← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإمَامْ أَبِو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن علي بن عُمر المِازري ٥٣٦ هـ - ١١٤١ م المُعْلم بفوائد مسلم الجُزء الأوّل تقديم وتحقيق فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر الطبعة الثانية التونسية للنشر تونس المؤسّسة الوطنية للكتاب الجزائر المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة

стр. 2

المازي (أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر) المعلم بفوائد مسلم أبو عبد الله محمد بن عمر المازري: تقديم وتحقيق محمد الشاذلي النيفر. -طـ ٢. -تونس: الدار التونسية للنشر؛ ١٩٨٧ (تونس: التونسية للطباعة وفنون الرسم). -٥٩٢ ص.؛ ٢٤ سم إ. ق. ٤٠٧/ ٨٧ جميع الحقوق محفوظة لدار التونسية للنشر ١٩٨٨

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ استهلال الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ما به صلاح العالمين، ويسرّ لنا سُبُل المعرفة، بما بيّنه مما هو لا يحتاج إلى صفة. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة: فإنه قد فرّج الله به كل أزمة، وعلى آله المكن لهم المودة، وأصحابه الأبرار الذين فرّج الله بهم كل شدة. هذا وإن إظهار "المعلم" ستكون له آثار في التشريع الفقهي لما له من نظرات تسمو به لأنه انبنى على إبداء أفكار اجتهادية صحيحة مبنية على الروح الإِسلامية المتماشية مع السهولة والآخذة بعين الاعتبار لكل ما يحفظ للإِنسان أن يكون في إطار من أحكم الإِطارات وفيه يتمتع المجتمع بنظام يكفل كل وسائل الإِصلاح. فـ"المعلم" في الحقيقة من هذه الناحية بهر الأنظار، واستوعب كثيرا من الأفكار، حتى أن ما كان له من إكمالات مثل إكمال القاضي عياض هي من نواح تتعلق بجوانب أخرى هي ثانوية عند الإِمام. أما الناحية الاجتهادية في التشريع المبنية على الاستخراج من الكنز الثمين

стр. 4

السنة النبوية التي هي المصدر المَعين الثريّ في الاستنتاج من بيان الأسوة الأولى الرسول الكريم ﷺ فقد صرف لها الإِمام المازري عناية بالغة لم تفتقر إلى تكميل أساسي بل إلى ما هو من الإِفاضة من نبعه ذاته. نال الحديث النبوي من الأصحاب الكرام اهتماما وتتبعا للدقيق والجيل، وهو مما امتاز به الإِسلام عن الديانات السماوية الأخرى إذ لم يحتفظ المتصلون بأصحاب الرسالات بالمحيطات النبوية حيث لم تتمكن رسالتهم حين الظهور ولم تتصل بالأنبياء المرسلين لأن رسالة موسى ﵇ عاشت في التيه، ورسالة المسيح ﵇ بلغت بوسائط. أما الإِسلام فإن الصحابة حافظوا على الأطوار النبوية كلّها المتعلقة بنزول التشريع فلذلك حافظ الإِسلام على التشريع الإلهى صافيا نقيّا لم تكدره الشوائب. فالأسوة النبوية لا توجد إلا في الإِسلام حيث تمتع الإِسلام بأنه الدين الوحيد الذي استطاع أن يظهر في مظهر دين ودولة، فما انتقل ﷺ إلا والإِسلام قائم الذات متمكن في الأرض. بينما موسى ﵇ لم يلق من بني إسرائيل الأكفاء الذين يضطلعون بالأسس الدولية حتى يقوموا بأعباء دين ودولة بينما الإِسلام قد تهيأت له الأسباب في الهجرة إذ توفرت الدواعي للاضطلاع بإبراز الدين في أكمل الصور وأتمها. فظهر الإِسلام بالمظهر الباهر الذي بوأ المسلمين مركز القيادة، وسهّل لهم أن يبلّغوا الرسالة مكتملة لأن تبقى خالدة في جدّة وحياة مستمرة. وهذا المعنى الكامن في السنة النبوية وهي الروح التشريعية التي امتاز بها الإِسلام ركز عليها الإِمام المازرى في "المعلم" لأن من سبقه من شرّاح الحديث يتعلق بالجانب اللفظي أكثر بما يتعلق بالمعاني السامية.

стр. 5

فلهذا سيكون "المعلم" إبداء لما اختصت به السنة من أنها مصدر فريد للاجتهاد الإِسلامي الصحيح مما يدعو الفكر إلى أن يعرف ما في الإِسلام من نظام كفيل بالحياة الاجتماعية من كل جوانبها مما يعزّ وجوده في غيره. وقد انصرف الجهد لأن يكون هذا التأليف في ثوب لائق به من حيث صحة النص، وتسهيل الوقوف على مسائله بإبرازها بصورة تتمثل فيها كل مسألة على حدة معرّفا بها مع ما يحتاجه تحقيق النصوص من عمل. ونرجو من الله أن يوفر مجهودنا المتطلباتِ بعون منه إن شاء تعالى. ونخص بالشكر الجزيل المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات "بيت الحكمة" في شخص رئيسها سعادة الأستاذ أحمد بن عبد السلام، وكافة أعضاده لتوليها طبع كتاب "المعلم". وإن الاطلاع على "المعلم" سيعزز شهرته التي أطبقت إفريقية والمغرب بقسميه الأوسط والأقصى، والأندلس، وحتى المشرق، ويتحقق ما يتمتع به هذا الفذ الشهير من أن إمامته إمامة حقة، وأن اختصاصه بها اختصاص عن جدارة وقيمة. وبذلك يصير يعيش ييننا كما عاش في عصره بالإفادة بآرائه، وتدقيقاته التي اجتذبت الأفكار إليه بحيث لا تبقى شهرته شهرة تاريخية غير معززة بآثاره، وإن كانت الكثرة من تحريراته نقلتها مصادر كثيرة من حديثية وفقهية، حتى أن كتاب "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب" لم يخل له جزء من أجزائه الاثني عشر من نقل عنه في عدة مناسبات، وكذلك غير "المعيار" من كتب المتقدمين. لكن تلك التحريرات منقوصة، ثم إنها مفرقة ومشتتة بخلاف ما دوّن من إملائه لهذا الكتاب فإن فيه علاوة على الأمانة في النقل جمع الكثير من اجتهاداته العزيزة النظير بل عديمة المثال. ويحق لتونس أن تكون فخورة بقيام المؤسسة الوطنية بأنها أصبحت تعيد

стр. 6

مجدها السالف في ظل حكومة فخامة الرئيس الجليل الحبيب بو رقيبة رئيس الجمهورية التونسية ومعالي الأستاذ وزير الشؤون الثقافية زكريا بن مصطفى. ونسأله تعالى أن نكون موفقين في إبراز هذا الأثر الجليل في ثوبه الذي قمنا به بقدر المستطاع وأن يجعل عملَنا مقبولا عنده مفيدا لأربابه، معينا لطلابه إنه ولي الإِعانة ﷻ . المحقق شكر واجب سهّل الله سبحانه إتمام الجزء الأول من المعلم طبعا والثاني قدم للمطبعة ليأخذ طريقه -إن شاء الله- إلى النشر، والثالث يتهيأ لأن يلتحق بالجزأين الأول والثاني وبه يتم الكتاب. وتقديرا للمجهودات التي بذلها بعض الإخوان في الله نشكر كل من قدّم إعانة في إبراز الجزء الأول وخاصة فضيلة الشيخ محمد البشير المجدوب في تصحيح الكتاب وكذلك السيد الفاضل يوسف الذوادي في التصحيح والمقابلة فجازهما الله خير الجزاء إنه ولي الإعانة. محمد الشاذلي النيفر

стр. 7

المازري عصره الدولة الصِّنهاجية بين التشيع والسنة (٣٦١ - ٥٤٣) وأكبت حياة المازري الدولة الصنهاجية في أعقاب أيامها، وقد عاشت هذه الدولة في التراب الإفريقي طيلة قرنين إلا قليلاً رأت فيهما العز الباذخ، والسلطان الواسع، كما رأت فيهما أخيرا ذهاب السلطان، وذبول النفوذ، ونزو المتطلعين إلى السلطان واستبدادهم على الدولة. والدولة الصّنهاجية ذات طابع خاص عاشته في حياتها حيث إنها تفرعت من غيرها وفي نفسها الأنفة من تلك التبعية لدولة غيرها تراها قامت على جهودها، ولكنها لما أعلنت بما هو في دخيلة نفوس رجالها لاقت عنتا من ذلك. فهي الدولة الأولى المناهضة للتبعية بعد ذهاب الفدرالية الإِسلامية في ظل الخلافة، فإن كل الدول كانت تعيش في ظل الخلافة وهي أشبه شيء بالأم الجامعة لكل بنيها، وكانت الدول المتفرعة من الخلافة تتمتع باستقلال محدود، ونفوذ في مناطقها، ولكنها تخضع في أصول الروابط إلى الخلافة. وحين ضعفت الخلافة وحتى قبل ضعفها استبدت عليها دول خرجت

стр. 8

عن نطاقها، وهي الدولة الأموية بالأندلس، والأدارسة بالمغرب الأقصى، والدولة الفاطمية بالمغرب ومصر وما دخل تحت نفوذها، وكانت الدولة الصنهاجية جناحا غربيا للدولة الفاطمية المرتكزة بمصر والتي كانت غير مقتنعة بملك مصر، وإنما كانت تطمع في الاستيلاء على العالم الإِسلامي كله وفي نشر مذهبها حتى يعتنقه المسلمون كلهم. ميل الأفارقة إلى السنة: سارت صنهاجة بالمصور بدون ردحا من الزمن تحت ظل الفواطم، وهم عاملون للتشيع إلا أن تمسك الشعب الإِفريقي بالسنة كان تمسكا شديداً، لم تبرد حدته ولم تفتر قوته، فقد كانت المقاومة السلبية للسنة تظهر في مقاطعة أهل القيروان حضور الجمعات التي يُلعن فيها أصحاب رسول الله ﷺ (١) فتعطلت الجمعة دهرا بالقيروان ثم جاءت المقاومة الثانية في تتبع الرافضة، واشتعلت الشرارات ضدهم فكانت حومة بالقيروان تعرف بدرب المعلى فيها قوم يتسترون بالمذهب المذكور، فانصرف إليها العامة وابتدأت المقاومة لهم في سنة (٤٠٧) (٢). ونشرح أسبابها البعيدة والقريبة لأنها مهدت لها عوامل متعددة منها ما هو من الفواطم أنفسهم، ومنها ما هو راجع إلى الصمود الإِفريقي. تستر الفاطميين: من أكبر أسباب اشتعال الفتنة مؤخراً ضد التشيع هو أن بعض رجال الدولة الفاطمية أعلنوا بمذهبهم خلاف المتقدمين منهم فقد كانوا يتسترون ولا يُظهرون مذهبهم كما هو، وإنما كانوا يظهرون بعض الشيء مخافة أن يطَّلع الناس على مذهبهم فيثوروا عليهم فلذلك كانوا في تستُّر.

стр. 9

ويرجع تستر الفاطميين إلى شدة شكيمة الأفارقة فإنهم لم يقبلوا بالسنَّة بدلاً كلّفهم ذلك ما كلّفهم، ومع أنهم لاقُوا شدة وبلاء كبيرا من الفاطميين لم تلن لهم قناة، ولا رجعوا عن السنة. ولم ينقلب على عقبيه إلا قليل القليل من الذين استهوتهم الأطماع، ومالوا إلى الرتب التي أسندتها إليهم الشيعة. ثم إن ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد لا تزال ماثلة أمام العيون، فهي ثورة من أكبر الثورات، وأشدها، وهي ثورة تغيير المواقف. ومما أعان على اشتعال هذه الثورة وانتشارها، والتهابها التهابا كادت الدولة تعجز عنه أن أبا يزيد مخلد بن كيداد عرف كيف يستغل الموقف، فهو وإن كان من النكّارين لكنه كان لا يظهر مذهبه، ويزعم أنه يدعو إلى الحق، فرجا الناس منه الخير، والقيام بالسنة حتى رأوه رجل الخلاص، فلذلك خرج معه الفقهاء والعبّاد، وزاد في الإِقبال عليه أنه أمر الناس بقراءة مذهب مالك فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي ﷺ ، وعلى أصحابه، وأزواجه (٣). وقابل الذي من أبي يزيد ما أظهره أبو القاسم القائم مما هو مخالف لكتاب الله تعالى واشتداده على من وقف في وجه دعوته من الأفارقة الشديدي الشكيمة. ومن هذين العاملين كان اشتداد أمر أبي يزيد حتى كادت ثورته تقضي على ملك المهدية لولا إعانة جاءت من بعيد وهي اليد التي قدمها زيري ابن مناد الصِّنهاجي إلى القائم فإنه حمل الميرة إليه وهو محصور بالمهدية من قبل أبي يزيد. وما همدت فتنة أبي يزيد إلا بعد أن ذاق الفواطم الأمرَّين، وعلموا أن

стр. 10

السنة لا تغالب، وأنهم إذا أظهروا ما ينطوون عليه لم يروا إلا الحسام فضلا عن الإِصاخة لهم. فكان الموقف بإفريقية موقف الشدة المتناهي، وهو ما جعل المعز يتخوف من الظهور بمذهبه الظهور الجليّ إلا أنه لما حل بمصر، وتمكن من ناصيتها، ورأى ضعف المقاومة هناك، وأنها ليست كالتي بإفريقية، فالصرامة التي ظهرت بإفريقية هي صرامة من نوع خاص من الذب عن السنة، تغير موقفه نوعا ما. إلا أن المعز لم يعلنها دعوة صريحة كما حكاه ابن الأثير صاحب الكامل: "وكان المعز عالماً فاضلاً، جواداً، شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة، وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره وأمر الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به" (٤). والظاهر أن إبداء الدعوة الصريحة إنما كان بعد فتح مصر، والتوثق منها، والوقوف على ضعف المقاومة من جندها، عكس ما كان عليه الأمر بإفريقية من سيَلان دماء، وإزهاق أرواح، ومجادلات عنيفة. ويؤيد ما ذهبت إليه أن شاعره ابن هاني (٥) لم يصرح في أمداحه بالغلو إلا بعد فتح مصر، وسيّر المعز إليها، فأنشده قصيدته التي كانت تمثل الغلو في شخص الأمير الفاطمي: [الكامل] مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الأقدَارُ ... فَاحْكُمْ فأنت الوَاحِدُ القَهَّارُ وَكَأنَّمَا أنتَ النَّبِيءُ مُحمّدٌ ... وَكأنَّمَا أنْصَارُك الأنْصَارُ

стр. 11

أنْتَ الذِي كانت تُبَشَّرُنَا بِهِ ... في كُتْبِهَا الأحْبَار والأخْبَارُ هَذَا إمَام المُتَّقِينَ وَمَنْ بِهِ ... قد دُوّخ الطُّغْيَان والكُفَّارُ هَذَا الَّذِي تُرْجَى النَّجَاة بِحُبِّه ... وبهِ يحط الإِصْر والأوْزَارُ هَذَا الَّذِي تُجْدِي شَفَاعَتُهُ غَدًا ... حَقًّا وَتَخْمَد أنْ تَرَاه النَّار إلى أن يقول له حين سيصير قطين مصر: أمُعِزَّ دِين الله إن زِمَامَنَا ... بك فيهِ بَأوٌ (٦) جَلَّ واسْتِكْبَارُ ها أنَّ مصر غَدَاةَ صِرْتَ قَطِينَهَا ... أَحْرَى لتحسُدهَا بكَ الأقْطَار (٧) موقف أهل السنة من إظهار الدعوة بجلاء: ولما تجلت الدعوة الفاطمية وأسفرت عن وجهها الحقيقي كانت بإفريقية مقاومة الفقهاء من المالكية الذين تصدَّوا لهذه الدعوة قد وقفت في وجهها، وهي مقاومة من نوع أجدى من حمل السيف وبذلك حالوا بينها وبين الشعب. فمن المقاومة الأولى حين تأسيس الدعوة ما قام به ابن خَيْرون، فإنه عُذب من أجل أنه سُعِيَ به لدى عبيد الله المهدي، فقتل رفسا بأرجل السودان. ولم يترك فقهاء القيروان أرضهم بل صمدوا عاملين للسنة بكل ما أوتوا من قوة وقد صرح بصبر أهل القيروان، وثباتهم ووقوفهم في وجه هذه الدعوة ابن ناجي في كتابه "معالم الإيمان". "وجزى الله مشيخة القيروان: هذا يموت، وهذا يُضرب، وهذا

стр. 12

يسجن، وهم صابرون لا يفرون، ولو فروا لكفرت العامة دفعة واحدة" (٨). ولما لم يفر أهل إفريقية ظهر رجال صرفوا جهودهم لإِقامة السنة سواء بالقيروان أو بغيرها مثل الشيخ ابن أبي زيد القيرواني الذي جاهد لإِحياء السنة بدروسه، وكتبه وماله؛ فالمذهب الشيعي ممدود الأطناب، وهو يؤلف وينشر فقه مالك، "فقد كان ذابّا عن مذهبه قائما بالحجة عليه، بصيرا بالرد على أهل الأهواء" (٩). وأعانه على قبول أقواله صلاحه وورعه وعفته، ومتانة دينه، فاستثاق الناس أقواله، وأخذوا بطريقته، لأنهم رأوها طريقة لا شائبة فيها، فقد اجتمع فيه العلم والورع، والفضل والعقل. ولإِجل المحافظة على مذهب مالك ألف رسالته الشهيرة وكان تأليفه لها بإشارة من المؤدب محرز بن خلف الصديقي (-٤١٣). ودفعه إلى تأليفها حرصه وحرص الشيخ محرز والرغبة منهما: "في تعليم الوُلدان أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وما تعمله الجوارح: كالصلاة، وجملا من أصول الفقه وفروعه على مذهب مالك ابن أنس رحمه الله تعالى، وعلى طريقته كما يعلمون حروف القرآن، ليسبق ذلك إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه وما تُرجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته" (١٠). وفعلا أجدت هذه الطريقة، فرسخت السنة في القلوب ولم تَجِدْ المذاهب الأخرى إلى إفريقية مدخلا.

стр. 13

بما قدمه قلت جهود في التأليف والتدريس، فقد كان ذابّا عن مذهب مالك لا بالتأليف فيه خاصة، بل بما كان يقوم به من رد المطاعن والدفاع عن المذهب المالكي، فقد ألف كتابا خاصا في هذه الناحية وهو: كتاب "الذب عن مذهب مالك" (١١). وأضاف إلى ذلك أنه قرر من ماله الخاص ما يستعين به الطلبة على مواصلة الدرس والتعلم بما يشبه اليوم المنح الطالبية فكان طلبته في بحبوحة من العيش الهنّي. كان ﵀ من الأجواد وأهل الإِيثار والصدقة كثير البذل للفقراء والغرباء، وطلبة العلم: وكان ينفق عليهم، ويكسوهم، ويزورهم. فقد ذُكر: أنه وصل يحيى بن عبد الله المغربي حين قدِم القيروان بمائة وخمسين دينارا ذهبا ولم تقف إعانته عند الطلبة فحسب، بل كان يعين أهل العلم حتى لا ينشغل بالُهم بغير نشر العلم الصحيح، وبثّ السنة فقد جهز ابنة الشيخ أبي الحسن القابسي بأربعمائة دينار ذهبا (١٢)، وقال: كنت أعددتها من حين إملاكها لئلا ينشغل قلب أبيها من قبلِها. وبعث إلى الفقيه أبي القاسم بن شبلون في مرضة مَرِضهَا بخمسين دينارا ذهبا (١٣).

стр. 14

وبعث إلى القاضي أبى محمد عبد الوهاب البغدادي بألف دينار عينا (١٤) لأن القاضي كان يعيش في بغداد في ضائقة. ويقابل امتزاج أهل السنة بإفريقية تعالِي الشيعة وتكالبهم على الأموال، فقد جاء في مناقب محْرَز بن خلف ما يأتي: "وحدثني (١٥) أيضاً أن رجلاً أتى إليه (أي محرز بن خلف) قبل قتل المشارقة فذكر للمؤدب أنه يريد أن يتزوج، وليس معه شيء. قال: فمازحه المؤدب وقال له: خذ الفَرْقَ (١٦). قال: على أي شيء وأنا رجل فقير؟ قال: خذ الفَرْقَ على قمح ابن العظيم، وكان ابن العظيم هذا رجلاً من أكابر المشارقة وأعظمهم في ذلك الوقت. فخرج الرجل من عنده، فقيل: افرق كما أمرك فإن الله تعالى اكرم من أن يكذب وليه. فأخذ الفرق على القمح وتزوج، فما كان إلا قليل حتى قتل الناس المشارقة، وفتحت مطامير ابن العظيم، وكان الرجل ينقل منها، ورد الفرق كما قال ﵁، وخزن عولته" (١٧).

стр. 15

إنما ذهب هذا الرجل المريد للتزوج إلى المؤدب محرز لأنه يعرف أنه الوحيد الذي يمده بما يستعين به على زواجه، والمؤدب ليس من الأثرياء بخلاف ابن العظيم فإنه كان من الأثرياء ومع ذلك لم يذهب إليه لأنه لا يعينه للتكالب على جمع المال. وزيادة على شحه كان يحتكر الطعام، ولو كان الناس في حاجة إليه، وربما لم يؤد زكاته. ولهذا تعلق الناس بابن أبي زيد وأمثاله لأنهم لمسوا فيهم أنهم ليسوا دعاة لجمع المال باسم الدين، وإنما هم دعاة مخلصون. وما حصل لهم حصل من أوجه حلال لم يكن ليخصوا به أنفسهم، بل كانوا ينفقون بسخاء على الطلبة المزاولين للتعليم كما أنهم لم ينسوا الفقراء، فوجدوا فيهم الإعانة الكافية. وكادت مواقف ابن أبي زيد تجلب له النقمة من رجال الدولة الصنهاجية المتغالين في الدعوة العبيدية، لولا تضامن مشيخة رجال القيروان. ذكر القاضى عياض في مداركه في ترجمة أبى محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبَّان (١٨): "أن عبد الله المعروف بالمحتال صاحب القيروان شدد في طلب أهل العلم ليشرقهم (١٩)، فطلب الشيخ أبا سعيد بن أخي هشام، وأبا محمد التبان، وأبا القاسم بن شَبْلُون، وأبا محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي ﵃، فاجتمعوا في مسجد ابن اللجّام، واتفقوا على الفرار، فقال لهم ابن التبان: أنا أمضي إليه وأكفيكم مؤونة الاجتماع، ويكون كل

стр. 16

واحد منكم في داره، أنا أمضي إليه أبيع روحي من الله دونكم لأنكم إن أتى عليكم وقع على الإِسلام وهن" (٢٠). فلما اجتمع بعبد الله المحتال عرف كيف يأخذ الرجل وكيف يستهويه أولاً، فإنه لما دخل عليه قال المحتال: أبطأت علينا، وكان عنده الداعيان أبو طالب وأبو عبد الله، فأجابه ابن التبان بأنه كان في شغل يتعلق به، وهو أنه ألّف كتابا في فضائل أهل البيت، والساعة التي جاءه فيها أتاه بالمجلد. ثم لما دخل معه في المناظرة أفحمهما، أي الداعيين، ودارت المناظرة بينهم أولاً في تفضيل أهل البيت، فكل ذكر أنه يحفظ حديثين ولحن حيث قال: أحفظ حديثان، فقال ابن التبان: أنا أحفظ تسعين حديثا. يدل بدؤه بهذين الأمرين أنه عرف كيف يأخذهما مع صاحب القيروان حيث إنه نفى عن نفسه وعن بقية أصحابه أنهم أعداء أهل البيت، ثم إنه أظهر للداعيين أنهما جاهلان لأنهما يحفظان حديثين وهو يحفظ تسعين فشتان ما بينهما، وبينه (٢١). ثم لما دخلا معه في المناظرة أفحمهما ودارت المناظرة بينهم أولاً في تفضيل عليّ على أبي بكر، فهما يريدان أن تكون الأفضلية لعليّ، وأهل السنة يفضّلون الشيخين وهما: أبو بكر وعمر، وقد أبكتهما بأن أبا بكر كان مع النبيء ﷺ في الغار، وثالثهما الله ﷻ ، استدلالا بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (٢٢) وأجاب بهذا حين قال له عبد الله: كيف يكون أبو بكر أفضل من خمسة،

стр. 17

وجبريل ﵇ سادسهم، فقال ابن التبان: أنا أستدل بالقرآن وأنت تستدلّ بأخبار الآحاد. ودارت ثانيا في تفضيل عائشة على فاطمة ﵄ فأبى أولاً الدخول في ذلك، فلما قيل له لا بد استَدَلَّ على تفضيل عائشة بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (٢٣)، وبعد اليأس منه بالنيل منه وغلبته في المناظرة قال أبو عبد الله أحد الداعيين: يا أبا محمد أنت شيخ المدنيين (٢٤)، وممن يوثق بك، ادخل العهد وخذ البيعة، فأجابه أبو محمد التبّان بقوله: شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه، ويرد على اثنتين وسبعين فرقة (٢٥) يقال له هذا، لو نُشِرتُ بين اثنين ما فارقت مذهب مالك. فلم يعارضه، وقال لمن حوله: امضوا معه (٢٦). وكان ابن التبان حين دخوله على صاحب القيروان أفاده أنه أضعف الجماعة إيمانا حيث بين له أن إيمان بقية المشيخة مثل الجبال. فلا تزعزع

стр. 18

إيمانهم الحوادث ولا يقف في وجههم شيء، وبذلك أيأسه من أن يطمع في إدخالهم في عهده، ولا أخذ البيعة منهم. فإذا كان الذي هو أضعفهم يقينا لو نُشِر بين اثنين ما فارق مذهب مالك ﵁ فكيف بعد هذا يطمع في مناداتهم وعرضه عليهم ما عرضه على ابن التبان. فهذا التضامن من مشيخة القيروان في رد اليد العادية أفسح المجال لابن أبى زيد وأضرابه في إقامة الحق، وتثبيت ما غرس من مذهب مالك. وكانت وفاة ابن أبي زيد صاحب الأيادي البيضاء على السنة وبالأخص مذهب مالك سنة (٣٨٦). ولولا أنه توفي قبل الثورة العارمة من أهل القيروان لناله من القتل والتعذيب ما نال غيره من الذين ساروا على غراره وتمسكوا بالمالكية ضد العُبَيْدية. دور المقاومة: إن الجو الذي خلَّفه ابن الحداد وابن أبي زيد والقابسي وأضرابهم جعل الشعب يذهب إلى تلك الثورة لأنه كان على السنة والفواطم أبدوا وجههم الحقيقي في الدعوة العُبَيْدية فانطلقت الشرارة الأولى في تلك السنة (٤٠٧). وصنهاجة في تلك الفترة كانت بين عاملين عامل الولاء للدولة الأم، وهي الدولة الفاطمية، وعامل الخوف من الشعب الذي كان في غليان ضد العبيديين، ولهذا كانت صنهاجة أمام عاملين: عالم إرضاء العبيديين في مصر الذين لا يتهاونون بدعوتهم لأنها أساس ملكهم، وعامل إرضاء الشعب الإفريقي المتحمّس للسنة أشد التحمس. فلهذا لما انتفضت إفريقية انتفضت كلّها على العبيديين بسبب إعلان الحاكم عن مذهبه الذي تغالى فيه أشد التغالي فإن من كان قبله من الأمراء

стр. 19

العبيديين كالمعز لدين الله (٣٤١ - ٣٦٥) والعزيز لدين الله أبي منصور نزار (٣٦٥ - ٣٨٦) كان فيهم تستر فلذلك كان الأفارقة مكتفين بالمقاومة السلبية لكن لما تولى الحاكم تغالى في كل أموره ومنها إظهار مذهب أهل بيته حتى أنه ادعى أنه روح الله بإخباره بالمغيبات، وكان ذلك بواسطة جواسيس بثّهم في البلاد ينقلون إليه الأخبار فيزفها للناس في قالب مغيبات فلذلك كان موقف صنهاجة متحرجا. وكان امتداد مدة ملك الحاكم أكثر من عشرين سنة (٣٨٨ - ٤١١) وشره مستطير، وتظاهراته بمخالفة الدّين بينة واضحة، فدعا ذلك الأفارقة أن يقوموا بثورتهم على المتمذهبين بمذهب العبيديين، وعمت الانتفاضة المدن الإِفريقية. وفي طليعة المدن الناقمة القيروان، وكان رأسَ علمائها أبو علي حسن ابن خلدون البلوي الذي كان شديدا على البدع والروافض، مغريا بهم، وكانت العامة تتبعه، ويستند منه أهل السنة إلى ملجأ ووَزَر. وضايق ذلك الرافضة فلهجوا بعدائه من قبل الشيعة: كأنَّمَا ذِكْر الهوى عنده ... ذكرى ابن خلدون لدى الشيعة (٢٧) فلما انتفضت القيروان أتى عامل القيروان ومعه جماعة إلى مسجد أبى علي يوم الخميس الثاني عشر من شوال من السنة نفسها سنة (٤٠٧) بعد صلاة العصر، وهو جالس، وعنده جماعة فاندفع رجال الوالي إلى أبي محمد ابن العرب فقتلوه، وهم يظنونه أبا علية، لأن هذا الأخير كان سِناطا (٢٨)،

стр. 20

فلم يظنوه صاحب المجلس. وبعد قتلهم للمذكرر خرجوا، فلما عرفوا أنه ليس أبا علي رجعوا وتعاوروه بسكاكينهم وجرحوا جماعة ممن في المسجد، فحمل أبو علي إلى داره وبه حشاشة فتوفي في ليلته. وارتجت المدينة، وثارت الصيحة من نواحي القيروان، واشتغل الناس عن أبي علي بسبب النهب، واحتراق الأسواق، والاستيلاء على أموال التجار. وبسبب هذا الهيعة أراد العامل بالقيروان إرضاء الناس فجاء برجلين وقال: إنهما القاتلان لأبي علي فقتلهما. وفي مقتله يقول ابن الوارق: مُضَرَّجٌ بِدَمِ الإِسْلَامِ مُهْجَتُه ... مِنْ بَيْنِ أحْشَاءِ دينِ الله تُنْتَزَعُ (٢٩) إن الصناهجة أرادوا القضاء على الانتفاضة ولكن لما غلبهم الأمر أظهروا أن مقتل أبي علي ابن خلدون ليس من الحكومة وإنما هو افتيات من ذينك الرجلين المقتولين ظاهرا بدمه، والله أعلم هل هناك سبب موجب للقتل غير قتل ابن خلدون أو ليس هناك سبب حقيقي، والمقطوع به أنهما بريئان من دم أبي علي ابن خلدون. جنوح صنهاجة إلى السنَّة: وبهذا ندرك أن الدولة الصنهاجية أصبحت عاجزة عن تلافي الأمر وليس سبب الانتفاضة قاصرا على روح العامة، بل من رجال السلطة من كان يثير العامة فإن الانتفاضة المذكورة كان العامل بالقيروان الذي قامت في أيامه تلك الانتفاضة وهو منصور ابن رشيق يمشي كأنه يسكّن الناس، وهو يشير إلى العامة بالزيادة فلم يقدر السلطان على ضبط الأمور فولى عاملا آخر فتعذر

стр. 21

سدّ الأمر واتسع الخرق، فكان شفاء الغليل مقتل أبي علي ابن خلدون الذي طمت الانتفاضة بسبب مقتله. استضعاف المُعِزّ: وكان حدوث كل هذا لما توفي باديس والد المعز الصنهاجي، وكان ذلك يوم الجمعة منتصف المحرم (٤٠٧) حين قدم المعز إلى القيروان (٣٠). وبهذا قابل أهل القيروان المعز بن باديس لما حلّ بها ولعل ذلك لأنهم استصغروا سنَّهُ لأنه لما وُلّي كان له من العمر ثمان سنين والمتصرفة السيدة أم ملال أخت باديس فاغتنم أهل القيروان هذه الفرصة لإِعلان غضبهم. وقد كان السرور عظيما بهذه الغضبة وارتاحت النفوس كلها لها لما اطلعوا على الكتب التي ظهرت بعد الانتفاضة، وفيها من التعطيل للشريعة وإباحة المحارم الشيء الكثير حيث علموا أنها لم تكن من العامة غير مبنية على أمر أساسي يدعو إلى مثل تلك القساوة. ولو لم يطلع المتزنون على تلك الكتب لكان لهم موقف آخر في ردع العامة ومساندة رجال المعز في إطفاء نار هذه الغضبة، لكن لما وقفوا على تلك الكتب انسرت النفوس، وعلموا أنها وإن اندفعت في أول الأمر حسب إشاعات، لكنها تحققت بعد ذلك، وتبين الصبح لذي عينين، وأن هناك تعطيلا للإِسلام. أسباب الإِعلان بالسنة: لا يتردد المطلع الباحث أن هذا الغضب الذي قابل به أهل القيروان المعز ابن بديس لما حل بين أظهرهم، وهو صغير السن، من الأسباب الأولى التي جعلت المعز الصنهاجي يتفكر في التخلص من الفاطميين أولاً من التبعية وهو

стр. 22

شيء وقَرَ في نفوس صنهاجة منذ القدم. وشيء كان يجول في خاطر المعز الفاطمي ولهذا أخر رحيله إلى القاهرة المعزية التي أسسها باسمه جوهر القائد فإنه قد وقع فتح مصر (٣١) إذ سلمت الإِسكندرية سنة (٣٥٨) ولم يرحل إليها. وقد بنى القاهرة والجامع الأزهر جوهر القائد في سنة (٣٥٩). وكذلك بنى القصرين استعدادا لتلقيه، وهو مع ذلك لا يزال مقيما بإفريقية ولم يبارح المنصورية إلا في سنة (٣٦١). ولم يقم ثلاث سنين وثلاثة أشهر بإفريقية بعد فتح مصر إلا لأمر هام، وهو ما لم يتفطن له أكثرية المؤرخين، ورأى بعضهم من الكتّاب المتأخرين أنه إنما قدم إلى مصر بسبب ثورة القرامطة. هذا ما رآه هذا الكاتب، وما رآه بعيد جداً عن التحقيق لأنه يستفاد منه أن المعز لم تكن له نية الانتقال إلى القاهرة، فيقال: لماذا أسسها جوهر القائد، ثم إنَّ القرامطة ما كانوا بدرجة مخوفة حتى يذهب إليهم المعز الفاطمي بنفسه، ثم إنه لما انتقل إلى الشرق لم يخرج إليهم بنفسه، وإنما قاتلهم قرب القاهرة، وكفاه هزيمتهم أنه استمالهم بالمال. فالسبب غير الخوف من القرامطة فإن المعز لا يعجزه أمرهم، ولهذا بقيتُ باحثا عن السبب المؤثر لهذا التأخير حتى ظفرت به في الكامل لابن الأثير حين ذكر نجر يوسف بلكين بن زيري بن مناد، فبعد أن تحدث على جده مناد الذي كان كبيرا في قومه، وكذلك ابنه زيري فإنه أبلى النبلاء الحسن مما جعل القائم الفاطمي وابنه المنصور يعتمدان عليه، ومن أكبر ما أسداه زيري للدولة الفاطمية أنه أسس مدينة أشير، فإنه جعل صنهاجة قومه بين زناتة المفسدة في البلاد، وبين البلاد الآمنة. ولذلك كف شغب زناتة على الدولة الفاطمية، تحدث على بلكّين بن زيري وكيف كان المعز الفاطمي غير واثق به ومطمئن إليه غاية الاطمئنان.

стр. 23

وهذا ما أبداه ابن الأثير في الذي وقر في نفوس صنهاجة منذ التحامهم بالفاطميين فذكر: "أن بلكَّين بن زيري قصد محمد بن حسين الزناتي، وقد خرج عن طاعة المعز، وكثر جمعه وعظم شأنه فظفر به يوسف بلكين، وأكثر القتل في أصحابه، فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد أن يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته وكثره أتباعه، وكان يخاف أن يتغلب على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر فلما استحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبه على البلاد" (٣٢). وكرر ابن الأثير هذا بعد ذلك: "ثم إن يوسف بلكين جمع فأكثر وقصد زناتة وأكثر القتل فيهم وسبى نساءهم وغنم أولادهم، وأمر أن تجعل القدور على رؤوس قتلاهم، ويطبخ فيها، ولما سمع المعز بذلك سره أيضاً وزاد في إقطاع بلكين المسيلة وأعمالها" (٣٣). فالانتفاضة بعثت في نفس المعز الصنهاجي ما دار في خلد أجداده منذ القدم وهو الأنفة من التبعية للفاطميين وكأنهم يرونهم غير أهل للخلافة لقيام الدولة العباسية التي تمثلت فيها الخلافة منذ انقراض الدولة الأموية. وكما جعل غضب الأفارقة المعز الضنهاجي يفكر في التخلص من التبعية أولاً جعله كذلك ثانياً يرمي إلى محو دعوتهم من الديار الإِفريقية. لأنه رأى أن الفاطميين منذ تأسست دولتهم وهم في صراع مع علماء إفريقية وعامة رجالها، فقد تذرعوا بكل الوسائل حتى تتمكن دعوتهم من النفوس فتنوعوا في وسائلهم بين ترغيب وترهيب، وإقناع، فقامت المناظرات بين رجالهم الداعين لمذهبهم، وبين علماء السنة، فما أجدى شيء من ذلك. ويدل على قلة الداخلين في دعوتهم أن الانتفاضات النابعة في المدن

стр. 24

الإفريقية لم تجد عددا وافرا من المتمذهبين بالمذهب المذكور بل وجدت أقلية ضئيلة لا يعبأ بها ولا يحسب لها حساب فبمجرد ما نبذهم القوم، وقاموا في وجوههم تحصنوا فكانوا في متناول الأيد لقتلهم. وتحدثنا المصادر الصحيحة أن الدرب الذي لهم بالقيروان كان معروفا بأن أهله يتسترون بمذهب الشيعة من شرار الأمة، فانصرفت العامة إليهم من فورهم فقتلوا منهم خلقا رجالاً ونساءً، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة وانتهبت دورهم وأموالهم. وكان الأمر كذلك بالمهدية حين انتهى إليهم ما حدث بالقيروان حتى أن من لجأ إلى الجامع بالمهدية لم يسلم، فقتل من اجتمعوا به عن آخرهم. وكان عددهم بالمنصورية لما رجعت إليهم العامة ألفا وخمسمائة حوصروا حتى قتل أكثرهم (٣٤). يتضح مما ذكرته المصادر المعتمدة التي نقل عنها المراكشي في "المغرب" فهو خلاصتها: أن المتمذهبين ليسوا بكثرة إذ لو كانوا كذلك لقامت حرب داخلية إذ بمجرد ما امتدت إليهم أيدي العامة انقرضوا عن آخرهم أو كانوا كالمنقرضين. فكون الأمة لم تكن في صف المذهب الفاطمي أدى بالمعز الصنهاجي أن يعلنها قطيعة صريحة مع الفواطم بمصر، وكان إعلانه لذلك سنة (٤٤٠) وإن كان قبل ذلك يتودّد إلى العامة بالظهور بمذهب أهل السنة، فقد كان يلعن الرافضة، وكبا به فرسه ذات مرة فنادى مستغيثا باسم أبي بكر وعمر مما أدى إلى زيادة ثورة العامة على الشيعة (٣٥).

стр. 25

والبحث يؤكد لنا أن المعز الصنهاجي لم يكن تظاهره بالسنة سببا لانتفاضة القيروان. ويؤيد هذا: أولاً: ما في المغرب لأنه لا يمكن أن يكون سنة (٤٠٧)، وهو ابن سبع سنين يتعلق بمذهب أهل السنة ويستغيث بأبي بكر وعمر، وإنما الحامل له على تعلقه بالسنة، وإعلانه الانتماء إلى الدولة العباسية هو أنه رأى أن ملكه لا يقوم إلا إذا عدل عن مذهب الفواطم، وأخذ بالسنة مذهب مالك، وقد افتتح ملكه على ظهور تمكن السنة ولا يمكن أن يكون حبه للسنة وإعلانه رفض الدعوة الفاطمية يرجع إلى خصوص تأثير أبى الحسن بن أبي الرجال كما ذكر. ثانياً: ما تظافر عليه من الأسباب، وأقواها كما أراه هو أن إفريقية لم تلتفت إلى مذهب الفاطميين وتمسكت بمذهب مالك الذي عمل رجاله بإخلاص وصدق على تمتينه والأمة على رأيهم، فبذلك انقرض هذا المذهب الانقراض الرسمي وإلا فهو في نفس الأمر والواقع قد انقرض منذ زمان بعيد، بل إنه له يتمكن من هذه الديار، ولم يحلّ في العقول، وإنما كان مذهب الخاصة من أصحاب الأطماع الذين اندمجوا فيه استدرارا لما يجدونه من منافع خاصة (٣٦). وهذا ما جعل المازري يكون من أشد الناس تمسكا بالسنة، ومن زمرة الأشعرية المتمسكين بأشعريتهم وكذلك بالمالكية. اضطراب الحياة في عصره: نبغ المازري بإفريقية في عصر كانت فيه الفتن قائمة على قدم وساق، وقد لاقى الناس عن ذلك الأمرَّين، فهناك فتنة سياسية حيث انقسمت أولاً

стр. 26

دولة صنهاجة على نفسها فقد افترق ملكها إلى دولتين (٣٧): دولة منصور ابن بلكين، أصحاب القيروان، ودولة حماد بن بلكين أصحاب القلعة، وهناك غيرهما. والفتنة السياسية أول وهن في الدولة الصنهاجية التي عاش في أيامها المازري وليس هناك افتراق إلى دولتين فحسب، بل وراء ذلك ما وراءه حيث إن كل شق من الدولتين إذا أحس من نفسه القوة أراد التغلب على الشق الآخر. فالمعز بن باديس الصنهاجي لما أحس من نفسه القوة بعد الاقتسام نهض إلى حماد، وذلك سنة ٤٣٢، ولكنه خاب في حملته فلم يعاود الفتنة. ومن آخر الفتن بين الشقين أن يحيى بن العزنى صاحب بجاية أرسل بأسطول لحصار المهدية وأرفق تلك الحملة البحرية بحملة بريّة لامتلاك المهدية فاستعان الحسن بأسطول رُجار صاحب صقلية فكان ذلك من أسباب سقوط هذه المدينة. ثم افترقت دولة صنهاجة بالقيروان على نفسها فكانت المدن الساحلية تستقل تارة عن العاصمة المهدية وترجع أخرى رجوعا ظاهريا تحت ضغط القوة، فكان بنو خرسان بتونس، وكان بنو جامع بقابس، وكان رافع بطرابلس، وحمّو البرغواطي بصافقس، واستقلت بنزرت وطبربة وغير ذلك من الحصون. فالتفكك قد عمّ أطراف الدولة الصنهاجية وفي هذه الفترة التي تفككت فيها البلاد عاش المازري ورأى أثرها في أمته التي أصبحت فريسة سائغة للمتغلبين من النرمان الذين تغلبوا على صقلية وداسوا بأقدامهم ترابها حتى خرجت من الإِسلام. وبجانب هذا الانقسام السياسي كان هناك انقسام آخر

стр. 27

في العقيدة أحدثه الشيعة المتغلبون على البلاد الذين حاربوا السنة حربا شعواء في مذهب مالك الذي تقلده عامة أهل المغرب إلى أن رفع ذلك الكابوس المعز بن باديس الصنهاجي الذي قال في حقه ابن خلدون: وكان المعز منحرفا عن مذاهب الرافضة (٣٨) كما تقدم. وأحفظ ذلك نفوس رجال الدولة العلوية فانتقموا منه بإرسال طوائف العرب من هلال الذين كانوا مع القرامطة فنزل هؤلاء على البلاد نزول الصاعقة وقضَوْا على حضارتها وما شيدته الدول القائمة بإفريقية. وكان ذلك السبب الأكبر في انتزاء الولاة على ما في حوزتهم أو المتغلبين على ما استطاعوا التغلب عليه. وفي هذا الجو القائم على الانقسام عاش المازري ورأى أن البلاد المنسوب إليها قد اختفت منها راية الإِسلام والبلاد التي يعيش فيها قريبة من ذلك، كما رأى احتلال نصارى جنوة للمهدية سنة ثمانين بعد الأربعمائة (٤٨٠) ولم يخرجوا منها إلا بعد أن بذل لهم تميم مائة ألف دينار ومع ذلك يقلعون بما حصل في أيديهم من المسلمين ونسائهم وأبنائهم (٣٩). وسبب هذا الضعف والجبن والركون إلى المذلة هو أن أهل إفريقية مالوا إلى الدعة وركنوا إلى ملاذ العيش وملاهي الحياة، ففقدوا المعرفة بفنون الحرب وهابوا الموت. وفي ذلك يقول أبو الحسن محمد بن الحداد من قصيد له: غَزَا حمَانَا العَدُوُّ في عَدِدٍ ... هُمُ الدُّبَى كَثْرةً أوِ النَّغَفُ (٤٠) عِشْرُونَ ألْفًا وَنصفُهَا ائتَلَفوا ... مِنْ كُلّ أوْبِ لَبِئْسَمَا ائتَلَفُوا

стр. 28

جَاءُوا عَلَى غِرَّةٍ إلَى نَفَرٍ ... قَدْ جَهِلُوا فِي الحَرْبِ مَا عَرفُوا وَهُمْ مِنَ العَيْشِ فِى بُلَهْنِيَةٍ ... وَلَيْسَ لِلدَّهْرِ أعين طرف وقعت هذه الواقعة وعمرُ المازرى سبع وعشرون سنة، فهو قد اكتمل شبابه وأدرك الحقائق وعرف الوضع وأدرك غاية الإِدراك ما يحف بقومه من مخاطر. وهذا الوضع الذي عاشه المازري يفتح أمامنا الكثير من غامض حياته حتى ندرك الشيء الكثير من أسرارها وما خفي على الكثير من المؤرخين الذين تعجبوا من بعض جوانب حياته، وإنما تعجبوا لأنهم لم يتصوروا الوضع الذي كان فيه المازري وما هو الموقف الذي يجب أن يقفه علمه في هذه الحياة المضطربة كما يتضح ذلك بعدُ إن شاء الله.

стр. 29

حياته عاش المازري محمد بن علي بن عمر التميمي عمراً مديدا فقد تجاوز الثمانين بثلاث سنين. ولم تذكر المصادر المترجمة له ولادته وإنما اكتفت بذكر عمره. وبالنسبة لذلك مع وفاته نجد أنه ولد سنة (٤٥٣) وقد ذكر عمره ابن خلكان في "وفياته" (١)، والذهبى، وابن فرحون في "الديباج". لكن نجد الأستاذ المرحوم حسن حسني عبد الوهاب يذكر أنه ولد سنة (٤٤٣). ولم أظفر إلى اليوم بمستند يدعم ما جاء به إذ لم يذكر أحد أنه عاش نيفا وتسعين حتى أن ما خالف فيه ابن القنفد غيره من أنه قارب التسعين، أي أنه توفي في حدود سبع أو ثمان وثمانين لا يوافق ما ذكره الأستاذ عبد الوهاب. فالمصادر كلها مطبقة على أنه لم يبلغ التسعين فضلا عن تجاوزها ولهذا لا يصح أنه ولد سنة ٤٤٣. أما وفاته فهي محل اتفاق من أنها سنة (٥٣٦) في الثامن عشر من ربيع

стр. 30

الأول سنة ست وثلاثين وخمسمائة وقيل توفي في ثاني الشهر المذكور بالمهدية، ودفن بالمنستير (٢). بقي هل هو من مواليد إفريقية أو من مواليد مازر فالذي يفيده كلام ابن فرحون أنه ليس من مواليد المهدية، إذ يقول نزل المهدية من بلاد إفريقية أصله من مازر مدينة في جزيرة صقلية، وإليها نسب جماعة منهم عبد الله (٣). ويؤيد ما ذهب إليه ابن فرحون ما ذكره القاضي عياض في "الغنية" من أنه استوطن المهدية، وجاء في ترجمة ابن صاف من الذيل والتكملة السفر السادس (ص ٢٩١): وأجازه من المهدية نزيلها أبو عبد الله المازري. لكن وإن لم يكن من مواليد إفريقية فهو من الدارسين بها لأن شيوخه الذين تلقى عنهم هم من إفريقية كاللخمي، وابن الصائغ، وإذ ذاك صقلية تلفظ أنفاسها، فهي خالية من العلماء. ولا يبعد أنه خرج من صقلية أثناء الفتنة التي أدت بهذه الجزيرة إلى امتلاك النرمان لها وكان امتلاكهم لها تماما سنة (٤٦٤) حين خرج منها ابن الحواس بأهله صلحا قاله ابن خلدون.

стр. 31

"وتملّكا رُجار كلها وانقطعت كلمة الإِسلام منها ودولة الكلبيين" (٤). ولا يمكن أن يكون من مواليد المهدية لما ذكر عن ابن فرحون وعياض وغيرهما. ثم إنه ليس هناك ما يدل على أنه من مواليد إفريقية بل الذي يدل عليه كلام ابن فرحون وعياض وغيرهما أنه من مواليد مازر حيث قال: أصله من مازر ولو كان أبوه هو المهاجر لقال أصل أبيه من مازر. وكذلك لم يقل القاضى عياض وأستوطن أبوه المهدية، وهو أعرف الناس به للمعاصرة. تخريجه: تخرج المازري بعلم من أعلام الفقه، وهو أبو الحسن علي بن محمد اللخمي دفين صفاقس المتوفي سنة (٤٧٨) حسبما في "شجرة النور الزكية" وهو صاحب "التبصرة". وقد اشتهر بكثرة الاختيار فأكثر الأقوال في المذهب المالكي حتى قال بعض المتقدمين: لَقَدْ هَتَكَتْ قَلْبِي سِهَامٌ جُفُونُهَا ... كَما هَتَكَ اللَّخْمِي مذْهَبَ مَالِكِ (٥) ولهذا بدأ به خليل حين ذكر الأربعة الذين خصهم بالتعييبن لكثرة تصرفهم بالاختيار فقال: "ومشيرا بالاختيار للخمي إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وإن كان بصيغة الاسم فذلك لاختياره من الخلاف". قال الحطاب: وإنما بدأ باللخمي لأنه أجرؤهم ولذا خصه بمادة الاختيار. و"تبصرته" حاذى بها "المدونة" وهو كتاب حسن مفيد وليس تعليقا على "المدونة". وهذه المحاذاة في التراجم والمعاني، والمازري من أشهر تلاميذه، ولذلك كل عن ترجم للخمي وذكر تلاميذه يصدّر بالمازري.

стр. 32

قال الحطاب: وتفقه به جماعة منهم أبو عبد الله المازري (٦) وكذا في "ديباج" ابن فرحون. وكما تخرج باللخمي تخرج بابن الصائغ وهو أبو محمد عبد الحميد القيرواني السوسي القويّ العارضة نزيل سوسة والمتوفي بها سنة (٤٨٦). له "تعليق" على "المدونة" أكمل به الكتب التي بقيت على التونسي، وقد جرت له محنة مع تميم بن المعز. وفي ابن فرحون: وبه تفقه المازري، وأصحاب ابن الصائغ، يفضلون ابن الصائغ على اللخمي. وكان المازري يعتمد آراء شيخه هذا في كتبه كما جاء في "شرح التلقين لكتاب الاستحقاق": "وكان شيخنا أبو محمد عبد الحميد يرى أن هذه المسائل يتعذر فرق واضح بين بعضها من بعض والخلاف يحسن أن يجري في جميعها". وذكر المازري ذلك حين تكلم على مسألة أن الحاكم هاهنا بما ظاهره الصواب والحق، فهل يغلب حكم الظاهر على حكم الباطن فتنفذ الأحكام، أو يغلب حكم الباطن على حكم الظاهر فترد الأحكام. وقال: هذه النكتة المتقدمة تجري في فروع كثيرة ثم أتى برأي شيخه أبي محمد عبد الحميد ابن الصائغ. ولم يذكر كل من ترجم له من الشيوخ غير هذين غير أني رأيت في ترجمة له على بعض الأجزاء من "شرحه للتلقين" في المدينة المنورة ذكر السيوري لكن أشك في ذلك لأنه توفي سنة (٤٦٠). فعمر المازري سبع سنين وهي سن لا تقتضي أن يأخذ عنه. ثم إن المترجمين للسيوري لم يذكروا

стр. 33

أن من تلاميذه المازري فلو كان من تلاميذه لذكروه لأنه من الشهرة بمكان. فهذا ابن ناجي ترجم للسيوري ترجمة مطولة وذكر جملة من تلاميذه ولم يذكر المازري (٧). وإنما وقع الاقتصار على اللَّخمي وابن الصائغ من شيوخه لأنهما من أبرز شيوخه فلا بد أن له آخرين وإنما اقتصر على هذين فحسب لمكانتهما كما قدمنا. وهذه المدرسة المتمثلة في اللخمي وابن الصائغ كان لها تأثير محدود على المازري وهي بالنظر إلى آثارها مدرسة فقهية صرفة والمازري المتخرج عليهما لم يقتصر على الفقه كاقتصارهما عليه في التأليف بل أضاف إلى الفقه غيره مما جعله يمتاز عنهما امتيازا أدى بعلم الفقه المالكي أن كان المازري منسوبا إليه القول فيه. قال خليل: "ومشيرا بالقول للمازري كذلك"، أي يشير بصيغة الفعل فقال: لما رجحه المازري واختاره من رأيه. وإن كان قوله مختارا من أقوال أهل المذهب فيشير له بصيغة الاسم نحو القول. قال ابن غازي في "شفاء الغليل": وخص المازرى بالقول لأنه لما قويت عارضته في العلوم وتصرف فيها تصرف المجتهد وكان صاحب قول يعتمد عليه: إذا قَالَت حَذَام فَصَدِّقُوهَا ... فَإنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَام (٨) تأثره بالقاضي عبد الوهاب: اجتمع للقاضي عبد الوهاب أمران: التمكن من الفقه المالكي تمكّنا عديم

стр. 34

النظير مع سعة التفكير، وانضاف إلى ذلك سيلان قلمه في تحاريره فبلغ رتبة ممتازة. والقاضي عبد الوهاب هو أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (٤٢٢هـ)، وكان أبو بكر الباقلاني يعجب به لذبّه عن المذهب المالكى لقوة عارضته وتمكنه. وادى هذا الذي اجتمع للقاضي عبد الوهاب بالمازري أن يصرف عنايته الفائقة لكتابه "التلقين" لأن يشرحه شرحاً ممتازاً يظهر فيه تأثره به في الغوص الفقهي وسعة التحليل في إبداء النظر الثاقب في التحريرات الفقهية، والتدقيقات العلمية. مدرسته: تتنوع مدرسة المازري الفقهية إلى ثلاثة أصول هى: تلاميذه، وكتبه التي تعنى بالفقه، وفتاويه. أما تلاميذه، فكثرة والمعروف منهم بأكثرية هم من الوافدين على إفريقيه إذ أن هؤلاء يحرصون كل الحرص على الأخذ عنه أو يراسلونه طلباً للإِجازة، وقد عدّ بعضا منهم في "شجرة النور الزكية". وتتبعتُ ما ذكره المؤرخون في تراجمهم للذين أخذوا عن المازري. الميانشي: ومن تلاميذه الإفريقيين وأشهرهم الميانشي (٩) ولم يذكره في "شجرة النور الزكية" وهو الذي حكى عن المازري بسملته في الفرض. وهو أبو حفص عمر بن عبد المجيد المتوفي سنة (٥٨٣).

стр. 35

وفي "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" أنه سمع من أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري كتابه "المعلم بفوائد مسلم". فالميانشي من تلاميذه الذين نشروا كتابه في المشرق لأنه لما تلقى عنه "المعلم بفوائد مسلم" عرّف به. ومن هنا نجد ابن خلكان في "الوفيات" اقتصر عليه وعلى "إيضاح المحصول". وقد تناول من الرّازي "سداسياته". وقد كنت أظن أن ما في "شذرات الذهب" تحريف عن المازري لكن تبين لي بعدُ أنه تناول الرازي منه سداسياته. والرازي هذا غير الرازي أبي عبد الله الفخر محمد بن عمر (٦٠٦) صاحب التفسير الشهير، والرازي الذي أخذ عنه الميانشي هو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن إبراهيم الرازي يعرف بابن الخطاب. بينما الرازي صاحب التفسير يعرف بابن الخطيب، والرازي الذي أخذ عنه الميانشي هو مسند الديار المصرية وله "السداسيات" وتوفي سنة (٥٢٥). وصاحب "الشذرات" قد أغفل سماعه من الرازي، والميانشي قد هاجر من بلاده المهدية إلى الشرق واستقر بمكة المكرمة وصار خطيبا بها وكان من المحلقين بالحرم وقد ذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" وترجمه بشيخ الحرم. وروى عنه خلق وخاتمة أصحابه الصدر البكري. وقد ذكرنا بعضهم في ترجمته المنشورة بمجلة "المنهل" وله "المجالس المكية" و"ما لا يسع المحدث جهله"، وكتابه "الروضة في الرقائق"، هذا ما ذكره الفاسي في "العقد الثمين". ووقفت له على "اختصار فردوس الأخبار"، و"ترتيبه"، وفي خزانة كاتبه نسخة منه. وترجمته واسعة (١٠).

стр. 36

* البُرْجِيني (١١): أبو محمد عبد السلام البرجيني من أعلام عصره، وجاء في "الفارسية" وفي "المؤنس" لابن أبي دينار ما يفيد أنه من تلاميذ المازري في قصة رواها عن ابن نخيل كاتب الأمير عبد الواحد الحفصي وهي: "ودخل عليه الإِمام أبو محمد عبد السلام البرجيني من تلامذة الإِمام المازري، وكان تحت جفوة منه فقال المولى عبد الواحد: كيف حالك يا فقيه؟ فقال: في عبادة. فقال له المولى عبد الواحد: نعوّضها إن شاء الله بالشكر. قال ابن نخيل: لم نفهم ما أراد فسألت المولى عن ذلك، فقال: أراد قول رسول الله ﷺ : "انتظار الفرج بالصبر عبادة". قال ابن أبي دينار: "هذا يدل على ذكائه رحمة الله عليه" (١٢). وفي "شجرة النور" له فتاوى مشهورة. وعنه أخذ ابن بزيزة التونسي شارح "التلقين" (١٣). ويبعد أن يكون البرجيني هو أبا محمد عبد السلام البرجيني المتوفي سنة

стр. 37

٦٢٢ (١٤) لأن عبد السلام هذا البرجيني أخذ عن المازري وهو قد توفي سنة ٥٣٦، فيكون قد عاش مائة وسبعا وعشرين سنة. ولم يذكر عن البرجيني أنه عُمِّر تلك المدة، وعلى هذا تكون وفاة البرجيني تلميذ المازري مجهولة. ومن القريب أنه ليس من تلاميذ المازري وإنما هو تلميذ تلميذه. * ابن الحداد المهدوي: أبو يحيى زكرياء بن الحداد المهدوي، آخر من درس على المازري، كان فقيها محدثا معدودا من العلماء المبرزين في المهدية وقد كادت تقفرّ من العلماء. وقد تولى قضاء المهدية. تلقى عن الإِمام المازري وروى عنه، وهو آخر من قرأ عليه كتاب "المعلم بشرح مسلم" كما أنه قرأ عليه غيره. وعاش في القرن السادس لأنه عاش بعد المازري المتوفي سنة (٥٣٦) كما اجتمع بابن اليتيم بالمهدية سنة (٥٦٦). وحسبما ذكر في مولده بعض من روى عنه يكون قد عاش إلى ما بعد سنة (٥٨٠) لأنه ذكر أنه تلقى عنه الرعيني السوسي المولود سنة (٥٦٧) كما سيأتي أنه من تلاميذه، فإذا كان الرعيني السوسي من تلاميذه وقد ولد سنة (٥٦٧) فلا يمكن أنه تلقى عنه إلا في سن أقلها ثلاث عشرة سنة فحينئذ يكون قد تجاوز ابن الحداد المائة السادسة سنة (٥٨٠)، أو يكون تجاوزها بكثير لأن الرعيني السوسي لم يكن قرأ عليه سنة واحدة، بل قرأ عليه في مدة مديدة.

стр. 38

تلاميذ ابن الحداد: أصبح ابن الحداد خليفة الإِمام المازري في المهدية فنشر طريقته، وبث علمه لا في علماء تونس فحسب، فكذلك في بعض علماء الأندلس. فمن تلاميذه الأفارقة وأشهرهم: * أبو عبد الله محمد بن عبد الجباّر الرعيني ثم السوسي: وهو كما وصفه ابن القنفذ: الفقيه الفاضل العالم الكبير المقرىء الأستاذ شيخ الأشياخ طال عمره، وهو شيخ شيوخ التجاني أبي محمد عبد الله بن إبراهيم. وقد ذكره في "رحلته" ونوّه بشأنه كذلك، فقال: وممن ينسب إلى سوسة هذه شيخ شيوخنا أبو عبد الله محمد بن عبد الجبار الرعيني السوسي قديم المولد، كان يسمى ملحق الآباء بالأبناء لطول أمده، وقدم مولده. توفي بتونس في الثاني والعشرين لذي القعدة سنة اثنتين وستين وستمائة، وأنشد له ابن سعيد في "خزانة الأدب": [المتقارب] عَكَفْنَا عَلَى الكَأسِ فِي جَنَّةٍ ... نُحَاكِي بِهَا مَيْلَ أغْصَانِهَا وَرُسْلُ النَّسِيمِ بِهَا سَحرةً ... تُحرّش مِنْ بَيْنِ ريحَانِهَا أظُنُّ تَغَارِيدَ ألحَانِهَا ... زَهَتْهَا فَأصْغَتْ بِآذَانِهَا ولأبي عبد الله شعر حسن. وقد أخذ طريقة الإِمام المازري في تدريسه بما يدفع السآمة فقد كان يداعب طلبته من أهل تونس بسؤالهم عن قول الشاعر: لَا تَلُمْنِي على الدَّنَاءة إنِّي ... تُونُسِيّ وَجُزْتُ يَوْمًا بِسُوسَة أي البندين يقتضي الشعر أن يكون أعظمَ دناءة فيقولون له: سوسة. وأبو عبد الله السوسي يعد من أكثر الأشياخ طلبة، "فإنه اشتغل بالعلم

стр. 39

والإِقراء مدة حياته فأقرأ الحفيد والأب والجد، وكان حسن الوساطة قاضيا لحاجات الناس مقبول القول عند الملوك، ناهضا بالطلبة" كما أفاده ابن القنفد في "الفارسية" وهو من أكبر تلاميذ ابن الحداد. * ومنهم أبو زكرياء يحيى البرقي: علم من أعلام المهدية قل من لم يأخذ عنه من أعلامها مثل أبي علي الحسن بن موسى بن معمر الهواري الطرابلسي أحد أرباب الرتب، الجامعين بين رئاسة الفقه ورئاسة الأدب مع أخيه الفقيه القاضي أبي موسى فقد توجه الأخوان من طرابلس إلى المهدية للقراءة على أبي زكرياء البرقي، حتى لما وقعت المحنة على البرقي وأزعج إلى الحضرة تونس لزمه أحد الأخوين إلى منفاه بتونس. أفاده التجاني في "الرحلة". وممن أخذ عن أبي زكرياء البرقى أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم ابن الخباز اللواتي الذي تقلد قضاء الجماعة بتونس. أفاده التجاني في "الرحلة". * القاسم بن حماد بن أبي بكر اللبيدي التونسي: كان من العلماء أخذ عن أبي زكرياء البرقي البخاري ومسلمًا. وكان اللبيدي حيا سنة (٦٨٨) حيث اجتمع به العبدري وأثنى عليه وقال: إن التسعين قد أنهكت قواه. وممن أخذ عن أبي زكرياء البرقي أبو محمد عبد السلام بن غالب المسراتي وهو عصريه. ومن تلاميذ ابن الحداد الأندلسيين: * أبو عبد الله محمد بن أحمد بن اليتيم: من أهل المرية. لقي بالمهدية أبا يحيى بن الحداد قاضيها.

стр. 40

وفاة ابن الحداد: لم يوقف على وفاته، والظاهر أنه لم يبلغ المائة السابعة (١٥). أدى كل عن تلميذي المازري الميانشي وابن الحداد حق إبلاغ علم أستاذهما، فأحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، فالأول فارق المهدية وروى عنه واستوطن مكة، بينما الثاني لازم المهدية وقام مقام شيخه بها كما ذكرنا. ومن تلاميذ المازري الذين استفدنا أنهما من تلاميذه الإفريقيين من تراجم من رووا عنهم. * ابن الجواد: أبو يحيى أبو بكر بن الجواد المهدوي، من أصحاب المازري. روى عنه ابن الصفار وهو من أصحاب الإِمام المازري كما جاء في "الذيل والتكمله" للمراكشي: "وروى عنه ابن الصفار" (١٦) وبالطبع أنه روى له ما أخذه عن المازري. * ابن الدمنة: أبو الطاهر بن الدمنة التونسي. ذكر في "الشجرة" أنه ممن تلقى عن المازري. * أبو الحسن السوسي (١٧): أبو الحسن طاهر بن علي، من أهل سوسة القيروان.
следующие страницы →