فرع:
قال مالك ومحمد بن الحسن والشافعي: لا يقبل في الجرح والتعديل أقل من رجلين (١). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقبل فيهما واحد (٢).
قلت: وصححه المحدثون؛ لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح رواته وتعديله بخلاف الشهادة.
وقال أبو عبيد: روي ذلك عن شريح.
وقال أبو عبيد: أدنى التزكية ثلاثة فصاعدًا لحديث قبيصة في الزكاة، فإذا كان لا يقنع في السؤال عن حال الرجل في نفسه بأقل من ثلاثة، فحاله في إمارات الناس أشد وقد قال ﵇ لرجل سأله: يا رسول الله، كيف أعلم أني إذا أحسنت أني قد أحسنت؟ "إذا قال جيرانُك أحسنتَ فقد أحسنت" (٣) قال أبو عبيد: فلا أرى النبي ﷺ رضي بدون إجماع الجيران على الثناء.
فرع:
[إذا] (٤) اجتمع الجرح والتعديل، فالجرح أولى، وممن نص عليه مالك وابن نافع، وفي رواية أشهب عنه: ينظر إلى أعدل البينتين فيقضى بها.
стр. 9662
حجة الأول ما يأتي من تصديق الجارحين للمعدلين، وإخبارهم بما انفردوا به دونهم، وكذلك لو كثر عدد المعدلين على عدد الجارحين كان قول الجارحين أولى، وهو قول الجمهور (١).
فرع:
الجرح لا يقبل إلا مبينًا بخلاف التعديل (٢)، قال المهلب: وفي الحديث دليل أن سلف الأمة كانوا على العدالة بشهادة الله تعالى لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس.
وقال الحسن البصري وغيره وذكره ابن شهاب: إنَّ القضاةَ فيما مضى كانوا إذا شهد عندهم الشاهد قالوا: قد قبلناهُ لدينه.
وقالوا للمشهود عليه: دونك بجرح؛ لأن الجرحة كانت فيهم شاذة، فعلى هذا كان السلف ثم حدث في الناس غير ذلك.
قال ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي على أن الشهود اليوم على الجرح؛ حتى تثبت العدالة، قال أبو حنيفة: إلا شهود النكاح فإنهم على العدالة.
وهذا قول لا سلف فيه ولا دليل عليه، ولو عكس عليه هذا القول لم يكن أحد القولين أولى بالحكم من صاحبه.
وحجة الفقهاء أن الشهود على الجرح قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] و ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فخاطب الحكام ألا يقبلوا إلا من كان بهذِه الصفة، ودل القرآن أن في الناس غير مرضي ولا عدل، فكذلك يكلف الطالب إذا جهل
стр. 9663
القاضي أحوال الشهود أن يعدلوا عنده (١).
فائدة:
قول عمر: (إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ) إلى آخره. كان الناس في الزمن الأول على العدالة، حتى ظهر منهم خلافها، فالتمس منهم إذن العدالة، وقد ترك بعض ذلك في زمن عمر، فقال له رجل: أنبئك بأمر لا رأس له ولا ذنب. فقال: وما ذاك؟ قال: شهادة الزور ظهرت في أرضنا. قال عمر: في زماني وفي سلطاني لا والله لا يؤسر رجل بغير العدول (٢).
فرع:
قال ابن التين: التعديل إنما يكون سرًّا لا اختلاف فيه أنه يجزئ، واختلف هل يجتزئ بتعديل العلانية دونه؟
قال سحنون: ولا يقبل تعديل الأبْله وليس كل من تقبل شهادته يجوز تعديله ولا يعدل إلا الفطن المهر الناقد الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل في رأيه بحال (٣)، واختلف: هل من شرط العدل أن يكون ذا مروءة أو لا يكون؟ يقرأ بالألحان أو يمتنع من حضور جمعة واحدة لغير عذر؟ (٤).
﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، فكان هؤلاء ممن ظلم، قال: ولا يكون بقرب موته، ولا ينبغي إلا ذلك؛ فيدخل في الحديث الآخر في سب الموتى. وقيل: كان هذا الميت مجاهرًا.
وقيل: إنه ليس بمخالف لحديث: "نكبوا حتى ذي قبر" (١). لأنه لم يقبر بعد.
ومعنى: "وَجَبَتْ" أي: الجنة وكذا النار، إلا أن يغفر الله.
وهذا في ثناء العدول إذا أراد الله بأحد خيرًا أو سوءًا يقيض له من يشهد بذلك من الصالحين عند موته، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في عدد من يجوز تعديله.
وحديث عمر حجة لمن عدد، واحتج الطحاوي لذلك، فقال: لما لم ينفذ الحكم إلا برجلين، فكذا الجرح والتعديل، ولما كان من شرط المزكي والجارح العدالة؛ وجب أن يكون من شرطهما العدد.
واتفقوا (٢) على أنه لو عدل رجلان وجرح واحد أن التعديل أولى، فلو كان الواحد مقبولًا لما صح التعديل مع جرح الواحد (٣).
واتفقوا لو استوى الجرح والتعديل أن الجرح أولى أن يعمل به من التعديل، وهو قول مالك في "المدونة".
стр. 9666
والحجة لذلك أن الجرح باطن والعدالة ظاهر، والجارح يصدق المعدل ويقول: قد علمت من حاله مثل ما علمت أنت، وانفردت أنا بعلم ما لم تعلم أنت من أمره. بعلم انفردت به: لا ينافي خبر المعدل، وخبر المعدل لا ينفي صدق الجارح فوجب أن يكون الجرح أولى من التعديل (١).
انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ". تاَبَعَهُ ابن مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ. [٥١٠٢ - مسلم: ١٤٥٥ - فتح: ٥/ ٢٥٤].
ذكر فيه حديث عائشة: اسْتَاذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ … الحديث.
وحديث ابن عباس قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي (بِنْتِ) (١) حَمْزَةَ: "لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِة مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وهِيَ ابنة أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".
وحديث عائشة: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وعِنْدِي رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ. حَفْصَةَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُرَاهُ فُلَانًا". لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ .. الحديث، وفي آخره: "إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ".
وحديث عائشة: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ، قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَنْ هذا؟ ". قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. فقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ". تَابَعَهُ ابن مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ.
الشرح:
التعليق الأول أسنده فيما سيأتي (٢)، وحديث عائشة الأول أخرجه مسلم والأربعة (٣)، والمتابعة الأخيرة أخرجها مسلم، عن زهير بن حرب، عن ابن مهدي، عن سفيان به (٤).
стр. 9669
ومعنى الباب أن ما صحَّ من الأنساب والموت والرضاع بالاستفاضة، وثبت علمه بالنفوس وارتفعت فيه الريب والشك أنه لا يحتاج فيه إلى معرفة لعدد الذين ثبت لهم علم ذلك، ولا يحتاج إلى معرفة الشهود؛ ألا ترى أن الرضاع الذي في هذِه الأحاديث كلها كان في الجاهلية وكان مستفيضًا معلومًا عند القوم الذين وقع الرضاع فيهم، وثبتت به الحرمة والنسب في الإسلام، وتجوز عند مالك والكوفيين والشافعي الشهادة بالسماع المستفيض في النسب والموت القديم والنكاح (١)، وقال الطحاوي: أجمعوا أن شهادة السماع تجوز في النكاح دون الطلاق (٢) ويجوز عند مالك والشافعي الشهادة على ملك الدار بالسماع، زاد الشافعي: والثوب أيضًا، ولا يجوز ذلك عند الكوفيين (٣).
قال مالك: لا تجوز الشهادة على ملك الدار بالسماع على خمس سنين، ونحوها، إلا فيما يكثر من السنين. وهو بمنزلة سماع الولاء، قال ابن القاسم: وشهادة السماع إنما هي فيما أتت عليه أربعون أو خمسون سنة (٤).
قال مالك: وليس أحد يشهدُ على أحباس الصحابة إلا على السماع (٥).
стр. 9670
قال عبد الملك: أقل ما يجوز في الشهادة على السماع أربعة شهداء من أهل العدل أنهم لم يزالوا يسمعون أن هذِه الدار صدقة على بني فلان محبسة عليهم مما تصدق به فلان ولم يزالوا يسمعون أن فلانًا مولى فلان قد تواطأ ذلك عندهم وفشا من كثرة ما سمعوه من العدول وغيرهم ومن المرأة والخادم والعبد (١).
واختلف فيما يجوز من شهادة النساء في هذا الباب: فقال مالك: لا يجوز في الأنساب والولاء شهادة النساء مع الرجال.
وهو قول الشافعي وإنما يجوز مع الرجال في الأموال خاصة أو متفردات في الاستهلال وما لا يطلع عليه الرجال من أمور النساء، وأجاز الكوفيون شهادة رجل وامرأتين في الأنساب (٢).
وأما الرضاع فيجوز فيه شهادة امرأتين دون رجل، وستعرف مذاهبهم في كتاب الرضاع إن شاء الله تعالى.
تنبيهات:
أحدها: اختلف في (أفلح) هذا فقيل: ابن أبي القعيس.
قال ابن عبد البر: وقيل: أبو القعيس.
وقيل: أخو أبي القعيس. وأصحهما ما قال مالك ومن تابعه: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة السالف (٣)، ويقال: إنَّه من الأشعريين، وقد قيل: إن أبا القعيس اسمه الجعد ويقال: الأفلح يكنى أبا الجعد، وقيل: اسم أبي القعيس: وائل بن أفلح (٤) وعند ابن
стр. 9671
الحذاء: قيل: أفلح بن أبي الجعد، رواه عبد الرزاق (١) وقيل أيضًا: عمي أبو الجعد وفي "صحيح الإسماعيلي": أفلح بن قعيس أو ابن أبي القعيس.
وقال ابن الجوزي، عن هشام بن عروة: إنما هو أبو القعيس أفلح.
وليس بصحيح، إنما هو أبو الجعد أخو أبو القعيس وقال القابسي: لعائشة عمَّان؛ الأول هذا، والثاني ارتضع هو وأبو بكر من امرأة واحدة.
وقيل هما عم واحد (٢)، ورجح القاضي عياض الأول فقال: إنه أشبه؛ لأنه لو كان واحدًا لفهمت حكمه من المرة الواحدة ولم تحتجب منه بعد (٣).
فإن قلت: فإذا كانا عمين فكيف سألت عن الميت بقولِها: لو كان فلان حيًّا دخل عليها لعمها، فقال ﷺ : "إِنَّ الرَّضَاعَةَ … " إلى آخره، واحتجبت عن الآخر أخي أبي القعيس حتى أعلمها رسول الله ﷺ ، قيل: يحتمل أن أحدهما كان عمًّا من أحد الأبوين منهما أو عمًّا أعلى والآخر أدنى، أو نحو ذلك من الاختلاف فخافت أن تكون الإباحة مُختصة بصاحب الوصف المسئول عنه أولًا، أو يُحتمل- كما قال القرطبي: أنها نسيت القصة الأولى فأنشأت سؤالًا آخر، [أو] (٤) جوزت تبديل الحُكْم، وهو حجة لمن يرى أن لبن الفحل يحرم، وهم الجمهور من الصحابة وغيرهم (٥).
стр. 9672
قال القاضي عياض: لم يقل أحدٌ بسقوط حرمته إلا أهل الظاهر وابن علية (١)، وفيما ذكره نظر ستعرفه في النكاح.
ووجه الاستدلال من حديث عائشة أنه ﵇ أثبت لأَفْلح عمومة عائشة، وإنما ارتضعت من لبن امرأة أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس قد صار أباها.
ومنهم من قال هما عمان؛ لأن سؤالها كان مرتين وفي زمنين (٢). وقال النووي: يحتمل أن أحدهما كان عمًّا من أحد الأبوين أو عمًّا أعلى والآخر أدنى، فخافت أن تكون الإباحة مختصة بصاحب الوصف المسئول عنه أولًا (٣).
والمحفوظ عند الحفاظ أن عمها من الرضاعة هو أفلح أخو أبي القعيس، وكنية أفلح: أبو الجعد.
الثاني: عند أبي حنيفة لا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي، فإنه يسعه أن يشهد بهذِه الأشياء إذا أخبره بهما من يثق به. قال في "الهداية": هذا استحسان والقياس ألا يجوز فيها؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، ويجوز للشاهد في الأوائل أن يشهد بالإشهار -وذلك بالتواتر- أو بخبر من يشق به، إما أن يكونا رجلين أو رجل وامرأتان، وقيل: في الموت يكفي إخبار واحد وواحدة، وينبغي أن يطلق الشهادة ولا يفسرها.
стр. 9673
أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته وإن رأى إنسانًا جلس مجلس القضاء فدخل عليه خصوم حل له أن يشهد على كونه قاضيًا، وكذا إذا رأى رجلًا وامرأة يسكنان بيتًا وينبسط كل واحد إلى الآخر انبساط الأزواج.
وعن أبي يوسف: يجوز في الولاء.
وعن محمد: يجوز في الوقف (١).
وقال أبو عبد الرحمن محمد بن محمد العتقي: الشهادة على النسب المشهور بالسماع جائزة عند جميع الفقهاء، وما أعلم أحدًا ممن يحفظ عنه من أهل العلم منع من ذلك.
الثالث: فيه إثبات لبن الفحل كما سلف، قال مالك في "المبسوط":
نزل ذلك برجال واختلف الناس عليهم، فأما محمد بن المنكدر وابن أبي خيثمة ففارقوا نساءهم، وسائر الفقهاء على التحريم. واختلف فيهم عبد الله بن عمر وابن الزبير وعائشة. قال مالك في "الموطأ": كانت عائشة تُدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها، ولا تدخل من أرضعته نساء إخوتها (٢).
وقولها: (فلم آذن له)، وفي الرواية التي بعدها: (لو كان فلان حيًّا -لعمها من الرضاعة- دخل عليَّ)، في الأول أنه حي، وفي الثاني أنه ميت، وقد أسلفنا أن لها عمين.
واعترض ابن التين فقال: نص الحديث خلاف ما قاله الشيخ أبو الحسن لقوله: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي؛ فالعم من الرضاعة
стр. 9674
ثلاثة: أج [الأب] (١) من الرضاعة لا النسب، أخ من الأب من الرضاعة والنسب كأفلح، أب من الرضاعة له أخٌ من الرضاعة.
وفيه: أن الرضاع لا توقيت فيه، وهو قول جماعة من المالكية (٢).
وقوله: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" لفظٌ عام لا يستثنى منه شيء، كما أوضحناه في "شرح العمدة" (٣) وكتب الفروع، وما استثنى لا يرد عنه عند التأمل.
وقوله: ("إنما الرضاعة من المجاعة"). ظاهر في عدم تحريم المصة والمصتين؛ لأنها لا تسد الجوع، ولا تقوي البدن، إنما يقويه خمس رضعات، وقالت عائشة وحفصة: عشر (٤).
وقال ابن مسعود وأبو ثور: ثلاث (٥).
وقال مالك: واحدة (٦).
стр. 9675
وبعضهم أَوَّلَ قوله: ("إنما الرضاعة من المجاعة") على رضاعة الكبير، وأخذت عائشة برضاع الكبير، وخالفها سائر أمهات المؤمنين، ورأوه خاصًّا بسالم.
واختلف في آخر وقته، فعندنا سنتان، وللمالكية في الزيادة عليها أقوال: الشهر ونحوه، شهران، الثلاثة، أيام يسيرة لمذهبنا ستة أشهر (١)، حكاه الداودي، واختلف إذا فطم قبل الحولين ثم عاد اللبن
في الحولين هل يجزيه؟
فائدة: الرضاع والرضاعة بكسر الراء فيهما والفتح، وأنكر قوم الكسر.
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ ٣/ ٢٢٤ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ. [انظر: ٢٣١٤ - مسلم: ١٦٨٩ - فتح: ٥/ ٢٥٥]
ثم ساق حديث عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ [بِهَا] فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَة: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وحديث زيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ.
الشرح:
معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة:١٦٠] أنه يزول فسقهم ولا يسقط الحد عنهم، وتقبل شهادتهم قبل الحد وبعده؛ لارتفاع فسقه، قاله الجمهور، وقيل: لا تقبل مطلقًا.
وقيل: لا تقبل بعد الحد وتقبل قبله. وقيل عكسه (١).
وتوبته بإكذابه نفسه أو بالندم والاستغفار، وترك العود إلى مثله، ومحل بسطها التفسير، وقد بسطناها في "شرح منهاج الأصول".
وقال ابن التين: في الآية ثلاثة أقوال:
الأول: هو استثناء من قبول الشهادة، وهو مذهب المديني.
والثاني: الاستثناء من الفسق، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: الاستثناء من الأحكام الثلاثة.
стр. 9678
فإذا تاب قبلت شهادته وزال عنه الحد واسم التفسيق.
ذكر هذا عن الشعبي (١) قال: وهو خلاف ما ذكره عنه البخاري أولًا.
والتعليق الأول رواه الشافعي، عن سفيان سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا تجوز، فأشهد لأخبرني (٢) أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكرة: تب وأقبل شهادتك.
قال سفيان: سمى الزهري الذي أخبره فحفظت ثم نسيته، فلما قمنا سألت من حضر، فقال لي: عمر بن قيس هو ابن المسيب، قال
الشافعي: فقلت له: هل شككت فيما قال؟ قال: لا، هو ابن المسيب من غير شك (٣).
قال الشافعي: فكثيرًا ما سمعته يحدث به فيسمي سعيدًا وكثيرًا ما سمعته يقول عن سعيد -إن شاء الله- قال البيهقي: وقد رواه غيره من أهل الحفظ عن سعيد ليس فيه شك بزيادة: أن عمر استتاب الثلاثة فتاب اثنان فأجاز شهادتهما، وأَبَى أبو بكرة فرد شهادته.
وروى أحمد بن شيبان، عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب أن عمر قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك.
وروى سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد: أن عمر قال لأبي بكرة وشبل ونافع: من تاب منكم قبلت شهادته (٤).
стр. 9679
قال الطحاوي: ابن المسيب لم يأخذه عن عمر إلا بلاغًا؛ لأنه لم يصح له عنه سماع وإن كان رآه وسمع نعيه النعمان، والدليل على أن الحديث لم يكن عند سعيد بالقوي أنه كان يذهب إلى خلافه، روى عنه قتادة، وعن الحسن أنهما قالا: القاذف إذا تاب توبته فيما بينه وبين ربه جل وعز ولا تقبل له شهادة، ويستحيل أن يسمع من عمر شيئًا بحضرة الصحابة ولا ينكرونه عليه، ولا يخالفونه ثم يتركه إلى خلافه (١).
وروى أبو الفرج الأصبهاني في "تاريخه الكبير" بإسناد جيد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا: ثنا أبو زيد عمر بن شبة، ثنا عفان، ثنا عبد الكريم بن رشيد، عن أبي عثمان النهدي قال: لما شهد على المغيرة بن شعبة عند عمر استتاب أبا بكرة وقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي قال: أجل، الحديث.
ولأبي داود الطيالسي: حدثنا قيس بن سالم الأفطس، عن قيس بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل ليشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين قد فسقوني (٢)، فإن قلت: إذا لم يتب فكيف ذكر في الصحيح، وأجاب الإسماعيلي في "مدخله" بأن الخبر مخالف للشهادة ولهذا لم يتوقف أحد من أهل المصرين في الرواية عنه، ولا طعن أحد على روايته من هذِه الجهة مع إجماعهم إلا شهادة المحدود في قذف غير ثابت، فصار قبول خبره جاريًا مجرى الإجماع؛ كما كان رد الشهادة قبل التولية جاريًا مجرى الإجماع.
стр. 9680
وما حكاه البخاري عن عبد الله وغيره من إجازته، قال ابن حزم في "محلاه": ومن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: القاذف إذا تاب فشهادته عند الله في كتاب الله، وصح أيضًا عن عمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعطاء وطاوس ومجاهد وابن أبي نجيح والشعبي والزهري وحبيب بن أبي ثابت وعمرو بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري وسعيد بن المسيب وعكرمة وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وابن قسيط ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وشريح، وهو قول عثمان البتي وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وأحمد وإسحاق وبعض أصحابنا (١).
وفي "سنن سعيد بن منصور": أنا هشيم، ثنا حصين قال: رأيتُ رجلًا جُلِد حدًّا في قَذْفٍ بالزنا فلما فرغ من ضربه أحدث توبة، فلقيت أبا الزناد فأخبرته بذلك، فقال: الأمر عندنا إذا رجع عن قوله واستغفر ربه قبلت شهادته (٢). وأراد البخاري بما نقله عن بعض الناس أبا حنيفة، وقد حكاه ابن حزم، عن ابن عباس بإسناده من طريق ابن جريج، عن عطاء الخراساني عنه أنه قال: شهادة القاذف لا تجوز وإن تاب.
قال ابن حزم: وصح ذلك أيضًا عن الشعبي ومسروق في أحد قوليهما والنخعي وابن المسيب في أحد قوليه، والحسن البصري ومجاهد في أحد قوليه وعكرمة في أحد قوليه وشريح وسفيان بن
стр. 9681
سعيد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ثم قال بعد: وأما أبو حنيفة فما نعلم له سلفًا في قوله إلا شريحًا وحده، فقد خالف جمهور العلماء في ذلك، وهو غريب منه مع جلالته (١).
وقد أخرج البيهقي من حديث المثنى بن الصباح وآدم بن فائد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "لا تجوز شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام" (٢).
وأخرجه أبو سعيد النقاش في كتاب "الشهود" تأليفه من حديث جراح، ومحمد بن عبيد الله العرزمي وسليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، وأخرجه أحمد بن موسى بن مردويه في "مجالسه" من حديث المثنى عن عمرو، عن أبيه عبد الله بن عمرو، وأخرجه الترمذي من حديث (يزيد بن أبي زياد الدمشقي) (٣)، عن الزهري، عن عروة عن عائشة. فذكرتْه مرفوعًا مثله.
стр. 9682
ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد، ويزيد يضعف في الحديث (١).
وفي "علل الرازي": قال أبو زرعة: هذا حديث منكر ولم يقرأه علينا (٢).
وأخرج الدارقطني من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر فذكر مثله مرفوعًا، وهو ضعيف بسبب يحيى بن سعيد الفارسي وغيره (٣).
وعَتْبُ البخاريُّ على أبي حنيفة التزوج بشهادة محدودين، قد يجاب عنه بأن حالة التحمل لا يشترط فيها العدالة، كما ذكر عن بعض الصحابة أنه تحمل في حال كفره ثم روى بعد إسلامه.
وعتبه عليه أيضًا بأنه أجاز شهادة المحدود والعبد والأمة، برؤية هلال رمضان فقد يقال: إنه أجراه مجرى الخبر، وهو يخالف الشهادة في المعنى؛ لأن المخبر له يدخل في حكم ما شهد به.
وقول البخاري: (وكيف تعرف توبته وقد نفي الزاني سنة، ونهى رسول الله ﷺ عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه حتى مضى خمسون ليلة؟).
стр. 9683
هذان قد أسندهما كما سيأتى (١).
(التقدير) (٢).
قال ابن بطال: باب: شهادة القاذف والسارق والزاني وباب: وكيف تُعْرف توبته؟ وكثيرًا ما يفعله البخاري يردف ترجمة على ترجمة وإنْ بَعُدَ ما بينهما.
وأراد بقوله: (وكيف تُعرف توبته؟) إلى آخر الكلام الاحتجاج لقول مالك أنه ليس من شرط توبة القاذف تكذيب النفس وتخطئتها والرد على من خالفه في أنه من شروط التوبة.
ووجه ذلك أنه ﵇ بُعث معلمًا للناس وأمرهم بالتوبة من ذنوبهم، ولم يأمرهم بأن يعلموا بأنهم كانوا على معاصي الله، بل أمرهم بسترها.
واستدل البخاري أن القاذف يكون تائبًا بصلاح الحال دون إكذابه لنفسه، أو اعترافه أنه عصى الله أو خالف أمره بلسانه حين لم يشترط ذلك على الزاني في مدة تغريبه ولا كعب بن مالك وصاحبيه في
الخمسين ليلة، فإن ادعى اختصاص توبة القاذف بذلك، فالبيان لازم عليه (٣).
وقال ابن المنير: المشكل في هذا توبة القاذف المحق إذا لم يكمل النصاب. أما الكاذب في القذف فتوبته بينة، فأما الصادق في قذفه كيف يتوب فيما بينه وبين الله تعالى؟
стр. 9684
وأشبه ما في ذلك عندي أن المعاين للفاحشة لا يجوز أن يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه، فإذا كشفه حيث لا نصاب فقد عصى الله، وإن كان صادقًا فيتوب من المعصية في الإعلان لا من الصدق (١).
وأما حديث السَّارِقة فأخرجه مسلم والأربعة (٢).
وقوله فيه: (حدثنا إسماعيل: حدثني ابن وهب عن يونس.
وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة) هذا التعليق -أعني تعليق الليث- أخرجه أبو داود عن محمد بن يحيى بن فارس، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس (٣)، وأخرجه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب القطع والسرقة من حديث عبد الله بن الجهم: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزهري، عن عروة، عن أم سلمة، قال ابن أبي حاتم في "علله": رواه معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنه ﷺ أُتي بامرأة استعارت حليًّا فقطع يدها.
وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا قال أبي: لم يرو هذين الحديثين غير معمر.
فأما حديث أيوب فإنَّ الناس يحدثون عن نافع عن صفية: أتي عمر بسارق.
ليس فيه ذكر العارية.
стр. 9685
وأما حديث الزهري فإنه أراد عندي حديث عروة، عن عائشة أن رجلًا أقطع نزل على أبي بكر، فجعل يطيل الصلاة بالليل قال: وكان حماد بن زيد يختلف إلى أبواب جماعة، فخرج واحد إلى اليمن،
فحدث، عن أيوب بأحاديث وكأنه ليس من حديث أيوب (١).
قلت: وهذِه المرأة اسمها فاطمة بنت الأسود (٢)، ووجه إدخال البخاري حديث عائشة في الباب لقولها فيه: (فحسنت توبتها)؛ لأن فيه دلالة أن السارق إذا تاب وحسنت حاله، قبلت شهادته.
وأما حديث زيد بن خالد فوجه إدخاله هنا أنه ﵇ لم يشترط عليه بعد الحد والتغريب شيئًا، ولو كان شرطًا فمقبول شهادته لذكره، وإنما ذكر قول الثوري وأبي حنيفة ليلزمهم التناقض في قولهما إن القاذف لا تجوز شهادته وهم يجيزونها في مواضع، وأجاز الثوري شهادة العبد إذا جلد قبل العتق (٣).
وهذا تناقض؛ لأن من قذف فقد فسق، وليس العتق توبة، وهو لو قذف بعد العتق وتاب لم تجز شهادته عنده، وكذلك أجاز قضايا المحدود في القذف، وهذا تناقض؛ فكيف تجوز قضايا المحدود ولا تجوز شهادته؟ وكذلك يلزم أبا حنيفة التناقض في إجازته النكاح بشهادة محدودين، وإنما أجاز ذلك؛ لأن من مذهبه أن الشهود في النكاح خاصة على العدالة، وفيما سوى ذلك على الجرحة، وهذا تحكم.
стр. 9686
وحكاية هذا القول مغنٍ عن الرد عليه وقال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة النكاح بشهادة فاسقين.
وقد أجمع أهل العلم على رد شهادتهم، وأبطل النكاح بشهادة عبدين.
وقد اختلف أهل العلم في قبول شهادتهم والنظر دال على أن شهادتهم مقبولة إذا كانا عدلين (١).
ودليل القرآن: وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأما إجازته شهادة المحدود في هلال رمضان، فإنه أجرى ذلك مجرى الخبر، وهو يخالف الشهادة في المعنى كما
سلف؛ لأن المخبر له مدخل في حكم ما شهد به.
وهذا غلط؛ لأنَّ الشاهدَ على هلالِ رَمَضانَ لا يزول عنه اسم شاهد ولا يُسمى مخبرًا، فحكمه حكم الشاهد في المعنى؛ لاستحقاقه ذلك بالاسم.
وأيضًا فإن الشهادة على هلال رمضان حُكم من الأحكام، ولا يجوز أن يكون يقبل في الأحكام إلا من تجوز شهادته في كل شيء، ومن جازت شهادته في هلال رمضان ولم تجز في القذف فليس بعدل، ولا هو ممن يُرضى؛ لأن الله تعالى إنما تعبدنا بقبول من نرضى من الشهداء.
وأوضح الخلافَ في مسألة القاذف ابن بطال أيضًا، حيث قال: اختلف العلماء في شهادة القاذف هل ترد شهادته قبل الحد أم لا؟ فروى ابن وهب، عن مالك أنه لا ترد شهادته؛ حتى يحد، وهو قول
стр. 9687
الكوفيين، وقال الليث والأوزاعي والشافعي: ترد شهادته وإن لم يحد، وهو قول ابن الماجشون (١).
حجة من أجازها قبل الحد؛ بأن الحد لا يكون إلا بأن يطلبه المقذوف ويعجز القاذف عن البينة، فإذا لم يؤمن عليه أن يعترف بالزنا أو تقوم عليه بينة، فلا يفسق القاذف ولا يحد؛ لأنه على أصل العدالة حتى يتبين كذبه.
وحجة الشافعي أنه بالقذف يفسق؛ لأنه من الكبائر، ولا تقبل شهادته حتى تصح براءته، بإقرار المقذوف له بالزنا أو قيام البينة عليه.
وهو عنده على الفسق؛ حتى تتبين براءته ويعود إلى العدالة، وهو قبل الحد شر حالًا منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات للذنوب، وهو بعد الحد خير منه قبله، فكيف أَرُدُّ شهادته في خير حالتيه، وأجيزها في شرها؟
قال: واختلفوا إذا حُدَّ وتاب فقال جمهور السلف: إذا تاب وحسنت حالته قبلت شهادته.
وممن روي عنه سوى ما ذكره البخاري -في قول ابن المنذر- عطاء، واختلف فيه عن ابن المسيب، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد (٢).
وممن قال إن شهادته لا تجوز أبدًا وإن تاب شريح والحسن
стр. 9688
والنخعي وسعيد بن جبير (١)، وهو قول الثوري والكوفيين وقالوا: توبته فيما بينه وبين الله (٢). قال: وأما المحدود في الزنا والسرقة والخمر، إذا تابوا قبلت شهادتهم.
واحتج الكوفيون في رد شهادة القاذف؛ بعموم ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] وقالوا: إن الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة.
وقال آخرون: الاستثناء راجع إلى الفسق والتوبة جميعًا، إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له، وإذا قبل الكوفيون شهادة الزاني والمحدود في الخمر والقاذف إذا تابوا، والمشرك إذا أسلم وقاطع الطريق ثم لا تقبل شهادة من شهد بالزنا فلم تتم الشهادة فجعل قاذفًا.
وقام الإجماع على (أن) (٣) التوبة تمحو الكفر، فوجب أن يكون ما دونه أولى، وقد قال الشعبي: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته (٤).
واحتجوا بأن عمر جلد الذين قذفوا المغيرة واستتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وكان هذا بحضرة جماعة من الصحابة من غير نكير، ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبولها أبدًا.
ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب فسقط قولهم.
стр. 9689
واختلف قولُ مالك وأصحابه، هل تُقبل شهادتُه في كلِّ شيء، فروى عنه ابن نافع أن المحدود إذا حسنت حاله قبلت شهادته في كل شيء، وهي رواية ابن عبد الحكم عنه، وهو قول ابن كنانة (١)، ورواه أبو زيد عن أصبغ، وذكر الوقار عن مالك أنه لا تقبل شهادته، فيما حُدّ فيه خاصة، وتقبل فيما سوى ذلك إذا تاب، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وروى العتبي عن أصبغ وسحنون مثله (٢)، والقول الأول أولى؛ لعموم الاستثناء ورجوعه إلى أول الكلام وآخره، ومن ادعى تخصيصه فعليه الدليل.
واختلف مالك والشافعي في توبة القاذف ما هي؟
فقال الشافعيُّ: توبته أن يكذب نفسه (٣).
روي ذلك عن عمر، واختاره إسماعيل بن إسحاق، وقال مالك: توبته أن يزداد خيرًا.
ولم يشترط إكذاب نفسه في توبته لجواز أن يكون صادقًا في قذفه (٤).
قال المهلب: وكان المسلمونَ احتجُّوا في هذا على أبي بكرة؛ ألا ترى أنهم يروون عنه الأحاديث ويَحملون عنه السُّنَّة، وهو لم يُكذب نفسه وقد قال له عُمر: ارجع عن قذفك المغيرة ونقبل شهادتك.
وإنما قال له ذلك عمر -والله أعلم- استظهارًا له كمال التوبة والرجوع عما قال في القذف، وإن كان يجتزأ بصلاح حاله عن تكذيب نفسه في قبول شهادته (٥).
стр. 9690
خاتمة في تلخيص ما مضى: في الآية التي ذكرها البخاري ثلاثة أحكام: جلده، وترك قبول شهادته، وتفسيقه.
وللعلماء فيها ثلاثة أقوال أسلفناها:
أحدها: قول عمر هذا أن الاستثناء من قبول الشهادة، وهو قول أهل المدينة ومذهب مالك.
واختلف مذهبه أنه هل تسقط شهادته بنفس القذف؟ وهو مذهب عبد الملك أو حين يعجز عن إثبات ذلك، قاله ابن القاسم.
واختلف أيضًا إذا قبلناها، هل تقبل في كل شيء -قاله ابن القاسم- أولًا تقبل في القذف؟ قاله مطرف وابن الماجشون.
والقول الثاني: أن الاستثناء من الفسق، وأنه إن تاب لا تقبل شهادته، وهو قول الكوفيين، وهو ما حكاه البخاري عن بعض الناس، وهو الكوفي، وهي مناقضة بَيِّنة.
والثالث: أن الاستثناء من الثلاثة، فإذا تاب قبلت شهادته.
واختلف في صفة توبته: فقيل: هو أن يزيد خيرًا على ما كان. قاله مالك، وقيل: هو أن يكذب نفسه، وهو قول عمر.
وفائدة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] أي: مقدار مدة حياته، ومقدار انقضاء وقته، فالمعنى: لا تقبل ما دام قاذفًا. قال ابن التين: وهذا من جهة المعنى في اللغة وكلام العرب يوجب قبول شهادته.
وحديث زيد بن خالد حجة على أبي حنيفة في التغريب أنه لا يجب
إلا إذا رآه الإمام، وقال الشافعي به في المرأة والعبد، وخالف مالك فيهما. قال الداودي: وما ذكره البخاري من تغريب الزاني وجلده ليس من طريق الشهادة.
الحديث إلى أن قال: "إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤتَمَنُونَ، .. وفيه أبو جمرة بالجيم (١).
وحديث عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ". قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ.
الشرح:
تعليق أبي حريز هو في نسخة أول الباب، وفي أخرى بعد الحديث كما أوردناه، وكان الثاني أولى، وقد سلف موصولًا في الهبة (٢).
وحديث عمران أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وأغرب الحاكم فاستدركه على شرطهما (٤)، ورواه ابن حزم بلفظ: "يحربون".
وقال: كذا حدثنا عبد الله بن ربيع بحاء مهملة، ثم راء مرفوعة ثم باء موحدة، ورويناه من طرق كثيرة بالخاء المعجمة ثم واو.
قال: ومن خان فقد حرب (٥).
وفي الباب عن جماعة: عمر أخرجه أبو داود الطيالسي (٦)
стр. 9693
والترمذي (١) وبريدة أخرجه أحمد (٢)، والنعمان (٣) أخرجه النقاش في كتاب "الشهود" وأبي برزة وأنس وسمرة وغيرهم.
وفي مسلم: عن عائشة مرفوعًا: "خيرُ القرونِ القَرْن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالِث" (٤).
وله عن أبي سعيد نحوه (٥).
إذا تقرر ذلك:
فمعنى: "قَرْنِي": أصحابي، وهو كل مسلم رأى رسول الله ﷺ ، كما ذكره البخاري في "صحيحه" (٦) في باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (٧). والأقران: أهل عصر متقاربة أنسابهم، واشتق لهم هذا الاسم من الاقتران في الأمر الذي جمعهم، وقيل: لا يكونون قرنًا حتى يكونوا في زمن نبي، أو رئيس يجمعهم على ملة أو رأي أو مذهب.
قال ابن التين: وسواء قلَّت المدة أو كثرت.
وقيل: إنه ثمانون سنة أو أربعون أو غيره، وهو أغرب ما قيل فيه.
وقيل: مائة سنة واختاره ثعلب.
стр. 9694
وروي أنه ﵇ قال: "عش قرنًا" (١).
فعاش مائة، وقيل: من عشرين إلى مائة وعشرين وقيل: ستون.
وقال الجوهري: ثلاثون (٢).
وقال صاحب "المحكم": هو مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان، فهو في كل قوم على مقدار أعمارهم.
قال: وهو الأمة تأتي بعد الأمة (٣).
قيل: مدته عشر سنين.
وقال في "الموعب": قيل: عشرون سنة وقيل: سبعون، قال ابن العربي: هو عبارة عن جماعة من الناس مجتمعة على صفة أو مكان أو زمان، وهو أخصه (٤)، وقال ابن الأعرابي: القرن: الوقت من الزمان.
وقال غيره: قيل له: قرن؛ لأنه يقرن أمة بأمة، وعالمًا بعالم، وهو مصدر قرنت، جُعِلَ اسمًا للوقت أو لأهله، قاله عياض (٥). ولا يصح منه شيء.
ومعنى: "يَخُونُونَ": ينقصون منه ويأخذون.
وفي حديث النعمان دلالة على أن الرجل إذا فهم من عطيته فرار من بعض الورثة أنه لا يعان عليها بشهادة ولا بإمضاء ويؤمر بارتجاعها.
стр. 9695
وإنما فهم ﷺ الجور في ذلك بقولها: (لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ) مع علمه بميله إليها، وتجشم مسرتها.
ففيه: دليل أن الحاكم يحكم بما يفهم من المسائل، كما فهم الشارع أنه يطلب رضاها وتفضيل ولدها على إخوته، فهذا هو الجور.
وفي قوله: "إني لا أشهد على جور" ألا يضع أحد اسمه على وثيقة لا تجوز، ومن العلماء من رأى أن يضع اسمه في وثيقة الجور؛ ليكون شاهدًا عليه بأنه فعل ما لا يجوز له؛ ليرد فعله وإن تعمد ذلك كان في الشهادة عليه جرحة تسقط شهادته، والقول الأول الذي يوافق الحديث أولى. وفي حديث عمران تعديل القرون الثلاثة على منازل متفاضلة، وشمول التجريح لمن يأتي بعدهم، وصفة من لا تُقبل شهادته ممن يشهد على ما لم يشهد عليه، ويخون فيما اؤتمن، ولا يفي بما حلف عليه، فهذِه صفات الجرحة.
ومعنى: "يَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ" أنه ليس لهم في الدنيا إلا كثرة الأكل واتباع اللذات، ولا رغبة لهم في أسباب الآخرة؛ لغلبة شهوات الدنيا عليهم، ولا شك في ذم السمن للرجال لمن استعمله وأحبه، دون من طبع عليه.
وقوله: "وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ" قال الخطابي: قد يكون هذا في (اتخاذ) (١) الشهادة في الزور من غير استشهاد أو إشهاد.
وفيه: دلالة على أن من شهد لرجل أو عليه عند الحاكم من غير استشهاد، كانت شهادته هدرًا لا توجب حكمًا (٢).
стр. 9696
وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم، وأن المراد به شاهد الزور، واحتج بحديث عمر: يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد (١).
والمراد بحديث زيد بن خالد الآتي الشاهد على الشيء فيؤدي شهادته ولا يمتنع من إقامتها.
قال الخطابي: وقد يحتمل ذلك الشهادة على المغيب من أمر الخلق؛ فيشهد على قوم أنهم في النار ولقوم آخرين بغير ذلك على مذاهب أهل الأهواء في مثل هذا (٢).
وفي أفراد مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (٣) وليس مخالفًا لذلك، وإنما وجه الحديث أنه لا يزال مستعدًّا لأدائها أو هي أمانة عنده، فهو يتعرض لها أبدًا متى يقيمها ويؤدي الحق فيها.
وقد قيل: إنما جاء فيمن يكون عنده شهادة نسيها صاحب الحق فيسألها صاحبها، فأما إذا كان عالمًا بها فهو من الشهداء.
وقيل: الخبر فيما إذا مات ويترك أطفالًا ولهم على الناس حقوق ولا علم للوصي بها فيجيء من عنده الشهادة فيخبرهم بذلك، ويبذل شهادته لهم فيحصل بذلك حقهم.
وقال الطحاوي: احتج قوم بالنهي فقالوا: لا يجوز قبل أن يسألها وهو مذموم.
стр. 9697
وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: بل هو محمود مأجور على ذلك.
واحتجوا بأنه إنما ذكر ذلك في تغير الزمن فقال: "يفشو الكذب؛ حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها، وحتى يحلف على اليمين، لا يستحلف" (١).
فمعنى ذلك أن يشهد كاذبًا لقوله: ثم يفشو الكذب.
وإلا فلا معنى لذكره ذلك، وأيضًا فإن هذِه الشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان، يدل على ذلك قول النخعي في آخر الحديث وهو الذي رواه، قال: (وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد).
فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذمومة هي قول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الحلف؛ لأنه يكره للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا فنهى عن الشهادة التي هي حلف بها، كما نهى عن اليمين إلا أن يستحلف فيكون حينئذٍ معذورًا (٢).
واليمين قد يسمى شهادة قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ أي: أربع أيمان.
وحديث زيد فيه تفضيل الشاهد المبتدئ بها، وفسره مالك بعد أن رواه فقال: الرجل يكون عنده الشهادة في الحق لمن لا يعلمها فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان (٣).
стр. 9698
قال الطحاوي: فهذا الشارع قد مدحه وجعله خير الشهداء، فأولى بنا أن نحمل الأخبار على هذا التأويل حتى لا تتضاد ولا تختلف فتكون أحاديث هذا الباب على هذا المعنى الذي ذكرناه، ويكون حديث زيد بن خالد على تفضيل المبتدئ بالشهادة لمن هي [له] (١) أو المخبر بها الإمام، وقد فعل ذلك الصحابة وشهدوا ابتداءً، شهد أبو بكرة ومن معه على المغيرة بن شعبة، ورأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم على ابتدائهم بها، بل سمع شهادتهم، ولو كانوا في ذلك مذمومين لذمهم وقال: من سألكم عن هذا؟ ألا قعدتم حتى تسألوا، ولما لم ينكر عليهم عمر ولا أحد ممن كان بحضرته دلّ على أنّ فرضهم (ذلك) (٢) وابتداءهم لا عن مسألة محمود (٣). وهو قول مالك والكوفيين.
قال الطحاوي: وفي قوله: "وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ" حجة لابن شبرمة في قوله: إنه من سمع رجلًا يقول لفلان: عندي كذا وكذا ولم يشهده الذي عليه لذلك على نفسه فلا يقبل؛ لأنه لعله أن يكون ذلك وديعة عنده، فليس بشيء، فأما أن يناقله الكلام فيقول: يا فلان ألا تعطيني كذا الذي [لي] (٤) عندك: فقال: بل أنا معطيك فأنظرني. فيجوز أن يشهد عليه.
والحجة عليه قوله: " (ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" قال إبراهيم: وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد).
стр. 9699
فدل أن الشهادة المذمومة هي المحلوف بها التي يجعلها الإنسان عادته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ولا خلاف بين العلماء أن من رأى رجلًا يقتل رجلًا أو يغصبه مالًا أنه يجوز أن يشهد به وإن لم يشهده الجاني بذلك على نفسه (١).
فإن قلت فقوله: ("تسبق شهادة أحدهم .. ") إلى آخره، يدل أن الشهادة والحلف عليها يبطلها؛ لأنه تهمة. قيل: لا خلاف بين العلماء أنه تجوز الشهادة والحلف عليها، وهو في كتاب الله في ثلاثة مواضع: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] إلا ما ذكره ابن شعبان في "زاهيه" قال: إذا شهد وحلف تسقط شهادته، ومن قال: أشهد بالله لفلان على كذا لم تقبل شهادته؛ لأنه حالف وليس بشاهد، والمعروف عن مالك غيره (٢)، وقال ابن التين: (قول إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد).
يريد بذلك باليمين مع شهادته، وذلك على وجه الأدب. وعن ابن شعبان: إذا شهد وحلف تسقط شهادته؛ لأنه متهم إذا حلف.
وقد تقدم، وزاد في باب: فضل أصحاب رسول الله ﷺ عن إبراهيم.
ونحن صغار (٣) أي: لم نبلغ حد النفقة، وإن كانوا بلغوا. وقيل: معناه إذا حلفنا بالعهد والشهادة لما لهما من تعظيم الحنث من الحلف بهما في القرآن في قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾.
стр. 9700
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾.
ذكره ابن التين هناك.
وقال ابن الجوزي في سبق شهادة أحدهم يمينه، معناه: أنهم لا يتورعون من أقوالهم، ويستهينون بالشهادة واليمين.
تنبيهات:
أحدها: هذِه القرون أفضل من بعدها إلى يوم القيامة، وهي في أنفسها أيضًا متفاضلة على رتبة الحديث.
وقال ابن الأنباري: معناه: خير الناس أهل قرني، حذف المضاف.
وقد يسمى أهل العصر قرنًا؛ لاقترانهم في الوجود.
قال القرطبي: وهو من الناس أهل زمن واحد، وهو ساكن الراء (١).
ثانيها: وردت أحاديث ظاهرها يقضي لآخر هذِه الآمة على أولها، منها: حديث أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ عن النبي ﷺ . فذكَرَ حديثًا فيه: "فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصابر فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِض عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رجلًا مِنْكُمْ". أخرجه الترمذي، ثم قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ (٢).
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن صفوان بن
عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: قال رسول الله ﷺ : "ليدركنَّ المسيح من هذِه الأمة أقوامًا إنَّهم لمثلكم أو خير ثلاث مرات،