ثانيهما: لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذن زوجها روي عن أنس وطاوس والحسن البصري (١).
وفيه قول ثالث: قال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا ثلث مالها خاصة، قياسًا على الوصية.
وفيه قول رابع: قال الليث: لا يجوز عتق المزوجة وصدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد منه في صلة الرحم أو غيره مما يتقرب به إلى الله تعالى (٢).
حجة الأول أن الرب ﷻ سوى بين الرجال والنساء عند بلوغ الحكم وظهور الرشد فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآية فأمر بدفع أموالهم إليهم، ولم يخص رجلًا من امرأة فثبت أن من صح رشده صح تصرفه في ماله بما شاء. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية، فأباح للزوج ما طابت له به نفس امرأته. وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد.
فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها، وعلى أنها فيه كالرجل سواء.
واحتجوا بأمره ﵇ أسماء بالصدقة، ولم يأمرها باستئذان الزبير وبعتق ميمونة الوليدة من غير استئذان الشارع وبحديث ابن عباس أنه ﵇ أنه خطب النساء يوم عيد وقال لهن: "تصدقن ولو من حليكن" (٣).
стр. 9522
وليس في شيء من الأخبار أنهنّ استأذنّ أزواجهنّ، ولا أنه أمرهنّ باستئذانهم، ولا يختلفون في أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كالرجل ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيل ولا أمر، وبذلك نطق الكتاب، وهو ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها فأفعالها في مالها في حياتها أجوز.
وحجة النسائي حديث عمرو بن شعيب السالف (١)، وأحاديث الباب أصح منه، وروى النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن ميمونة: كانت لي جارية سوداء فقلت: يا رسول الله، إني أردت أن أعتق هذِه: فقال: "أفلا تفدين بها بنت أختك أو بنت أخيك من رعاية الغنم" (٢).
واحتج ابن حزم مما رواه من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن امرأته أن امرأة سألت عائشة: أطعم من بيت زوجي؟ فقالت عائشة: ما لم تقي مالك بماله (٣).
وهذا فيه جهالة كما ترى.
ولما ذكر حديث أبي هريرة في مسلم السالف: "وما أنفقت المرأة في كسبه .. " الحديث (٤).
قال: اعترض بعض الناس بأن قال: هذا رواه أبو هريرة وقد سئل هل تصدق المرأة من بيت زوجها قال: لا إلا من قوتها، والأجر بينهما،
стр. 9523
ولا يحل لها أن تصدق من بيته إلا بإذنه (١).
وهذِه الفتيا إنما رويناها من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو متروك- عن عطاء، عن أبي هريرة، فهي ساقطة (٢).
قلت: عبد الملك هذا ثقة قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا (٣).
وذكره ابن حبان في "ثقاته" ووصفه بالحفظ وقال جرير بن عبد الحميد: كان المحدثون إذا وقع بينهم الاختلاف في الحديث سألوه فكان حكمهم (٤). وقال أحمد فيما ذكره الساجي: ثقة من الحفاظ.
وكان الثوري يمدحه ويسميه الميزان (٥)، وقال الترمذي: ثقة مأمون، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة (٦)، وحدث عمن هو دونه في الحفظ والعدالة. وقال شعبة: إنما تركته لحديث السقيفة الذي
تفرد به وكان يعجب من حفظه (٧).
وقال ابن خلفون في "ثقاته": وثقه ابن نمير وغيره.
وتأول مالك الأحاديث في أمره النساء بالصدقة: بأنه إنما أمرهن بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن أزواجهن؛ لقوله:
стр. 9524
"تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها" (١) فسوى بين ذلك، فكان لزوجها في مالها حق فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه.
وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب، وسائر الأحاديث المعارضة له فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا في النهي عن إعطاء الكثير المجحف وغيره مما ليس بالكثير.
وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة، فليس من هذا الباب في شيء؛ لأن للمرأة السفيهة أن تهب يومها لضرتها، وإنما السفه في إفساد المال خاصة، كذا قاله ابن بطال (٢).
وأيضًا فهذِه الهبة للزوج لا للضرة، وهما قولان للعلماء: هل الهبة للزوج أو للضرة؟ فترجمته على أحد القولين إذن.
واختلفوا في البكر إذا تزوجت متى تكون في حال من يجوز لها العطاء على قولين:
أحدهما: أنه ليس لها في مالها أمر؛ حتى تلد أو يحول عليها الحول.
روي هذا عن عمر- وشريح والشعبي، وبه قال أحمد وإسحاق (٣).
ثانيهما: الفرق بين البكر ذات الأب والوصي، وبين التي لا أب لها ولا وصي، قاله أصحاب مالك. فقال ابن القاسم: البكر التي لا أب لها لا يجوز قضاؤها في مالها وإن عنست؛ حتى يدخل بيتها وترضى حالها (٤).
стр. 9525
واختلف في حد تعنيسها: فقال ابن وهب: ثلاثون إلى خمس وثلاثين، وقال ابن القاسم: أربعون إلى خمس وأربعين (١).
وقال ابن الماجشون ومطرف في اليتيمة لا أب لها ولا وصي تختلع من زوجها بشيء تهب له: الخلع ماض، ويرد الزوج ما أخذ؛ لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها، وذلك بعد سنة من ابتناء زوجها بها أو تلد ولدًا.
وخالف هذا سحنون فقال في البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول فيملكها أمرها، أو تباريه بشيء من مالها فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز ذلك ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها، وإن كانت لا أب لها ولا وصي جاز ذلك؛ وهي عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له، أن أموره جائزة بيوعه وصدقته وهبته ما لم يحجر عليه الإمام (٢).
تنبيهات:
أحدها: في حديث ميمونة دلالة على أن صلة الأقارب وإغناء الفقراء أفضل من العتق، وإن كان جاء في العتق: أنه يعتق لكل عضو منه عضوًا منه من النار (٣)، وبه تجاز العقبة يوم القيامة (٤).
قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من العتق (٥).
стр. 9526
ثانيها: وقع في رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء.
قال عياض: ولعله أصح من رواية: أخوالك (١).
بدليل رواية مالك في "الموطأ": "أعطيها أختك" (٢).
وقال النووي: الجمع صحيح ولا تعارض، ويكون ﵇ قال ذلك كله.
ثالثها: على قول مالك السالف لو تصدقت بأكثر من ثلثها.
فذهب مالك إلى بطلان الجميع، وقال المغيرة: تمضي قدر الثلث.
واختلف إذا قصدت الضرر في أقل من الثلث هل تمضي أم لا؟
واختلف أيضًا إذا تصدقت ثم تصدقت وقرب ما بينهما وهما أكثر من الثلث إذا جمعا، فقال أصبغ: إن كان ما بينهما يوم أو يومان بطل جميعًا وإن طال مثل الشهرين مضت الأولى، وإن طال مثل الستة أشهر صحتا جميعًا، وقيل: إذا كان بينهما يومان وشبه ذلك صح في الأولى، وقيل: إذا كان بينهما كبير وإن طال صحت الأولى دون الثانية، وحمل مالك النهي على مجاوزة الثلث (٣)، وقد سلف.
رابعها: قول أسماء: (مالي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير). يعني: ما صيره ملكًا لها، فأمرها ﵇ أن تنفق ولم يقل لها بالمعروف؛ لعلمها بمراده، ويحتمل أن يريد ما جعله الزبير تحت يدها من ماله، فإن كان كذلك فينفق ما كان يجب على الزبير إنفاقه من إعانة ملهوف وإعطاء سائل.
стр. 9527
ومعنى: "لا توعي" لا تجعليه في الوعاء فيدخره، ولا تنفقيه فيجعله في الوعاء، ومنه: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] فمادة الرزق متصلة بالإنفاق ومنقطعة بانقطاعه، فلا يمنع فضل الزاد تحرٍّ من مادة الرزق.
وكذا قوله: "لا تحصي فيحصي الله عليك" أي: تحصي النفقة فيحصي الله بقطع البركة، وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المنافسة في الآخرة.
خامسها: قال ابن التين: ليس في أحاديث الباب التي ذكرها البخاري دلالة على جواز فعل المرأة في أكثر من ثلثها.
أما قصة أسماء فسلف ما فيها، وأما قصة ميمونة فقال الداودي: ليس فيه أنها أكثر من ثلثها.
وأما حديث سودة وِهَبِتَها فليس من هذا في شيء، وقد سلف ما في ذلك.
سادسها: في حديث عائشة: القرعة.
قال مالك في "المدونة": يخرج من شاء منهن في أي الأسفار شاء (١).
وقال ابن الجلاب: إن أراد سفر تجارة ففيها روايتان: القرعة بينهن كالحج والغزو، والأخرى: لا إقراع، قال: وإن أراد سفر حج أو غزو فأقرع بينهن، ثم إذا انقضى سفره قضى لهن وبدأ بها أو بمن شاء غيرها.
قلت: لم ينقل القضاء إذا عاد، والبداءة بغيرها أحب.
стр. 9528
١٦ - باب بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَدِيَّةِ ؟
٢٥٩٤ - وَقَالَ بَكْرٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: إِنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا، فَقَالَ لَهَا: "وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ". [انظر: ٢٥٩٢ - مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٥/ ٢١٩]
٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَي أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا". [انظر: ٢٢٥٩ - فتح: ٥/ ٢١٩]
ذكر فيه تعليق بكر عن عمرو الذي في الباب قبله.
وحديث عائشة: إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا منك بَابًا".
وفيه: أن أقرب الجيران أولى بالصلة والبر والرعاية، وأن صلة الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد؛ إذ لا يقدر على عموم جميعهم بالهدية، وقد أكد الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، فدل على تفضيل الأقرب، وقد سلف ذلك في باب: أي الجوار أقرب في كتاب الشفعة (١).
الإنسان على غير عوض، ويلزم آخذه العار، يعني بذلك الأمراء ومن في معناهم ممن يتقى شره.
والرغاء: صوت الإبل (١)، والخوار -بالخاء-: صوت البقر (٢)، وقال ابن التين: هو بالخاء والجيم، وهو في "المطالع" بلفظ الجرار الصوت، وروي حوار، والمعنى واحد، إلا أنه بالخاء يستعمل في الظباء والشاء والجيم للبقر والناس. و (تيعر): تصيح، واليعار: صوت الشاة، يعرت تيعر يعارًا (٣).
و (عفرة إبطيه): بياضهما، قال صاحب "العين": العفرة: غبرة في حمرة كون الظبي الأعفر (٤).
وتكريره: "اللهم هل بلغت" ليسمع من لم يسمع؛ وليبلغ الشاهد الغائب، كرره للتأكيد.
وفيه -أعني حديث الصعب-: رد الهدية وهو غاية الأدب فيه؛ لأنها لا تحل للمهدى إليه؛ من أجل أنه محرم.
ومن حسن الأدب أن يكافأ المهدي، وربما عسرت المكافأة فردها إلى من يجوز له الانتفاع بها أولى من تكلف المكافأة، مع أنه لو قبله لم يكن له سبيل إلى غير تسريحه؛ لأنه لا يجوز له ذبحه، وهو محرم.
ويؤخذ منه أنه لا يجوز قبول هدية من كان ماله حراصًا على المهدى إليه، وكذا من عرف بالغصب والظلم.
стр. 9531
وفي حديث ابن اللتبية أن هدايا العمال يجب أن تجعل في بيت المال، وأنه ليس لهم منها شيء إلا أن يستأذنوا الإمام في ذلك، كما جاء في قصة معاذ أنه ﵇ طيب له الهدية فأنفذها له أبو بكر بعد رسول الله، لما كان دخل عليه في ماله من الفلس (١).
وفيه كراهية قبول هدية طالب العناية، ويدخل في معنى ذلك كراهية هدية المديان والمقارض، وكل من لهديته سبب غير سبب الجيرة أو صلة الرحم.
стр. 9532
١٨ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتَ وَكَانَتْ فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ وَالمُهْدَى لَهُ حَيٌّ فَهْيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الذِي أَهْدَى. وَقَالَ الحَسَنُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْيَ لِوَرَثَةِ المُهْدَى لَهُ. إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ.
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا". فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَنِي. فَحَثَى لِي ثَلَاثًا. [انظر: ٢٢٩٦ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٥/ ٢٢١]
ثم ذكر حديث جابر "لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا". وقد سلف (١).
واختلف العلماء في الذي يهب أو يتصدق على رجل ثم يموت الواهب أو المتصدق قبل أن يصل إلى الموهوب له: فذكر البخاري قول عبيدة -وهو السَلْماني بفتح العين- والحسن، وبمثل قول الحسن
قال مالك: إن كان أشهد عليها أو أبرزها أو دفعها إلى من يدفعها إلى الموهوب له، فهي جائزة.
كذا نقله عنه ابن بطال (٢).
стр. 9533
وقال ابن التين: قول مالك: إن شهد الباعث والمبعوث إليه حي يومئذ. وفي كتاب محمد: من مات منهما رجحت إلى ورثة الميت، إن لم يشهد.
وفيها قول ثالث وهو: إن كان بعث بها المهدي مع رسوله، فمات الذي أهديت إليه، فإنها ترجع إليه، وإن كان أرسل بها مع رسول الذي أهديت إليه، فمات المهدي إليه، فهي لورثته.
هذا قول الحكم وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: لا تتم الهبة إلا بقبض الموهوب له أو وكيله، فأيهما مات قبل أن تصل الهبة إلى الموهوب له، فهي راجعة إلى الواهب أو إلى ورثته. هذا قول الشافعي (١).
وروى مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال: "إني أهديت للنجاشي أواقي من مسك وحلة، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد إليَّ، فإذا ردت فهي لك" (٢).
واختلف الفقهاء فيما يلزم من العِدَة، وفيما لا يلزم منها، فقال الكوفيون والأوزاعي والشافعي: لا يلزم من العِدَة شيء؛ لأنها منافع لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وقال مالك: أما العِدَة مثل أن
يسأل الرجل الرجل أن يهب له هبة، فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل، فلا أرى ذلك يلزمه.
стр. 9534
قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.
وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت لهذا من أين يؤدى إليكم، فإن هذا يلزمه، وأما أن يقول: نعم، أنا أفعل. ثم يبدو له، فلا أرى ذلك عليه (١).
وقال سحنون: الذي يلزمه في العدة في السلف والعارية أن يقول للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به، أو أخرج إلى الحج وأنا أسلفك ما يبلغك، أو اشتر سلعة كذا، أو تزوج وأنا أسلفك.
ذلك مما يدخله فيه وينشئه به، فهذا كله يلزمه، قال: وأما أن يقول: أنا أسلفك وأنا أعطيك بغير شيء، يلزمه المأمور نفسه، فإن هذا لا يلزمه شيء. وقال أصبغ: يلزمه في ذلك كل ما وعد به (٢).
قال ابن العربي: وأجلُّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز، ورجح الأول ابن بطال وقال: إنه أشبه بمعنى الحديث، ألا ترى فُتيا عبيدة السلماني والحسن في أن الهبة والعدة إنما تتم إذا وصلت إلى المهدي له قبل موت الواهب والموهوب له في قول الحسن، وفي قول عبيدة: إن مات الموهوب له قبل أن تصل إليه الهبة، فهي لورثة الواهب.
وذكر عبد الرزاق، عن قتادة كقول الحسن (٣)، وهذا يدل من فتياهم أنهم تأولوا قوله ﵇ لجابر: "لو قد جاء مال البحرين أعطيك". أنها عدة
стр. 9535
حر، لازم الوفاء بها في القضاء؛ لأنها لم تكن فصلت من عند رسول الله ﷺ قبل موته، وإنما وعد بها جابرًا، وهو قوله: "لو قد جاء مال البحرين" فمات رسول الله ﷺ قبل ذلك، ولذلك ذكر البخاري قول عبيدة والحسن في أول الباب؛ ليدل أن فعل الصديق في قضائه عدات رسول الله ﷺ بعد موته، أنها كانت منه على التطوع ولم يكن يلزم الشارع ولا الصديق قضاء شيء منها؛ لأنه لم يرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة، وإنما أنفذ ذلك الصديق بعد موته ﵇؛ اقتداءً بطريقة رسول الله ﷺ ولفعله، فإنه كان أوفى الناس بعهدٍ وأصدقهم لوعدٍ (١).
قلت: قد ذكر البخاري أن ابن أشوع وسمرة قضيا به (٢) وفي "تاريخ المنتجيلي" أن عبد الله بن شبرمة قضى على رجل بوعد وحبسه فيه، وتلى قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣].
تنبيهان:
أحدهما: اعترض الإسماعيلي فقال: هذا الباب لا يدخل في الهبة بحال، وليس ما قاله لجابر هبة، وإنما هو عِدَة على وصف إذا كان صح الوعد، ولكن لما كان وعده لا يجوز أن يعترضه خُلْف أو يعوق دون الوفاء به معنى جعلوا وعده بمنزلة الضمان في الصحة، فرقًا بين وعده الذي لا خلف له وبين وعد غيره من الأمة، ممن يجوز أن يفي به وقد لا يفي.
стр. 9536
ثانيهما: قال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه، وليس بواجب فرضًا، والدليل على ذلك اتفاق الجمع على أن من وعد بشيء لم يضارب به مع الغرماء.
ولا خلاف أنه مستحسن ومن مكارم الأخلاق، وعدة جابر لم تكن في ذمة رسول الله ﷺ ، إنما ادعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذاك موكول إلى اجتهاد الإمام. وقال ابن التين: إنما أعطاه الصديق؛ ليبلغ مراد رسول الله ﷺ .
وقول جمهور العلماء: إن هذا لو كان من غير مراد رسول الله ﷺ لم يقبض له في ماله بعد موته في العدة، قال: والحاصل في العدة ثلاثة أقوال: لا، نعم، إن كانت العدة سبب مثل أن يقول: اهدم دارك وأنا أبنيها. أن ذلك يلزم وإن لم يهدم، وأما أن يهدمها فمتفق عليه أن ذلك يلزمه ما شاء، وعاش في ذمته أو فلس كالدين.
وفيه: فاستقبله بأزراره (١). وفي بعض الطرق: يا بني إنه قدمتْ عليه أقبية وهو يقسمها. وفيه: (يا بني ادعه لي). قال: فأعظمت ذلك. فقال: (يا بني، إنه ليس بخيار فدعوته فخرج) (٢).
وأخرجه مسلم وقال: (ولم يعط منه) (٣) بضمير الواحد، كأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى.
والقباء: ممدود، قال ابن دريد: هو من قبوت الشيء: جمعته (٤).
وقوله: ("خبأنا هذا"). وقبله: (فخرج إليه وعليه قباء) وقال ابن التين: قوله: "خبأنا لك هذا".
وقال: (وخرج وعليه قباء) فقال: "خبأنا لك هذا".
فيه إشكال؛ للباسه ﵇ بعد أن خبأه لمخرمة.
ويحمل قوله: (فخرج وعليه قباء). أنه كان في يده. وفيه بُعْد يُبَيّنه حديث أنه خرج ومعه قباء، وهو يريه محاسنه ويقول: "خبأت هذا لك".
وقد قيل: قد كان في خلقه شيء ولاطفه. كما ذكره في الجهاد، ولفظه: وكان في خلقه شدة (٥).
وقوله: "رضي مخرمة؟ " هو من قوله ﵇، وصرح به الداودي، قال: أي: هل رضيت.
стр. 9539
ويحتمل أن يكون من قول مخرمة.
وقوله: (فخرج إليه وعليه قباء منها). ظاهره استعمال الحرير، ويجوز أن يكون قبل النهي، وأن يكون المراد أنه نشره على أكتافه؛ ليراه مخرمة كله.
وفيه ائتلاف أهل اللسانة وغيرهم.
فرع: مجرد التخبية لا يصيره ملكًا؛ لانتفاء الحوز، وممن صرح باشتراط الحوز الصديق والفاروق (١)، وعثمان وابن عباس ومعاذ (٢) وشريح ومسروق والشعبي (٣)، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي، وقالوا: ليس للموهوب له مطالبة الواهب بالتسليم إليه؛ لأنها ما لم تقبض عِدَة يحسن الوفاء بها ولا تقضى عليه (٤)، وعندنا مع اشتراط الحوز لابد من إذنه فيه، على الأصح.
وقال آخرون: يصح بالكلام دون القبض كالبيع (٥).
روي عن علي وابن مسعود (٦) والحسن البصري والنخعي (٧)، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور (٨)، إلا أن أحمد وأبا ثور قالا: للموهوب
стр. 9540
له المطالبة في حياة الواهب، فإن مات الواهب بطلت الهبة (١).
قال ابن بطال: وتقبض الهبات والمتاع عند جماعة العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب له.
وحيازة الموهوب له كركوب ابن عمر الجمل، وكإعطاء رسول الله ﷺ القباء لمخرمة وتلقيه بأزراره، كما ذكر البخاري في الجهاد أنه عليه (٢).
حجة أهل المقالة الأولى: أنه ﵇ قال لابن عمر وهو راكب الجمل: "هو لك" (٣).
فكان حكم الهبات كلها كذلك لا تتم إلا بالقبض.
حجة الثاني: أنه ﵇ قال لابن عمر في الجمل: "هو لك" مَلَّكَهُ إياه، ولا يُمَلِّك الشارع شيئًا أحدًا إلا وهو مالك له ويستحقه، فكان لابن عمر المطالبة بهذا الجمل لو لم يركبه لحقه الذي تعين فيه، فوجب له طلبه، وكذلك دل فعله في القباء الذي تلقى به مخرمة واسترضاه به قبل سؤاله إياه، أنه قد تعين للمسور فيه حق وجب للمسور طلبه على ما ذهب إليه مالك، فإن قلت: فإذا بقي في الهبة حق للموهوب له وجبت به مطالبة الواهب في حياته، فكذلك يجوز
стр. 9541
مطالبته بعد مماته كسائر الحقوق. قيل: هذا هو القياس، لولا حكم الصديق بين ظهراني الصحابة وهم متوافرون فيما وهب لابنته جداد عشرين وسقًا من ماله بالغابة، ولم تكن قبضته، وقال لها: لو كنت حُزْتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث.
ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أنكر قوله ذلك، ولا رد عليه، فكان هذا دليلًا لصحة قول مالك (١).
стр. 9542
٢٠ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً وَقَبَضَهَا الآخَرُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مَحْبوبٍ، حَدَّثَنَا عبد الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْت. فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: "تَجِدُ رَقَبَةً؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: فَجَاءَ رجلٌ مِنَ الأنصَارِ بِعَرَقٍ -وَالعَرَقُ: الِمكْتَل- فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: "اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِه". قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالَحْقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح: ٥/ ٢٢٣]
ذكر فيه حديث المجامع في رمضان وفيه قال: "اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِه".
رواه عن محمد بن محبوب (خ. د. س)، وهو محمد بن الحسن (خ. د. س) بن هلال بن أبي زينب القرشي البناني، أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله المعروف بابن محبوب، ومحبوب لقب لأبيه الحسن، مات محمد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، روى عنه البخاري وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه (١).
ولا شك أن القبض في الهبة هو غاية القبول، قال ابن بطال: ولا يحتاج القابض أن يقول قبلت، وهو قد قبضها، قال: وعلى هذا جماعة العلماء، ألا ترى أن الواقع على أهله في رمضان قبض من
стр. 9543
الشارع المكتل من التمر ولم يقل قد قبلت، إذ كان مستغنيًا عنه بالقبض، ومثل هذا المعنى في حديث جابر حين اشترى منه الشارع الجمل، فلما رجع إليه الثمن قال: "الثمن والجمل لك" (١). ولم يقل له جابر: قد قبلته يا رسول الله.
فدل ذلك أن الهبة تتم بإعطاء الواهب وقبض الموهوب له، دون قوله باللسان: قد قبلت.
وأما إذا قال: قبلت ولم يقبض. فتعود المسألة إلى ما سلف من اختلافهم في قبض الهبة في الباب قبله (٢).
قلت: مذهبنا أنه لا بد من الإيجاب والقبول لفظًا، كما في البيع وسائر التمليكات فلا يقوم الأخذ والإعطاء مقامهما كما في البيع (٣)، قال الإمام: ولا شك أن من يصير إلى انعقاد البيع بالمعاطاة يجزئه
في الهبة.
واختار ابن الصباغ من أصحابنا أن الهبة المطلقة لا تتوقف على إيجاب وقبول.
стр. 9544
٢١ - باب إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ
قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ: هُوَ جَائِزٌ. وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِرَجُلٍ دَيْنَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ، أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ". وَقَالَ جَابِرٌ: قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي، وَيُحَلِّلُوا أَبِي.
٢٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَائِطِي، وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: "سَأَغْدُو عَلَيْكَ". فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرَ: "اسْمَعْ -وَهْوَ جَالِسٌ- يَا عُمَرُ". فَقَالَ: أَلاَّ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟ وَاللهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح: ٥/ ٢٢٤]
ثم ساقه من حديثه.
الشرح:
أثر الحكم أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن أبي زائدة، عن شعبة، عنه في رجل وهب لرجل دينًا له عليه، قال: ليس له أن يرجع فيه.
وحدثنا (١) أبو داود الطيالسي عن شعبة قال: قال لي الحكم: أتاني ابن أبي ليلى فسألني عن رجل كان له على رجل دين، فوهبه له، أله أن
стр. 9545
يرجع فيه؟ قلت: لا. فسألت حمادًا فقال: بلى، له أن يرجع فيه (١).
وقوله: "عليه حق .. " إلى آخره، ذكره مسندًا بلفظ: فإنه ليس في الآخرة دينار ولا درهم (٢). وحديث جابر قد أسنده، وقد سلف أيضًا في الصلاة (٣).
ولا خلاف بين العلماء أن من كان عليه دين لرجل فوهبه له ربه (أو) (٤) أبرأه منه. وقبل البراءة أنه لا يحتاج فيه إلى قبض؛ لأنه مقبوض في ذمته، وإنما يحتاج في ذلك إلى قبول الذي عليه الدين؛ لأنه ﵇ سأل غرماء أبي جابر أن يقبضوا ثمر حائطه ويحللوه من بقية دينه، فكان ذلك إبراء لذمة جابر لو رضوا بما دعاهم إليه رسول الله، ولم يكن يعرف ذلك إلا بقولهم: قد قبلنا ذلك ورضينا. فلم يتم التحلل في ذلك إلا بالقول.
واختلفوا إذا وهب دينًا له على رجل لرجل آخر، فقال [مالك] (٥): تجوز الهبة إذا سلم إليه الوثيقة بالدين، وأحله به محل نفسه، وإن لم يكن له وثيقة وأشهد على ذلك وأعلن فهو جائز (٦). وقال أبو ثور: الهبة جائزة أشهد أو لم يشهد إذا تقارا على ذلك (٧)، وقال الكوفيون والشافعي: الهبة غير جائزة؛ لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة (٨).
стр. 9546
وقد سلف قريبًا مذاهب العلماء في قبض الهبات.
والحجة لمالك وأبي ثور أنهم جعلوا الموهوب له حل محل الواهب في ملك الدين، وينزل منزلته في اقتضائه.
ولما أجمعوا أنه يجوز للرجل أن يحيل الرجل على من له عليه دين، كذلك يجوز له أن يجعل ماله من المطالبة بدينه على رجل لرجل آخر، يحله محله وينزل منزلته إن شاء الله.
وحديث جابر فيه الشفاعة في وضع بعض الدين، وتأخير الغريم المدة اليسيرة التي لا تضر المطالب.
وجاء في رواية: اعزل كل صنف على حدة، وأنه جلس عليه وأمرهم أن يكيلوه (١).
وهنا أن جابرًا قضاهم ثم أخبر رسول الله ﷺ .
ويحتمل أن يكون ﵇ جلس حتى اكتالوا بعض حقهم، ثم ذهب ووفاهم، ثم أخبر رسول الله ﷺ بما كان بعده. ومعنى: جددتها: قطعتها، بالدال المهملة والمعجمة (٢).
стр. 9547
٢٢ - باب هِبَةِ الوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ بِالغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.
٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: "إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ". فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٥/ ٢٢٥]
ثم ساق حديث سهل بن سعد أنَّه ﵇ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، .. الحديث، وقد سلف (١).
وقوله: (وابن أبي عتيق). كذا هو في الأصول، ونقل ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أن في كتابه إسقاط الواو من (وابن).
وأبو عتيق: هو عبد الرحمن (س) بن أبي عتيق، واسم أبيه عبد الله، قال: وأظن الواو سقْطٌ من كتابي، وعند أبي ذر بإثباتها.
وقال الداودي: القاسم ابن أخي عائشة وابن أبي عتيق ابن أختها فوصلتهما بما أعطت فيه مائة ألف، وكانت من أجود الناس، كما أن رسول الله ﷺ أجودهم، وهي ضلع منه.
وظاهر إيراده أن المتصدقة عائشة، وهو خالف ما في البخاري أنها أسماء.
стр. 9548
وقوله: (عن يمينه غلام) في حديث سهل قيل: إنه ابن عباس.
وقيل: الفضل، كما سلف غير مرة، قال الداودي: هو الفضل، كان عن يساره، والذي عن يمينه خالد، قال ابن التين: وهو وهم، أما خالد فلم يذكر فيه في الصحيح وإنما اختلف في الغلام فقيل: ابن عباس. وهو الأشهر، وقيل: الفضل. قال: وحديث خالد وقد سلف عن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فنبه عمر رسول الله ﷺ أن أبا بكر عن يساره أراد أن لا يعطي خالدًا قبله.
وقد سلف معنى: فَتَلَّه في يده.
وغرض البخاري في هذا الباب والبابين بعده الرد على أبي حنيفة في إبطاله هبة المشاع فإنه يقول: إذا وهب رجل دارًا لرجل أو متاعًا، وذلك المتاع مما ينقسم فقبضاه جميعًا، فإن ذلك لا يحوزه إلا أن يقسم كل واحد منهما حصته؛ لأن الهبة من شرط صحتها عنده القبض (١).
وذهب مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعي إلى أن هبة الواحد للجماعة جائزة قالوا: ولو وهب شقصًا من دار أو عبد جاز، وإن لم يكن مقسومًا. وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور (٢).
وحجة من أجاز ذلك أنه ﵇ سأل الغلام أن يهب نصيبه من اللبن للأشياخ، ومعلوم أن نصيبه منه مشاع في اللبن غير متميز، ولا منفصل في القدح.
وهذا خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا معنى لقوله.
ثم ساق حديث جابر: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَسْجِدِ فَقَضَانِي وَزَادَنِي.
وشيخ البخاري ثابت: هو ابن محمد أبو إسماعيل الشيباني الكوفي، من أفراده، مات سنة خمس عشرة أو ست عشرة ومائتين (١).
وقد سلف في الصلاة (٢) أيضًا.
قال الجياني: وفي رواية أبي زيد: وقال ثابت، وكذا هو عن النسفي. وقال ابن السكن في روايته عن الفربري: حدثنا ثابت بن محمد.
وفي نسخة الأصيلي: عن أبي أحمد قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا ثابت. كذا وقع غير منسوب عن ثابت، وقد حدث البخاري عن ثابت في غير موضع من "الجامع"، ولم يتابع أبو أحمد على هذا (٣).
ثم ساقه أيضًا من حديث محمد بن بشار، وفيه: قَالَ شُعْبَةُ: أُرَاهُ فَوَزَنَ لِي فَأَرْجَحَ. فَمَا زَالَ مِنْهَا شَيٌ حَتَّى أَصَابَهَا أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الحَرَّةِ.
ثم ساق حديث سهل بن سعد السالف في الباب قبله (٤).
وحديث أبي هريرة "فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكمْ -أو- أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً".
وقد سلف الخلاف في قبض الهبات.
والهبة غير المقسومة: هي هبة المشاع، وقد اختلف العلماء فيها.
стр. 9551
وقد أسلفنا عن مالك والشافعي وأحمد صحة هبة المشاع ومن وافقهم. ويتأتى فيها القبض، كما يجوز فيها البيع.
وسواء كان المشاع مما ينقسم كالعبيد والثياب والجواهر، وسواء كان مما يقبض بالتخلية أو مما يقبض بالتحويل، وأبو حنيفة يقول: إن كان المشاع مما يقسم لم يجز هبة شيء منه مشاعًا، وإن كان مما لا يقسم كالعبيد واللؤلؤ فإنه يجوز هبته (١).
حجتهم أن المشاع لا يتأتى فيه القبض إلا بقبض الجميع، ومن كلف الشريك هذا أضر به، وله أن يمتنع من ذلك، وبقصة الصديق السالفة في عدم القبض.
حجة المجيز أنه ﵇ وهب حقه من غنائم حنين لهوازن، وحقه من ذلك مشاع لم يتعين، وكذا حديث أبي هريرة في قضائه الجمل بأفضل من سنه.
ووجه الدلالة منه: أن ثمن ذلك الفضل مشاع في ثمن السن التي كانت تلزمه، وقد وهب ذلك.
وكذلك قول جابر: قضاني فزادني.
وقوله: (فَوَزَنَ لي وأرجح).
وقد علم أن تلك الزيادة وذلك الرجحان لم يكن من الثمن وإنما كان هبة، ولم يكن متميزًا بل كان مشاعًا، وهبةُ النبي ﷺ ، وحديثُ الغلام والأشياخ بيِّن في ذلك أيضًا؛ لأنه استوهب الغلام بنصيبه من الشراب، وكان ذلك مشاعًا غير متميز ولا مقسوم، ولا يعرف ما كان
يشرب مما كان يترك للأشياخ.
стр. 9552
ومن أجاز هبة ما لا يقسم فما ينقسم أجوز.
وأما احتجاجهم بقصة الصديق فهو حجة عليهم؛ لأنه وهب لها جذاذ عشرين وسقًا من أوساق كبيرة، وهذا مشاع بينهم.
فدل هذا على جواز هبة المشاع؛ لأنه لو لم يجز لم يفعله.
وقوله: (لو كنت حزتيه لكان لك). لا يدل على منع ما عقده، وإنما قال ذلك؛ لئلا يقتدي به من يريد الهروب بماله من الميراث، ولما لم تحزه عائشة في صحته لم ينفذه لها في مرضه؛ لأن عطايا المريض المقبوضة هي في ثلثه كالوصايا، والوصية للوارث لا تجوز إما مطلقًا أوموقوفًا على إجازة باقي الورثة، ولم يختلف الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي أن عطايا المريض جائزة في ثلثه (١)، فلم يخالف مالك من حديث أبي بكر شيئًا، وأبو حنيفة خالف أوله وتأول في آخره، ما لم يجامع عليه.
تنبيهات:
أحدها: في قصة هوازن: هبة المشاع والمجهول، ومن منع هبة المشاع لأجل انتفاء القبض، وقد سلف، قال ابن التين: ولا أعلم خلافًا فيما إذا وهب جماعة شيئًا شركة بينهم لواحد وقبضه وحازه دونهم أنه يصح فَتَقُومُ على المخالفِ الحجة من الحديث.
ثانيها: كانت هوازن سنة ثمان عقب الفتح، خرج إليهم من مكة قبل مرجعه إلى المدينة، فكانت حنين وهوازن، وحاصر الطائف وانصرف عنها ولم يفتحها، وهي آخر غزوة شهدها بنفسه وقاتل فيها. ذكره أجمع الداودي.
стр. 9553
وذكر الشيخ أبو محمد أن غزوة تبوك وهي جيش العسرة كانت عام تسع، وأن النبي ﷺ توجه إليها أول يوم من رجب، واستخلف عليًّا على المدينة (١)، وذكر أبو محمد أيضًا أن حنينًا هي هوازن (٢)، وإنما حنين بلد وهوازن قبيلة، اجتمعوا هناك مع رسول الله ﷺ بخلاف ما ذكره الداودي.
ثالثها: قوله: (فأرجح) فيه هبة المشاع أيضًا، وكان يوم الحرة في إمارة يزيد، قاتلهم مسلم بن عقبة، كان يزيد أخرجه إلى ابن الزبير، ونهاه أن لا يعارض أهل المدينة، فطرد أهل المدينة من كان بها من بني أمية إلا عمرو بن عثمان ومروان، وتعرضوا لمسلم وخرجوا إليه، فأقام وكتب إلى يزيد، فكتب إليه: أما إذا أبوا فأرجع إليهم، فإن ظفرت بهم فانجمها ثلاثًا. وكان مسلم مريضًا فأمر أن يجعل على سرير بين الصفين؛ لئلا يفر أصحابه فقتل من أهل المدينة ستة آلاف وخمسمائة، وأباح المدينة وختم في أعناق من كان بها من الصحابة بالخشب ليذلهم، فبايع أهل المدينة ليزيد، ونتف لحية عمرو بن عثمان وما ( … ) (٣) حوصرت مكة ورميت الكعبة بالنفط فاحترق سقف الكعبة.
رابعها: في حديث سهل في الشراب شركة الهدية إذا كانت طعامًا إلا أن صاحبها المبدأ فيها ثم الأيمن فالأيمن.
وفيه: هبة المجهول، قاله الداودي.
أهله إلا بعد أن حصل في ملكهم، وبعد أن نفذت هبة الصحابة لهم في السبي، ولم يكن لأحد منهم رجوع في شيء من ذلك؛ لأنهم طيبوا هبتهم وأمضوها، على شرط ألا يقبلوا العوض من النبي ﷺ فيها، فهذا يرد قول أبي حنيفة أن هبة المشاع الذي تتأتى فيه القسمة لا تجوز؛ لأن هوازن إنما حازوا أهليهم بعد تملكهم لهم فهذا هبة الجماعة للجماعة.
وأما هبة الرجل للجماعة، فلأن الصحابة وإن كانوا قد طابت
أنفسهم بهبة السبي، فإنما فعلوا ذلك من أجل شفاعته عندهم فيه، وأنه وعد بالعوض من لم تطب نفسه بالهبة، فكأنه هو الواهب؛ إذ كان السبب في الهبة، وأيضًا فإنه ﵇ كان له حق في جملة السبي فصح ما ذكره، وكذا قال ابن التين أنه يريد بقوله: ومن أحب أن يكون على حظه؛ حتى نعطيه مما يفيء الله علينا، فلو اختاروا ذلك لكان ﵇ يقوم لهم بقدر ذلك من الفيء ويهبهم وحده.
وقوله: (مقسومًا أو غير مقسوم).
فإنما أراد أن المشاع والمقسوم سواء في جواز الهبة، فكذلك ما ينقسم وما لا ينقسم، سواء في جواز الهبة.
وقال ابن المنير: احتمل عند البخاري أن يكون الصحابة وهبوا الوفد مباشرة، وسيدنا رسول الله ﷺ شفيع.
واحتمل أن يكونوا وهبوا رسول الله ﷺ ، وأنه هو وهب الوفد فترجم على الاحتمال (١).
стр. 9556
٢٥ - باب مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ فَهْوَ أَحَقُّ به
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ. وَلَمْ يَصِحَّ.
٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا، فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: "إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا". ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ: "أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح: ٥/ ٢٢٧]
٢٦١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ أَبُوهُ يَا عَبْدَ اللهِ، لَا يَتَقَدَّمِ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ". فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ لَكَ. فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ قَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ". [انظر: ٢١١٥ - فتح: ٥/ ٢٢٧]
ثم ساق حديث أبي هريرة في إعطاء أفضل من سنه.
وحديث ابن عمر في جَمَله حيث اشتراه منه ووهبه لابنه عبد الله.
أما أثر ابن عباس، فكأنه أراد به ما أخرجه البيهقي من حديث محمد بن الصلت: ثنا مندل بن علي، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس مرفوعًا: "من أهديت له هدية وعنده ئاس فهم شركاء فيها" (١).
ورواه الطبراني عن أبي مسلم الكشي، ثنا مالك بن زياد الكوفي، ثنا مندل به وقال: "وعنده قوم فهم شركاء فيها" (٢).
стр. 9557
ومندل (د. ق): شيعي صدوق تكلم فيه، مات في خلافة المهدي سنة سبع (١) وستين ومائة (٢).
ورواه عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن عمر، وعن ابن عباس، وكذا رواه ابن الأزهر عن عبد الرزاق مرفوعًا، والموقوف أصح، ورواه العقيلي من حديث عبد السلام بن عبد القدوس، ثنا ابن جريج، عن عطاء، عنه؛ مرفوعًا.
ورواه أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا، وفي سنده وضاح ابن خيثمة، قال: ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا المتن حديث (٣).
وعبد السلام لا يتابع على شيء من حديثه، وليس ممن يقيم الحديث (٤).
وقال ابن بطال: لو صح قوله ﵇: "جلساؤكم شركاؤكم" لكان معناه الندب عند الفقهاء فيما خَفَّ من الهدايا وما جرت العادة بترك المشاحة فيه (٥).
فأما مثل الدور والعقار والمال الكثير فصاحبها أحق بها على ما ترجم البخاري؛ أَلَا ترى أنه ﵇ أمر أن يعطى الذي يتقاضاه
стр. 9558
أفضل من سنه التي كانت عليه، ولم يشاركه أحد ممن كان بحضرته في ذلك الفضل، وكذلك وهب ﵇ الجمل لابن عمر وهو مع الناس، فلم يستحق أحد منهم فيه شركة مع ابن عمر. وعلى هذا مذهب الفقهاء.
وروي عن أبي يوسف القاضي أن الرشيد أَهْدى إليه مالًا كثيرًا، فورد عليه وهو جالس مع أصحابه فقال له أحدهم: قال النبي ﷺ "جلساؤكم شركاؤكم" فقال له أبو يوسف: إن هذا الحديث لم يرد في مثل هذا وإنما ورد فيما خَفَّ من الهدايا وفيما يؤكل ويشرب مما تطيب النفوس ببذله والسماحة فيه، وقال: ما ذكر عن ابن عباس لا وجه له في القياس؛ لأن المجالسة لا تثبت الشركة في الهدية ولا الصدقة ولا الهبة ولا غيرها من العطايا، كما لو انتقل إلى رجل ملك بميراث لا يشاركونه.
واحتج البخاري بأنه ﵇ لما قضاه أفضل من سنه لم يشاركه أحد ممن حضر في الزيادة.
وكذا حديث ابن عمر لم يشركوه أيضًا فيما وهب له الشارع من الجمل.
قلت: وقوله ﵇ في آخره: "هو لك، يا عبد الله، فاصنع به ما شئت" صريح في ذلك، وما ذكرناه يوضح رد قول الإسماعيلي: ذكر هذا الحديث في هذا الباب ليس منه في شيء.
قال: والزيادة في الشيء وتعلم القرآن وما لا يتميز سبيلها في القضاء والرد سبيل الهبة، لكنه من حسن القضاء، وقد يفلس المشتري والسلعة عنده زائدة زيادة في عين المشترى.
стр. 9559
ومنه ما لا يتميز فيأخذ هذا البائع على أنها عين ماله، وإن كان ذلك باعتداء من مال المشتري أو نحل فسقاه المشتري وقام عليه، فذلك إحسان من القاضي إذا قضاه لا هبة شيء، ألا ترى أن لو أفرد ما زاد على حال عهدها بأن وهبه مالكه مع الزيادة هبة تلك الزيادة لم يكن شيئًا.
стр. 9560
٢٦ - باب إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ رَاكِبُهُ، فَهُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ اُلحمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْروٌ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "بِعْنِيهِ". فَابْتَاعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ".
هذا الحديث وصله الإسماعيلي، فرواه عن ابن صالح عنه، وأبو نعيم عن أبي علي محمد بن أحمد بن بشر بن موسى عنه به، واسم الحميدي عبد الله بن الزبير كما سلف، ولا خلاف بين العلماء أن من كان عنده الشيء الموهوب له، فإن ذلك قبض صحيح.
وكذا حكم الوديعة والرهن والدين، يهبها أربابها لمن هي في يده أن ذلك كله حيازة صحيحة لا تحتاج إلى غيرها (١).