← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

وإن وقع له في كتاب الأقضية ما يوهم خلاف هذا الأصل حيث قال: ومن ادعى على رجل قصاصًا وأنه ضربه بالسوط لم يجب عليه يمين إلا أن يأتي بشاهد فيستحلف له (١)، وكان قياسه أن يحلف مع شاهده ويقتص، لكن ملك القصاص فيها إلى المجروح وهو من حقوقه، وهذِه فيها أدب التعدي فقط. واحتجوا أيضًا فقالوا: الزيادة على النص عندنا نسخ له، وجوابه: إنه بيان لا نسخ؛ لأن النسخ إنما هو ما لو ورد مقترنًا به لم يمكن الجمع بينهما، وهنا لو وردا يمكن، فإثباته كإثبات حكم، كما يأمرنا بالصلاة ثم يوجب الصوم. وقد تناقض الكوفيون في هذا الأصل، فنقضوا الطهارة بالقهقهة وزادوها على الأحداث الثابتة، وجوزوا الوضوء بالنبيذ وزادوه على إيجاب الوضوء بالماء المنصوص عليه في الكتاب والسنة، ولم يجعلوا ذلك نسخًا لما تقدم، فتركوا أصلهم. قال المهلب: الشاهد واليمين إنما جعله الله رخصة عند عدم الشاهد الآخر بموت أو سفر أو غير ذلك من العوائق، كما جعل- تعالى- رجلًا وامرأتين رخصة عند عدم شاهدين؛ لأنه معلوم أنه لا يحضر المتبايعين شاهدان عدلان أو أكثر فيقتصرا على شاهد وامرأتين أو على شاهد واحد، هذا غير موجود في العادات بل من شأن الناس الاستكثار من الشهود فنقل الله العباد في صفة الشهود من حال إلى حال أسهل منها؛ رفقا من الله بخلقه وحفظًا لأموالهم، فلا تناقض في شيء من ذلك.

стр. 9802

والحديث بذلك له طرق اقتصر مسلم منها على حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد (١). وهو أصح أحاديث الباب، وقد أوضحت الجواب عما اعترض عليه، وبقية طرقه في تخريجي لأحاديث الرافعي، فسارع إليه ترشد (٢)، واقتصر ابن بطال على حديث مالك عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه ﵇ قضى باليمين مع الشاهد -وهذا مرسل- وهو أصح من وصله عن جابر وعن علي، وما قدمناه أولى منه.

стр. 9803

- باب (١) ٢٦٦٩، ٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ صَدَقَ، لَفِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٢٨٠] ساق فيه حديث عبد الله بن مسعود السالف في باب: سؤال الحاكم المدعي (٢)، فتأمل وجه إيراده هنا.

стр. 9804

٢١ - باب إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ البَيِّنَةَ، وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ البَيِّنَةِ ٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: "البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ. [٤٧٤٧، ٥٣٠٧ - فتح: ٥/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث هِشَامٍ، عن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ السَحْمَاءِ، فَقَالَ ﵇: "البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: "البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدّ فِي ظَهْرِكَ". فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ. وسيأتي بطوله في بابه (١)، ورواه أبو داود (٢) والنسائي (٣) والترمذي، وقال: حسن غريب، ورواه عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس متصلًا، ورواه أيوب عن عكرمة مرسلًا ولم يذكر ابن عباس (٤).

стр. 9805

قلت: قد رواه جرير بن حازم عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس متصلًا أخرجه الطبراني (١) والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط البخاري (٢). وهذا الحديث: إنما هو في رمي أحد الزوجين صاحبه فهو الذي يقال له: أنطلق ائت بالبينة؛ لأن الزوجين ليس بينهما جلد، وإنما يسقط بينهما بالتلاعن، والأجنبيون بخلاف حكم الزوجين في ذلك، فإذا قذف أجنبي أجنبيًّا، لم يترك لطلب البينة، ولا يضمنه أحد بل يحبسه الإمام، خشية أن يفوت أو يهرب ويرتاد من يطلب بينته، وإنما لم يضمنه أحد؛ لأن الحدود لا كفالة فيها ولا ضمان؟ لأنه لا يحد أحدٌ عن أحدٍ. وقوله: "البينة وإلا حد في ظهرك" كان قبل (نزول حكم) (٣) اللعان على ظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] يدخل في حكم الآية الزوجان وغيرهما، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وحكم الله تعالى باللعان بين الزوجين بخلاف حكم الأجنبيين، وخص الزوجين بألا يحد المتلاعن إلا أن يأبى من اللعان، وكذلك المرأة إذا أبت من اللعان بعد لعان الزوج حدت بخلاف أحكام الأجنبيين أنه من لم يقم البينة على قذفه وجب عليه الحد؛ لقوله ﵇: "وإلا حد في ظهرك". (وقال ابن التين: قوله: "وإلا حد في ظهرك". يحتمل أن يكون أخبر بموجب الحكم فيمن قذف، ويكون الحكم موقوفًا حتى يقوم به المقذوف، ويحتمل

стр. 9806

أن يكون الإمام يقيمه؛ لأنه حق له في أحد القولين، ويحتمل أن يكون قام به أحدهما. قال: واحتج أصحاب الشافعي بحديث هلال إذا رمى زوجته وسماه ثم لاعن أنه لا يحد، وعنه جوابان: أحدهما: أن شريكا كان ذميًّا. الثاني: أنه لم يقم بحقه، وأما رمي زوجته فإذا لاعن فلا شيء عليه (١). تنبيهات: أحدها: روى ابن مردويه عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس قال: أول من لاعن في الإسلام هلال بن أمية بابن سحماء (٢). وقال ابن التين: اختلف هل هذا أول اللعان في الإسلام أو لعان عامر أبي عويمر. فقال ابن جرير: هذا أول، وقال غيره: الأول لعان عامر. قال ابن المنذر: سحماء، قيل لها ذلك لسوادها، واسم أبيه عبدة بن مغيث، كما ضبطه ابن ماكولا (٣) وغيره، وقيده النووي بعين مهملة ثم مثناة ثم باء موحدة البلوي. قال الخطيب: شهد بدرًا (٤)، وأنكره غير واحد، وأول مَشَاهده أُحُد، وشريك أخو البراء بن مالك لأمه، وزعم أبو نعيم أن سحماء

стр. 9807

لم تكن (أمه) (١)، وشريكًا لم يكن اسمه إنما كان بينه وبين ابن السحماء شركة (٢). وقول ابن القصار: إن شريكًا كان يهوديًا فلذلك لم يحد له، غير صحيح. ثانيها: كون القاذف هلال بن أمية فيه نظر، بل هو عويمر العجلاني كما نبه عليه الطبري والمهلب وغيرهما، وكانت في شعبان سنة تسع منصرف رسول الله ﷺ من تبوك. قال المهلب: وأظنه غلط من هشام بن حسان، ومما يدل على أنهما قصة واحدة توقف رسول الله حتى نزلت الآية، ولو أنهما قصتان لم يتوقف عن الحكم فيهما، ولحكم في الثانية بما أنزل الله. قلت: لم يتفرد به هشام، بل تابعه عباد بن منصور وأيوب كما سلف، وأسند ابن جرير رواية عباد (٣)، ورواه ابن مردويه في "تفسيره" عن عباد، عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعن عبد الله بن الحكم الهمداني، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس به. وقال الخطيب: حديث هلال وعويمر صحيحان فلعلهما اتفقا معًا في مقام واحد أو مقامين، ونزلت الآية الكريمة في تلك الحال، لا سيما وفي حديث عويمر كره رسول الله ﷺ المسائل؛ يدل على أنه كان سبق بالمسلمين مع ما روينا عن جابر أنه قال: ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال (٤).

стр. 9808

وقال الماوردي: الأكثرون على أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر، والنقل فيهما مشتبه مختلف. وقال ابن الصباغ في "شامله": قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولًا، وقوله ﷺ لعويمر: "إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك" (١) معناه: ما نزلت في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس. قال النووي: ولعلها نزلت فيهما جميعًا؛ لاحتمال سؤالهما في وقتين متقاربين، فنزلت وسبق هلال باللعان (٢). وقاله ابن التين أيضًا حيث قال: حديث عاصم أشهر، إلا أن يكون الأمران كانا في وقت واحد، فقال هذا القول لهلال قبل أن ينزل عليه اللعان، وسأله عاصم فكره مسألته، ثم أنزلت الآية فيها. وزعم مقاتل في "تفسيره" أن المرأة اسمها خولة بنت قيس الأنصارية (٣). ثالثها: لما صرح بذكر شريك وقذفه، ولم يحده رسول الله ﷺ ، استدل به الشافعي على أنه لا حَدَّ على الرامي زوجته إذا سمى الذي رماها به، ثم اكتفي (٤). وعند مالك: يحد ولا يكتفي بلعانه، إنما لاعن لها. واعتذر بعض أصحابه عن حديث شريك بأن شريكًا لم يطلب حقه، وزعم أبو بكر الرازي أنه كان حد القاذف للأجنبيات، وللزوجات الجلد

стр. 9809

بدلالة قوله: "البينة وإلا حد في ظهرك" وإنه نسخ الجلد في اللعان (١). رابعها: اللعان والملاعنة والتلاعن واحد، سمي بذلك؛ لقول الزوج: عليَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين. واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب وإن كانا موجودين في الآية؛ لأنه مقدم في الآية وفي اللعان؛ ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانبها؛ لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها، وأنه قد ينفك لعانه عن لعانها ولا ينعكس. وقيل: سمي لعانًا من اللعن وهو الطرد والإبعاد؛ لأن كل واحد منهما بعد عن صاحبه. وخصت المرأة بالغضب؛ لأن الإنسان لا يؤثر أن يهتك زوجته بالمحال، وليس من الأيمان شيء متعدد إلا هو والقسامة، ولا يمين في جانب المدعي إلا فيهما، وجُوِّزَ اللعان لحفظ الأنساب، ودفع المعرفة عن الأزواج. خامسها: أكثر العلماء على أنهما بفراقهما من اللعان يقع التحريم المؤبد ولا تحل له أبدًا وإن أكذب نفسه؛ تمسكًا بقوله: "لا سبيل لك عليها" (٢)، وعليه مضت السنة، وورد في رواية فطلقها ثلاثًا. وقال أبو حنيفة ومحمد وعبيد الله بن الحسن: هو واحدة بائنة (٣)، وإن أكذب نفسه بعد اللعان حد، وحلت له، وغيرهم يحدونه ويلحقون به الولد ولا يحلونها له، ومن الغريب قول عثمان البتي: لا يفرق بينهما (٤).

стр. 9810

وهو أشد الخلاف في المسألة فلا يلتفت إليه، وإن حكاه الطبري أيضًا عن جابر بن زيد. وحكى ابن رشد عن الشافعي: أنه إذا أكمل الزوج لعانه وقعت الفرقة، وعن مالك والليث وجماعة: وقوعها إذا فرغا جميعًا منه. وعن أبي حنيفة: لا يقع إلا بحكم حاكم. وهو قول الثوري وأحمد (١)؛ لما جاء في بعض الروايات أنه ﵇ فرق بينهما. وبقوله: كذبت عليها إن أمسكتها (٢). لأن فيه إخبارًا بأنه ممسك لها بعد اللعان إذ لو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك لاستحال قوله: كذبت عليها، وهو غير ممسك لها بحضرته ولم ينكر ذلك عليه. وعن مالك: هو فسخ (٣). سادسها: في ألفاظ متعلقة بالحديث ذكرها في غير هذا الموضع: أسحم أي: أسود كلون الغراب، يقال لليل: أسحم وللسحاب: أسحم (٤). وأدعج: شديد سواد الحدقة، وخدلج -بتشديد اللام- ممتلئ الساقين. وأحيمر: تصغير أحمر وهو الأبيض؛ لأن العمرة تبدو في البياض دون السواد. وسئل ثعلب: لم قيل الأحمر دون الأبيض؟ فقال: لأن العرب لا (تقول) (٥) رجل أبيض من بياض اللون إنما الأبيض عندهم الطاهر النقي من العيب (٦).

стр. 9811

والوحرة: بالتحريك دويبة حمراء تلصق بالأرض، ذكره الفارابي وقال ابن سيده: هي وزغة تكون في الصحاري أصغر من القطاه، وهي على شكل سام أبرص، وجمعها: وحر والوحر: ضرب من القطا، وهي صغيرة حمراء تعدو في الجانبين، لها ذنب دقيق تمصع به (١) إذا عدت وهي أخبث القطا، لا تطأ طعامًا ولا شرابًا إلا سمته، وامرأة وحرة: سوداء دميمة. وقيل: حمراء. والوحرة من الإبل: القصيرة. وقوله: (موجبة) أي: للعذاب، وقوله: (فتلكأت) أي: تبطأت عن إتمام اللعان، قال الرازي عن مالك والحسن بن صالح والليث والشافعي: أي منهما نكل حُدّ إن كان الزوج فالقذف ولها فالزنا. وعن الشعبي والضحاك ومكحول: إذا أبت رجمت وأيهما نكل حبس حتى يلاعن، وذكر ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه (٢). وقوله: (لولا ما مضى من كتاب الله) (٣). هو قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. وعند أبي داود: "لولا الإيمان" (٤). ويستدل من يقول: إن الحكم إذا وقع بشرطه لا يُنْقض وإن تبين خلافه إذا لم يقع خلل أو تفريط في شيء من أسبابه. وقال ابن التين: لم يجاوبه الشارع عما يفعله من وجد مع امرأته رجلًا، وجاوبه عما قذف به زوجته وشريكًا، وقد حصل ذلك وفات ما كان يفعله من نزل ذلك به، فكان الجواب مطالبته بالمخرج فيما دخل فيه أولى.

стр. 9812

وقوله: ("البينة وإلا حد في ظهرك") كالفتيا، وفيه مراجعة الخصم الإمام إذا رجا أن يظهر له خلاف ما قال له: وفيه أن الحقوق والحدود يستوي فيه الصالح وغيره، قاله الداودي.

стр. 9813

٢٢ - باب اليَمِينِ بَعْدَ العَصْرِ ٢٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَهَا". [انظر: ٢٣٥٨ - مسلم: ١٠٨ - فتح: ٥/ ٢٨٤] ذكر فيه حديث أبي هريرة: "ثَلَاثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ .. ". وقد سلف في الشرب (١)، وذِكره فيها اليمين بعد العصر؛ لشهود ملائكة الليل والنهار في هذا الوقت؛ ليرتدع الناس عن الأيمان الكاذبة فيه، فإنه وقت عظيم. وقوله: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) يعني: وقتًا دون وقت لمن أنفذ الله عليه الوعيد، وليس على الاستمرار والخلود. هذا مذهب أهل السنة، وفيه أنه قد يستحق النوع من العذاب على ذنوب مختلفة، فالمانع لفضل الماء أصغر معصية من المبايع الناكث والحالف الآثم.

стр. 9814

٢٣ - باب يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ اليَمِينُ، وَلَا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ قَضَى مَرْوَانُ بِاليَمِينِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي. فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ، وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى المِنْبَرِ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". يَخُصَّ مَكَانًا دُونَ مَكَانٍ. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧] ٢٦٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَثَا عبد الوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ على يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا لقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٢٨٤] ثم ساق حديث ابن مسعود أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". الشرح: الأثر الأول رواه مالك في "الموطأ" عن داود بن حصين، سمع أبا غطفان بن طريف المري قال: اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع -يعني: عبد الله- إلى مروان في دار فقضى باليمين على زيد على المنبر فقال: احلف له مكاني. قال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق. فجعل زيد يحلف أن حقه لَحَق، ويأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك قال مالك: لا أرى أن يحلف على المنبر في

стр. 9815

أقل من ربع دينار وذلك (ثلاث) (١) دراهم (٢). وأما الحديث المعلق فقد سلف قريبًا مسندًا (٣). قال الإسماعيلي: إذا لم يمنع من تغليظها بأن يكون بعد العصر للخبر الذي رواه فكذا لم يمنع من تغليظها بأن تكون عند المنبر؛ لقوله ﵇: "من حَلَفَ على منبري -أو عند منبري- كاذبًا ولو على قضيب من أراك، وجبت له النار" (٤) أو كما قال، وحديث ابن مسعود سلفُ قريبًا. واختلف العلماء في هذا الباب، فجملة مذهب مالك فيه، كما قال أبو عمر: إن اليمين لا تكون عند المنبر من كل جامع ولا في الجامع، حيث كان إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا، وما دون ذلك حلف فيه في مجلس الحاكم أو حيث شاء من المواضع في السوق أو غيرها، وليس عليه التوجه إلى القبلة. وفي رواية ابن الماجشون عنه: يحلف قائمًا مستقبل القبلة، قال: ولا يعرف مالك [اليمين عند] (٥) المنبر إلا منبر المدينة فقط، ومن أبي أن يحلف عنده فهو كالناكل عن اليمين، ويحلف في أيمان القسامة عند مالك إلى مكة -شرفها الله- كل من كان من عملها يحلف بين الركن والمقام، وكذلك المدينة يحلف عند المنبر.

стр. 9816

وحكى أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز حمل قومًا اتهمهم بفلسطين إلى الصخرة، فحلفوا عندها، قال: وذهب الشافعي إلى نحو قول مالك، إلا أنه لا يرى اليمين عند منبر المدينة، ولا بين الركن والمقام بمكة إلا في عشرين دينارًا فصاعدًا. قال الشافعي: وقد عاب قولنا هذا عائب ترك فيه موضع حجتنا لسنة رسول الله ﷺ والآثار بعده عن أصحابه. وزعم أن زيد بن ثابت: كان لا يرى اليمين على المنبر، وإنا روينا ذلك عنه وخالفناه إلى قول مروان بغير حجة، قال: وهذا مروان يقول لزيد وهو أحظى أهل زمانه وأرفعهم لديه منزلة: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق قال: فما منع زيد بن ثابت (لو يعلم) (١) أن اليمين على المنبر حق أن يقول: مقاطع الحقوق مجلس الحكم كما قال أبو حنيفة وأصحابه: ما كان زيد ليمتنع أن يقول لمروان ما هو أعظم من هذا حيث قال له: أتحل الربا؟ قال: أعوذ بالله. قال: إن الناس يبتاعون الصكوك قبل أن يقبضوها، فبعث مروان الحرس ينتزعونها من أيدي الناس. فإذا كان مروان لا ينكر على زيد هذا، فكيف ينكر عليه في نفسه أن يلزمه اليمين على المنبر؟ لقد كان زيد من أعظم أهل المدينة في عين مروان، ولكن زيدًا علم أن ما قضى به مروان هو الحق، وكره أن تصبر يمينه عند المنبر. قال الشافعي: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي نقل الحديث فيه كأنه تكلف: لاجتماعنا على اليمين عند المنبر (٢).

стр. 9817

وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب استحلاف أحد عند منبر المدينة ولا بين الركن والمقام في قليل الأشياء ولا في كثيرها ولا في الدماء ولا غيرها، لكن الحكام يحلفون من وجبت عليه اليمن في مجالسهم (١). وإلى هذا القول ذهب البخاري، ونقل ابن بطال عن مالك أنه لا يحلف عند منبر إلا منبر المدينة، واعتبر القطع، واعتبر الشافعي الزكاة، وكذا عند منبر كل مسجد. وروى ابن جريج عن عكرمة قال: أبصر عبد الرحمن بن عوف قومًا يحلفون بين المقام والبيت فقال: أعلى دم؟ فقيل: لا. فقال: أفعلى عظيم من المال؟ قال: لا. قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام. قال: ومنبر النبي ﷺ في التعظيم مثل ذلك؛ لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين كاذبة. واحتج أبو حنيفة بأنا روينا عن زيد بن ثابت أنه لم يحلف عند المنبر وخالفتموه إلى قول مروان بغير حجة قال: وليس قوله ﵇: "من حلف على منبري هذا .. " يوجب أن الاستحلاف لم يجب، واحتج عليه الشافعي فقال: لو يعلم زيد أن اليمين عند المنبر غير سنة لأنكر ذلك على مروان. وقال: (والله لا أحلف إلا في مجلسك .. ) إلى آخر ما أسلفناه عنه. قال ابن بطال: واليمين عند المنبر بمكة والمدينة لا خلاف فيه في قديم ولا حديث، وإن نقل الحديث فيه تكلف لاجتماع السلف عليه، ولقد بلغني أن عمر حلف عند المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل.

стр. 9818

وأن عثمان ردت عليه اليمين عند المنبر فافتدى منها. وقال: أخاف أن توافق قدرًا فيقال: إنه بيمينه. قال المهلب: وإنما أمر أن يحلف في أعظم موضع من المسجد؛ ليرتدع أهل الباطل. وهذا مستنبط من قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فاشتراط بعد الصلاة؛ تعظيمًا للوقت وإرهابًا؛ لشهود الملائكة ذلك الوقت، فخصوصية وقت التعظيم كخصوصية موضعه، ألا ترى ما ظهر من تهيب زيد بن ثابت للموضع، فمن هو دون ذلك من أهل المعاصي والخائفين من العقوبات أولى أن يرهبوا المكان العظيم (١). وقال ابن التين: التغليظ بالمكان قاله مالك والشافعي؛ لقوله ﵇: "من حلف عند منبري هذا على يمين؛ ليقتطع بها مال مسلم .. " الحديث. ولا حجة فيه؛ لأنه لم يتكلم على موجب ذلك وصفته في الدنيا، وأيضًا فإن مروان قال لزيد: والله ما يحلف إلا عند مقاطع الحقوق. ولم ينكر عليه زيد، ولو قال له زيد: ما هذا. على ما خالفه مروان. وروي أن مروان قضى على زيد حين نكل عن اليمين عند المنبر، وقاله مالك، قال: فإنما كره زيد يمين الصبر. يعني: اليمين التي يقام صاحبها بحضرة الناس حتى يحلف. وقد اختلف في عشر مسائل: الأولى: ما الذي يغلظ فيه من الحقوق، وقد سلف عن مالك ربع دينار فأكثر، وعن الشافعي في عشرين دينارًا فأكثر، ونقل القاضي في "معونته" عن بعض المتأخرين أنه تُغَلّظ في القليل والكثير (٢).

стр. 9819

وقال ابن الجلاب: يحلف على أقل من ربع دينار في سائر المساجد. الثانية: في حلفه قائمًا، وبه قال مالك فيما حكاه ابن القاسم إلا من به علة، وقال عنه ابن كنانة: لا يلزمه أن يحلف قائمًا (١). الثالثة: قال ابن القاسم: لا يستقبل القبلة. وخالفه مطرف وابن الماجشون (٢). الرابعة: هل يحلف في دبر صلاة وحين اجتماع الناس إذا كان المال كثيرًا. قال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ: ليس ذلك عليه. وقال ابن كنانة، عن مالك: يتحرى به الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة (٣). الخامسة: في صفة ما يحلف به، فقال مالك: بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد عليه. وقال ابن كنانة عنه: يحلف في ربع دينار فأكثر. يزيد على [ما] (٤) تقدم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم (٥). وقال الشافعي: يزيد: الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية (٦).

стр. 9820

وقال سحنون: يحلف بالله وبالمصحف (١). ذكره عنه الداودي. السادسة: هل تخرج المرأة في ربع دينار؛ ظاهر "المدونة" المنع (٢)، وخالفه ابن حبيب. السابعة: هل يحلف بحضرة المصحف؛ أباه مالك، وألزمه ذلك بعض المكيين في عشرين دينارًا فأكثر (٣)، وذكر عن ابن المنذر أنه حكى عن الشافعي أنه قال: رأيت مطرفًا بصنعاء يُحلَّف بحضرة المصحف. الثامنة: هل تحلف المرأة في أقرب المساجد إليها، قاله سحنون. أو في الجامع، قاله الجماعة (٤). التاسعة: في صفة يمين أهل الكتاب والمجوس: ففي "المدونة": لا يُحلفهم إلا بالله (٥). وقال مطرف وابن الماجشون: يحلفون كالمسلمين (٦). وروى الواقدي، عن مالك: يحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وقاله الشافعي (٧).

стр. 9821

وقال ابن شعبان: كان بعض أصحابنا يحلف اليهود: لا والذي على العرش استوى قال: وهو حسن. وقال شريح: يجعل الإنجيل على مذبح النصراني إذا استحلفه (١)، وفي السبت قولان: نعم. وقيل: لا. بخلاف النصراني يوم الأحد. العاشرة: تغلظ بالموضع خلافًا لأبي حنيفة.

стр. 9822

٢٤ - باب إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ فِي اليَمِينِ ٢٦٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. [فتح: ٥/ ٢٨٥] ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. هذا الحديث لما رواه أبو نعيم عن أبي أحمد: ثنا ابن شيرويه، ثنا إسحاق، ثنا عبد الرزاق. وذكره بلفظ البخاري قال: وهم شيخنا في لفظ الحديث، والذي حدثهم ابن شيرويه عن إسحاق يخالف هذا الحديث، فإني رأيت في أصل كتاب إسحاق إذا أكره اثنان على اليمين فاستحباها فليستهما عليه. وعند أبي داود من حديث قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وفيه: فقال ﷺ : "استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها". وفي حديث معمر، عن همام: "إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فيستهمان عليها". وفي لفظ: "إذا أكره الاثنان على اليمين". وفي لفظ: اختصما في دابة وليست لهما تباريا فأمرهما أن يستهما على اليمين (١).

стр. 9823

وللنسائي من حديث قتادة عن خلاس أن رجلين تداريا في بيع وليس بينهما بينة، وفي حديث معمر، عن همام: عرض على قوم اليمين فأسرع الفريقان جميعًا على اليمين، وأمر بأن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف (١)، وللإسماعيلي من حديث الحسن بن يحيى وغيره، عن عبد الرزاق: إذا أكره الاثنان على اليمين فاستحباها أقرع بينهما. وفي لفظ: إذا أكره الاثنان على اليمين أو استحباها فليستهما عليها (٢). قال الإسماعيلي: الصحيح: أو استحباها. قال الخطابي: إنما يقول هذا إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق، مثل أن يكون الشيء في يد اثنين كل واحد منهما يدعيه كله، فيريد أحدهما أن يحلف عليه ويستحقه، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه (٣). وقال الداودي: في حديث آخر: أقرع بينهم أيهم يحلف أولًا. وهذا حديث لم يؤت فيه على جميع القصة؛ لأن الناس إنما يأبى بعضهم أن يحلف، أو كان المحفوظ أنه إنما أمر باليمين أحدهم، فلعل هذا كان الحكم قبل أن يؤمر بالشاهد ويمين المدعى عليه قال: والحديث مشكل المعنى. وقول أبي سليمان فيمن يتداعيان شيئًا فيقرعان أيهما يحلف ويستحقه جميعه.

стр. 9824

قال ابن التين: ليس هذا الحكم، وإنما هو أن يتحالفا ويقسماه نصفين، إن ادعى كل واحدٍ منهما جميعه. وقال ابن بطال: إنما كره الشارع تسارعهم في اليمين -والله أعلم- لئلا تقع أيمانهم معًا؛ فلا يستوفي الذي له الحق أيمانهم، على معنى دعواه، ومن حقه أن يستوفي يمين كل واحد منهم على حدته، وإذا استوى قومٌ في حقٍ من الحقوق لم يبدأ أحدٌ منهم قبل صاحبه في أخذ ما يأخذ أو دفع ما يدفع عن نفسه إلا بالقرعة، والقرعة سنة في مثل هذا؛ ألا ترى أنه ﵇ أقرع بين نسائه عند سفره، وكن قد استوين في الحرمة والعصمة، ولم تكن واحدة أولى بالسفر من صاحبتها (١).

стр. 9825

٢٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] ٢٦٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا العَوَّامُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ يَقُولُ: أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِىَ بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ. [انظر: ٢٠٨٨ - فتح: ٥/ ٢٨٦] ٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَ مَالَ رَجُلٍ -أَوْ قَالَ: أَخِيهِ- لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". وَأَنْزَلَ اللهُ [ ] تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي القُرْآنِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ. فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللهِ اليَوْمَ؟ قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٢٨٦] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْن أَبِي أَوْفَى: أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ باللهِ لَقَدْ أَعْطى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وَقَالَ ابن أَبِي أَوْفَى (١): النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ. ثم ذكر حديث عبد الله هو ابن مسعود السالف في البيوع (٢).

стр. 9826

وقوله فيه: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قال الجياني: لم أجد إسحاق هذا منسوبًا لأحدٍ من شيوخنا. وقد صرح البخاري بنسبه في باب شهود الملائكة بدرًا (١)، فقال: أخبرنا إِسْحَاقُ بن مَنْصور: أنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (٢). وأما أبو نعيم الحافظ فقال في "مستخرجه": حدثنا أبو أحمد: ثنا عبد الله بن محمد -هو ابن شيرويه-: أنا إسحاق بن إبراهيم: أنا يزيد ابن هارون. فذكر الحديث ثم قال: رواه -يعني: البخاري- عن إسحاق، عن يزيد بن هارون. وحقيقة النجش في قول ابن أبي أوفى: أن يزيد في اليمين؛ لا لرغبة بل ليخدع غيره، وأصله: الخَتْل أو الإطراء والمدح، أو التنفير: من تنفير الوحش إلى موضع آخر. والأصح عندنا أنه لا خيار فيه (٣). وقال ابن التين: يفسخ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي.

стр. 9827

٢٦ - باب كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ ؟ وَقَوْلُ اللهِ: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، يُقَالُ: بِاللهِ، وَتَاللهِ، وَوَاللهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَرَجُلٌ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِبًا بَعْدَ العَصْرِ" [انظر: ٢٣٥٨]. ٢٦٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهْوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" [انظر: ٤٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٥/ ٢٨٧] ٢٦٧٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ قَالَ: ذَكَرَ نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ". [٣٨٣٦، ٦١٠٨، ٦٦٤٦، ٦٦٤٧، ٦٦٤٨ - مسلم: ١٦٤٦ - فتح: ٥/ ٢٨٧] وقد سلف مسندًا (١) ولا يحلف بغير الله، ثم ساق حديث طلحة بن عُبيد الله، وفي آخره: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" وقد سلف.

стр. 9828

وحديث جويرية قال: ذَكَرَ نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ". اختلف العلماء في كيفية اليمين التي يجب أن يحلف بها، وقد أسلفناه قريبًا، ونقل ابن المنذر عن طائفة أنه لا يزيد على أن يحلف بالله. وعن مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عنده حق وما ادَّعَيْتَ عليَّ إلا باطلًا. وعن الكوفي: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين، فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال ابن المنذر: وبأي ذلك استحلفه الحاكم يجزئ (١). وكل ما أورده البخاري من آيات القرآن ومن الأحاديث في هذا الباب حجة لمن اقتصر على الحلف بالله ولم يزد عليه قال عثمان لابن عمر: يحلف بالله لقد بعته وما تعلم به داء (٢). وأجمعوا أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق أو العتاق أو الحج أو المصحف، كما حكاه ابن بطال (٣). وقوله: ("من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت") دالٌّ على المنع من الحلف بغير الله.

стр. 9829

ولا شك في انعقاد اليمين باسم الذات والصفات العليَّة، وألْحَقَ أحْمَدُ بالله رسوله (١). وفي غيرهما ممنوع، وهل هو منع تحريم أو تنزيه؟ ولا شك في التحريم فيما إذا حلف بالأنصاب والأزلام واللات والعزى، فإن قصد تعظيمها فكفر. وفيه أربعة أدلة على عدم الوتر: أحدها: أن سؤاله عن الإسلام يقتضي السؤال عما يجب عليه فقال: "خمس صلوات" ثانيها: أن الأعرابي أعاد السؤال بلفظٍ أعم من الأول فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: "لا" ولو كان واجبًا لذكره. ثالثها: إخباره بأن ما زاد على ذلك تطوع. رابعها: يمين الأعرابي، وقوله: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ". وقد تقدم.

стр. 9830

٢٧ - باب مَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ بَعْدَ اليَمِينِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ" [انظر: ٢٤٥٨] وَقَالَ طَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيْحٌ: البَيِّنَةُ العَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ اليَمِينِ الفَاجِرَةِ. ٢٦٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذْهَا". [انظر: ٢٤٥٨ - مسلم: ١٧١٣ - فتح: ٥/ ٢٨٨] ثم ساق حديث أم سلمة: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ .. " إلى آخرِه. الشرح: التعليق الأول هو حديث أم سلمة، الذي أسنده بعد، وقد سلف أيضًا في المظالم (١). وأثر شريح أنبأنا به غير واحد عن الفخر بن البخاري: أنا ابن طبرزد: أنا ابن الأنماطي: أنا الصريفيني عبد الله بن محمد، أنا ابن خبابة: أنا البغوي: أنا علي بن الجعد: أنا شريك، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، عن شريح قال: من ادعى قضائي فهو عليه حتى يأتي ببينة؛ الحق أحق من قضائي، الحق أحق من يمين فاجرة. وأنكر الإسماعيلي دخول حديث أم سلمة هنا. وبينه ابن المنير حيث قال: لم يجعل ﵇ اليمين الكاذبة مفيدة حلًّا ولا قطعًا بحق المحق، بل نهاه بعد يمينه عن القبض وساوى بين حالتيه بعد اليمين وقبلها في

стр. 9831

التحريم، فيؤذن ذلك ببقاء حق صاحب الحق على ما كان عليه، فإذا ظفر في حقه ببينة فهو باقٍ على القيام، ما لم يسقط أصل حقه من ذمته مقتطعة [باليمين] (١). وقد اختلف العلماء في هذِه المسألة: فذهب جمهورهم إلى أنه إذا استحلف المدعى عليه ثم أقام بينة قبلت بينته، وقضي له بها على ما ذكره البخاري عن شريح وطاوس والنخعي، وهو قول الثوري والكوفيين والليث والشافعي وأحمد وإسحاق (٢). وقال مالك في "المدونة": إن استحلفه ولا علم له بالبينة ثم علم بها قضي له بها، وإن استحلفه ورضي بيمينه تاركًا للبينة وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له إذا شهدت له، قاله مطرف وابن الماجشون (٣)، وقال ابن أبي ليلى: لا تقبل بينته بعد استحلاف المدعى عليه (٤). وبه قال أبو عبيد وأهل الظاهر، وذكر أبو عبيد في كتاب "القضاء" قول شريح السالف، ثم ذكر من طريق منقطعة عنه أنه أجاز الشهادة بعد الجحود، أو قال: بعد الشهود. قال عبد الرحمن: -يعني: ابن مهدي- فسره سفيان أنه الرجل يدعى عليه المال فيجحد ويحلف فيقيم الطالب البينة عليه بحقه، ثم يقيم المطلوب البينة بعد ذلك، يقتضي ذلك الحق منه، فأجاز شريح بينة المطلوب على الطالب. قال سفيان: وكان ابن أبي ليلى لا يجيز هذا ويرد الشهادة ويقول: قد أكذبهم حين أقاموا الشهادة بعد الجحود.

стр. 9832

قال أبو عبيد: وكان ابن عيينة يفسره على معنى الحديث الأول: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، وهو أشبه عندي بتأويل الحديث من القول الآخر. فإن كان كما قال ابن عيينة فإنه حكم قد اختلف فيه أهل الحجاز والعراق، فقال مالك وأهل المدينة: لا يقيمها إلا أن يعلمها ثم عَلَّمَها. وهو قول ابن أبي ليلى، فأما غيره من أهل العراق فيقبلون البينة، ويتبعون فيه قول شريح الذي ذكرناه، وحكي عن مالك أيضًا. وهذا قول عندي محمول على غير تأويله؛ لأن شريحًا لم يقل: أحق من اليمين فقط، إنما قيد الفاجرة خاصة، وليس في إقامة البينة بعد اليمين دليل فجورها؛ لأن الحق قد يكون للرجل على صاحبه بالبينة ثم يخرج إليه منه، وهم غيب عنه لا يشعرون بذلك، فيكونون إذا أقاموها قد شهدوا بحق فيكون المطلوب حالفًا على حق، وليس يعلم فجور اليمين إلا أن تقوم بينة على إقرار المطلوب بذلك الحق بعينه وإكذابه به تفسير بعد أن حلف بها، فالآن حين صح فجورها وجازت عليه الشهادة، وإياه أراد شريح فيما نرى بالمقالة السالفة، فالأمر عندي على هذا أنه لا بينة بعد اليمين ثم برهن له. ثم إنهم جعلوا إباء اليمين إقرارًا، ولم يجعلوا أداءها براءة، وما أعلم ذا القول إلا حجة لمن ذهب إلى أن النكول لا يثبت حقًّا، وهو قول شنيع وينبغي أن يخبره في ذلك بين الصبر إلى حضورها أو يحلفه حالًا ولا يقبلها بعد، فيكون هو المختار لنفسه. وأما الذي فسره ابن عيينة عن شريح، وخلاف ابن أبي ليلى إياه، فإنا نأخذ بهما معًا، وبه يأخذ أهل العراق.

стр. 9833

وروى ابن أبي ليلى عن الحكم، عن حنش أن عليًّا كان يرى الحلف مع البينة (١). قال البيهقي: وكذا رواه ابن أبي ليلى (٢). وقد روينا من وجه آخر عن حنش، عن علي أنه إنما رآه عند تعارض البينتين. وروى سعيد بن منصور، عن ابن سيرين وأبي مالك الأشجعي أن شريحًا استحلف بعد قيام البينة. وعن عبد الله بن عتبة مثل ذلك (٣). واحتج لابن أبي ليلى بأن الشارع لما حكم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر، كان المدعي لا يستحق المال بدعواه، والمنكر لا يبرأ من حق المدعي بجحوده، فإذا أقام المدعي البينة أخذ المال، وإذا حلف المدعى عليه برئ فلا سبيل إليه. واحتج الأولون بقوله ﷺ : "فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ من حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". فدل أن يمين المدعى عليه لا تسقط الحق، وقطعه لا يوجب له ملكه فهو كقاطع الطريق لا يملك ما قطعه؛ ألا ترى أنه ﵇ قد نهاه عن أخذه بقوله: "فَلَا يَأْخُذْه". وذكر ابن حبيب عن عمر أنه تخاصم إليه يهودي ورجل من المسلمين. فقال عمر: بينتك؟ فقال: ما يحضرني اليوم فأحلف عمر المدعى عليه، ثم أتى اليهودي بعد ذلك بالبينة فقضى له عمر ببينته وقال: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة (٤). وعن ابن الماجشون: القضاء بها وإن كان عالمًا بها على قول عمر.

стр. 9834

وقد اختلف عن مالك إذا أقام الطالب شاهدًا واحدا، وأبى أن يحلف معه فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهدا آخر، هل نضيفه إلى الشاهد الأول أم لا؟ ففي إضافته إلى الأول قولان عن مالك والمنع قول ابن القاسم (١). وقال ابن التين: قول طاوس ومن بعده يحتمل أن يكون ممن لم يعلم ببينته، وقد اختلف قول مالك إذا كان عالمًا بها قادرًا عليها، فحلفه، تم أراد إقامتها. وبالمنع قال ابن القاسم وصاحب "التلقين"، وبالجواز قال ابن وهب وأشهب. ومعنى: ألحن -في الحديث-: أفطن، واللحن محرك: الفطنة، يقال: لحن -بكسر الحاء- إذا فطن (٢). وقيل: أنطق، وبسكونها إزالة الإعراب عن جهته. وقوله: ("فإنما أقطع له قطعة من النار") دال أن حكم الحاكم لا يُحِلُّ حرامًا ولا يُحَرِّمُ حلالًا، كما سلف. وسواء فيه المال وغيره من الحقوق، وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك في الأموال، وقال أبو حنيفة: حكمه في الطلاق والنكاح والنسب يحتمل الأمور عما هي عليه في الباب بخلاف الأموال (٣). وفيه: أن القاضي يحكم بعلمه، وهو مذهب عبد الملك وسحنون (٤)، والشافعي يقول: يحكم به إلا في الحدود (٥).

стр. 9835

وقال أبو حنيفة: يحكم بعلمه فيما علمه بعد القضاء من حقوق الآدميين، ولا يحكم فيما علمه قبله (١). وقال مالك: لا يحكم بعلمه مطلقًا (٢). وتبويب البخاري بمن أقام البينة بعد اليمين، يدل أن هذا الحكم إنما يكون مع يمين المدعي، بإقامة البينة بعده يبطل الحكم الظاهر. قال ابن التين: وقد وقع لبعض أصحابنا مراعاة حكم الحاكم، فقال: لو أقر الولد بولد آخر فلم يدفع إليه شيئًا؛ حتى أقر بثانٍ لزمه للأول نصف ما بيده، وإن دفعه إليه بحكم لم يضمن الثاني شيئًا، ودفع إليه ثلث ما بيده وهو سدس الجميع. وإن دفع إليه بغير حكم غرم للثاني تمام حقه، وهو ثلث جميع المال، والمذهب أنه إن كان عالمًا بالباقي ضمن له ما أتلف عليه، وإلا لم يضمن له ودفع له ثلث ما بيده (٣). وقال أشهب: يضمن له، سواء علم أو لم يعلم، دفع بحكم أم لا.

стр. 9836

٢٨ - باب مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الوَعْدِ وَفَعَلَهُ الحَسَنُ، وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. وَقَضَى ابْنُ الأَشْوَعِ يعني: سعيد بن عمرو بن الأشوع- بالوَعد، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ. وَقَالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فقَالَ: "وَعَدَنِي فَوَفَى لِي". [انظر: ٣١١٠]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ. ٢٦٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: سَأَلْتُكَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ. قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِىٍّ. [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ١٥/ ٢٨٩] ٢٦٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخَلَفَ". [انظر: ٣٣ - مسلم: ٥٩ - فتح: ٥/ ٢٨٩] ٢٦٨٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ العَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَعَدَّ فِي يَدِي خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ. [انظر: ٢٢٩٦ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٥/ ٢٨٩]

стр. 9837

٢٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ العَرَبِ فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ. [فتح: ٥/ ٢٨٩] وهذا يأتي في الخمس، في فضل الأنصار مسندًا من حديث علي بن حسين عنه. ثم ذكر أحاديث سلفت: حديث هرقل والوفاء بالعهد. وحديث أبي هريرة: "آيَةُ المُنَافِقِ: وَإِذَا وَعَدَ أَخَلَفَ". وحديث جابر في وفاء الصديق عدة رسول الله ﷺ من مال البحرين. ثم ذكر فيه حديث سعيد بن جبير قال: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ على حَبْرِ العَرَب فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ. وقد أسلفنا الكلام في العدة في أثناء الهبة في باب: إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه. قال المهلب وغيره: إنجاز الوعد مندوب إليه مأمور به وليس بواجب فرضًا، والدليل على ذلك اتفاق الجميع على أن من وعد بشيء لم يضارب به مع الغرماء، ولا خلاف أن ذلك مستحسن، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده، وَوَفّى بنذره، وذلك من مكارم الأخلاق، ولما كان الشارع أولى الناس بها وأبدرهم إليها أدى ذلك عنه خليفته الصديق وقام فيه مقامه، ولم يسأل جابرًا البينة على ما ادعاه على رسول الله ﷺ من العدة؛ لأنه

стр. 9838

لم يكن شيئًا ادعاه جابر في ذمة رسول الله ﷺ ، وإنما ادعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. وفيه: جواز هبة المجهول، وهو مشهور مذهب مالك (١). وابن أشوع (خ. م. ت) هو سعيد بن عمرو بن أشوع -كما قدمناه- الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري علي العراق، وكانت ولايته سنة خمس ومائة إلى أن عزل عنها في سنة عشرين ومائة (٢). والحيرة في حديث سعيد بن جبير بكسر الحاء وسكون الياء. وحبر العرب هنا يريد به ابن عباس، وهو بالفتح، وهو ما اقتصر عليه ثعلب. وقيل: بالكسر، وأنكره أبو الهيثم. وقال القتبي: لست أدري لِمَ اختار أبو عبيد الكسر، قال: والقائل على أنه بالفتح قولهم: كعب الأحبار (٣). أي: عالم العلماء. واحتج بعضهم للكسر بأن جمعه أحبار على وزن أفعال إلا في أحرف معدودة ليس هذا منها، مثل نصر وأنصار وفرخ وأفراخ. قال صاحب "العين": وهو العالم من علماء الديانة، مسلمًا كان أو ذميًّا، بعد أن يكون كتابيًّا (٤). والجمع: أحبار. وذكر المطرز عن ثعلب أنه يقال للعالم بالوجهين، وقال المبرد في "اشتقاقه" عن (التوزي الفراء) (٥): لم سمي المداد حبرًا؟ قال: يقال

стр. 9839

للعالم: حبر بالفتح والكسر، وإنما أرادوا مداد حبر، فحذفوا مدادًا وجعلوا مكانه حبرًا، مثل ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ ووهاه الأصمعي، وإنما هو لتأثيره، وبه صرح في "الواعي". قال المبرد: وأنا أحسب أنه سمي؛ لأنه يحبر به الكتب أي: يحسن. واختلف فيمن سمى ابن عباس حبرًا، فذكر أبو نعيم الحافظ أنه انتهى يومًا إلى رسول الله ﷺ ، وعنده جبريل فقال: "إنَّهُ كائنٌ حبر هذه الأمّةِ، فاستَوْصِ بِهِ خَيْرًا" (١) وقال ابن دريد في "منثوره" أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أرسل ابن عباس رسولًا إلى جرجير ملك الغرب فتكلم معه فقال جرجير: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، فسمي عبد الله من يومئذٍ الحبر (٢). وقوله: (قضى أكثرهما وأطيبهما). قال ابن التين: هذا لا يكون إلا بوحي، وقد روي أنه ﵇ سأل جبريل فأعلمه أنه قضى أتمهما. فائدة: أسلفناها في أول الكتاب في الإيمان، ونعيدها هنا لبعده. المنافق هو الذي يضمر خلاف ما يعلن، ويظهر الإيمان ويضمر الكفر، مأخوذ من النافقاء إحدى جحري اليربوع (٣)، قيل: لها بابان، يسمى أحدهما القاصعاء والآخر النافقاء، فإذا أخذ عليه أحدهما خرج من الآخر، فإذا أخذ عليه الكفر خرج إلى الإيمان منه، وقيل: إنه يخرق في الأرض؛ حتى إذا كان يبلغ ظاهرها نفق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه، فخرج ظاهر جحره تراب كالأرض وباطنه حفر.

стр. 9840

وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فشبه بمن يدخل النفق وهو السرب يسير فيه، ذكر هذِه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. وقوله: "إذا وعد أخلف" يقال: وعد وعدًا وأخلف وعدنا خلافًا إذا لم يف.
следующие страницы →