهم، واختلف: هل يراعي حقه من جميع الغنيمة أو من المسروق خاصة؟ وقول الأنصار: (ائذن لنا فلنترك لابن أُختنا عباس فداءه) كان العباس جدته من بني النجار، تزوجها هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد المطلب وقال الكلبي: اسمها سلمى (٤).

стр. 9382

واختلف في علة منعه إياهم من ذلك، فقيل: لأنه كان مشركًا، ولذلك عطف عليه رسول الله ﷺ لما أسلم وأعطاه من المغانم ما جبر به صدعه، وقيل: منعهم خشية أن يقع في قلوب بعض المسلمين شيء، كما منع الأنصار أن يبارزوا عتبة وشيبة والوليد وأمر قرناءهم عليًّا وحمزة وعبيدة أن يبارزوهم؛ لئلا يبارزهم الأنصار، فيصابوا فيقع في نفس بعضهم شيء. وقيل: كان العباس أسر يوم بدر مع قريش ففاداهم رسول الله ﷺ ، فأراد الأنصار أن يتركوا له فداءه إكرامًا لرسول الله ﷺ ، ثم لقرابتهم منه، فلم يأذن لهم في ذلك ولا في أن يحابوه في ذلك، وكان العباس ذا مال فاستوفيت منه الفدية وصرفت مصرفها من حقوق الغانمين. وفي هذِه القصة في أُسار العباس وعقيل معه دلالة على أن الأخ لا يعتق على أخيه إذا ملكه كما يعتق عليه أصوله وفروعه، وكان لعليٍّ جزء في الغنيمة، فلم يعتق عليه عقيل، كما سلف. والسبي يوجب الرق في الصغير والكبير. قال المهلب: أسر العباس وعقيل مع من أسر يوم بدر، فأخذ ﵇ رأي الصديق في استحيائهم وكره استعبادهم وأباح لهم أن يفادوا أنفسهم بالمال من ذلة العبودية، فقطع كل واحد على نفسه بعدد من المال وقطع العباس بفدائه وفداء ابن أخيه عقيل، فأراد الأنصار أن يتركوا فداء العباس؛ إكرامًا لرسول الله ﷺ لمكان عمومته وللرحم التي بينهم في الخئولة فقال لهم: "لا تَدَعُون منه درهمًا" أراد أن يوهنهم بالغرم ويضعفهم، وسيأتي في الجهاد في باب فداء المشركين (١).

стр. 9383

وإنما ذكر البخاري هذا هنا؛ لأنه استنبط منه أن العم وابن العم لا يعتقان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأن الشارع قد ملك من عمه العباس ومن ابن عمه عقيل بالغنيمة التي له فيها نصيب، وكذلك ملك علي منها المشركين في ذلك الوقت بنصيبه من الغنيمة ولم يعتقا عليه. وهذا حجة على من قال من السلف: إن من ملك ذا رحم محرم أنه يعتق عليه، وهو قول الكوفيين. وفيه حجة للشافعي في قوله: إنه لا يعتق الأخ على من ملكه؛ لأن عقيلًا كان أخا علي، فلم يعتق عليه بما ملك من نصيبه منه. وقد اختلف العلماء فيمن يعتق على الرجل إذا ملكه، فذهب مالك أنه لا يعتق عليه إلا أهل الفرائض في كتاب الله تعالى، وهم الولد ذكرًا كان أو أنثى، وولد الولد وإن سفلوا، وأبوه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم وإن بعدوا، وإخوته لأبوين أو لأب أو لأم (١)، وبه قال الشافعي، إلا في الإخوة فإنهم لا يعتقون على ما سلف في الباب. وقال الكوفيون: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه (٢)، وروي ذلك عن عمر (٣) وابن مسعود، وعن عطاء والشعبي والحسن والحكم والزهري (٤). وحجتهم ما رواه ضمرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا؟ "من ملك ذا رحم محرم، فهو حر" (٥) (١) انظر: "المدونة" ٢/ ٣٨٥. (٢) انظر: "الهداية" ٢/ ٣٣٥. (٣) رواه النسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧٣ (٤٩٠٣). (٤) انظر: "الإشراف على مذاهب أهل العلم" ٣/ ١٨١. (٥) رواه ابن ماجه (٢٥٢٥)، والنسائي في "الكبرى" ٣/ ١٧٣ (٤٨٩٧)، وضعفه.

стр. 9384

ورواه الحسن عن سمرة مرفوعًا (١). وقال ابن المنذر: قد تكلم الناس في هذين الحديثين، فقالوا: لم يرو حديث ابن عمر عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن عن سمرة، وقد تكلم الناس فيهما وليس منهما ثابت (٢). والحجة لمالك أنه لا يجوز ملك الأخ، وأنه يعتق على من ملكه قوله تعالى حكايته عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]، وكما لا يجوز أن يسترق نفسه، كذلك لا يجوز أن يسترق أخاه. وحجة الجميع في أنه لا يجوز ملك الأبوين قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] واسترقاقهما أعظم من قول: أف والأجداد داخلون في اسم الآباء، ولم يجز ملك الولد لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (٣)، فلا يجوز أن يستعبد الابن بهذا النص. وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه" وفي رواية: "ولد والده" (٤).

стр. 9385

١٢ - باب عِتْقِ المُشْرِكِ ٢٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا، يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ". [انظر: ١٤٣٦ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٥/ ١٦٩] ذكر حديث هشام: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ على مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا يَعْنِي أَتَبَرَّرُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ الخير" (١). الشرح: هذا الحديث سلف بعضه في الزكاة (٢)، لا خلاف أن عتق المشرك على وجه التطوع جائز لهذا الحديث (٣)، حيث جعل عتق المائة رقبة في الجاهلية من أفعال الخير المجازى بها عند الله، المتقرب بها إليه، ودل ذلك على أن مسلمًا لو أعتق كافرًا لكان مأجورًا على عتقه؛ لأن حكيمًا إنما جعل له الأجر على ما فعل في جاهليته بالإِسلام الذي صار إليه،
следующие страницы →