← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم، وأن المراد به شاهد الزور، واحتج بحديث عمر: يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد (١). والمراد بحديث زيد بن خالد الآتي الشاهد على الشيء فيؤدي شهادته ولا يمتنع من إقامتها. قال الخطابي: وقد يحتمل ذلك الشهادة على المغيب من أمر الخلق؛ فيشهد على قوم أنهم في النار ولقوم آخرين بغير ذلك على مذاهب أهل الأهواء في مثل هذا (٢). وفي أفراد مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (٣) وليس مخالفًا لذلك، وإنما وجه الحديث أنه لا يزال مستعدًّا لأدائها أو هي أمانة عنده، فهو يتعرض لها أبدًا متى يقيمها ويؤدي الحق فيها. وقد قيل: إنما جاء فيمن يكون عنده شهادة نسيها صاحب الحق فيسألها صاحبها، فأما إذا كان عالمًا بها فهو من الشهداء. وقيل: الخبر فيما إذا مات ويترك أطفالًا ولهم على الناس حقوق ولا علم للوصي بها فيجيء من عنده الشهادة فيخبرهم بذلك، ويبذل شهادته لهم فيحصل بذلك حقهم. وقال الطحاوي: احتج قوم بالنهي فقالوا: لا يجوز قبل أن يسألها وهو مذموم.

стр. 9697

وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: بل هو محمود مأجور على ذلك. واحتجوا بأنه إنما ذكر ذلك في تغير الزمن فقال: "يفشو الكذب؛ حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها، وحتى يحلف على اليمين، لا يستحلف" (١). فمعنى ذلك أن يشهد كاذبًا لقوله: ثم يفشو الكذب. وإلا فلا معنى لذكره ذلك، وأيضًا فإن هذِه الشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان، يدل على ذلك قول النخعي في آخر الحديث وهو الذي رواه، قال: (وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد). فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذمومة هي قول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الحلف؛ لأنه يكره للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا فنهى عن الشهادة التي هي حلف بها، كما نهى عن اليمين إلا أن يستحلف فيكون حينئذٍ معذورًا (٢). واليمين قد يسمى شهادة قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ أي: أربع أيمان. وحديث زيد فيه تفضيل الشاهد المبتدئ بها، وفسره مالك بعد أن رواه فقال: الرجل يكون عنده الشهادة في الحق لمن لا يعلمها فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان (٣).

стр. 9698

قال الطحاوي: فهذا الشارع قد مدحه وجعله خير الشهداء، فأولى بنا أن نحمل الأخبار على هذا التأويل حتى لا تتضاد ولا تختلف فتكون أحاديث هذا الباب على هذا المعنى الذي ذكرناه، ويكون حديث زيد بن خالد على تفضيل المبتدئ بالشهادة لمن هي [له] (١) أو المخبر بها الإمام، وقد فعل ذلك الصحابة وشهدوا ابتداءً، شهد أبو بكرة ومن معه على المغيرة بن شعبة، ورأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم على ابتدائهم بها، بل سمع شهادتهم، ولو كانوا في ذلك مذمومين لذمهم وقال: من سألكم عن هذا؟ ألا قعدتم حتى تسألوا، ولما لم ينكر عليهم عمر ولا أحد ممن كان بحضرته دلّ على أنّ فرضهم (ذلك) (٢) وابتداءهم لا عن مسألة محمود (٣). وهو قول مالك والكوفيين. قال الطحاوي: وفي قوله: "وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ" حجة لابن شبرمة في قوله: إنه من سمع رجلًا يقول لفلان: عندي كذا وكذا ولم يشهده الذي عليه لذلك على نفسه فلا يقبل؛ لأنه لعله أن يكون ذلك وديعة عنده، فليس بشيء، فأما أن يناقله الكلام فيقول: يا فلان ألا تعطيني كذا الذي [لي] (٤) عندك: فقال: بل أنا معطيك فأنظرني. فيجوز أن يشهد عليه. والحجة عليه قوله: " (ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" قال إبراهيم: وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد).

стр. 9699

فدل أن الشهادة المذمومة هي المحلوف بها التي يجعلها الإنسان عادته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ولا خلاف بين العلماء أن من رأى رجلًا يقتل رجلًا أو يغصبه مالًا أنه يجوز أن يشهد به وإن لم يشهده الجاني بذلك على نفسه (١). فإن قلت فقوله: ("تسبق شهادة أحدهم .. ") إلى آخره، يدل أن الشهادة والحلف عليها يبطلها؛ لأنه تهمة. قيل: لا خلاف بين العلماء أنه تجوز الشهادة والحلف عليها، وهو في كتاب الله في ثلاثة مواضع: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] إلا ما ذكره ابن شعبان في "زاهيه" قال: إذا شهد وحلف تسقط شهادته، ومن قال: أشهد بالله لفلان على كذا لم تقبل شهادته؛ لأنه حالف وليس بشاهد، والمعروف عن مالك غيره (٢)، وقال ابن التين: (قول إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد). يريد بذلك باليمين مع شهادته، وذلك على وجه الأدب. وعن ابن شعبان: إذا شهد وحلف تسقط شهادته؛ لأنه متهم إذا حلف. وقد تقدم، وزاد في باب: فضل أصحاب رسول الله ﷺ عن إبراهيم. ونحن صغار (٣) أي: لم نبلغ حد النفقة، وإن كانوا بلغوا. وقيل: معناه إذا حلفنا بالعهد والشهادة لما لهما من تعظيم الحنث من الحلف بهما في القرآن في قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾.

стр. 9700

وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾. ذكره ابن التين هناك. وقال ابن الجوزي في سبق شهادة أحدهم يمينه، معناه: أنهم لا يتورعون من أقوالهم، ويستهينون بالشهادة واليمين. تنبيهات: أحدها: هذِه القرون أفضل من بعدها إلى يوم القيامة، وهي في أنفسها أيضًا متفاضلة على رتبة الحديث. وقال ابن الأنباري: معناه: خير الناس أهل قرني، حذف المضاف. وقد يسمى أهل العصر قرنًا؛ لاقترانهم في الوجود. قال القرطبي: وهو من الناس أهل زمن واحد، وهو ساكن الراء (١). ثانيها: وردت أحاديث ظاهرها يقضي لآخر هذِه الآمة على أولها، منها: حديث أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ عن النبي ﷺ . فذكَرَ حديثًا فيه: "فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصابر فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِض عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رجلًا مِنْكُمْ". أخرجه الترمذي، ثم قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ (٢). ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: قال رسول الله ﷺ : "ليدركنَّ المسيح من هذِه الأمة أقوامًا إنَّهم لمثلكم أو خير ثلاث مرات،

стр. 9701

ولن يُخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها" (١). ومنها: ما أخرجه أبو نعيم الحافظ من حديث حوشب بن عبد الكريم: ثنا حماد بن زيد، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : وذكر آخر الزمان "المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر وأجره كأجر خَمسِينَ" قالوا: منا أو منهم يا رسول الله؟ قال: "بَلْ مِنْكُم". ومنها: ما أخرجه الحكيم الترمذي عن الفضل بن محمد الواسطي: ثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الدمشقي: ثنا أبي: ثنا عبد الملك بن عقبة الأفريقي، عن أبي يونس -مولى أبي هريرة- عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل أُمَّتي مثل حديقة قام عليها صاحبُها فأطعمت عامًا فوجًا ثم عامًا فوجًا، ولعلَّ آخرها ما يكون أجودها قنوًا وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أُمتي خلفًا مِنْ حواريه" (٢). ومنها: ما ذكره أبو نصر الوايلي في كتابه "الإبانة" من حديث رشدين عن عقيل، عن الزهري، عن كعب الحبر قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل على موسى أن في آخر الزمان بالإسكندرية شهداء يستشهدون في بطحائها، خيرَ من مضى وخير من بقي، وهم الذين يباهي الله بهم شهداء بدر. ومنها: ما ذكره أبو بكر التاريخي (٣) عن عبد الله بن أيوب المخرمي:

стр. 9702

ثنا أبو سفيان الواسطي سعيد بن يحيى الحميدي: ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن ثور بن بريد قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ أمتي أولها وآخرها، وبين ذلك أعوج ليسوا منِّي ولستُ منهم". وأما حديث: "مثل أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أو آخره" فهو ضعيف، أخرجه أبو يعلى من رواية يوسف الصفار عن ثابت عن أنس مرفوعًا، ويوسف ضعيف بالاتفاق، كثير الوهم، منكر الحديث (١). قال النووي: ولو صح لكان معناه أن هذا يقع بعد نزول عيسى حتى تظهر البركة ويكثر الخير ويظهر الدين، بحيث يتشكك الرائي هل هؤلاء أفضل من أوائل الأمة أم الأوائل أفضل؟ وهذا مما يظهر للرائي، وإلا فأول الأمة أفضل في نفس الأمر، وهو قريب الشبه من قول الشاعر: أيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاء بين جلاجلٍ … وبين النَّقا هل أنتِ أمْ أمُّ عامِر (٢)؟ معناه: لتقاربهما تشككت فيهما وإن كانت الظبية مخالفة لأم عامر، فحصل أنه لو صح لم يكن مخالفًا لحديث الباب، وحديث: "ما من عام إلا والذي بعده شر منه" (٣). قلت: وقيل للزمان تقسيمات فربما وقع في أثنائه فاضلًا.

стр. 9703

١٠ - باب مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ لِقَوْلِه : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥] أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ. ٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ". تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ. [٥٩٧٧، ٦٨٧١ - مسلم: ٨٨ - فتح: ٥/ ٢٦١] ٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ". ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ". وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. [٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩ - مسلم: ٨٧ - فتح: ٥/ ٢٦١] ثم ساق بإسناده فقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: "الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ". تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ.

стр. 9704

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، ثنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟ ". ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ". وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا الجُرَيْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. الشرح: فيه عظم شهادة الزور، وأنها من أكبر الكبائر، وعبارة ابن بطال في حديث أبي بكرة أنها أكبر الكبائر، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور با لإشراك بالله، وقرأ عبد الله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١) [الحج: ٣٠]. واختلف في شاهد الزور إذا تاب، فقال مالك: يقبل الله توبته وشهادته، كشارب الخمر. وعن عبد الملك: لا يقبل كالزنديق. وقال أشهب: إنْ أَقَرَّ بذلك لم تُقْبل توبته أبدًا. وعند أبي حنيفة: إذا ظهرت توبتُهُ يجب قَبول شهادته إذا أتى على ذلك مدة يظهر في مثلها توبته (٢). وهو قول الشافعي وأبي ثور، وعن مالك أيضًا: كيف يؤمن هذا، لا والله.

стр. 9705

قال ابن المنذر: وقول أبي حنيفة ومن تبعه أصح. وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه لا تقبل شهادته أبدًا، وإن تاب وحسنت توبته؛ اتباعًا لعمر (١). واختلف هل يؤدب إذا أقر، فعن عمر بن الخطاب بسند ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة أنه أقام شاهد الزور عشية في إزار ينكت نفسه (٢). وفي لفظ بإسناد جيد: ألا يؤسرنَّ أحد في الإسلام بشهود الزور؛ فإنَّا لا نقبل إلا بالعدول (٣). وعن شريح أنه كان يبعث بشاهد الزور إلى قومِهِ أو إلى سُوقِهِ إن كان مولى: إنَّا قد زيفنا شهادة هذا، ويكتب اسمه عنده، ويضربه خفقات، وينزع عمامته عن رأسه (٤). وعن الجعد بن ذكوان، أن شريحًا ضرب شاهد الزور عشرين سوطًا، ذكره التاريخي، وعن عمر بن عبد العزيز أنه اتهم قومًا على هلال رمضان فضربهم سبعينَ سَوْطًا وأبطل شهادتهم، وعن الزهري: شاهد الزور يعزر. وقال الحسن: يضرب شيئًا ويقال للناس: إن هذا شاهد زور. وقال الشعبي: يضرب ما دون الأربعين: خمسة وثلاثين، سبعة وثلاثين سوطًا (٥).

стр. 9706

وفي ابن بطال عنه: يشهر ولا يعزر. قال: وهو قول أبي حنيفة (١). وفي كتاب "القضاء" لأبي عبيد القاسم بن سلام، عن معمر أن رسول الله ﷺ رد شهادة رجل في كذبة كذبها. وأسنده أبو سعيد النقاش محمد بن علي في كتاب "الشهود" عن عبد الرحمن بن محمد السجزي: ثنا علي بن محمد الجوهري: ثنا أحمد بن سعيد الهاشمي: ثنا عمرو بن زياد: ثنا نوح بن أبي مريم، عن إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره بلفظ: كذبة واحدة كذبها (٢). ومن حديث معمر عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وفي "الإشراف" كان سوار يأمر به يُلَبَّبُ بثوبه ويقول لبعض أعوانه: اذهبوا به إلى مسجد الجامع فدوروا به على الخلق، وهو ينادي: من رآني فلا يشهد بزور. وكان النعمان يرى أن يُبْعث به إلى سوقه إن كان سوقيًّا أو إلى مسجد قومه. ويقول: القاضي يُقرئكم السلام، ويقول: إنَّا وجدنا هذا شاهدَ زورٍ فاحذَروه وحذِّرُوه الناسَ، ولا يرى عليه تعزيرًا. وعن مالك: أرى أن يفضح ويعلن به ويوقف، وأرى أن يضرب ويشار به (٣).

стр. 9707

وقال أحمد وإسحاق: يقام للناس ويغل ويؤدب (١). وقال أبو ثور: يعاقب. وقال الشافعي: يعزر ولا يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا، ويشهر بأمره (٢). وعن عمر بن الخطاب أنه حبسه يومًا وخلى عنه (٣). وذكر عبد الرزاق عن مكحول، عن الوليد بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله بالشام فيه أن يجلد أربعين ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه. ورواية أخرى عنه أنه أمر أن يُسَخَّم وجهه وتلقى عمامته في عنقه ويطاف عليه في القبائل ويقال: شاهد زور ولا تقبل شهادته أبدًا. وروى ابن وهب عن مالك أنه يجلد ويطاف ويشنع به (٤)، وقال ابن أبي ليلى: يعزره. وفي رواية عنه: يضرب خمسة وسبعين سوطًا ولا يبعث به. وعن الأوزاعي: إذا كانا اثنين وشهدا على طلاق ففرق بينهما ثم أكذبا أنفسهما أنهما يضربان مائة مائة ويغرمان للزوج الصداق، وعن القاسم وسالم: شاهد الزور يحبس ويخفق سبع خفقات بعد العصر وينادى عليه.

стр. 9708

وعن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق أنصاف رءوسهم وتسخيم وجوههم ويطاف بهم في الأسواق (١). ونقل ابن بطال التعزير عن أبي يوسف ومحمد (٢)، وقال الطحاوي: شهادة الزور فسق ومن فسق، رجلًا عذر، فوجود الفسق منه أولى أن يستحق به التعزير، ولا يختلف أن من فسق بغير شهادة الزور أن توبته مقبولة، وشهادته بعدها كذلك شاهد زور (٣).

стр. 9709

١١ - باب شَهَادَةِ الأَعْمَى، وَأَمْرِهِ، وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ، وَمُبَايَعَتِهِ، وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَقَالَ الحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَفْطَرَ، وَيَسْأَلُ عَنِ الفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: طَلَعَ. صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي، قَالَتْ سُلَيْمَانُ، ادْخُلْ، فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ. ٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: "﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا". وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا". [٥٠٣٧، ٥٠٣٨، ٥٠٤٢، ٦٣٣٥ - مسلم: ٧٨٨ - فتح: ٥/ ٢٦٤] ٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ" أَوْ قَالَ: "حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ".

стр. 9710

وَكَانَ ابن أُمِّ مَكْتُومِ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُؤَذِّن حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاس: أَصْبَحْتَ. [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٥/ ٢٦٤] ٢٦٥٧ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا. فَقَامَ أَبِي عَلَى البَابِ فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولَ: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ". [انظر: ٢٥٩٩ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح: ٥/ ٢٦٤] ثم ساق ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ في المَسْجِدِ، فقَالَ: "﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا". وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هذا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا". ثانيها: حديث ابن عمر: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ .. " الحديث وقد سلف في بابه: وَكَانَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُؤَذَنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ. ثالثها: حديث المِسْوَر في القَباءِ، وقد سلف. وفيه: فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ. الشرح: التعاليق الأول: خلا عطاء، ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة فقال: حدثنا معاذ بن معاذ عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين، قالا:

стр. 9711

شهادة الأعمى جائزة. وحدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري أنه كان يجيز شهادة الأعمى. وحدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد سألتُ الحكم بن عتيبة فقلتُ: إنَّ القاسم بن محمد سُئل عن الأعمى فقال: تجوزُ شهادتُه وَيؤُم القومَ، فقال وما يمنعه أن يؤم ويشهد! وحدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن قال: لا تجوز شهادة الأعمى إلا أن يكون شيئًا قد رآه قبل أن يذهب بصره (١). وقال أبو محمد ابن حزم: صح عن عطاء أنه أجاز شهادة الأعمى (٢). وأثر الشعبي رواه أبو بكر -يعني: ابن أبي شيبة (٣) - عن وكيع عن الحسن بن صالح وإسرائيل عن عيسى بن أبي عزة عنه أنه أجاز شهادته (٤). وأثر الحكم رواه أيضًا، عن ابن مهدي، عن شعبة، سألت الحكم، عن شهادة الأعمى فقال: رب شيء تجوز فيه. يريد إذا كان شيء يعلم بالصوت أو اللمس أو نحوه، واحتجاج الزهري بابن عباس؛ لأنه كُفَّ بصره في آخر عمره كأبيه وجده، وكذا ابن عمر وأبو قحافة وأبو حميد الساعدي، وغير واحد من التابعين منهم: عبد الله بن عبد الحكم وأبو بكر بن عبد الرحمن، ذكره ابن التين.

стр. 9712

وتعليق عائشة سلف في المكاتب (١)، وأثر سمرة ورد حديث يخالفه أخرجه ابن منده في كتاب "الصحابة" أنه ﷺ كلمته امرأة وهي منتقبة فقال: "أسفري؛ فإنَّ الإسفار من الإيمان" (٢) وقوله في حديث مخرمة: تَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ فخرج، وقال في رواية أخرى: أمرني أبي فدخلتُ على رسولِ الله ﷺ ، فلعله دخل ولقي رسول الله ﷺ خارجًا لصوت مخرمة. والتهجد: الصلاة بالليل وإن قَلّت، وقيل: إنه السهر (٣). وعباد: هو ابن بشر من كبار الأنصار، وهو أحد صاحبي القضاء، كما نبه عليه ابن التين. واعترض الإِسْمَاعِيلِيّ فقال: ليس في جميع ما ذكره دلالة على قبول شهادة الأعمى فيما يحتاج إلى إثبات الأعيان. فأما ما ذكره في نكاحه فهو ضرورة الأعمى في نفسه لا لغيره فيه، وما رواه في التأذين فقد أخبر أنه كان لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقالُ لَهُ: أَصْبَحْتَ، وكفى بخبر الشارع عنه شاهدًا له بأنه لا يُؤذِّن حتى يُصبح، فلو قال ﵇ لمن قال: إنه صادق فيما يقول كان مصدقًا.

стр. 9713

وما قاله عن الزهري في ابن عباس فإنما هو تَهْوِيلٌ لا احتجاج، أترى لَوْ شَهِدَ ابن عباس لأبيه أو لابنه أو لمملوكه أكانت تُقْبل شهادتُه؟ وكان أفقه من أن يشهد فيما لا يجوزُ قبول شهادته فيه، وما ذكره من سماعه ﵇ قراءة رجل بيان أنَّ كلَّ صائتٍ وإن لم يُرَ مصوته يُعرف بصوته؛ لأنه إنما ترحَّمَ عليه، (فإذ كان إيَّاهُ كان نسي أو أسقط) (١)؛ إلا أنه شهد أنه فلان. وما ذكره من قصةِ مَخْرَمة فإنما يريدُ محاسن الثوب مسًّا لا إبصارًا له بالعين. ثم قال (٢): هذا شيء لا يتعداه إلى غيره؛ لأنه لا ضرر على غيره منه، ومن معرفته ثوب يوهب له أو جهله، والشهادة بشيء احتيج إليها؛ لأجل الحق بها من العين، وهي البصراء، مندوحة عن الأضواء، وما لا بد للأعمى منه في نفسه فهو مضطر إليه لا سبيل إلى تكليفه فيه غير الممكن، ومن حيث تعلم قلة اشتباه الأصوات والتباسها علينا في الكثير من الناس، كذلك تعلم قلة الاشتباه من الصوت حيث يلتبس على المبصر إلا نادرًا دليل على الشهادات المأخوذ منها بالتثبت مخالفة لما يجري على السهولة، وقد يأذن الصغير والضرير على الإنسان في داره ثم لا تُقبل شهادة الصغير، وكذلك الضرير. هذا آخر كلامه، وما حكاه البخاري عن جماعات استفتح بهم الباب شاهد له، وكذا معرفة عائشة صوت سليمان؛ لأنها لم تره (حالتئذٍ) (٣)، وابن أم مكتوم وإن كان لا ينادي حتى يقال له: أصبحت.

стр. 9714

فمن سمع بلالًا فقد اعتمد على صوته في الأكل والشرب، وبعث ابن عباس الرجل ظاهر في الاعتماد عليه، واكتفى بخبر الواحد مع قرائن الأحوال، كما نبه عليه ابن المنير، ولعل البخاري يشير بحديث ابن عباس إلى شهادة الأعمى على التعريف أي: تعرف أن هذا فلان فإذا عرف شهد، وشهادة التعريف مختلف فيها عند مالك، وكذلك البصير إذا لم يعرف نسب الشخص يعرفه نسبه من يثق به، فهل يشهد على فلان بن فلان بنسبه أو لا مختلف فيه أيضًا (١). وقد اختلف العلماء في شهادة الأعمى فأجازها سوى من ذكره البخاري مالك والليث، فيما طريقه الصوت، وسواء علم ذلك قبل العمى أو بعده، قال مالك: وإن شهد على زنا حُدّ للقذف ولم تقبل شهادته (٢)، وقال النخعي وابن أبي ليلى: إذا علمه قبل العمى جازت، وما علمه في حال العمى لم يجز، وهو قول أبي يوسف والشافعي (٣). قلتُ: ويجوزُ عندنا فيما إذا قاله في إذنه وتعلَّقَ به وشهد عند قاضٍ، وفي الاستفاضة والترجمة، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوزُ شهادتُهُ بحالٍ (٤). حجةُ المجيزِ: سماعه ﵇ صوتَ عبادٍ ودعا له، وسمع صوتَ مَخْرَمة من بيته فعرِفَه، وكذلك عرفان عائشة صوت سليمان.

стр. 9715

واحتجَّ مالك بقصة ابن أم مكتوم فقال: وكان أعمى إمامًا مؤذنًا على عهد رسول الله ﷺ ، وقبل الشارع وأصحابه والمسلمون المؤذنين في الأوقات والسماع منهم، وقال: إنِّما حفظ الناسُ عن أمهات المؤمنين ما حفظوه من وراء حجاب. قال المهلب: والذي سَمِعَ صوتَ ابن أمِّ مكتوم من بيته فعلم أنه الذي أمر الشارع بالكف عن الطعام بصوته، فهو كالأعمى أيضًا، يسمع صوت رجل فعرفه فتجوز شهادته عليه بما سمع منه وإن لم يره. قال ابن القصار: والصوت في الشرع قد أقيم مقام الشهادة؛ ألا ترى أن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها، والإقدام على الفرج واستباحته أعظم من الشهادة في الحقوق. واحتجَّ من لم يجز شهادته فقال: إن العقود والإقرارات لا تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة، فكذلك لا تجوز شهادة الأعمى؛ لأنه لا يتيقن أن هذا صوت فلان لجواز شبهه بصوت غيره، كالخط لا يجوز أن يشهد عليه حتى يذكر أنه شاهد فيه؛ وإنما كان ذلك لأن الخط يشبه الخط، قالوا: وهذِه دلالة لا انفصال عنها. والجواب: أن العقود والإقرارات مفتقرة إلى السماع ولا تفتقر إلى المعاينة، بخلاف الأفعال التي تفتقر إلى المعاينة، دليله قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] فجعل الدلائل على محكم صنعته ووحدانيته اختلاف الألسن والألوان، ثم وجدنا الخلق قد تتشابه كما تتشابه الأصوات. فلما تقرر أنه إذا شهد على عين جاز، وإن جاز تشبه عين أخرى. كذلك يشهد على الصوت وإن جاز أن يشبه صوتًا آخر.

стр. 9716

قال ابن بطال: وقد رجع مالكٌ عن الشهادة على الخط؛ لأن الخطوط كثيرة الشبه، وليست الأصوات والخلق كذلك؛ ألا ترى أنه تعالى ذكر اختلاف الألسنة والألوان ولم يذكر الخطوط. واعترض ابن القابسي فقال: قد روى الأثبات الحكم بشهادة الخط، منهم ابن القاسم وابن وهب، واستمر عليه العمل (١). وقال ابن التين: قول ابن القاسم وموافقيه هو قول مالك فتقبل شهادته على ما يلمسه من حار أو بارد، فيما يذوقه أنه حلو أو حامض، وفيما يشبهه، وأما ما طريقه الصوت كالإقرار وشبهه فتقبل عنده، وسواء تحملها أعمى، أو بصيرًا ثم عمي -خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما- لا تقبل إذا تحملها أعمى. وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه إذا تحملها بصيرًا ثم عمي لا يؤديها كما أسلفناه، ولا شك أن أمهات المؤمنين أخذ عنهن الصحابة والتابعون من وراء حجاب، وقد قال تعالى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. وحديث أذان بلال حجة في ذلك كما سلف، وكذا وطؤه زوجته؛ لأنه إنما يعرفها بالصوت، ومعلوم أن الأعمى يتكرر عليه سماع صوتها فيقع له العلم بذلك، فكان الصوت طريقًا يميز به بين الأشخاص. وقال أبو محمد بن حزم: شهادة الأعمى مقبولة كالصحيح. روي ذلك عن ابن عباس. وصحَّ عن الزُّهري وعطاء والقاسم والشعبي وشريح وابن سيرين والحكم بن عتيبة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج،

стр. 9717

وأحد قولي إياس بن معاوية، وأحد قولي ابن أبي ليلى، وهو قول مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبي سليمان وأصحابنا. وقالت طائفةٌ: يجوز فيما عرف قبل العمى، ولا يجوز فيما عرف بعده. وهو أحد قولي الحسن، واحد قولي ابن أبي ليلى، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأصحابه (١). وقد يحتج له بما روي عنه أنه ﵇ سُئل عن الشهادة، فقال: "ألا ترى الشمسَ؟! على مثلِها فاشْهَد" (٢) لكن قال ابن حزم: لا يصح سنده؛ لأنه من طريق محمد بن سليمان ابن مسمول وهو هالك، عن عبد الله بن سلمة بن وهرام وهو ضعيف، لكن معناه صحيح. وقالت طائفة: يجوز في الشيء اليسير، روينا ذلك عن النخعي.

стр. 9718

وقالت طائفة: لا يقبل في شيء أصلًا إلا في الأنساب وهو قول زفر، ورويناه من طريق عبد الرزاق، عن وكيع، عن أبي حنيفة، ولا يعرف أصحاب هذِه الرواية. وقالت طائفة: لا يقبل جملة، روينا ذلك عن علي وليس بصحيح عنه؛ لأنه من طريق الأسود بن قيس، عن أشياخ من قومه عنهم. وعن إياس بن معاوية والحسن بن أبي الحسن والنخعي أنهم كرهوا شهادته (١). وقال أبو حنيفة: لا يقبل في شيء أصلًا، لا فيما عرف قبل العمى ولا فيما عرف بعده، وقد سلف. قال وكيع: ثنا سفيان أن قتادة شهد عند إياس بن معاوية فرد شهادته. وسئل إبراهيم عنها، فحدث بحديث كأنه كرهه (٢). قلت: فتحصلنا فيه على ستة مذاهب: المنع المطلق، والجواز المطلق، والجواز فيما طريقه الصوت دون البصر، الفرق بين ما علمه قَبْلُ وما لم يعلمه، الجواز في اليسير، الجواز في الأنساب خاصة.

стр. 9719

١٢ - باب شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَقَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. [البقرة: ٢٨٢]. ٢٦٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا". [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٥/ ٢٦٦] ذكر فيه حديث أبي سعيد عن النَّبي ﷺ : "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا". وقد سلف مطولًا في الحيض (١)، وزيد الذي في إسناده هو ابن أسلم كما صرح به هناك. وقام الإجماع على القول بظاهر الآية، على أن شهادة النساء تجوز مع الرجال في الديون والأموال (٢). وأجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز في الحدود والقصاص، هذا قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعى والحسن البصري والزهري (٣)، وربيعة ومالك والليث والكوفيين والشافعي وأحمد وأبي ثور (٤). واختلفوا في النكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء، فذهب ربيعة ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنه لا يجوز في شيء من ذلك كله

стр. 9720

مع الرجال، وأجاز شهادتهن في ذلك كله مع الرجال الكوفيون (١)، ولا دليل لهم يوجب قبول شهادتهن في شيء من ذلك. واتفقوا أنه تجوز شهادتهن منفردات في الحيض، والولادة، والاستهلال، وعيوب النساء، وما لا يطلع عليه الرجال من عورتهن للضرورة (٢). واختلفوا في الرضاع، فمنهم من أجاز فيه شهادتهن منفردات، ومنهم من أجازها مع الرجال، على ما سيأتي ذكره في النكاح -إن شاء الله تعالى- وقال أبو عبيد: اجتمعت العلماء على أنه لا حظ للنساء في الشهادة في الحدود. وكذلك أجمعوا على شهادتهن في الأموال أنه لا حظ لهن فيها -أي: منفردات- وكذلك، لآيتين تأولهما فيما نرى والله أعلم. أما آية الحدود فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الآية، فعلم أن الشهادة (٣) في اللغة لا تقع إلا على الذكور، ثم أمضوا على هذا جميع الحدود من الزنا والسرقة والفرية وشرب الخمر والقصاص في النفس وما دونها. وأما آية الأموال فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثم أمضوا على هذا جميع الحقوق والمواريث والوصايا والودائع والوكالات والدين، فلما صاروا إلى النكاح والطلاق والعتاق لم يجدوا فيها من ظاهر القرآن ما وجدوا في تلك الآيتين، فاختلفوا في التأويل، فشبهها

стр. 9721

قوم بالأموال، فأجازوا فيها شهادة النساء، وقالوا: ليست بحدود وإنما توجب مهورًا ونفقات النساء. وأبى ذلك آخرون، ورأوها كلها حدودا؛ لأن بها يكون استحلال الفروج وتحريمها. قال أبو عبيد: وهذا القول يُختار؛ لأن تأويل القرآن يصدقه، ألا تسمع قوله تعالى حين ذكر الطلاق والرجعة فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فخص بها الرجال، ولم يجعل للنساء فيها حظًّا كما جعله في الدين، ثم أبين من ذلك أنه سماها حدود الله فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فكان هذا أكبر من التأويل، فالأمر عندنا عليه أنه لا تجوز شهادتهن في نكاح ولا طلاق ولا رجعة، وكيف يقبل قولهنَّ في هذِه الحال على غيرهن ولا يملكنها من أنفسهن، ولم يجعل الله إليهن عقد نكاح ولا حله؟! لأن الله تعالى خاطب الرجال في ذلك دونهن في كتابه. قال أبو عبيد: والعتاق عندنا من ذلك كله لا تجوز فيه شهادتهن؛ لما يدخل فيه من تحريم الفروج وتحليلها. قال المهلب: وفي حديث الباب دلالة أن الناس يجب أن يتفاضلوا في الشهادة بقدر عقولهم وفهمهم وضبطهم، وأن يكون الرجل الصالح الذي تُعرف منه الغفلة والبلادة يتوقف عن شهادته في الأمور الخفية. وتقبل شهادة اليقظان الفهم العدل، والتفاضل في شهادتهما على قدر أفهامهما. وفيه: أن الشاهد إذا نسي الشهادة ثم ذكره بها صاحبه؛ حتى ذكرها أنها جائزة؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فدخل في ذلك معنى الرجال والنساء.

стр. 9722

فرع: اختلف في شهادة امرأتين مع الفُشُوّ وامرأتين من غير الفشو، وفي شهادة أحد الأبوين بالرضاع، كما حكاه ابن التين، فقال ابن القاسم: إن شهدت أم الزوج أو أم الزوجة لم تقبل شهادتهما إلا أن يكون قد فشا. وعن ابن حبيب، عن مالك: إذا قالت المرأة ذلك في أمها أو أبيها، أو قاله الأب في ولده، وقعت الفرقة (١). فرع: قال أبو عبد الرحمن العتقي: اختلفوا في عدد من يجب قبول شهادته من النساء على ما لا يطلع عليه الرجال، فقالت طائفة: لا يقبل أقل من أربع. وهذا قول أهل البيت والنخعي وعطاء (٢). وهو رأي الشافعي وأبي ثور (٣)، وقالت طائفة: تجوز شهادة امرأتين على ما لا يطلع عليه الرجال. وبه قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى (٤). وعن مالك: إذا كانت مع القابلة امرأة أخرى فشهادتها جائزة (٥). وروي عن الشعبي أنه أجاز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال (٦)، وعن مالك: أرى أن تجوز شهادة المرأتين في الدين مع يمين صاحبه (٧).

стр. 9723

وعن الشافعي: يستحلف المدعى عليه، ولا يحلف المدعي مع شهادة المرأتين. وقالت طائفة: لا تجوز شهادة النساء إلا في موضعين: المال، وحيث لا يرى الرجال من عورات النساء. فائدة: روى الزبير بن بكار في كتاب "المفاكهة والمزح" أن امرأة وطئت صبيًّا فقتلته، فرُفعت إلى علي فشهد عليها أربع نسوة، وأجاز عليٌّ شهادتهنَّ وجحدت هي، فلما أجاز شهادتهنَّ قالت لعلي: اعفني الآن في الدية. قال: وكان علي يجيز شهادة الصبيان (١).

стр. 9724

١٣ - باب شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالعَبِيدِ (١) وَقَالَ أَنَسٌ: شَهَادَةُ العَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا. وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، إِلَّا العَبْدَ لِسَيِّدِهِ. وَأَجَازَهُ الحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. وَقَالَ شُرَيْحٌ كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ. ٢٦٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ -أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ- أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ. قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: "وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟! ". فَنَهَاهُ عَنْهَا. [انظر: ٨٨ - فتح: ٥/ ٢٦٧] ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث السالف، وفي آخِره: فَنَهَاهُ عَنْهَا. وأثر أنس أخرجه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث عن المختار بن فلفُل قال: سألت أنسًا عن شهادة العبيد فقال: جائزة (٢). قال في "الإشراف": وما علمتُ أنَّ أحدًا ردَّها. وأثر شريح أخرجه أيضًا، عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن الشعبي قال: قال شريح: لا أجيز شهادة العبد. فقال علي: لكنا نجيزها، فكان شريح بعده يجيزها إلا لسيده.

стр. 9725

قال: وحدثنا ابن أبي زائدة، عن أشعث، عن عامر: أن شريحًا أجاز شهادة العبد (١). وأثر زرارة جيد، وقد احتج به ابن حزم في "محلاه" (٢)، وأثر ابن سيرين ذكره عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عنه بلفظ أنه كان لا يرى بشهادة المملوك بأسًا إذا كان عدلًا. وأثر الحسن أخرجه أيضًا عن معاذ بن معاذ، عن أشعث الحمزاني، عنه. من غير ذكر (التافه) وهو الشيء اليسير. وكذا أثر إبراهيم رواه عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: كانوا يجيزونها في الشيء الطفيف. وأثر شريح أخرجه أيضًا، عن وكيع، عن سفيان، عن عمار الدهني، قال: شهدت شريحًا شهد عنده عبد على دار فأجاز شهادته، فقيل له: إنه عبد. فقال: كلنا عبيد، وأمنا حواء (٣). وحديث عقبة أخرجه عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عنه. وفيه: (فجاءته أمة سوداء). وأخرجه في الباب الآتي بعده لكنه قال بدل ابن جريج: عمر بن سعيد (٤). وفيه: فجاءته امرأة.

стр. 9726

وأخرجه قريبًا في باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء، عن حبان: أنا عبد الله، ثنا عمر بن سعيد بن أبي حسين (١). وفيه: (فأتته امرأة). وأخرجه في أوائل البيوع في باب تفسير المشبهات، عن محمد بن كثير، أنا سفيان، أنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة به (٢). وفي هذا امرأة سوداء، قال الإسماعيلي: مَنْ صحَّحَ حديثَ ابن جريج فقد صحَّحَ حديثَ عُمر بن أبي حسين، وهو يروي: مولاة سوداء لأهل مكة، فمن (قال) (٣) أمة حرة فقد تدَّعي بذلك لا سيما فيمن يريد تحقيرها وتصغيرها. ومن قال: مولاة، فقد أثبت لهما الأموة وعتقا بعد ذلك لا يدخل في جواز شهادة الرقيق، ولو كان كذلك لجازت شهادة الأمة من حيث لا تجوز شهادة امرأة واحدة على أصله؛ لأنه ﷺ قال في الخبر الذي صححه عن أبي سعيد المذكور قبل: "أَليْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ " فإذا كان لا يقبل من شهادة رجل مثلًا وإنما شهادة الحرة تقوم مقام نصف شهادة الرجل، فلا يعمل حتى تكونا اثنتين، فكيف ساغ تفضيل الأمة على الحرة في الشهادة على معناه؟ فالشارع لم يحرِّمها، ولكنه قال: "كيف وقد قِيل؟ " كراهةً للتقدم على ما يعرض فيه الشبهة؟ ويكون قول من قال: فنهاه عنها أيضًا على هذا المعنى؛ لأن ذلك لو كان موجبًا تحريمها لم يكن لاعتراضه عن إجابته عما سأله عنه مما هو محرم معنى، بل كان يخبره أنه لا يسعه ذلك فدل أنه كرهه له ولا أقل من أن تكون المرأة عدلًا إذا شهدت.

стр. 9727

إذا تقرر ذلك: فللعلماء في شهادة العبد ثلاثة أقوال: أحدها: جوازها كالحر، روي عن علي كقول أنس وشريح، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور (١). وثانيها: جوازها في الشيء التافه، روي عن الشعبي كقول الحسن والنخعي. ثالثها: لا تجوز في شيء أصلًا، روي عن عمر (٢) وابن عباس، وهو قول عطاء ومكحول (٣)، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي والأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعي (٤). قال ابن التين: وهو قول سائر فقهاء الأمصار سوى من تقدم. حُجة الأوَّل: أنه إذا كان رَضِي فهو داخل في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والعبد يكون رضيًّا وصالحًا، قال تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وأيضًا فإشارة الشارع على عقبة بالتنزه عن زوجته؛ من أجل شهادة الأمة، دلالة على سماع شهادة المملوك والحكم بشبهتها. حُجَّة الثاني: الاعتقاد في اليسير. حُجَّة الثالث: قالوا: ليس الحديث على وجه الوجوب، وإنما هو من باب الندب، فلا تلزم الحجة به، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] والإباء إنما يكون من الحر، والعبد ممنوع من

стр. 9728

الإجابة لحق المولى، فلم يدخل تحت النهي، كما لم يدخل في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وذلك كله حق المولى، وأيضًا بالإضافة في قوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] يفيد الحرية دون الإسلام؛ لأن غير الإسلام ليس بعدل؛ ولأن الشهادة مبنية على التفاضل والكمال، وما هذا سبيله لا يدخل العبد فيه كالرجم، فإن قلت: أداء الشهادة عليه فرض كالصلاة والصيام، وليس لسيده منعه من ذلك. قلتُ: هذا غلط؛ لأن فرضهما إيجاب من الرب ﷻ ابتداء، والتحمل من قبله، فلا فرض عليه في أدائها؛ حتى يأذن له السيد أو يعتق، كما ينذر على نفسه نذرًا. فإن قلتَ: كل من جاز قبول خبره جاز قبول شهادته كالحر. قلتُ: لا، فالخبر قد سومح فيه ما لم يتسامح في الشهادة؛ لأن الخبر يقبل من الأمة منفردة والعبد منفردًا، ولا تقبل شهادتهما، والعبد ناقص عن رتبة الحر في أحكام، فكذلك في الشهادة. ومذهب ابن حزم: الجواز. قال: شهادة العبد والأمة مقبولة في كل شيء لسيده أو لغيره كشهادة الحر والحرة، ولا فرق. وقد اختلف الناس في هذا، فصح ما روينا عن ابن المسيب: أن عثمان بن عفان قضى في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم (١).

стр. 9729

قلت: العبرة بوقت الأداء وهم صالحون إذ ذاك، كما وقع لجبير، سمع في حال شركه وأدى في حال إسلامه، وقبل إجماعًا. وروينا من طريق عمرو بن شعيب وعطاء، عن عمر مثل ذلك، وروينا أيضًا في شهادة العبد من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر، عن عمرو بن سليم، عن ابن المسيب، عن عمر (١) ومن طريق الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لا تجوزُ شهادةُ العبد (٢). ومن طريق أبي عبيد، عن حسان بن إبراهيم الكرماني، عن إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر: لا تجوز شهادة المكاتب ما بقي عليه درهم. وعن الشعبي وعطاء ومجاهد وسفيان ووكيع ومكحول وابن أبي نجيج: لا تجوز شهادة العبد (٣). وعن إبراهيم: لا تجوز شهادة المكاتب (٤). وعن قتادة: إذا شهد العبد فردت شهادته ثم أعتق فشهد بها لم تقبل (٥). وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة، وهو قول ابن أبي الزناد قال: وبه يقول أبو حنيفة والشافعي ومالك وابن أبي ليلى والحسن بن حي وأبو عبيد واحد قولي ابن شبرمة. وأجازت طائفة شهادته في بعض الأحوال، وردتها في بعض.

стр. 9730

روينا عن شريح والشعبي وإبراهيم أنهم كانوا لا يجيزون شهادة العبد لسيده، وتجوز لغيره (١). ومن طريق جابر، عن الشعبي في العبد يعتق بعضه أن شهادته جائزة، ومن طريق إسماعيل القاضي، حدثنا عارِم، ثنا ابن المبارك، عن يعقوب، عن عطاء: شهادة المرأة والعبد جائزة في النكاح والطلاق. ومن طريق عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة: سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبيد، فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب؟! على الإنكار لردها. قال ابن حزم: وهو قول زرارة بن أوفى، وعثمان البتي وأبي ثور وأحمد وإسحاق وأبي سليمان وأصحابهم، واحد قولي ابن شبرمة (٢). فرع: قال ابن القاسم: شهد أربعة بزنا فرجم، ثم تبين أن أحدهم عبد، حد الشهود، وكان على الثلاثة ثلاثة أرباع الدية على العاقلة، وإن تبين أن أحدهم مسخوط أمضى الحكم (٣)، وعارضه بعضهم فقال: الأولى الإمضاء في العبد؛ للخلاف فيه دون الثاني؛ للاتفاق على ترك روايته. فرع: شهد عبد فردت شهادته، فأعادها، قبلت عندنا، وعند أبي حنيفة خلافًا لمالك (٤)، فإن شهد بها وهو عبد فلم يحكم؛ حتى عتق، ففي

стр. 9731

الإعادة قولان لهم: قال ابن القاسم في "المجموعة" في عبدٍ حكم بشهادته بظن الحرية، فلم يعلم حتى عتق أن الحكم الأول يرد ثم يقوم بها الآن فيشهد (١)، وقد يحتمل أن يكون الذي ينظر في شهادته غير القاضي الأول. خاتمة: قوله: (فَنَهَاهُ عَنْهَا) وفي رواية أخرى تأتي في الباب بعد "دعْها". أخذ بها الليث وقال: يقبل قولها ولو كانت ذمية. وقال ابن القاسم: لا يُفَرَّق بينهما بقولها. وقد أسلفنا الخلاف في شهادة امرأة مع الفُشُوّ وامرأتين من غير فشو وفي شهادة أحد الأبوين بالرضاع، في الباب قبله واضحًا. وفيه من الفوائد: شهادة المرء على ما يفعله؛ لأن الرضاع فعلها.

стр. 9732

١٤ - باب شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ ٢٦٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! دَعْهَا عَنْكَ" أَوْ نَحْوَهُ. [انظر: ٨٨ - فتح: ٥/ ٢٦٨] ذكر فيه حديث عقبة أيضًا وقد فرغنا منه آنفًا (١). وقد أسلفنا اختلاف العلماء في شهادة المرضعة إذا كانت مرضية، ومذهب ابن عباس (٢) وطاوس قبولها وحدها، وتحلف مع شهادتها، وهو قول الزهري (٣) والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٤). وحجتهم حديث الباب. ومذهب الأوزاعي التفرقة بين العقد وقبله، والكوفيون على أنه لا يقبل إلا رجلان أو رسول وامرأتان (٥). وقال مالك: تجوز شهادة امرأتين دون رجل إذا كان ذلك قد فشا، وعرف من قولهما (٦). وفي رواية ابن وهب: يقبل وإن لم يفش. وقال الشافعي: لا بد من أربع نسوة (٧). وقال: لو شهد في ذلك رجلان ورجل وامرأتان جاز (٨).

стр. 9733

١٥ - باب تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا ٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ -وَأَفْهَمَنِى بَعْضَهُ أَحْمَدُ- حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا. زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ. فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْري، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ. وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِى قَبْلَ الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى

стр. 9734

أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". لَا أَشْعُرُ بِشيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنَا، لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي، فَعَثُرَتْ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ يَا هَنْتَاهْ، أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَىَّ -قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا- فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟! قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللهِ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: "يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ؟ ". فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 9735

أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنِ العَجِينَ، فَتَأْتِى الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنِى مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِى أَذَاهُ فِي أَهْلِى؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِى إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِى إِلَّا مَعِى ". فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا وَاللهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ -وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ- فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ. فَثَارَ الحَيَّانِ: الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ، قَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ -قَالَتْ- فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ". فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ فَقُلْتُ: إِنِّي
следующие страницы →