← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

ثانيها: قول عروة في عبد الله بن أُبي أنه كان يشاع ويتحدث عنده فيقره ويسمعه ويستوشيه. قال ثابت: يستوشيه: يأتلف عليه ويستدعيه ويستخرجه، كما يستخرج الفارس جري الفرس بعقبه وبالسوط. وقال يعقوب: يقال: مر فلان يركض فرسه ويمريه وَيسْتَرُدُّه ويستوشيه كل ذلك طالب ما عنده (١). وقيل: هو من قولك: وشى الكذب وشاية. وقال صاحب "الأفعال": وشى النمام يشي وشاية ووشى الحائك الثوب يشي وشيًا (٢). ثالثها: قوله: (ما كشف كنف أنثى قط). قال ثابت: الكنف هنا الثوب الذي يكنفها، أي: يسترها، ومنه قولهم: هو في حفظ الله وفي كنفه قال أبو حاتم: وبعض العرب تقول: أنت في كنفي وكنف الطائر: جناحاه، والكنف أيضًا: الجانب وناحيتا كل شيء كنفاه. وأكناف الجبل والوادي: نواحيه. قال ابن التين: وهذا يحتمل أن يكون على عمومه، ويحتمل أن يكون في حرام. رابعها: قوله: (أشيروا علي في أُنَاسٍ أَبَنُوا أهْلِي). هو بباء موحدة مفتوحة مخففة ومشددة والتخفيف أشهر، كما قاله النووي (٣)، ومعناه اتَّهَمُوهَا، والأبن: بفتح الهمزة التهمة يقال: أبَنَهُ

стр. 9767

يأبُنُهُ ويَأْبِنُه بالضم والكسر إذا اتهمه ورماه بِخَلِّةِ سَوْءٍ فهو مأبون، قالوا: وهو مشتق من الأُبَن -بضم الهمزة وفتح الباء- وهي العقد في القسط تفسدها وتعاب بها. قال ثابت: التأبين: ذكر الشيء وتتبعه. وقال الراعي: فرفع أصحابي المطى وأبَّنُوا … هنيدة فاشتاق العيون اللَّوامح قال ابن السكيت: أبنوا هنيدة: كأنهم جروا بها وذكروها. ومن روى (أبَنَوا على أهلي) بالتخفيف فمعناه: فرقوها. قال أبو زيد: يقال: أمر الرجل بالخير وأبن به، فهو مأمور ومأبون، وهما سواء. وقال ابن التين: أنبوا مضبوط بالنون قبل الباء. وعند أبي ذر عكسه، وكذا هو في كتاب "مسلم" وكتب أهل اللغة، قال ابن فارس: أَنَّبْتُ الرجل تأْنِيْبًا إذا لمته (١). خامسها: قولها: (فبقرت (٢) لي الحديث) أي: شرحته وبينته عن ثابت، وقال الداودي: قصته. وقال صاحب "العين": نقر عن الأمر: بحث عنه. وفيه أن بريرة أنهرها بعض أصحابه، فقال لها: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله والله ما علمت إلا ما يعلم

стр. 9768

الصائغ على تبر الذهب الأحمر (١). كذا في الأصول (لها به) بالباء الجارة. وكذا هو في نسخ مسلم وهي رواية الجلودي والهاء في به عائدة على ما تقدم من انتهارها وتهديدها. وفي رواية ابن ماهان: لهاتها بمثناة فوق والجمهور على أن الصواب الأول والثاني غلط وتصحيف، ومعناه صرحوا لها بالأمر ولهذا قالت استعظامًا: سبحان الله، وقيل: أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها يقال: أسقط وسقط في كلامه إذا أتى فيه بساقط، وقيل: إذا أخطأ فيه وعلى رواية ابن ماهان: إن صحت معناه أسكتوها، وهو ضعيف؛ لأنها لم تسكت بل قالت: سبحان الله. قال ابن بطال: ويحتمل أن يكون معنى قولها: حتى أسقطوا لها به مأخوذ من قولهم: سقط إليّ الخبر إذا علمته، ومن قولهم: فلان يساقط الحديث، معناه: يرويه. ومنه قول بشير بن سعد: كنا نجالس سعدًا فكان يتحدث من حديث الناس والأخلاق وكان يساقط في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ ، وقوله: يساقط معناه: يروي الحديث في خلال كلامه. فمعنى: (حتى أسقطوا لها به): أي: ذكروا لها الحديث وبينوه فعند ذلك قالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمرَ إنكارًا له وإعظامًا أن يُنْطق بمثل هذا القول عمن اختارها الله زوجًا لأطيب خلقه وأفضلهم وجعلها أحب إليه من نساء العالمين. ولا يجوز أن تكون إلا طيبة مثله لقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾،

стр. 9769

ولذلك جمع براءتها الله في كتابه بما يتكرر تلاوته إلى يوم الدين (١). وقوله: (وقر في أنفسكم) أي: ثبت. وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ليس من الوقار على الأصح خلافًا لأبي عبيد (٢)، إنما هو من الجلوس، يقال: وَقَرْتُ أَقِرُّ وقرًا، أي: جلست. فائدة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣]. قال سعيد بن جبير: إنه خاص بعائشة، وقال ابن عباس والضحاك: إنه في أمهات المؤمنين خاصة (٣)، وقيل: كان أصله في عائشة، ثم قيل لكل من رمى المؤمنات. وقيل: خص به أمهات المؤمنين، (ومن قذف غيرهن (فلا يقال) (٤) ملعون) (٥).

стр. 9770

١٦ - باب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسًا. كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي، قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ قَالَ: كَذَاكَ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ. ٢٦٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ". مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ". [٦٠٦١، ٦١٦٢ - مسلم: ٣٠٠٠ - فتح: ٥/ ٢٧٤] ثم ساق حديث أبي بكرة قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ قَطَغتَ عُئُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ". مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: "مَن كانَ مِنْكُم مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، والله حَسِيبهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحسِبُهُ كذَا وَكذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهُ". الشرح: الأثر الأول أسنده البخاري مرة (١)، عن إبراهيم بن موسى، نا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن سنين أبي جميلة، وأنه أدرك النبي ﷺ وخرج معه عام الفتح (٢) وأنه التَقَطَ منبوذًا فأتى عمر فسأل

стр. 9771

عنه فأثنى عليه خيرًا فأنفق عليه من بيت المال وجعل ولاءه له (١)، وقال في "تاريخه": كان ابن عيينة أو سليمان بن كثير يثقلان سنينا. وكذا قاله الداودي وغيره، واقتصر عليه ابن التين، والذي قاله عبد الغني والدارقطني وابن ماكولا (٢)، أنه بالتخفيف. وتفرد عنه الزهري بالرواية وله إدراك وحج معه ﵇. وفي "علل الخلال": فذكره عريفي لعمر فدعاني العريف عنده فقال التعريف: إنه ليس بالمتهم. فقال عمر: لم أخذت هذا؟ قلتُ: وجدتُ نفسا مضيعة. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا (ابن عُلية) (٣)، عن الزُّهري أنه سمع سنينًا أبا جميلة يقول: وجدت منبوذًا فذكره عريفي لعمر، فأتيتُه، فقال: هو حرٌّ وولاؤه لك ورضاعه علينا. وحدثنا وكيع: ثنا سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن رجل من الأنصار أن عمر أعتق لقيطًا. وحدثنا وكيع، ثنا سفيان، ثنا سليمان الشيباني، عن حَوْط، عن إبراهيم قال: قال عمر بن الخطاب: هم مملوكون (٤). يعني: اللقيط، وممن قال هو حر: علي وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم والشعبي وعطاء (٥).

стр. 9772

إذا تقرر ذلك، فقال الإسماعيلي: ليس في الخبر أن تزكية الواحد للواحد كفاية، حيث يحتاج إلى التزكية البتة. فقال ابن المنير: استدلال البخاري على الترجمة بحديث أبي بكرة ضعيف، فإن غايته أنه ﷺ اعتبر تزكية الرجل أخاه إذا اقتصد ولم يَغْلُ والاعتبار أنه يكون جزء النصاب، وقد يكون لأنه كاف، وهذا مسكوت عنه (١). وقد تمسك بهذا من يقول: يكتفى في التزكية بواحد وهو مروي عن أبي حنيفة (٢). ويجيب عن ذلك من لم يكتف بواحد أن هذا السؤال من عمر، إنما كان على طريق الخبر لا على طريق الشهادة، فإن القاضي إذا سأل عن أحد في مجلس نظره، فإنه يجتزي بخبر الواحد وتعديله إذا كان القاضي هو الكاشف لأمره؛ لأن ذلك بمنزلة علم القاضي إذا علم عدالة الشاهد، ألا ترى قنع عمر بقول العريف إذ كان خبرًا وأما إذا كلف المشهود له أن يعدل شهوده فلا يقبل أقل من رجلين كما في القرآن، وهو قول أصبغ (٣)، وقال ابن التين: بوب عليه: تزكية الرجل الواحد وأنها تكفي، وهي لا تكون أقل من اثنين إلا أن يكون (مكتفيا) (٤) للقاضي، فيجزي بواحد، على مشهور مذهب مالك. وقال المهلب: إنما أنكر ﵇ في حديث أبي بكرة قطعه بالصلاح

стр. 9773

والخير له ولم يَرُدّ العلم في ذلك إلى الله، ألا ترى أنه أمره إذا أثنى أحد على أحدٍ أن يقول: أحسب، ولا يقطع؛ لأنه لا يعلم السرائر إلا الله، وهو في معنى الخبر لا في معنى الشهادة. وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن قول عمر: ما حملك على أخذ هذِه النسمة؟ قال: أتهمه أن يكون ولده أتاه به؛ ليفرض له في بيت المال (١). ويحتمل أنه ظن به أنه يريد أن يفرض له ويلي أمره ويأخذ ما يُفْرض له ويصنع به ما شاء فلما قال له عريفه: إنه رجل صالح، صدقه. وأما قوله: (وعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) يعني: رضاعه ومؤنته من بيت المال. قال عيسى بن دينار: وكان عمر دَوّن الدواوين، وقسم المال أقسامًا جعل على كل ديوان عريفًا ينظر عليهم، فكان الرجل الذي وجد المنبوذ من ديوان الرجل الذي زكاه عند عمر (٢). وفي قول التعريف لعمر أنه رجل صالح وتقرير عمر للرجل على ذلك فقال: نعم. فيه أن مباحًا للإنسان أن يزكي نفسه ويخبر بالصلاح عنها إذا احتاج إلى ذلك، وسئل عنه. وهكذا رواه مالك في "الموطأ" فقال عمر: أكذلك؟ قال: نعم (٣). وهذا الباب موافق لمذهب أبي حنيفة أنه يجوز تعديل رجل واحد واحتج أصحابه بحديث أبي جميلة في ذلك، وقد سلف اختلاف العلماء في ذلك في باب تعديل كم يجوز فراجعه.

стр. 9774

وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما بالمدح في الوجه، يعارض ظاهرها حديث الباب منها حديث: "إياكم والمدح؛ فإنه الذبح" (١). ومنها ما ترجم له بعد.

стр. 9775

١٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ فِي المَدْحِ، وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ ٢٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ: "أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ". [٦٠٦٠ - مسلم: ٣٠٠١ - فتح: ٥/ ٢٧٦] ثم ساق حديث أبي موسى: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ: "أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ". والمراد با لإطناب: الإكثار والإطراء، والجمع أن يكون النهي محمولًا على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة بإعجاب، وأما من لا يخاف عليه ذلك فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل منه مصلحة؛ لازدياد في الخير، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، كان مستحبًّا. قال المهلب في حديث أبي موسى: إنما قال هذا والله أعلم؛ لئلا يغتر الرجل بكثرة المدح، ويرى أنه عند الناس بتلك المنزلة فيترك الازدياد من الخير ويجد الشيطان إليه سبيلًا، ويوهمه في نفسه؛ حتى يضع التواضع لله. وكان السلف يقولون إذا أثني على أحدهم: اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون واجعلنا خيرًا مما يظنون. وقال يحيى بن معاذ: العاقل لا يدعه ما ستر الله عليه من عيوبه بأن

стр. 9776

يفرح بما أظهر من محاسنه (١). وقوله: (ولا أزكي على الله أحدًا). أي: لا أقطع له على عاقبة أحد ولا ضميره؛ لأن ذلك مغيب عنا، ولكن يقول: أحسب وأظن بوجود الظاهر المقتضي لذلك وعبر تارة بالعنق وتارة بالظهر. وجاء أمرنا أن نحثو في وجوه المداحين التراب، والمعنى: أهلكتموهم، وهي استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك. فائدة: قول عمر: عسى الغوير أبؤسًا. هو من أمثالهم قال الميداني في "مجمع الأمثال": الغوير: تصغير غار. الأبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة، وأصل هذا المثل فيما يقال من قول الزِّباء حين قالت لقومها عند رجوع قصير من العراق إليها ومعه الرجال ثم تنكب بهم الطريق المنهج وأخذ على الغوير فسألت عن خبره. فأخبرت بذلك، وقيل: كان الغوير على طريقه، أي: لعل الشر يأتيكم من قبل الغار. وقال ابن الأعرابي: عرض بالرجل، أي: لعلك صاحب هذا اللقيط. قال: ونصب أبؤسًا على معنى: عسى الغوير يصير أبؤسًا، ويجوز أن يقدر: عسى الغوير أن يكون أبؤسًا. وقال أبو علي: جعل عسى بمعنى: كان، ونزله منزلته، يضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك (٢).

стр. 9777

وذكر الأصمعي: أن أصل هذا المثل أنه كان غار فيه ناس فانهار عليهم أو قال: فأتاهم عدو فقتلهم فيه (١). وقال الكلبي: غوير: ماء لكلب، معروف من ناحية السماوة (٢). وقال ابن الأعرابي: الغوير: طريق كان قوم من العرب يعبرون فيه، وكانوا يتواصون بأن يحرسوه؛ لئلا يؤتوا منه. وروى الحربي، عن عمرو، عن أبيه: أن الغوير نفق في حصن الزّباء، وقال الزهري فيما حكاه الخلال: إنه مثل يضربه أهل المدينة، وقال سفيان: أصله أن ناسًا كان بينهم وبين آخرين حرب، فقالت لهم عجوز: احذروا واستعدوا من هؤلاء؛ فإنهم لا يألونكم شرًّا، فلم يلبثوا أن جاءهم فزع. فقالت العجوز: عسى الغوير أبؤسًا. تعني: لعله أتاكم الناس من قبل الغوير وهو شعب. وقوله: (عريفي). قال ابن التين: قيل: كان عريفًا على الجماعة كالنقباء وشبههم، وقيل: عريفي الذي عرف بي. والمنبوذ: تطرحه الفاجرة عندما تلده، وهو حر باعتبار الدار ومسلم أيضًا. واختلف إذا كان النصارى في مدينة فيها الاثنان والثلاثة مسلمون. فقال ابن القاسم: هو نصراني.

стр. 9778

وقال أشهب: هو مسلم كالحرية تغليبًا لحكم الإسلام (١) والأصح عندنا: أنه مسلم إن سكنها مسلم ( … ) (٢) أو تأخر. ورأى قومٌ أن المنبوذ عبد، وكان عمر أعتق هذا، وقيل: نقل إليه ولاءه. والأول أبين عملًا بالأصل وهو الحرية. وقوله: (وعلينا نفقته) أي: من بيت المال. فائدة أخرى: ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها ولا يترحم عليه، وويح: لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه (٣). قال الفراء: الأصل في ويل: وي، أي: حزن، كما تقول: وي لفلان، أي حزن له فوصلته العرب باللام، وزاد أنها منه فأعربوها.

стр. 9779

١٨ - باب بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ وَقَوْلِ : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. وَقَالَ مُغِيرَةُ: احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَبُلُوغُ النِّسَاءِ فِي الحَيْضِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. ٢٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ. [٤٠٩٧ - مسلم: ١٨٦٨ - فتح: ٥/ ٢٧٦] ٢٦٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٥/ ٢٧٧] ثم ساق حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ عرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابن خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هذا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هذا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وحديث أبي سعيد الخدري: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ".

стр. 9780

الشرح: حديث أبي سعيد سلف في الجمعة (١) وحديث ابن عمر في مسلم أيضًا (٢)، زاد ابن حبان في "صحيحه" فيه: فلم يجزني ولم يرني بلغت (٣). ووقع عند الحميدي بدل الخندق عام الفتح وهو غلط (٤)، ونقله ابن ناصر عن تعليقة أبي مسعود وخلف ولم يُرَ فيهما، وفي رواية ذكرها ابن التين: عرضت عام الخندق ولي أربع عشرة سنة فأجازني، قال: وقيل: إنما عرض يوم بدر فردَّه وأجازه بأحد. وقال بعضهم: ذكر الخندق وهم، وإنما كانت غزوة ذات الرقاع؛ لأن الخندق سنة خمس وهو قال: أنه كان في أحد ابن أربع عشرة. فعلى هذا تكون غزوة ذات الرقاع هي المراد؛ لأنها كانت في سنة أربع بينها وبين أُحُد سنة، وقد يجاب بأنه يحتمل أن ابن عمر في أُحُد دخل في أول سنة أربع من حين مولده في شوال منها، ثم تكملت له سنة أربع عشرة في شوال من الآتية، ثم دخل في الخامس عشرة إلى شوالها الذي كانت فيه الخندق، فكأنه أراد أنه أخذ في أول الرابعة وفي الخندق في أخر الخامسة. وقد أسلفنا عن موسى بن عقبة وغيره. أن الخندق كانت سنة أربع فلا حاجة إذن إلى ذلك:

стр. 9781

إذا تقرر ذلك، فقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان على قولين: أحدهما: أنه يجوز شهادة بعضهم على بعض. قاله النخعي (١). وعن شريح والحسن والشعبي وعلى مثله بأسانيد جيدة، وعن شريح أنه كان يجيز شهادتهم في السن والموضحة ويأباه فيما سوى ذلك، وفي رواية: أنه أجاز شهادة غلمان في أمة وقضى فيها بأربعة آلاف، وكان عروة يجيز شهادتهم، قال: ويؤخذ بأول قولهم (٢). وقال عبد الله بن الزبير: هُم أحرى إذا سئلوا عما رأوا أن يشهدوا. قال ابن أبي مليكة: رأيت القضاة أخذت بقوله وتركت قول ابن عباس، قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليسوا ممن يرضون. وقال ابن سيرين: تكتب شهادتهم ويستثبتون، وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله. وقال مكحول: إذا بلغ خمس عشرة سنة فأجز شهادته، وقال القاسم وسالم: إذا أنبت، وقال عطاء: حتى يكبر (٣)، وعند ابن المنذر: لا تجوز شهادتهم عند طائفة؛ لأنه ليس ممن يوصي، روي عن ابن عباس والقاسم وسالم وعطاء والشعبي والحسن وابن أبي ليلى والثوري والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبى ثور وأبي عبيد، وعند طائفة: يجوز في الجراح والدم، روي ذلك عن علي وابن الزبير وشريح والنخعي وعروة والزهري وربيعة ومالك (٤).

стр. 9782

ويؤخذ بأول قولهم ما لم يخببوا أو يتفرقوا. قال مالك: فإذا تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول قبل أن يتفرقوا، قال أبو الزناد: وهي السُّنة أن تؤخذ بشهادة الصبيان أول ما يسألون عنه ويكون يمين الولي مع ذلك، وإن هم أحدثوا ما يخالف شهادتهم الأولى لم يلتفت إليه، ويؤخذ بالأول من شهادتهم وبذلك كان يقضى عمر بن عبد العزيز (١). وقال الترمذي: الغلام إذا استكمل خمس عشرة فحكمه كالرجال فإن احتلم قبلها فكالرجال، والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالا (٢) أيضًا: للبلوغ ثلاث منازل: بلوغ خمس عشرة أو الاحتلام؛ وإلا فالإنبات (٣). وأجمع العلماء كما نقله ابن بطال: أن الاحتلام في الرجال والحيض في النساء: هو البلوغ التي تلزم منه العبادات والحدود والاستئذان وغيره، وأن من بلغ بالحلم فأونس منه الرشد جازت شهادته ولزمته الفرائض وأحكام الشريعة؛ لحديث أبي سعيد في الباب: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" فعلق الغسل بالاحتلام، وبلوغ الحلم وإيناس الرشد يجوز دفع ماله إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وبلوغ النكاح هو: الاحتلام.

стр. 9783

واختلفوا فيمن تأخر احتلامه من الرجال أو حيضته من النساء، فروي عن القاسم وسالم، أن الإنبات حد البلوغ، وهو قول الليث، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك: بالإنبات أو يبلغ من السنن ما يعلم أن مثله قد بلغ. قال ابن القاسم: وذلك سبع عشرة أو ثماني عشرة سنة وفي المشاهدة الأوصاف أو الحبل، إلا أن مالكًا لا يقيم الحدود بالإنبات إذا زنا أو سرق ما لم يحتلم أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله لا يبلغه حتى يحتلم، فيكون عليه الحد. ولم يعتبر أبو حنيفة الإنبات. وقال: حد البلوغ في الجارية سبع عشرة سنة، وفي الغلام تسع عشرة، وروي ثماني عشرة، وهو قول الثوري (١). ومذهب الشافعي: أن الإنبات علامة على بلوغ ولد الكافر لا المسلم، واعتبر خمس عشرة في الذكور والإناث، وأخذ بحديث ابن عمر في الباب، وهو مذهب الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد، وبه قال ابن الماجشون وابن وهب (٢)، واحتج من اعتبر الإنبات بحديث عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣).

стр. 9784

وروى نافع عن أسلم، عن عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا يضربوا الجزية إلا على كل من جرت عليه المواسى (١)، وقال عثمان بن عفان في غلام سرق: إن اخضر مئزره فاقطعوه، وإن لم يخضر فلا تقطعوه (٢)، ووجه من جعل الثماني عشرة وشبهها حد البلوغ وإن لم يكن إنبات ولا احتلام، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: ذلك ثماني عشرة سنة، ومثله لا يعرف إلا بالتوقيف، وقد أجمعوا على اعتبار البلوغ في دفع المال إليه، فدل أن البلوغ يتعلق بهذا القدر من السن دون غيره إلا أن يقوم دليل. وتفرقة الشافعي في الإنبات بين ولد المسلم والذمي انتفاء التهمة بالنسبة إلى الذمي؛ لأجل الجزية بخلاف المسلم، وبهذا ظهر الرد على ابن بطال حيث قال: لا معنى لهذِه التفرقة؛ لأن كل ما جاز أن يكون علامة في البلوغ للكافر جاز أن يكون في المسلم، أصله الحيض للنساء، وأما اعتبار خمس عشرة في حد البلوغ إذا لم يحصل فيها احتلام ولا إنبات فليس في خبر ابن عمر ذكر البلوغ الذي به تتعلق أحكام الشريعة، وإنما فيه ذكر الإجازة في القتال، وهذا المعنى يتعلق بالقوة والجلد، وبه أوله أبو حنيفة، ومن أصل الجميع أن الحكم متى نقل سببه تعلق منه فإنما أجازه للقتال خاصة بهذا السن ومن أجلها عرض، ونحن نجيز قتال الصبي إذا لم يبلغ هذا

стр. 9785

السن ويسهم له إذا قاتل، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يجيز المراهقين إذا بلغوا حد من يقاتل. قال سمرة بن جندب: عرضت على رسول الله ﷺ في بعض غزواته فلم يجزني وعرض عليه غلام غيري فأجازه، فقلت: يا رسول الله، قبلته ورددتني ولو صارعني لصرعته. فقال: "صارعه" فصرعته، ففرض له النبي ﷺ (١). قلت: ورواية ابن حبان السالفة: (ولم يرني بلغت) (٢) تدل لما قاله الشافعي. قال الطحاوي: ولا ينكر أبو حنيفة أن يفرض للصبيان إذا كانوا يحتملون القتال ويحضرون الحرب، وإن كانوا غير بالغين (٣). وقال ابن التين: قول مغيرة السالف: احتلمت وأنا ابن ثنتي عشرة سنة. لا يعلم أن أحدًا احتلم من الرجال قبله إلا ما ذكر من أن مولد عمرو بن العاص وابنه قدر كذلك، وقد أثبته ابن بطال في أصل البخاري حيث قال بعد أثر الحسن: وذكر الشافعي أنه رأى باليمن جدة بنت إحدى وعشرين سنة حاضت لتسع وولدت لعشر وعرض مثل هذا لابنتها. ثم قال: ويذكر أن عمرو بن العاص بينه وبين ابنه اثنتي عشرة سنة (٤) ولم أر هذا في شيء من نسخ البخاري. قال ابن التين: ولا يعلم في النساء من يحمل أقل من تسع، وحديث ابن عمر احتج به الشافعي في أن خمس عشرة سنة عَلَم على الحمل وهو قول

стр. 9786

ابن وهب، وقول مالك وأصحابه: سبع عشرة أو ثماني عشرة أو الإنبات. وانفصلوا عن حديث ابن عمر أنه اختلف فيه كما سلف، قال: ويحتمل أن يكون الحكم تعلق بالبلوغ عند مصادفة هذا السن لا أنها السن والمعنى المؤثر في البلوغ، ونحن لا نمنع أن يكون ابن خمس عشرة سنة قد بلغ، ويوضح ذلك أنه ﷺ لم يسأله عن سنه، وإنما ذكره من عند نفسه على جهة التاريخ، وأيضًا أكثر ما فيه أنه أجازه في القتال وهي لا تتوقف عندنا على البلوغ إذ للإمام أن يجيز من الصبيان من فيه قوة ونجدة، وقد يوجد في المراهقين من يكون ذلك فيه أكثر همة من البالغين. والوجوب في حديث أبي سعيد محمول على التأكد، وعبارة ابن التين هو عند أكثر العلماء وجوب السنن، وعند بعضهم وجوب الفرائض، واستدل به من أوجب الجمعة على النساء والعبيد. فائدة: الآية التي ذكرها البخاري نزلت في الأيسة ومن لم تحض، وأما ذات الحمل فبوضعه عند سائر الفقهاء، وعند ابن عباس ينتظر أقصى الأجلين (١)، واليتامى لا ينكحن حتى يبلغن، وقال أحمد: من بلغت تسعًا نكحت بإذنها (٢).

стр. 9787

١٩ - باب سُؤَالِ الحَاكِمِ المُدَّعِيَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ اليَمِينِ ٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". قَالَ: فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قَالَ: قُلْتُ لَا. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: "احْلِفْ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [آل عمران: ٧٧]. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٢٧٩] ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود في الحلف على اليمين الفاجرة، وقد سلف في الشركة (١). وشيخ البخاري فيه محمد عن أبي معاوية هو ابن سلام، صرَّح به في "الأطراف" (٢). قال الجياني: وكذا نسبه أبو علي بن السكن (٣). قلت: ورواه الإسماعيلي، عن القاسم، عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية، فيجوز أن يكون هو، وإنما يلزم الحاكم أن يسأل المدعي: ألك بينة؟ للإقناع؛ ولأنه جعل البينة على المدعي.

стр. 9788

وأجمعت الأمة على القول بذلك وأنه لا يقبل دعوى أحد دون بينة، وقال المهلب: معنى سؤالها قبل اليمين خوفًا أن يحلف له المطلوب ثم يأتي بعد ذلك المدعي ببينة، فيأخذ منه حقه فيكذب في يمينه فيستحق بها العقاب، إن شاء أنفذ عليه الوعيد، ثم يؤخذ المال منه فهو له كالظلم، فإذا سأله: هل لك بينة؟ فقال: لا. لم يكن له الرجوع عليه ببينة إلا أن يحلف أنه ما علم هذا يوم قال: لا. وسيأتي اختلاف العلماء في هذِه المسألة بعد، إن شاء الله تعالى. واختلف العلماء في المدعي يثبت البينة على ما يدعيه: هل للحاكم أن يستحلفه مع بينته أم لا؟ فكان شريح وإبراهيم النخعي يريان أن يُستحلف مع بينته أنها شهدت بحق، وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم، عن حنش: أن عليًّا استحلف عبيد الله بن الحر مع بينته (١). وهو قول الأوزاعي والحسن بن حي. وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم أوجب ذلك. وذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد: أنه لا يمين عليه (٢)، والحجة لهم حديث الباب من حيث أنه ﷺ لم يقل للأشعث: وتحلف مع البينة. فلم يوجب على المدعي غير البينة، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور: ٤]، فأبرأه الله من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين.

стр. 9789

فائدة: قوله: ("من حلف على يمين") أي: بيمين، والفاجر: الكاذب، وأصل الفجور: الميل عن القصد، وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو بمعناه (١). وقوله: ("ليقتطع بها مال مسلم") خص المسلم؛ لأنه أكثر من يعامل، وإلا فلا فرق. وقوله: (فجحدني)، فيه: أن الخصم يتكلم في خصمه فيما هو شأن الخصوم، ولا يعاقب فيقول: ظلمني وأخذ متاعي ونحوه.

стр. 9790

٢٠ - باب اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الأَمْوَالِ وَالحُدُودِ وَقَالَ ﵇: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧] وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن شُبْرُمَةَ، كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيمِينِ المُدَّعِي، فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى؟ مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هذِه الأُخْرى؟ ٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ. [انظر: ٢٥١٤ - مسلم: ١٧١١ - فتح: ٥/ ٢٨٠] ثم ساق حديث ابن عباس: أنه ﵇ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ. الشرح: التعليق تقدم مسندًا من حديث الأشعث بن قيس (١)، ويأتي بعد في باب (٢)، وذكر الأصيلي في حديث ابن عباس: أن الصواب وقفه عليه، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي.

стр. 9791

وتعليق ابن شبرمة في بعض نسخه: حدثنا قتيبة. قال الإسماعيلي: وليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى، فإن الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إذا شهدتا، فإن لم يكونا قامت مقامها يمين الطالب التي لو انفردت ممن عليه حلت محل البينة في الأداء أو الإبراء، فحلت هنا محل المرأتين في الاستحقاق بها مضافة للشاهد الواحد، ولو وجب إسقاط السنة الثابتة في الشاهد واليمين لما ذكره ابن شبرمة فسقط الشاهد والمرأتان؛ لقوله: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" فنقله عن الشاهدين إلى يمين خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين. قلت: وقوله: (فما تحتاج أن تذكر أحدهما الأخرى) يقال: بل تحتاج إليها لإسقاط اليمين عنه، وإنما نزل القرآن على ما يؤمر به الإنسان من التوثق، وليس في الحدود عند مالك يمين خلاف ما ذكره البخاري، واختلف أصحابه في الطلاق إذا ادّعته المرأة على رجل معتاد ليمين الطلاق، فمنعه ابن القاسم وألزمه أشهب. واختلفا أيضًا إذا ادّعى إسقاط دم، هل يحلف ولي الدم؟ فألزمه ذلك ابن القاسم دون أشهب. والفرق عند ابن القاسم: أن هذا لا يتكرر في إسقاط الجعل بخلاف الطلاق والعتق، وقيل: لا يمين عليه. واختلف إذا ادعى العبد على مشتريه أنه دفع له من عنده مالًا اشتراه به؛ هل يحلِّفه؟ فقال أصبغ: لا، وخولف، إذ لا تتكرر هذِه الدعوى، وقد تتكرر إذا حلفه في تاريخ آخر. وممن ذهب إلى ما ذكره ابن شبرمة: ابن أبي ليلى وعطاء والنخعي والشعبي والكوفيون والأوزاعي والأندلسيون من أصحاب مالك قالوا: لا يجوز القضاء باليمين مع

стр. 9792

الشاهد. وقال محمد بن الحسن: إن حكم به قاضٍ يُقضى حكمه فهو بدعة (١). وقال الزهري: هو بدعة وأول من حكم به معاوية. ورواه أبو بكر، عن حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عنه (٢)، وهو قول الزهري والليث قالوا: لأنه خلاف القرآن والسنة: أما القرآن، فقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأما السنة، فقوله: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". وفي "المحلى" عن عطاء: أول من قضى به عبد الملك بن مروان، وأشار إلى إنكاره الحكم. وروي عن عمر بن عبد العزيز الرجوع إلى ترك القضاء به؛ لأنه وجد أهل الشام على خلافه (٣). وذكر الطحاوي كلامًا طويلًا حاصله: أن الأحاديث التي فيها القضاء في يمين مع الشاهد قد دخلها الضعف، قال ذلك إثر ما ذكره من طريق ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت، وجعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده. قال: فأنتم رويتم هذا: ولم يبين في الحديث كيف سببه؟ ولا من هو المستحلف فقد يجوز أن ذلك على ما ذكرتم، ويجوز أن يكون أريد يمين المدعى عليه إذا ادعى المدعي ولم يقم على دعواه إلا شاهدًا واحدًا فاستحلف له ﷺ المدعى عليه؛ ليعلم الناس أن المدعي يجب له اليمين على المدعى عليه لا بحجة أخرى غير الدعوى، لا يُجب له

стр. 9793

اليمين إلا هذا، كما قال قوم: إن المدعي لا يجب له اليمين فيما ادعى إلا أن يقيم البينة أنه قد كانت بينه بين المدعى عليه خلطة ولبس، وإن أقام على ذلك بينة استحلف له وإلا لم يستحلف، فأراد الراوي أن ينفي هذا القول ويثبت اليمين بالدعوى وإن لم يكن مع الدعوى غيرها، قال: وقد يجوز أن يكون ذلك أريد به يمين المدعي مع شاهده الواحد، إلا أن شاهده الواحد كان ممن يحكم بشهادته وحده وهو خزيمة، فإن الشارع كان قد عدل شهادته بشهادة رجلين، فلما كان ذلك الشاهد قد يجوز أن يكون خزيمة، فيكون للمشهود له بشهادته وحده مستحقًّا لما شهد له كما يستحق غيره بالشاهدين ما شهدا له به، فادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إلى المدعي، فاستحلفه رسول الله ﷺ على ذلك، وأريد بنقل هذا الحديث؛ ليعلم أن المدعي إذا أقام البينة على دعواه وادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إليه أن عليه اليمين مع بينته، فهذا وجه آخر، فلا ينبغي لأحد أن يأتي إلى خبر قد احتمل هذِه التأويلات فيقطعه على أحدها بلا دليل يدله على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع (١). قلت: وقام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في الأموال. واختلفوا في الحدود والطلاق والنكاح والعتق، فذهب الشافعي إلى أن اليمين واجبة على كل مدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة، وسواء كانت الدعوى في دم أو جراح أو نكاح أو طلاق أو عتق أو غير ذلك، واحتج بحديث الباب: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" قال: ولم يخص مدعي مال دون مدعي دم أو غيره بل الواجب أن يحمل على العموم،

стр. 9794

ألا ترى أنه جعل القسامة في دعوى الدم وقال للأنصار: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا" (١)، والدم أعظم حرمة من المال (٢)؟ وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ادعت المرأة على زوجها خلعًا أو طلاقًا وجحد الزوج الطلاق، فالمرأة المدعية عليها البينة، فإن لم يكن استحلف الزوج، وإن ادعى الخلع على مال فأنكرت، فإن أقام البينة لزمها المال، وإلا حلفت ولزم الزوج الفراق؛ لأنه أقرَّ به، وإذا ادعى العبد العتق ولا بينة استحلف السيد، فإن حلف برئ، وإن ادعى السيد أنه أعتق عبده على مال وأنكر العبد، حلف ولزم السيد العتق، وكان سوار يحلف بالطلاق، وكان أبو يوسف ومحمد يريان أن يستحلف على النكاح، فإن أبي أُلزم النكاح. وذكر ابن المنذر عن الشعبي والثوري وأصحاب الرأي: أنه لا يستحلف على شيء من الحدود ولا على القذف (٣)، وقالوا: يستحلفه على السرقة، فإن نكل لزمه النكال. وفيه قول آخر: أن لا يمين في النكاح والطلاق والعتق و (الفرية) (٤) إلا أن يقيم المدعي شاهدًا واحدًا، فإذا أقام استحلف المدعى عليه، هذا قول مالك (٥). قال ابن حبيب: إذا أقامت المرأة أو العبد شاهدًا واحدًا على أن

стр. 9795

الزوج طلقها أو السيد أعتقه، فإن اليمين يكون على السيد والزوج، فإن حلفا سقط عنهما الطلاق والعتق. هذا قول مالك وابن الماجشون وابن كنانة، قال في "المدونة": فإن نكل قضي بالطلاق والعتق. ثم رجع مالك فقال: لا يقضى بالطلاق وليسجن، فإن طال سجنه دين وترك، وبه قال ابن القاسم، وطُول السجن عنده سنة (١)، وروى أشهب عن مالك في "العتبية" في الرجل يأتي بشاهد واحد على رجل شتمه أيحلف مع شاهده ويستحق ذلك أو يستحلف المدعى عليه ويبرأ؟ فقال: لا يحلف في مثل هذا مع الشاهد، وأرى إن كان الشاتم معروفًا بالسفه يؤدب ويعزر. قلت له: أَفَتَرى على المدعى عليه يمينًا؟ قال: نعم، وليس كل ما رأى المرء يجب أن يجعله سنة (٢) فيذهب به إلى الأمصار، فضعف [يمين] (٣) المدعى عليه في هذِه المسألة حين رأى أن لا يجعل قوله سنة (٤). وذهب أهل المقالة الأولى إلى أن وجوب اليمين على المدعى عليه بمجرد الدعوى في كل دعوى، ولم ير مالك في المدعى عليه يمينًا حتى يقيم المدعي شاهدًا واحدًا في دعوى النكاح والطلاق، والعتق (والفرية) (٥). والعتاقة عند مالك حدٌّ من الحدود؛ لأنه إذا عتق العبد ثبتت حرمته، وجازت شهادته، ووقعت الحدود له وعليه، بخلاف ما كانت قبل ذلك،

стр. 9796

ورأى في الأموال خاصة اليمين على المدعى عليه دون شاهد يقيمه المدعي (١)؛ لأن إيجاب البينة على المدعي واليمين على المنكر إنما ورد في خصام في أرض بين الأشعث بن قيس ورجل آخر، ففيه قال ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" فرأى مالك حمل الحديث على ما ورد عليه في الأموال خاصة، ورأى في دعوى النكاح والطلاق والعتق والفرية إذا أقام المدعي شاهدًا واحدًا أن يحلف المدعى عليه، فيبرأ من الدعوى بذلك التي قويت شبهتها بالشاهد ولو جاز فيها دخول الأيمان دون شاهد يقيمه المدعي لأدى ذلك إلى إضاعة الحدود واستباحة الفروج ورفع الملك، ولا يشاء أحد أن يدعي نكاح امرأة فتنكر فيحلفها ويبتذلها بذلك، وإن لم تحلف أخذها زوجها واستباح فرجها الذي هو أعلى رتبة من المال؛ لأن المال يقبل فيه شاهد وامرأتان، ولا يقبل ذلك في النكاح، وإذا ادعى أنها زوجته وصدقته المرأة لم يحكم بينهما بثبوت الزوجية بتقار رهما دون بينة تشهد على ذلك، فكذلك لا تقبل دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها إلا ببينة ولا يحلفه بدعواها؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يستبيح الأجنبي فرجها مع كونها زوجًا للأول؛ لأنه لا تشاء امرأة تكره زوجها إلا ادعت عليه كل يوم طلاقا، وكذا العبد في العتق، ولاسيما إذا علم أن الزوج أو السيد ممن لا يحلف في مقطع الحقوق، فكثير من الناس يتجنب ذلك، فإن لم يحلفا طلقت وعتق. هذا قول مالك الأول الذي أوجب العتق والطلاق بالنكول، والقول الآخر الذي رجع إليه أشد احتياطًا في تحصين الفروج والحدود، وأما

стр. 9797

قياس الشافعي كل دعوى على القسامة فهي باب مخصوص فلا يقاس عليه، ولا يؤخذ ما أصله موجود بالسنة فيجعل فرعا يقاس على أصل لا يشبهه؛ لأن قياس الأصول بعضها على بعض لا يجوز، ولو كان فرعًا ما ساغ قياسه على أصل لا يشبهه، وأحق الناس بأن يمنع أن يجعل في باب الدعوى في الدم قياسًا على القسامة، بل لا يرى القود بالقسامة الشافعي، والقسامة يبدأ فيها المدعي عنده وعند مالك والمدعى عليه في غير هذا يبدأ باليمين، وأيضًا فإنها لم يحكم فيها بالأيمان إلا بعد اللوث، وأقيمت الأيمان مقام الشهادة وغلظت حتى جعلت خمسين يمينًا، وليس هذا في شيء من الأحكام. وقال ابن لبابة: مذهب مالك على ما روي عن عمر بن عبد العزيز: أنه لا يجب يمين إلا بخلطة، وبذلك حكم القضاة عندنا، والذي أذهب إليه وأفتي به، فاليمين بالدعوى؛ لقوله ﷺ : "اليمين على المدعى عليه". وقال ابن المنذر: لما جعل الشارع ذلك دخل في ذلك الخيار والشرار، والمسلمون والكفار، والرجال والنساء علمت المعاملة أو لم تعلم؛ هذا قول الكوفيين والشافعي وأصحاب الحديث وأحمد. قال: ولما قال من خالفنا: إن البينة تقبل من غير سبب تقدم من معاملة بين المدعي وبين صاحبه، وجب كذلك أن يستحلف المدعى عليه وإن لم يعلم معاملة تقدمت بينهما؛ لأن مخرج الكلامين من الشارع واحد، وما أحد في أول ما يعامل صاحبه إلا ولا معاملة كانت بينهما قبلها (١).

стр. 9798

واحتج الكوفيون بحديث الباب: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" في أن اليمين لا يجب ردها على المدعي إذا نَكَل المدعى عليه (١)، قالوا: ويحكم بنكول المدعى عليه، ألا ترى قوله: "شاهداك أو يمينه" ولم يقل: أو يمينك ولو كان الحكم يتعلق بيمين المدعي لذكره كما ذكر بينة المدعي ويمين المدعى عليه. وسيأتي اختلاف العلماء في رد اليمين واضحًا في القسامة. وقوله: ("شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ") قال سيبويه: المعنى ما (بينت) (٢) به شاهداك، وتأويله: ما (بينت) (٣) لك شهادة شاهديك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وأجمعوا أنه لا يجب حد بيمين وشاهد. قال ابن بطال: وأما احتجاج ابن شبرمة على أبي الزناد في إبطال الحكم (باليمين) (٤) مع الشاهد، فإن العلماء اختلفوا فيه، فممن وافق ابن شبرمة في ذلك من قدمناه، وروي عن عمر وأبي بكر وعلى وأبي بن كعب أنه يحكم باليمين مع الشاهد، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين وربيعة وأبي الزناد، وقال به من أهل العراق الحسن البصري وعبد الله بن عتبة وابنه عبيد الله (وخارجة بن زيد بن ثابت) (٥) أفادهم ابن المنذر وإياس بن معاوية، قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: والحكم به عندهم في الأموال خاصة (٦).

стр. 9799

وقال ابن حزم: روينا عن عمر بن الخطاب أنه قضى باليمين والشاهد الواحد، ومن طريق ابن وهب، عن أبي ضمرة، أن جعفر بن محمد حدثه، عن أبيه، عنه، وصح عن عمر بن عبد العزيز (وعبد الحميد بن عبد الرحمن) (١) وأبى الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وإياس بن معاوية ويحيى بن يعمر وغيرهم، وجاء عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى بذلك في جراح العمد والخطأ، ويقضي به أيضًا مالك في النفس ولا يقضي به في العتق، والشافعي يقضى به في العتق (٢). قال ابن عبد البر: وروي عن الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب وعبد الله ابن عمرو: القضاء به مع الشاهد، وإن كان في الأسانيد عنهم ضعف، فالحجة قد لزمت بالسنة الثابتة ولا تحتاج السنة إلى من متايعها؛ لأن من خالفها محجوج بها، ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر ذلك بل جاء عنهم القول به، وعلى القول به جمهور التابعين بالمدينة. واختلف فيه عن عروة وابن شهاب، وقد روي عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين، قال ابن عبد البر: وهو الذي لا يجوز عندي خلافه؛ لتواتر الآثار عن سيدنا رسول الله ﷺ وعمل أهل المدينة قرنًا بعد قرن. ولم يحتج مالك في "موطئه" لمسألة غيرها فقال: من الحجة فيها أن يقال: أرأيت لو أن رجلًا ادعى على رجل مالًا، أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن نكل عن اليمين

стр. 9800

حلف صاحب الحق أن حقه لَحَق، وثبت حقه على صاحبه، فهذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس، فمن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد (١). يريد مالك أنه إذا حلف صاحب الحق فإنه يقضي له بحقه ولا شاهد معه، فكيف بمن معه شاهد؟ فهذا أولى أن يحلف مع شاهده، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غيره إلا عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى زعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يذهب إليه، وخالف مالكًا في ذلك مع مخالفة السنة، وزعم من رد اليمين مع الشاهد بأنه منسوخ بالآية الكريمة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ورأى مالك أن يحلف الرجل مع شهادة امرأتين في الأموال، ويستحق حقه، كما يحلف مع الشاهد، وتحلف المرأة مع الشاهد الواحد كما يحلف الرجل، ويقال للكوفيين: ليس هذا بخلاف القرآن والسنة كما توهمتموه، وإنما هو زيادة بيان؛ كنكاح المرأة على عمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ومثل المسح على الخفين مع ما نزل به القرآن في غسل الرجلين ومسحهما، فكذلك ما قضى به الشارع من اليمين مع الشاهد مع الآية، ويقال لهم: إن مالكًا أوجب القصاص في الجراح باليمين مع الشاهد (٢). قال في "المدونة": كل جرح فيه قصاص، فإنه يقضى فيه بيمين وشاهد (٣)، وقاله عمر بن عبد العزيز.

стр. 9801

وإن وقع له في كتاب الأقضية ما يوهم خلاف هذا الأصل حيث قال: ومن ادعى على رجل قصاصًا وأنه ضربه بالسوط لم يجب عليه يمين إلا أن يأتي بشاهد فيستحلف له (١)، وكان قياسه أن يحلف مع شاهده ويقتص، لكن ملك القصاص فيها إلى المجروح وهو من حقوقه، وهذِه فيها أدب التعدي فقط. واحتجوا أيضًا فقالوا: الزيادة على النص عندنا نسخ له، وجوابه: إنه بيان لا نسخ؛ لأن النسخ إنما هو ما لو ورد مقترنًا به لم يمكن الجمع بينهما، وهنا لو وردا يمكن، فإثباته كإثبات حكم، كما يأمرنا بالصلاة ثم يوجب الصوم. وقد تناقض الكوفيون في هذا الأصل، فنقضوا الطهارة بالقهقهة وزادوها على الأحداث الثابتة، وجوزوا الوضوء بالنبيذ وزادوه على إيجاب الوضوء بالماء المنصوص عليه في الكتاب والسنة، ولم يجعلوا ذلك نسخًا لما تقدم، فتركوا أصلهم. قال المهلب: الشاهد واليمين إنما جعله الله رخصة عند عدم الشاهد الآخر بموت أو سفر أو غير ذلك من العوائق، كما جعل- تعالى- رجلًا وامرأتين رخصة عند عدم شاهدين؛ لأنه معلوم أنه لا يحضر المتبايعين شاهدان عدلان أو أكثر فيقتصرا على شاهد وامرأتين أو على شاهد واحد، هذا غير موجود في العادات بل من شأن الناس الاستكثار من الشهود فنقل الله العباد في صفة الشهود من حال إلى حال أسهل منها؛ رفقا من الله بخلقه وحفظًا لأموالهم، فلا تناقض في شيء من ذلك.

стр. 9802

والحديث بذلك له طرق اقتصر مسلم منها على حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد (١). وهو أصح أحاديث الباب، وقد أوضحت الجواب عما اعترض عليه، وبقية طرقه في تخريجي لأحاديث الرافعي، فسارع إليه ترشد (٢)، واقتصر ابن بطال على حديث مالك عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه ﵇ قضى باليمين مع الشاهد -وهذا مرسل- وهو أصح من وصله عن جابر وعن علي، وما قدمناه أولى منه.

стр. 9803

- باب (١) ٢٦٦٩، ٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ صَدَقَ، لَفِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٢٨٠] ساق فيه حديث عبد الله بن مسعود السالف في باب: سؤال الحاكم المدعي (٢)، فتأمل وجه إيراده هنا.

стр. 9804

٢١ - باب إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ البَيِّنَةَ، وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ البَيِّنَةِ ٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: "البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ. [٤٧٤٧، ٥٣٠٧ - فتح: ٥/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث هِشَامٍ، عن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ السَحْمَاءِ، فَقَالَ ﵇: "البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: "البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدّ فِي ظَهْرِكَ". فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ. وسيأتي بطوله في بابه (١)، ورواه أبو داود (٢) والنسائي (٣) والترمذي، وقال: حسن غريب، ورواه عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس متصلًا، ورواه أيوب عن عكرمة مرسلًا ولم يذكر ابن عباس (٤).

стр. 9805

قلت: قد رواه جرير بن حازم عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس متصلًا أخرجه الطبراني (١) والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط البخاري (٢). وهذا الحديث: إنما هو في رمي أحد الزوجين صاحبه فهو الذي يقال له: أنطلق ائت بالبينة؛ لأن الزوجين ليس بينهما جلد، وإنما يسقط بينهما بالتلاعن، والأجنبيون بخلاف حكم الزوجين في ذلك، فإذا قذف أجنبي أجنبيًّا، لم يترك لطلب البينة، ولا يضمنه أحد بل يحبسه الإمام، خشية أن يفوت أو يهرب ويرتاد من يطلب بينته، وإنما لم يضمنه أحد؛ لأن الحدود لا كفالة فيها ولا ضمان؟ لأنه لا يحد أحدٌ عن أحدٍ. وقوله: "البينة وإلا حد في ظهرك" كان قبل (نزول حكم) (٣) اللعان على ظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] يدخل في حكم الآية الزوجان وغيرهما، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وحكم الله تعالى باللعان بين الزوجين بخلاف حكم الأجنبيين، وخص الزوجين بألا يحد المتلاعن إلا أن يأبى من اللعان، وكذلك المرأة إذا أبت من اللعان بعد لعان الزوج حدت بخلاف أحكام الأجنبيين أنه من لم يقم البينة على قذفه وجب عليه الحد؛ لقوله ﵇: "وإلا حد في ظهرك". (وقال ابن التين: قوله: "وإلا حد في ظهرك". يحتمل أن يكون أخبر بموجب الحكم فيمن قذف، ويكون الحكم موقوفًا حتى يقوم به المقذوف، ويحتمل
следующие страницы →