٢٥ - باب مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ فَهْوَ أَحَقُّ به
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ. وَلَمْ يَصِحَّ.
٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا، فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: "إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا". ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ: "أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح: ٥/ ٢٢٧]
٢٦١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ أَبُوهُ يَا عَبْدَ اللهِ، لَا يَتَقَدَّمِ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ". فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ لَكَ. فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ قَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ". [انظر: ٢١١٥ - فتح: ٥/ ٢٢٧]
ثم ساق حديث أبي هريرة في إعطاء أفضل من سنه.
وحديث ابن عمر في جَمَله حيث اشتراه منه ووهبه لابنه عبد الله.
أما أثر ابن عباس، فكأنه أراد به ما أخرجه البيهقي من حديث محمد بن الصلت: ثنا مندل بن علي، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس مرفوعًا: "من أهديت له هدية وعنده ئاس فهم شركاء فيها" (١).
ورواه الطبراني عن أبي مسلم الكشي، ثنا مالك بن زياد الكوفي، ثنا مندل به وقال: "وعنده قوم فهم شركاء فيها" (٢).
стр. 9557
ومندل (د. ق): شيعي صدوق تكلم فيه، مات في خلافة المهدي سنة سبع (١) وستين ومائة (٢).
ورواه عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن عمر، وعن ابن عباس، وكذا رواه ابن الأزهر عن عبد الرزاق مرفوعًا، والموقوف أصح، ورواه العقيلي من حديث عبد السلام بن عبد القدوس، ثنا ابن جريج، عن عطاء، عنه؛ مرفوعًا.
ورواه أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا، وفي سنده وضاح ابن خيثمة، قال: ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا المتن حديث (٣).
وعبد السلام لا يتابع على شيء من حديثه، وليس ممن يقيم الحديث (٤).
وقال ابن بطال: لو صح قوله ﵇: "جلساؤكم شركاؤكم" لكان معناه الندب عند الفقهاء فيما خَفَّ من الهدايا وما جرت العادة بترك المشاحة فيه (٥).
فأما مثل الدور والعقار والمال الكثير فصاحبها أحق بها على ما ترجم البخاري؛ أَلَا ترى أنه ﵇ أمر أن يعطى الذي يتقاضاه
стр. 9558
أفضل من سنه التي كانت عليه، ولم يشاركه أحد ممن كان بحضرته في ذلك الفضل، وكذلك وهب ﵇ الجمل لابن عمر وهو مع الناس، فلم يستحق أحد منهم فيه شركة مع ابن عمر. وعلى هذا مذهب الفقهاء.
وروي عن أبي يوسف القاضي أن الرشيد أَهْدى إليه مالًا كثيرًا، فورد عليه وهو جالس مع أصحابه فقال له أحدهم: قال النبي ﷺ "جلساؤكم شركاؤكم" فقال له أبو يوسف: إن هذا الحديث لم يرد في مثل هذا وإنما ورد فيما خَفَّ من الهدايا وفيما يؤكل ويشرب مما تطيب النفوس ببذله والسماحة فيه، وقال: ما ذكر عن ابن عباس لا وجه له في القياس؛ لأن المجالسة لا تثبت الشركة في الهدية ولا الصدقة ولا الهبة ولا غيرها من العطايا، كما لو انتقل إلى رجل ملك بميراث لا يشاركونه.
واحتج البخاري بأنه ﵇ لما قضاه أفضل من سنه لم يشاركه أحد ممن حضر في الزيادة.
وكذا حديث ابن عمر لم يشركوه أيضًا فيما وهب له الشارع من الجمل.
قلت: وقوله ﵇ في آخره: "هو لك، يا عبد الله، فاصنع به ما شئت" صريح في ذلك، وما ذكرناه يوضح رد قول الإسماعيلي: ذكر هذا الحديث في هذا الباب ليس منه في شيء.
قال: والزيادة في الشيء وتعلم القرآن وما لا يتميز سبيلها في القضاء والرد سبيل الهبة، لكنه من حسن القضاء، وقد يفلس المشتري والسلعة عنده زائدة زيادة في عين المشترى.
стр. 9559
ومنه ما لا يتميز فيأخذ هذا البائع على أنها عين ماله، وإن كان ذلك باعتداء من مال المشتري أو نحل فسقاه المشتري وقام عليه، فذلك إحسان من القاضي إذا قضاه لا هبة شيء، ألا ترى أن لو أفرد ما زاد على حال عهدها بأن وهبه مالكه مع الزيادة هبة تلك الزيادة لم يكن شيئًا.
стр. 9560
٢٦ - باب إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ رَاكِبُهُ، فَهُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ اُلحمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْروٌ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "بِعْنِيهِ". فَابْتَاعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ".
هذا الحديث وصله الإسماعيلي، فرواه عن ابن صالح عنه، وأبو نعيم عن أبي علي محمد بن أحمد بن بشر بن موسى عنه به، واسم الحميدي عبد الله بن الزبير كما سلف، ولا خلاف بين العلماء أن من كان عنده الشيء الموهوب له، فإن ذلك قبض صحيح.
وكذا حكم الوديعة والرهن والدين، يهبها أربابها لمن هي في يده أن ذلك كله حيازة صحيحة لا تحتاج إلى غيرها (١).
ثانيها: حديثه أيضًا أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، لأجل الستر الموشى فقال: "إِنِّي رَأَيْتُ على بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا". فَقَالَ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا". ثم قَالَ: "تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَة".
ثالثها: حديث علي: أَهْدى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي.
الشرح:
وقد أسلفنا أن الحلة من برود اليمن، وأنها لا تكون إلا ثوبين إزار ورداء.
والموشى: الملون، يقال: وشى الثوب إذا نسجه على لونين (١).
وموشيًا: كان أصله موشويًا على وزن مفعول فالتقى حرفا علة وسبق الأول بالسكون فقلب ياء وأدغم في الياء التي بعده وكسرت الشين لأجل الياء التي بعدها.
وفعل ذلك ﵇ كان يرغب ألا يكون لفاطمة في الدنيا نصيب غير أخذ البلغة؛ ليعظم أجرها في الآخرة، وقد سألته خادمًا فقال: "أدلك علي خير من ذلك: تسبحين وتحمدين وتكبرين" (٢)، وسارها بمحضر عائشة فبكت ثم سارها فضحكت، فقالت عائشة: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء منذ اليوم، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سرَّه.
стр. 9563
فلما توفي فسرته لها -لما أقسمت عليها- أنه يموت من وجعه ذلك فبكيت، وأني أول أهله لحوقًا به فضحكت، وأخبرني أني سيدة أهل الجنة (١).
وأمرها أن تعطي الستر ليكون لها ثواب ذلك وله نصيب منه؛ لشفاعته الحسنة، وقد قال ﷺ : "لو أنفق أحدكم ملء أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢). قاله لخالد في بعض (٣) السابقين الأولين، فإذا كان هذا حال أمته فكيف بمقامه الرفيع، قال علي: سبق النبي ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر (٤).
وإنما إعطاء الحلة؛ لأجل النساء؛ لأنها حرير.
وقول عليٍّ: (فشققتها بين نسائي) المراد: نساء قومه؛ لأنه لم يتزوج في حياة النبي ﷺ غير فاطمة.
وفي "مبهمات عبد الغني": من حديث أم هانئ: فراح عليٌّ وهي عليه- فقال ﵇: "إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم" (٥).
стр. 9564
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الهدايا" عن علي قال: فشققت منها أربعة أخمر لفاطمة بنت أسد أمي، ولفاطمة زوجي، ولفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب قال: ونسي الراوي الرابعة (١).
قال القاضي عياض: يشبه أن تكون فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، امرأة عقيل، أخي علي (٢).
وعند أبي العلاء بن سليمان: فاطمة بنت أبي طالب المكناة أم هانئ، وقيل: فاطمة بنت الوليد بن عقبة، وقيل: فاطمة بنت عتبة بن ربيعة.
حكاهما القرطبي (٣).
وهذا الثوب كان أهداه له أكيدر دومة.
ولأحمد من حديث علي بن زيد عن أنس: وأهدى له جرة مَنٍّ فأعطى لكل واحد من أصحابه قطعة قطعة، وأعطى جابرًا قطعتين فقال: يا رسول الله، إنك أعطيتني مرة. قال: "هذا لبنات عبد الله" (٤).
وفي قوله: (فرأيت الغضب في وجهه) ظاهره تحريمه.
وأما عبد الله أخو المهلب فقال: هو قال على أنّ النهي للكراهة فقط لا محرمًا، ولو كان تحريمًا لما عرف الكراهية من وجهه، بل من نهيه.
وقوله: (لا ينبغي هذا للمتقين). دليل آخر، ولو كان حرامًا لكان المتقي فيه والمسيء واحدًا، ولكنه كما قال تعالى في المتعة: ﴿حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ﴿حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
стр. 9565
قلت: ويبعد أن يكون قبل التحريم، ولا شك أن هدية ما يكره لبسه مباحة؛ لأن مِلكه جائز ولصاحبه التصرف بالبيع والهبة ممن يجوز لباسه له، كالنساء والصبيان، وإنما حَرُمَ على الرجالِ خاصةً دون ملكه.
قال المهلب: وإنما كره ﵇ الحرير لابنته؛ لأنها ممن يرغب لها في الآخرة كما يرغب لنفسه، ولا يرضى لها تعجيل طيباتها في حياتها الدنيا، فدل هذا على أن النهي عن الحرير إنما هو من جهة السرف؛ لأن الحديث [الذي] (١) يروى عن النبي ﷺ في تحريم الحرير، قد سألت عنه أبا محمد الأصيلي، ووقفته على لفظة (حرام). فقال لي: لا تصح لفظة (حرام). البتة، وإن صحت فإنما معناها حرام (تحريم) (٢) السنة، وحرام دون حرام، وهو كقوله ﵇: "كل ذي ناب من السباع حرام" (٣) وفي ذلك الحديث "حل لإناثها".
قلت: وقد صح فقد كره لابنته وهو حلال، فكذلك كما كره للرجال من أجل السرف.
وقال ابن بطال: من جعل تحريم الحرير كتحريم كل ذي ناب من السباع فذلك دليل على التحريم؛ لأن جمهور الأمة على تحريم ذلك الذي هو ضد التحليل (٤)، فكيف يحتج هذا القائل بما يخالفه فيه أكثر الأمة (٥).
стр. 9566
وقوله في حديث عمر: "مالي وللدنيا". هو دليل قاطع.
وقوله: ("إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة") يريد به -والله أعلم- أنها لباس الكفار في الدنيا، ومن لا حظ له في الآخرة، فنهى عن مشابهتهم، واستعمال زيهم، وسيأتي بسط المسألة في موضعها من كتاب اللباس إن شاء الله.
وجعلت طائفة الآثار المروية في الباب في النهي عن لباس الحرير على التحريم، ولم يأت عنه ما يعارضها، إلا ما يخصصها من جواز لباسه في الحرب، وعند التداوي، وما عدا هذين الوجهين فباقٍ على التحريم.
خَبَأَ لَه، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاة عَلَى البَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ. [انظر: ٢٢١٦ - مسلم: ٢٠٥٦ - فتح: ٥/ ٢٣٠]
ثم ذكر حديث أنس في الشاة المسمومة المهداة له من جهة اليهودية.
وحديثه أيضًا: أُهْدِيَ لرسول الله ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ -وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الحَرِيرِ- فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِن هذا".
وقًالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
ثم ساق حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً .. وذكرَ شِراءَ الشاةِ من المُشْرِكِ بعد أن قال له: "بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟ " أَوْ قَالَ: "أَمَّ هِبَةً؟ ".
الشرح: تعليق أبي هريرة سلف في البيوع مسندًا (١)، وإهداء الشاة المسمومة، قد أسنده بعده من حديث أنس (٢)، ويأتي في الجزية مطولًا (٣)، واسم أبي حميد: عبد الرحمن بن عمرو.
وتعليق أبي حميد سلف في الزكاة مسندًا (٤)، وعند مسلم: جاء رسول ابن العَلْمَاء صاحب أيلة بكتاب إلى رسول الله ﷺ (٥).
وفي "الهدايا" لأبي إسحاق الحربي، عن علي: أهدى يوحنّا بن رؤبة إلى رسول الله ﷺ بغلته البيضاء.
стр. 9569
وفي مسلم: أنه ﵇ كان يوم حنين على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي (١).
وحديث عبد الرحمن سلف قريبًا في باب الشراء والبيع من المشركين، وأهل الحرب من كتاب البيوع (٢).
واحتجاج البخاري بقصة سارة يدل أن مذهبه أنّا مخاطبون بشرع من قبلنا، وهو قول مالك.
قال ابن التين: وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، والقول الآخر: أنا غير مخاطبين به.
وأحاديث الباب دالة على جواز قبول هدية المشركين، وفي الترمذي أنه رد هدية المشرك وقال: "إني نهيت عن زبد المشركين" (٣).
وصححه، وزبد المشركين هداياهم. قيل: إنه عياض بن حمار، وقيل: إنه نسخ، وقيل: يفرق بين المشرك والكتابي.
وأكيدر من أهل الكتاب، فقبل هديته، وقيل: كان يؤدي الجزية إلى رسول الله ﷺ (٤)، وقد سلف ذلك واضحًا.
والأول أولى؛ لحديث المشرك المشعان وحديث أم عطية، إلا أن تركها أفضل؛ عملًا باليد العليا.
стр. 9570
وقد سئل مالك عمن وصل بشيء فقال: تركه أفضل إلا أن يخاف على نفسه الجوع (١).
وأوضح المسألة ابن بطال فقال: ثبت عن النبي ﷺ بهذِه الآثار وغيرها أنه قبل هداياهم. قال: وأكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك لغيره من الأمراء؛ إذ كان قبولها منهم على جهة الاستبداد بها دون رعيته؛ لأنه إنما أهدى له ذلك من أجل أنه أمير الجيش، وليس الشارع في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من أموال الكفار من غير قتال (٢).
وقد اختلف العلماء في هداياهم على أقوال: أحدها: أن ما أهداه الحربي إلى والي الجيش -كان الوالي الأعظم أو دونه- فهو مغنم؛ لأنه لم ينله إلا بهم.
وفيه الخمس، وهو قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن (٣)، وابن حبيما قال: وسمعت أهل العلم يقولون: إنما والي الجيش في سهمانه كرجل منهم له ما لهم وعليه ما عليهم (٤).
ثانيها: ما أهدي لوالى الجيش فهو له خاصة، وكذا ما يعطاه الرسول، قاله أبو يوسف (٥).
ثالثها: قال محمد بن الحسن: لو أهدى العدو إلى رجل من المسلمين ليس بقائد ولا أمير هدية، فلا بأس أن يأخذها، وتكون له
стр. 9571
دون أهل العسكر (١). وهو قول الأوزاعي وابن القاسم (٢).
قال: وأما حديث عياض: "إني نهيت عن زبد المشركين" فهو معارض لقبوله هداياهم، فيكون ناسخًا لها، قيل: يحتمل أن يكون تركها لما في ذلك من التأنيس والتحاب، ومن حاد الله ورسوله وشاقهما حَرُمَ على المؤمنين موالاته؛ ألا ترى أنه جعل عليه ردها لما لم يسلم.
وقد روى معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: جاء ملاعب الأسنة إلى رسول الله ﷺ بهديةٍ فعرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" (٣) فدّل هذا الحديث على مثل ما دلّ عليه حديث عياض، وبان به أن قبول الشارع هدية من قبل هديته من المشركين، إنما كان على وجه التأنيس والائتلاف؛ رجاء إنابتهم إلى الإسلام، ومن يئس من إسلامه منهم ردّ هديته.
وقال الطبري: قبول هدايا المشركين إنما كان نظرًا منه للمسلمين، وعودًا بنفعه عليهم لا إيثارًا منه نفسه به دونهم، وللإمام قبول هدايا أهل الشرك وغيرهم إذا كان ما يقبله من ذلك للمسلمين.
وأما رد هدية من رد هديته منهم، فإنما كان ذلك من أجل أنه أهداها له في خاصة نفسه فلم ير قبولها؛ تعريفًا منه لأمته من بعده أنه ليس له قبول هدية أحد لخاصة نفسه، وبين ذلك ما رواه نعيم بن عون عن الحسن قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يقال له عياض -كانت بينه
стр. 9572
وبين رسول الله ﷺ صداقة قبل أن يبعث- بهدية فقال له: "أسلمت؟ "؛ قال: لا. قال: "فإنه لا يحل لنا زبد المشركين" قال الحسن: الزبد: الرفد (١). ذكره ابن سلام (٢).
فإن ظن ظان أن قوله: "إنا لا نقبل هدية مشرك"، وأن ما رواه عطاء عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "هدايا العمال غلول" (٣) أن ذلك على العموم فقد أخطأ.
وذلك أنه لا خلاف بين الجميع في أن الله تعالى قد أباح للمسلمين أموال أهل الشرك بالله بالقهر والغلبة لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فهو بطيب أنفسهم لا شك أحل وأطيب.
دليله: حديث أبي سعيد الخدري، أن ملك الروم أهدى لرسول الله ﷺ جرة من زنجبيل فقسمها بين أصحابه فأعطى كل رجل منهم قطعة (٤).
وما رواه قرة عن الحسن قال: أهدى أكيدر دومة الجندل إلى رسول الله ﷺ جرة فيها مَنٌّ، وبالنبي ﷺ وأهله إليها حاجة، فلما قضى الصلاة أمر طائفًا فطاف بها على أصحابه، فجعل الرجل يدخل يده فيخرج فيأكل، فأتى خالد بن الوليد فأدخل يده فقال: يا رسول الله، أخذ القوم مرة مرة وأخذت مرتين فقال: "كُل وأطعم أهلك".
стр. 9573
وأهدى (البون) (١) ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك لؤلؤتين بالقسطنطينية فشاور أهل العلم من ذلك الجيش فقالوا: لم يهدهما إليك إلا لموقعك من هذا الجيش، فنرى أن تبيعهما وتقسم ثمنهما على هذا الجيش، فثبت بفعل الشارع وقول أهل العلم بعده أن الذي كان من رده هدية من رد من المشركين كان لما وُصف لك؛ إذ من المحال اجتماع الرد والقبول في شيء واحد، فبان أن سبب قبول
ما قبل غير سبب رد ما رده.
فإن قلت: إن آخر فعليه ناسخ للآخر. قلت: لو كان كذلك لكان مبينًا، أو كان على الناسخ دليل يفرق بينه وبين المنسوخ؛ إذ غير جائز أن يكون شيء من حكم الله غير معلوم الواجب منه على عباده، إما بنص عليه أو دلالة منصوبة على اللازم فيه، فبان بهذا أن سبيل الأئمة القائمين بعده بأمر الأمة سبيله في أن من أهدى إليه ملك من ملوك أهل الحرب هدية فله قبولها وصرفها حيثما جعل الله ما خوَّل المسلمين من غير إيجاف منهم عليهم بخيل ولا ركاب، وإن كان الذي أهدى إليه وهو منيخ مع جيش من المسلمين بعقرة (دارهم) (٢) محاصرًا لهم؛ فله قبوله وصرفه فيما جعل الله من أموالهم مصروفًا، فيما نيل بالقهر والغلبة لهم، وذلك ما أوجفوا عليه بالخيل والركاب، كالذي فعل الشارع بأموال (قريظة) (٣)؛ إذ نزلوا على حكم سعد لما
стр. 9574
نزل هو وأصحابه محاصرين لهم (١).
تنبيهات:
أحدها: معنى قوله: (وكتب له ببحرهم) قيل: ولاه المكان، وقيل: ألا يؤخذ عند الغلبة عليهم.
ثانيها: قال المهلب: في حديث أبي حميد مكافأة المشرك على هديته؛ لأنه ﵇ أهدى له بردةً.
وفيه: جواز تأمير المسلم للمشرك على قومه، لما في ذلك من طوعهم له وانقيادهم.
وأيلة: بفتح الهمزة، قال الطبري: كان صاحبها من أهل الجزية بالصلح الذي جرى بينه وبين رسول الله ﷺ (٢).
قال المهلب: وفيه تولية البحر وأنه عمل من الأعمال.
وفيه جواز نسبة العمل إلى من أمر به؛ لقوله: (وكتب له ببحرهم) وهو ﵇ لم يكتب كما قال: رجم رسول الله ﷺ (٣)، وإنما أمر بذلك.
ثالثها: في قبول الشاة المسمومة دلالة على أكل طعام من يحل أكل طعامه دون أن يسأل عن أصله، ولا يحترس من حيث إن كان فيه مع جواز ما قد ظهر إليه من السم، فدل ذلك على حمل الأمور على
السلامة، حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق المسلمين، وهو محمول على السلامة، حتى يتبين خلافها.
رابعها: في حديث المشرك المشعان جواز قبول هدايا المشركين، وقد تقدم كثير من معناه في البيوع حيث ذكره.
стр. 9575
وفيه المواساة بالطعام عند المسغبة والشدة، وتساوي الناس في ذلك، وفي أكل أهل الجيش من الكبد على قِلّته علامة باهرة من أعلام نبوته، وآية باهرة من آياته.
خامسها: قوله: ("لمناديل سعد") فيه ضرب المثال بالمناديل التي
يمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار وتتخذ لفافة لجيد الثياب، فكانت كالخادم والثياب كالمخدوم، فإذا كانت المناديل أفضل من هذِه الثياب -أعني: جبة السندس- دل على عظم عطايا الربِّ ﷻ قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] قال الداودي: والسندس: رقيق الديباج، والإستبرق: غليظه.
والذي ذكره غيره كما قال ابن التين: الإستبرق أفضل من السندس؛ لأنه غليظ الديباج، وكل ما غلظ من الحرير كان أفضل من رقيقه.
سادسها: أكيدر دومة: هو ملك دومة الجندل، كان يدعى أكيدر، ودومة بفتح الدال وضمها (١)(٢).
стр. 9576
سابعها: إنما لم يَقْتُل مَنْ سَمَّهُ على الأصح؛ لأنه كان من شأنه ألا يقتل أحدًا أو أراد أن لا ينقص من عذابها في الآخرة، وأن يبقي أجره موفرًا فيما نيل منه، وقد قال الفاروق: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل سجد لله سجدة يحاجني بها يوم القيامة (١).
ولما ولي مصعب العراق أتي بعمرو بن جرموز التميمي قاتل الزبير فسجنه، وكتب إلى عبد الله بأمره فكتب إليه: ما كنت أقيد بالزبير رجلًا أعرابيًّا.
وروي (٢) أنه ﵇ قال لها: "ما حملك على هذا؟ " قالت: إن كنت نبيًّا لم يضرك وإن كنت كاذبًا استراح الناس منك (٣).
وروي أن بعض من أكل معه مات (٤).
وجاء في "الصحيح": "ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان انقطاع أبهري" (٥).
ومعنى: (تعادني) تأتيني في وقت دون وقت، والأبهر: نياط القلب، وهو العرق الذي يتعلق به القلب، فإذا انقطع مات صاحبه، فجمع الله له بين الرسالة والشهادة.
وقوله: (مازلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ ) قال الداودي: لهواته: ما يبدو من فِيْهِ عند التبسم.
стр. 9577
وقال الجوهري: اللهاة: الهنة اللطيفة في أقصى سقف الحلق، والجمع: اللها واللهوات واللهات أيضًا (١).
وقال القاضي عياض: هى اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم (٢)(٣).
ثامنها: إنما أدخل في الباب حديث عبد الرحمن بن أبي بكر؛ لقوله: (أو قال: هبة) لا كما وقع للداودي من أنه من أجل قوله أو عطية. والمشعان: فسره في رواية أبي ذر بالطويل جدًّا. وقال ابن فارس: مشعان الرأس (٤).
وقال القزاز: هو الجافي الثائر الرأس، وقد سلف.
وفيه: المواساة عند الضرورة، وفيه: أكل القوم بعد القوم؛ لأن القصعتين لا تحملان أيدي الجماعة.
كذا هنا، وفي موضع آخر منه من غيره: فقلت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبة (١). وهو أتم.
أما الآية فكانت في الابتداء عند موادعة المشركين، ثم صارت منسوخة بالأمر بالقتال، أو كان لخزاعة والحارث بن عبد مناف عهد فأمروا أن يبّروهم بالوفاء به أو أراد النساء والصبيان أمروا ببرهم لهم، فنزلت في قتيلة (في) (٢) امرأة أبي بكر كان قد طلقها في الجاهلية فقدمت على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهدنة فأهدت لها قرطًا وأشياء، فكرهت قبوله، حتى ذكرته لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿وَتُقْسِطُوا﴾ [الممتحنة: ٨]: تعطوهم قسطًا من أموالكم أو تعدلوا فيهم، فلا تغلوا في مقاربتهم ولا تسرعوا في مباعدتهم (٣).
وروى الطبري، عن ابن الزبير أن الآية نزلت في أم أسماء بنت أبي بكر وكان اسمها قتلة بنت عبد العزى (٤).
وقالت طائفة: نزلت في مشركي مكة، من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم (٥).
وقال مجاهد: هو خطاب للمؤمنين الذين بقوا بمكة ولم يهاجروا، والذين قاتلوهم كفار أهل مكة (٦).
стр. 9580
وقيل: هم خزاعة، صالحهم على ألا يقاتلوه والذين قاتلوهم أهل مكة. وقال السدي: كان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة، فاستشار المسلمون رسول الله ﷺ في قراباتهم من المشركين أن يبروهم ويصلوهم فأنزلها الله. وفي تفسير الحسن: قال قتادة وابن زيد: ثم نسخ ذلك (١)، ولا يجوز هذا اليوم في المشركين ولا متاحفتهم، إلا للأبوين خاصة؛ لأن الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه وإلطاف له وتثبيت لمودته.
وقد نهى الله عن التودد للمشركين بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].
وقال ابن التين: اختلف في هذِه الآية على ثلاثة أقوال؛ لأنه قال في السورة: ﴿لَا تَتَّخِذُوْا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أوَّلِيَاءَ﴾ فذكر قول مجاهد وقتادة.
وروي عن ابن الزبير: نزلت في أسماء، -يريد أُمَّه- جاءت أمها قتلة بنت عبد العزى إليها بهدايا فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها عليها، فسألت عائشة، فأنزلت الآية (٢).
وقال ابن عيينة في حديث الباب في رواية الحميدي: فأنزل الله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ الآيه (٣). [الممتحنة: ٨]
стр. 9581
وصححه الحاكم في "مستدركه" (١)، وذكر الحميدي عن البرقاني أن عبدةَ بن سليمان، رواه عن هشام عن أبيه مرسلًا، وأن يحيى بن آدم قال فيه: عن سفيان، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء. قال البرقاني: والأول يعني: هشام، عن أبيه، عن أسماء. مسندًا (٢).
وقال الدارقطني: رواه الثوري وأبو معاوية وعبد الحميد بن جعفر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن أسماء. قالت: يا رسول الله.
ورواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: اختلف في هذِه الأم فقيل: كانت ظئرًا لها، وقيل: كانت من النسب (٣).
قال الداودي: كان أبو بكر طلقها في الجاهلية وكانت تسمى أم بكر، وفيها قيل:
تحيى بالسلامة أم بكر … و (أنى) (٤) بعد قومي من سلام
وتأتي تكملته في الهجرة (٥)، ولعل هذِه كنية لها لما تقدم أن اسمها قتلة كذا قال، واسمها قُتَيْلة، بضم القاف وفتح التاء المثناة فوق، بعدها مثناة تحت ساكنة، ثم لام، ثم هاء، ويقال قتلة بفتح القاف، ثم مثناة فوق ساكنة، قال النووي: وهو الأصح الأشهر في اسمها من غير ياء مثناة تحت (٦).
стр. 9582
قلت: ولعل من قاله بالياء قاله على وجه التصغير. واسم أبيها عبد العزي بن عبد بن أسعد بن جابر بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وذكرها المستغفري في جملة الصحابة وقال: تأخر إسلامها.
قال أبو موسى المديني: ليس في شيء من الحديث ذكر إسلامها.
وقد تأول بعضهم في قولها (راغبة) أي: في الإسلام، قلت: وتأوله بعضهم على أنها راغبة في الصلة، أو راغبة عن ديني كارهة له.
وقال أبو داود في "جامعه": معنى راغبة عن دينها، أو عن ملتي.
وفي أبي داود: راغِمة: -بالميم- أي: كارِهةٌ للإسلام والهجرة وساخطة عليَّ (١).
وقيل: هاربة من الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، وعند مسلم: أو راهبة (٢).
وقال ابن بطال: هو بالباء من الرغبة في العطاء (٣).
وقال بعض أصحابنا: معناه: هاربة من قومها.
واحتج بالآية قال: فلو كان أرادت المضي لقالت: مراغمة لا راغمة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: تأول في الآية أنه الخروج عن العدو برغم أنفه وراغبة بالباء أظهر في معنى الحديث.
ووقع في كتاب ابن التين: داعية. ثم فسرها بقوله: طالبة بِرِّي ومتعرضة له.
стр. 9583
وإنما بعث عمر الحلة إلى أخيه المشرك بمكة على وجه التألف له على الإسلام؛ لأنه كان طمع بإسلامه، وكان التآلف حينئذٍ على الإسلام مباحًا، وقد تألف صناديد قريش، وجعل الله للمؤلفة قلوبهم سهمًا في الصدقات، وكذلك فعلت أسماء في أمها؛ لأن الله تعالى قد أمر بصلة الآباء الكفار وبرّهما بقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] إلى قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فأمر تعالى بمصاحبة الأبوين المشركين في الدنيا بالمعروف، وبترك طاعتهما في معصية الله.
قال الخطابي: وفيه جواز صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة، وفيه مستدل لمن رأى وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة على الولد المسلم (١).
فائدة: قال الدمياطي ومن خطه نقلت: الذي أرسل إليه عمر الحلة لم يكن أخاه إنما هو أخو أخيه زيد بن الخطاب لأمه أسماء بنت وهب، وهي أيضًا أم عثمان بن حكيم بن أمية، وبنته أم سعيد بن عثمان ولدت سعيد بن المسيب وخولة، ويقال: خويلة بنت حليم أم السائب وعبد الرحمن، ابني عثمان بن مظعون، وأبوها من خلفاء بني أمية.
стр. 9584
٣٠ - باب لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ
٢٦٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ". [انظر: ٢٥٨٩ - مسلم: ١٦٢٢ - فتح: ٥/ ٢٣٣]
٢٦٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ". [انظر: ٢٥٨٩ - مسلم: ١٦٢٢ - فتح: ٥/ ٢٣٤]
٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". [انظر: ١٤٩٠ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح: ٥/ ٢٣٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس السالف "العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ".
وفي رواية: "لَيسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ".
وحديث عمر في قصة الفرس وفي آخِره قال: "العَائِد فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". وقد سلف في الزكاة (١).
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يهب هبة ويرجع فيها على ظاهر حديث ابن عباس وعمر.
стр. 9585
روي ذلك عن طاوس والحسن (١)، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور (٢).
وفيها قول ثان بأن من وهب لذي رحم فلا رجوع له، ومن وهب لغير ذي رحم فله الرجوع وإن لم يَثب منها خلاف قول عمر. وقال الثوري والكوفيون: يرجع فيما وهبه لذي رحم غير محرم إذا كانت الهبة قائمة لم تستهلك ولم تزد في يديها، أو لم يثب منها، مثل ابن عمه وابن خاله (٣) وقد أسلفنا ذلك.
وأما إن وهب لذي رحم محرم وقبضها فلا رجوع، وهم: ابنته أو أخوه لأمه أو جده أبو أمه أو خاله أو عمه أو ابن أخيه أو ابن أخته أو بنوهما.
وتفسير الرحم المحرم: هو من لو كان الموهوب له امرأة لم يحل للواهب نكاحها، وحكم الزوجين عندهم حكم ذي الرحم المحرم، ولا رجوع لواحد منهما في هبته (٤).
وقال مالك: يجوز الرجوع فيما وهبه للثواب، وسواء وهبه لذي رحم محرم أو غير ذي محرم، ولا يجوز له الرجوع فيما وهبه لله، ولا لصلة الرحم (٥).
стр. 9586
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث الباب، فالمراد إذن العائد في قيئه الرجل لا الكلب، ولما كان قد جعل الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء، وكان رجوع الرجل في قيئه حرام كان كذلك رجوعه في هبته.
حجة الكوفيين قوله: "كالكلب يعود في قيئه" فالراجع إذن في قيئه الكلب، وهو غير متعبد بتحليل ولا تحريم فالمعنى: العائد في هبته كالعائد في قدر كالقدر الذي يعود فيه الكلب ولا يثبت بذلك منع
الواهب من الرجوع في هبته.
فأراد بذلك تنزيه أمته عن أمثال الكلاب؛ لأنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم، ويصلح الاحتجاج بهذِه الحجة لمالك.
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس وابن عمر السالفين، باستثناء الوالد للولد.
قال الطحاوي: ولا دليل لهم فيه على تحريم الرجوع فيها، فقد يكون الشارع وصفه بأنه لا يحل لتغليظه إياه لكراهة أن يكون أحد من أمته له مثل السوء.
وقد قال: "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" (١). وقد أسلفنا ذلك فيما مضى.
وقال الطبري: قوله ﷺ : "العائد في هبته" معناه الخصوص، وذلك لوأن قائلًا قال: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يكون
стр. 9587
والدًا للموهوب له أو يكون وهبه لثواب يلتمسه، فإنه ليس له مثل السوء، لم يكن مختلا في كلامه، ولا مخطئًا في منطقه. قال: ومن (وهب) (١) طلب ثواب -إما باشتراط ذلك أو بغير اشتراط- بعد أن يكون الأغلب من أمر الواهب والموهوب له أن مثله يهب لمثله طلب الثواب منه.
وأما الواهب لله تعالى يطلب الأجر كالواهب الغني للفقير المحتاج، أو طلب صلة رحم كالواهب يهب لأحد أبويه أو أخيه أو أخته أو قريب له قريب القرابة يريد بذلك صلة رحمه، فلا رجوع له، فهذا المعنى بالذم لقوله: "كالكلب يعود في قيئه".
وقد أشار المهلب إلى قريب من هذا المعنى، قال: وعلى هذا التأويل لا تعارض؛ فالصدقة في حديث عمر هي الهبة في حديث ابن عباس، فإنها تجري مجرى الصدقة، والصدقة لا يجوز الرجوع فيها، وإنما يرجع فيما خرج من هذا المعنى، وأريد بها الثواب، وقد سلف في كتاب الزكاة اختلاف العلماء في شراء الرجل صدقته في باب هل يشتري الرجل صدقته.
وقال الطحاوي: قد بين ما قلناه ما روي عن عمر، روى ذلك مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف، عن مروان بن الحكم أن عمر بن الخطاب قال: من وهب لصلة رحم أو على وجه الصدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبةً يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها.
стр. 9588
فهذا عمر (فرق بين الهبات والصدقات أنه لا يرجع فيها) (١)، وجعل الهبات على ضربين: فضرب منه لصلة الأرحام، فرد ذلك إلى حكم الصدقات لله، ومنع الواهب من الرجوع فيها، وضرب منها جعل فيها الرجوع للواهب ما لم يرض منها (٢).
стр. 9589
٣١ - باب
٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ بَنِى صُهَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ- ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ. فَدَعَاهُ فَشَهِدَ: لأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً. فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ. ٣/ ٢١٦ [فتح: ٥/ ٢٣٧]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ -مَوْلَى ابن جُدْعَانَ- ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابن عُمَرَ. فَدَعَاهُ فَشَهِدَ: لأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً. فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ.
هذا الحديث من أفراده، ووجه ذكره هنا هبة البيتين والحجرة لصُهيب.
فإن قلتَ: كيف قضى مروان بشهادة ابن عمر وحده؟ قلتُ: إنما حكم مع يمين الطالب على ما صحَّت به السنة من القضاء بشاهد ويمين، ذكره كله ابن بطال (١).
وجُدْعان: بضم الجيم، وقال ابن التين: إنما أتى به؛ لأن العطايا نافذة، وقضاء مروان بشهادة ابن عمر يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يجوز له أن يعطي من مال الله من يستحق العطاء فينفذ ما قيل له: إن رسول الله ﷺ أعطاه، فإن لم يكن كذلك كان قد أمضاه،
стр. 9590
وإن كان غير ذلك كان هو المعطي عطاءً صحيحًا، وقد يكون هذا خاصًّا في الفيء؛ لأنه ﵇ أعطى أبا قتادة بدعواه وشهادة من كان السلب عند (١).
والثاني: أنه ربما حكم بشهادة المبرز في العدالة وحده، وقد قال بعض فقهاء الكوفة: حكم شريح بشهادتي وحدي في شيء، قال: وأخطأ شريح. قال (٢): والوجه الأول الصحيح.
стр. 9591
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٢ - باب مَا قِيلَ فِي العُمْرَى وَالرُّقْبَى
أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا.
٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. [٢٦٢٦ - مسلم: ١٦٢٥ - فتح: ٥/ ٢٣٨]
٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "العُمْرَى جَائِزَةٌ". [مسلم: ١٦٢٦]
وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . نَحْوَهُ. [انظر: ١٦٢٥ - مسلم: ١٦٢٥ - فتح: ٥/ ٢٣٨]
ثم ذكر فيه حديث جابر قال: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "العُمْرى جَائِزَة". وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . نَحْوَهُ.
الشرح:
قال الأزهري في "تهذيبه": ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾. أي: أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها، وفي الحديث "لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعْمَرَ دارًا فهي له ولورثته من بعده" (١).
стр. 9592
قال أبو عبيد: والعُمرى أن يقول الرجل للرجل: داري لك عمرك.
أو يقول: داري هذِه لك عمرى. فإذا قال ذلك وسلمها إليه كانت للعمر ولم ترجع إليه إن مات.
والرقبى: أن يقول للذي أرقبها: إن مت قبلي رجعت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك.
وأصل العُمرى: مأخوذة من العمر، والرقبى: من المراقبة، فأبطل الشارع هذِه الشروط وأمضى الهبة.
وهذا الحديث أصل لكل من وهب هبة وشرط فيها شرطًا بعدما قبضها الموهوب له، أن الهبة جائزة، والشرط باطل (١)، وقال ابن عرفة: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أطال أعماركم.
قال ابن سيده: والعمرى: المصدر كالرجُعْى (٢).
قلت: وهي بضم العين وسكون الميم وبضمهما وبفتح العين وسكون الميم، كما نبه عليه القاضي عياض وغيره، وهما من هبات الجاهلية (٣).
وعبارة أبي عبيد: تأويل العمرى: هذِه الدار لك عمرك أو عمري. وأصله من العمر (٤).
فإن قلت: البخاري ترجم على العمرى والرقبى ولم يذكر الرقبى.
قلت: كأنه يرى أنهما واحد.
стр. 9593
كذا أجاب به الداودي فيما نقله ابن التين: وممن سوى بينهما عليٌّ وابن عباس ومجاهد ووكيع، وأجود منه أن البخاري أحال على بقية الحديث، فإن الترمذي أخرجه بإسناد صحيح عن جابر مرفوعًا: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها".
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد رواه بعضهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا (١)، وأخرجه النسائي من حديث عبد الكريم، عن عطاء، عنه مرفوعًا: نهى عن العمرى والرقبى (٢).
وفي حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء: "لا تعمروا ولا ترقبوا" (٣).
وفي حديث أبي الزبير عن جابر: والرقبى لمن أرقبها (٤).
وحديث جابر أخرجه مسلم والأربعة (٥)، ولمسلم: "أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه، فإنها لمن أُعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث".
وفي لفظ: "من أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أُعمر ولعقبه".
стр. 9594
وفي لفظ له: "أيما رجل أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أعطيها وعقبه وإنها لا ترجع إلى صاحبها؛ من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث".
وفي لفظ عن جابر: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت. فإنها ترجع إلى صاحبها، قال معمر: وكان الزهري يفتي به. ويحكى عنه أنه ﵇ قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه، فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا.
قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فقطعت المواريث شرطه.
وعنه أيضًا مرفوعًا: "العمرى لمن وهبت له".
وعنه أيضًا مرفوعًا: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فإنها للذي أعمرها حيًّا وميتًا ولعقبه".
وعنه أيضًا مرفوعًا: "أمسكوا عليكم أموالكم".
وعن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: "العمرى لصاحبها".
هذِه الطرق كلها في مسلم (١)، ولم يخرج البخاري عن جابر في العمرى غير ما ساقه أولًا، وللنسائي: "فقد قطع قوله حقه" (٢).
وفي لفظ: "قد بتها من صاحبها الذي أعطاها" (٣).
стр. 9595
وفي آخر: "أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة، ويستثني إن حدث بك حدث وبعقبك فهي إليَّ وإلى عقبي، فإنها لمن أعطيها ولعقبه" (١).
ولأبي داود بإسناد جيد: وقضى النبي ﷺ في امرأة أعطاها ابنها حديقة فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها. وله إخوة، فقال ﵇: "هي لها حياتها وموتها" قال: كنت تصدقت بها عليها قال: "ذلك أبعد لك" (٢).
وحديث أبي هريرة، أخرجه مسلم بلفظين: "العمرى جائزة" (٣) "ميراث لأهلها"، (أو) (٤) قال: "جائزة" (٥).
والبخاري رواه عن حفص بن عمر: ثنا همام، ثنا قتادة، حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة. ثم قال: وقال