Полный текст (211 стр.). Показаны 176–211 · переход к 181.
стр. 176
ومِن الدَّلِيل على ذلك أيْضًا قَوْلُه، جَلَّ ثَناؤُه: (فطلقوهن لعدتهن)، وجاءت السُّنَّةُ أنَّ العِدَّةَ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا، فذلك دليلٌ على أنَّه لو طَلَّقَ وهيَ حائِضٌ لم يُعَدَّ ذلك مِن عِدَّتِها، وإنَّما الذي يُعْتَدُّ به إنَّما هو الطُّهْرُ.
فإنْ قال قائلٌ: إنَّه إذا طَلَّقَها طاهِرًا، فلا بُدَّ مِن أنْ يكونَ قد مَضَى بعضُ الطُّهْرِ، وإذَا كان كذلك لم يَكْمُلْ ثلاثةُ أطْهارٍ.
قيل له: إنَّ معنَى ذلك بَيِّنٌ في اللغةِ، وهو أنه إذا طَلَّقَها في بعضِ الطُّهْرِ، ثم خَرَجَتْ مِن الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، فقد مَضَى قَرْءٌ، تَسْمِيَةً وحَقِيقَةً، لأنَّ المُبْتَغَى في الطُّهْرِ آخِرُه، فإذا خَرَجَت المرأةُ إلى أوَّلِ الحَيْضِ فقد دَلَّك عَلَى سَلامةِ حَيْضِها إذا اجْتَرَأ رجلٌ قغَشِيَ في الحَيْضِ.
ووَاحِدُ القُروءِ قَرْءٌ، وتَقْدِيرُه أقرؤٌ، وأقرُؤٌ لِمَا دونَ العَشَرةِ، وقروء لكثيره.
وأمَّا الإحْداد، فمِن قَوْلِك: أحَدَّتِ المَرْأةُ على بَعْلِها: إذا مَنَعَتْ نَفْسَها الزِّينَةَ والخِضَابَ. والحَدُّ: المَنْعُ، يُقال لِلْبَوَّابِ: حَدَّادٌ، لأنه يَمْنَعُ من الدُّخُولِ.
стр. 177
باب الرَّضاع
الرَّضاع: شُرْبُ اللَّبَنِ مِن الضّرْعِ. والعربُ تقولُ: لَئِيمٌ رَاضِعٌ.
وذلك أنَّ رجلاً كان يَرْتَضِعُ الإبلَ والغَنَمَ، ولا يَجْلِبُها، لِئَلاَّ يُسْمَعَ صَوْتُ الحَلْبِ فَيُسْألَ اللَّبَنَ، ثم صار كيفَ وَصَلَ اللَّبَنُ إلى جَوْفِ الصَّبِيِّ رَضَاعًا.
وأمَّا قولُه: "لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ والْإمْلاجَةُ والْإمْلاجَتَان". فالعربُ تقولُ: مَلَجَ الصَّبِيُّ أُمَّهُ يَمْلُجُها مَلْجَةً، وامْتَلَجَها: إذا ارْتَضَعَها.
стр. 178
باب وجوب النفقة
قال الشَّافِعِيُّ: قال اللهُ : (ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا يكْثُرَ مَن تَعُولون. وهذا قَوْلُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ.
وكان عبدُ الرحمن بنُ زَيْدٍ سُئِلَ عنها، قال: أقولُ: مَعْناه اقْتَصِدُوا. ثم قال: لَنَفَقَتُكَ الواحدةُ خَيْرٌ مِن اثْنَتَيْن، ونَفَقَةُ جارِيَتِكَ خيرٌ مِن نَفَقَةِ حُرَّةٍ، وألاَّ تَعُولَ أهْوَنُ عليكَ مِن الْعِيالِ.
وناسٌ يقُولون: معناها، ذلك أدْنَى أن لا تَجُورُوا. واحْتَجُّوا في ذلك بأشْعارٍ كثيرةٍ.
стр. 179
والأمْرُ في ذلك قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْناه في القُرْءِ، وذلك أنَّا لا نُنْكِرُ أنَّ العَوْلَ قد يَقَعُ على الجَوْرِ، فلا حاجةَ بهم إلى الاسْتِشْهادِ الكثيرِ، ولكنَّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: (ذلك أدنى ألا تعولوا) إنَّما أريدَ به كثرةُ الْعِيالِ، وذلك أنَّ زيدَ بنَ أسْلَمَ قد قالَهُ، وعبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ، وَوَافَقَهما على ذلك الشَّافِعِيُّ، ومَن قال بمَقالَتِهِ، والشَّافِعِيُّ مِن اللغةِ بالْمَكانِ الذي كان به، فهذا مِن جِهَةِ التَّوْقِيفِ.
وأمَّا اللُّغَةُ، فقد قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: إنَّ العربَ تقولُ: عالَ الرجلُ، إذا كَثُرَ عِيالُه، وأعَالَ بمعنًى واحدٍ. وقال: إنَّ معنَى عالَ يَعُولُ –وإن كان مَرْجِعُه إلى مَالَ يَمِيلُ- فهو يعُودُ إلى كَثْرَةِ الْعِيالِ، وذلك أنَّ الرجلَ إذا كَبُرَ ضَعُفَ عن عَيْلِهِنَّ وعَجَزَ، فيُقال: عَالَ عن ذلك. أي: ضَعُفَ.
وذهب بعضُ أصحابِ هذه الْمَقالةِ إلى أنَّ معنَى الآيةِ: (ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا تَمُونُوا عَدَدًا كثيرًا مِن الْعِيالِ، فلعلَّكم لا تُطِيقُون ذلك، يُقال: الرجلُ عالَ عِيالَه: إذا مَانَهم، قال النبيُّ ﵇: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كان عنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ"، وأنْشَدَنِي أبو منصور الْقَطَّانُ، قال: أنْشَدَنِي الهَجَرِيُّ بمكةَ، فقال:
стр. 180
يا عَمْرُو نِعْمَ الْأُمُّ أُمُّكَ في الْغِنَى ... أبَدًا ونِعْمَ العِرْسُ عِرْسُ المُعْدِمِ
غَرًّا تُجَمِّعُ قُوتَها لِعِيالِها ... ويُعِيشُها في الْعَوْلِ مِلْءُ الْمِحْجَمِ
ومن الدَّليلِ على صِحَّةِ قَوْلِنا، أنَّ العربَ تقُولُ: عالَ الرجلُ: إذا كان ذا عِيالٍ، قَوْلُ جَرِيرٍ:
واللهُ أنْزَلَ في الْكِتابِ فَرِيضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ الْعائِلِ
أراد به ذَا الْعِيالِ الذي يَعُولُ عِيالَه، لا مَعْنَى أنْ يقُولَ "ولِلْفَقِيرِ" فعُلِمَ أنه أراد به ذَا الْعِيالِ.
وخَالَفَنا في هذا التَّاوِيلِ ناسٌ كثيرٌ عَدَدُهم، فَمِمَّنْ تَصَدَّى للرَّدِّ الشَّدِيدِ وقَصَدَ الطَّعْنَ أبو بكر بنُ داود، وكان أوَّلُ ما احْتَجَّ به إجْماع النَّاسِ على أنَّ العَوْلَ الجَوْرُ.
فيُقال لابنِ داوُد: ومَنْ ذا حَكَمَ بهذا الإجْماعِ، وقد أعْلَمْناك أنَّ زَيْدًا وعبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ كانا يقُولانِ: ذلك مِن كَثْرَةِ الْعِيَالِ؟
ثم يُقال له: وكيف يكونُ ذلك إجْماعًا، وقد قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: معناه ذلك أدْنَى، لأنَّ اللهَ وَعَدَهم الغِنَى، ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَه:
стр. 181
(إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فهذا مِثْلُ قَوْلِه: (ذلك أدنى ألا تعولوا)، وقد قال عُمَرُ، ﵁: عَجَبًا لِمَنْ لا يطلبُ الغِنَى بالْبَاهِ. فأيْنَ الإجْماعُ الذي ذَكَرْتَهُ؟
قال ابنُ داود: في إجْماع العربِ، عَالَ الرجلُ يَعُولُ عَيْلَةً: إذا افْتَقَرَ، وأعَالَ، يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عِيالُه، وعالَ، يَعُولُ، عَوْلاً: إذا جَارَ. ولا نَعْلَمُ لِلْعَوْلِ مَعنًى غيرَ الجَوْرِ.
فيُقال له: أَفَتُجَوِّزُ أنْ يكونَ لِلْعَوْلِ معنَى الْجَوْرِ؟
فإنْ قال: نعم. قيلَ له: فإذا كان له معنًى غيرُ الجَوْرِ، فأينَ إنْكارُكَ الشَّدِيدُ في قَوْلِنا بِبَعْضِ ما يَحْتَمِلُه معنَى القَوْلِ؟
وإنْ قال: لا معنَى لِلْعَوْلِ إلاَّ الجَوْرُ، قِيلَ له: أغْفَلْتَ، وذلك أنَّ العَوْلَ: الجَوْرُ، والعَوْلُ مصدرُ عالَ عليه بسَيْفِهِ عَوْلاً، إذا حَمَلَ، والعَوْلُ: المَوْنُ والْقِيامُ بأَمْرِ الْعِيالِ، والعَوْلُ: المُجاوَزَةُ، يُقال: عال، يَعُول، عَوْلاً: إذا جاوَزَ، والعَوْلُ الفَرائِضُ، والعَوْلُ: المَشَقَّةُ، ومنه قولُه: وَيْلُه وعَوْلُه، والعَوْلُ: الغَلَبَةُ. فَأيْنَ قَوْلُك: إنَّ العَوْلَ لا يَحْتَمِلُ إلاَّ وَجْهًا واحدًا؟
стр. 182
وقال بعضُ أهلِ الأدبِ: إنَّ قَوْلَ مَن قال: (ذلك أدنى ألا تعولوا). أي: لا يَكْثُرَ مَن يَعُولُون غَلَطٌ، وذلك أنَّ الرجلَ إذا كانتْ له امرأةٌ واحدةٌ، أو مِلْكُ يَمِينٍ فهو يَعُولُها، فكيف يكونُ "ألاَّ يَعُول"، وهو في هذه الحالةِ المَوْصُوفَةِ يَعُول؟ وهذا غَلَطٌ على لَفْظِ الآيةِ.
فيُقال له: إنَّ الرجلَ إذا كانتْ له واحدةٌ، فهو يَعُولُها كما ذكرتَ، ولكنَّا إنَّما قُلْنا بكَثْرَةِ الْعِيالِ اعْتِبَارًا بالآية، وذلك أنه جَلَّ وعَزَّ، قال: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ونحن نعلمُ أنَّ أرْبَعًا عِيالٌ كثيرٌ، ثم قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا تَعُولُوا مَن قد مَضَى ذِكْرُهُنَّ مِن الْأَرْبَعِ، ويَلْزَمُكم أنْ تَعُولُوهُنَّ، فإنْ خِفْتُمْ، فاقْتَصِرُوا على واحدةٍ، فهو أدْنَى ألاَّ تَعُولُوا العددَ الذي قد مَضَى ذِكْرُه، والعربُ قد تُسْقِطُ الْإِضْمارَ، فيقُولون: عَمْروٌ ضَرَبْتُ. معناه: ضَرَبْتُه. ومِثْلُه: (وإذا رَأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) فأَسْقَطَ إضْمار المَذْكُورِين، وهذا كثيرٌ في الكلامِ.
قال هذا القائلُ: وكيف يَحْظُرُ اللهُ] على [أحدٍ أن يَكْثُرَ عِيَالُه، وقد تَكَفَّلَ بالْأرْزاق.
стр. 183
فيُقال له: هذا كَلامٌ واهٍ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بِحِفْظِ أمْوالِنا، ونَهانا عن التَّبْذِيرِ، فقال: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)، وقال: (ولا تبذر تبذيرا). فقد أمَرَنا بالْحِفْظِ، ونَهانا عن التَّبْذِيرِ، وهو المُتَكَفِّلُ بالأرْزَاق، فما تُنْكِرُ أنْ يَنْهانا عن كَثْرَةِ الْعِيالةِ، وهو المُتَكَفِّلُ بالأرْزَاقِ.
ولنا في هذا المسألة "كتاب مفرد" بحِكايَةِ قَوْلِ الخُصُومِ، وفيما ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ، واللهُ المُوَفِّقُ.
стр. 184
كتاب الجراحات والديات
أمَّا القَتْلُ، فاشْتِقاقُه مِن: قَتَلْتُ الشيءَ. إذا ذَلَّلْتَهُ وغَلَبْتَهُ، والعربُ تقول: قَتَلَتِ الْأرْضُ جَاهِلَها، وقَتَلَ أرْضًا عَالِمُها، ومنه: قَتَلْتُ الشيءَ خُبْرًا وعِلْمًا ويَقِينًا: إذا غَلَبْتَهُ وبَطَنْتَهُ.
وأمَّا الْقِصَاصُ، فمِنْ قَوْلِكَ: قَصَصْتُ الْأثَرَ، وأَقْصَصْتُه: إذا اتَّبَعْتَهُ، قال الله تعالى: (وقَالت لأخته قُصِّيهِ). أي: اتْبَعِي أثَرَهُ. وقال في قصة الخَضِرِ وفَتَاهُ: (فارتدا على آثارهما قصصا). كذلك الْقِصاصُ إنَّما هو سُلُوكُ مِثْلِ الطَّرِيقَةِ التي فَعَلَها الجارحُ، لأنَّه يُؤْتَى إليه مثلَ ما أتَاهُ هو.
ومعنى قَوْلِه: "تَكَافَأَ الدَّمانِ": إذا تَساوَيَا، ومنه أَخْذُ المُكافَأةِ في العَقْلِ وإنَّما هي المُساوَاةُ.
стр. 185
وأمَّا الدِّيَةُ، فهي دِيَةٌ وعَقْلٌ، وسُمِّيَتْ عَقْلاً، لأنها تَعْقِلُ الدِّماءَ عن أن تُسْفَكَ.
وقال قومٌ: كان أصْلُ الدِّيَةِ الْإِبِلَ، فكانتْ تُجْمَعُ وتُعْقَلُ بِفِناءِ وَلِيِّ المَقْتُولِ، فَسُمِّيَت الدِّيَةُ عَقْلاً، وإن كانتْ دَراهِمَ أوْ دَنانِيرَ.
وأمَّا الْعاقِلَةُ، فسُمِّيَتْ عاقِلَةً، لأنها هي المُؤَدِّيَةُ لِعَقْلِ المَقْتُولِ خَطَأً، يُقال: عَقَلْتُ الرجلَ: إذا أنتَ أدَّيْتَ دِيَتَهُ، وأنَا عاقِلُهُ، وعَقَلْتُ عنه: إذا لَزِمَتْهُ دِيَةٌ قأدَّيْتَها عنه.
وأمَّا الشِّجاج، فمنها: الْحَارِصَةُ، وهي التي تَحْرِصُ الجْلِدَ، أي: تَشُقُّه. ويُقال: حَرَصَ القَصَّارُ الثَّوْبَ: إذا شَقَّهُ.
والدَّامِعَةُ: وهي التي يَسيلُ دَمُها قليلاً، كسَيَلانِ الدَّمْعَةِ.
والْبَاضْعَةُ: التي تأخُذُ في البَضْعَةِ، وهو اللَّحْمُ.
والمُوضِحَةُ: وهي التي تُبْدِي وَضَحَ الْعَظْمِ.
والْهاشِمَةُ: وهي التي تَهْشِمُ العَظْمَ، أي تَكْسِرُه.
والمُنَقِّلَةُ: وهي التي تَنَقَّلَ منها فَراشُ العِظامِ.
والآمَّةُ: وهي التي تَبْلُغُ أُمَّ الرَّاسِ، وهو الدِّماغُ.
والسِّمْحاقُ: وهي الجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ بين العَظْمِ والدِّماغِ.
стр. 186
وأمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في المُنَقِّلَةِ: "وهي التي تَكْسِرُ عَظْمَ الرَّأسِ حتى يَتَشَظَّى"، فإنه يُريد: يَتَفَرَّقُ المُنْكَسِرُ مِن عِظامِها، يُقال: تَشَظَّتِ الْعَصَا: إذا انْكَسَرَتْ وتَطايَرَتْ فلَقُها.
وأمَّا الْقَسامَةُ: فإنَّها سُمِّيَتْ بذلك، لأنها أيْمانٌ، تُقْسَمُ على ناسٍ.
وأمَّا حديثُ مُحَيِّصَةَ، أنَّ عبدَ الله قُتِلَ وطُرِحَ في فَقِيرٍ، أوْ عَيْنٍ. فالْفَقيرُ: المكانُ الذي يخرُجُ منه الماءُ مِن الْقَناةِ.
وأمَّا السَّاحِرُ، فإنَّما سُمِّيَ بذلك لأنه يَسْحَرُ، وأصْلُ السِّحْرِ، فيما يُقال، إخْراجُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ. وقال قومٌ: هو الخَدِيعَةُ، يُقال: سَحَرْتُه: إذا خَدَعْتَهُ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ لَبِيدٍ:
فإنْ تَسْألِينَا فِيمَ نحنُ فإنَّنا ... عَصافيرُ مِنْ هذا الْأنَامْ المُسَحَّرِ
стр. 187
يُريدُ: المَخْدُوع الذي قد خَدَعَتْهُ الدُّنْيَا.
وأمَّا أهلُ البَغْيِ، فإنَّهم سُمُّوا بذلك لِفَسادِهم، تقولُ العربُ: بَغَى الجُرْحُ، يَبْغِي، بَغْيًا: إذا تَرامى إلى فَسادٍ.
وأمَّا المُرْتَدُّ، فمِن قَوْلِكَ: رَدَدْتُ الشَّيْءَ: أرُدُّهُ، كأنَّه رَدَّهُ إلى كُفْرِهِ فَارْتَدَّ، أي: فرجَع ورَدَّ نَفْسَهُ.
стр. 188
باب الحدود
أصْلُ الحُدودِ مِن قَوْلِك: حَدَدْتُ. إذا مَنَعْتَ، فَسُمِّيَتْ هذه الحدودُ مِن مَعْنَيَيْنِ:
أحدُهما، أنَّها حُدَّت لتكونَ مانِعَةً عن التَّعَدِّي إلى ما لا يَحِلُّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّما مانِعَةٌ بِأَنْفُسِها عن أن تُعَدَّى، بل هي على ما حَدَّهُ اللهُ .
وأمَّا الرَّجْمُ، فالضَّرْبُ بالحِجارَةِ، وأصْلُه مِن الرِّجامِ، والرِّجامُ: الحجارةُ، فسُمِّيَ الضَّرْبُ بالرِّجامِ رَجْمًا.
وأمَّا الجَلْدُ، فمِن قَوْلِكَ: جَلَدْتُ فُلانًا، ضَرَبْتُ جِلْدَهُ، كما تقولُ: رَأَسْتُهُ. أي: ضَرَبْتَ رَاسَهُ، وبَطَنْتُهُ، أي: ضَرَبْتُ بَطْنَهُ، فكذلك جَلَدْتُه، معناه: ضَرَبْتُ جِلْدَهُ.
وكلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كثيره، فَقليلُه حَرامٌ، وفيه الحَدُّ قِياسًا على الخَمْرِ، وذلك أنَّ الخمرَ مَأخُوذٌ مِن مُخَالَطَتِها لِلْعَقْلِ، وتَغْطِيَتِها له، فكُلُّ ما عَمِلَ عَمَلَها، مِن مُخالَطَةِ العَقْلِ، وتَغْطِيَتِهِ، فهو مِثْلُها في التَّحْرِيمِ، فإذا كان قَليلُ الخَمْرِ حَرَامًا، فقَلِيلُ ما سِواهُ حَرامٌ، مِمَّا يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِها.
стр. 189
كتاب الجهاد
أمَّا الجِهادُ: فَمِنْ: جاهَدَ فيَّ الشيءُ: إذا اشْتَدَّ عليك، وقال قومٌ: سُمِّيَ الجِهادُ جِهادًا مِن اللَّبَنِ المَجْهُودِ، وهو الذي أُخِذَ زُبْدُه. فكذلك الجِهادُ لِشِدَّتِهِ يَسْتَخْرِجُ قُوَّةَ الْقَوِيِّ.
وقال قومٌ: بل يَذِلُّ مَن جُوهِدَ، كما يُؤْخَذُ زُبْدُ اللَّبَنِ.
وأمَّا الجِزْيَةُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: جَزَاتُ الشَّيْءَ. قَسَمْتَهُ. فكأنَّها مَأخُوذَةٌ مِن ذلك، لأنها تُقْسَم، ثم لُيِّنَتْ هَمْزَتُها، فقيل جِزْيَةٌ، والعربُ قد تَتْرُكُ الهمزةَ مِمَّا أصْلُه الهَمْزُ. وأمَّا المُهادَنَةُ، فَسَمِعْتُ أبا الحسنِ القَطَّانَ يقولُ: سمعتُ ثَعْلَبًا يقولُ: تَهادَنَ الْأمْرُ. إذا اسْتَقامَ، فيحْتَمِلُ أنْ تكونَ الهُدْنَةُ مِن ذلك.
стр. 190
باب الصيد والذبائح والأطعمة
قال الشَّافِعِيُّ: "كلُّ مُعَلَّمٍ مِن كلبٍ أو فَهْدٍ أو نَمِرٍ، وغيرها مِن الوَحْشِ، وكان إذا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى". ففي الإشْلاءِ قَوْلانِ: قال قومٌ: معناها دُعِيَ، يُقال: أَشْلَيْتُ الكلبَ. إذا دَعَوْتَهُ، قال الشاعر:
أشْلَيْتُ عَنْزِي ومَسَحْتُ قَعْبِي
والقَعْبُ: القَصْعَةُ.
وقال آخَرُون: أَشْلَيْتُه. إذا أغْرَيْتَه بالصَّيْدِ، وحُجَّتُه قَوْلُ القائلِ:
أتَيْنا أبا عَمرٍو فأشْلَى كِلابَهُ ... عَلَيْنا فكِدْنا بين بَيْتَيْهِ نُؤْكَلُ
стр. 191
وأمَّا قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ: "فكُلْ ما أصْمَيْتَ ودَعْ ما أنْمَيْتَ"، فإن الْإصْماءَ أن يَقْتُلَهُ مَكانَه. والْإِنْماءُ أن يغيبَ عنه. يُقال: نَمَتِ الرَّمِيَّةُ: إذا غابَتْ ولم تَمُتْ مَكانَها، وقال امرؤُ القَيْسِ:
فَهْوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُه ... مَالَهُ لا عُدَّ مِن نَفَرِهْ
وأمَّا قَوْلُه: "ضَحَّى بكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ" فالأمْلَحُ: الذي فيه السَّوادُ والْبَيَاضُ، ويكونُ البياضُ أكْثَرَ، والْمُلْحَةُ: الْبَيَاضُ.
وأمَّا قَوْلُنا: العَجْفاءُ التي لا تُنْقي. فهي التي لا نِقْيَ فيها، والنِّقْيُ: المُخُّ.
وأمَّا الْعَقِيقَةُ، فإنْ يَحْلِقَ عن الغلامِ والجاريةِ شَعَرَهما الذي وُلِدا به، ويُقال لذلك عَقِيقَةً، قال الشاعر:
فَيا هِنْدُ لا تَنْكِحِي بُوهَةً ... عليه عَقِيقَتُهُ أحْسَبَا
البُوهَةُ: الْأحْمَقُ، والْأَحْسَبُ: الشَّعَر الذي يكون فيه الحُمْرَةُ.
стр. 192
باب السبق والرمي
السَّبْقُ، مِن قَوْلِك: سَبَقْتُ فُلانًا إلى الشَّيْءِ: إذا بَدَرْتَهُ إليه.
والخَطَرُ: ما يُوجَدُ عندَ السَّبْقِ.
والغَرَضُ: الهَدَفُ، لأنه هو الغَرَض، أي: المُراد، والهَدَفُ سُمِّيَ هَدَفًا لِنُتُوِّهِ مِن الأرْضِ وارْتِفاعِه، وكان النبيُّ ﵇، إذا مَرَّ بِهَدَفٍ مائِلٍ أو صَدَفٍ مائِلٍ أسْرَعَ الْمَشْيَ، فالهَدَفُ: كلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ، والصَّدَفُ نَحْوُه.
وأمَّا المُبادَرَةُ، فأنْ يقولا: أيُّنا بَادَرَ إلى عشرين.
والْمُحاطَّةُ: أن يَرْمِيَ هذا فيُصِيبُ عددًا، فإذا رَمَى ذاك الآخَرُ حُطَّ عن إصابَةِ الْأَوَّلِ مِثْلُ العَدَدِ الذي أصابَهُ الثاني.
والشَّنُّ: الجِلْدُ البالِي الْيَابِسُ.
وأمَّا الْخاسِقُ والْخازِقُ، فهو الذي يَرْتَزُّ في الشَّنِّ، وهو الْمُقَرْطِسُ الذي يَرْتَزُّ في الِقِرْطاسِ. يَرْتَزُّ، أي: يَثْبُتُ فيه.
стр. 193
باب الأيمان
الْيَمِينُ: الحَلِفُ والْقَسَمُ، سُمِّيَ يَمِينًا، لأنَّ التَّعاقُدَ بالأَيْمانِ بينَ الناسِ يكونُ، فَسُمِّيَت الْحَلِفُ يَمِينًا لِيَمينِ الإنْسانِ، والْحَلِفُ مِن الْمُحَالَفَةِ.
والْقَسَمُ: اليَمِينُ، وقال قومٌ: مِن الْمُقَاسَمَةِ، ولَسْنا نَدْرِي صِحَّةَ ذلك.
وأمَّا اللَّغْوُ: فكلُّ يَمِينٍ لم يَعْقِدْ عليها الحالِفُ بقَلْبِهِ، وكلُّ كلامٍ لم يُعْقَدْ عليه فهو لَغْوٌ، قال الشاعر:
أوْ مائةٍ تَجْعَلُ أوْلادَها ... لَغْوًا وعُرْضُ الْمائَةِ الجَلْمَدُ
стр. 194
يعني مائةَ ناقةٍ لا تُعَدُّ معها أوْلادُها، بل تبقى، ألا تَرَى أنه لمَّا لم يُعْقَدْ عليها ولم تُعَدَّ سُمِّيَتْ لَغْوًا.
وأمَّا الْكَفَّارَةُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: كَفَرْتُ الشيءَ: إذا غَطَّيْتَهُ، فسُمِّيَتْ كَفَّارَةً، لأنَّها مُغَطِّيَةٌ لِلْإثْمِ.
وأمَّا الْحِنْثُ، فالْإثْمُ، قال اللهُ تعالى: (وكانوا يصرون على الحنث العظيم). سَمَّى الْآثِمَ مِن جِهَةِ اليَمِينِ حانِثًا.
стр. 195
باب أدب القضاء
سُمِّيَ القاضِي، لأنَّه يَقْضِي، أي: يُنَفِّذُ الْأحْكامَ، والفاصِل، لأنَّه يَفْصِلُها. والفَتَّاح لأنَّه يَفْتَحُ أبوابَ القَضَايَا، والحاكِم، لأنَّه يَمْنَعُ مِن الظُّلْم، ويُقال: حَكَمْتُ فُلانًا عن كَذا، وأحْكَمْتُهُ: إذا مَنَعْتَهُ.
وأمَّا الشَّهادةُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: شَهِدْتُ الشيءَ: إذا حَضَرْتَه، فسُمِّيَ الشاهِدُ لِمُشاهَدَتِهِ ما غابَ عن غَيْرِه.
وأمَّا الدَّعْوَى، فَمِنْ قَوْلِكَ: دَعَيْتُ الشاهِد: إذا طَلَبْتَه، قال اللهُ تعالى: (ولكم فيها ما تدَّعُون)، أي: ما تَطْلُبُون.
والنُّكُول، مِن قَوْلِكَ: نَكَلَ عن الشيءِ: إذا ضَعُفَ عنه وامْتَنَعَ.
والْبَيِّنَةُ: الشاهِدُ، لأنَّه يُبَيِّنُ الشيءَ، أي: يُوَضِّحُه، قال اللهُ تعالى: (حتى تأتيهم الْبَيِّنة) الواضِحَةُ.
стр. 196
باب العتاقة
والعِتْقُ: إخْراجُ النَّسَمَةِ مِن ذُلِّ الرِّقِّ إلى عِزِّ الْحُرِّيَّةِ. وهو الكَرَمُ، ويُقال: فَرَسٌ عَتِيقٌ، وذَهَبٌ عَتِيقٌ، وسُمِّيَ البيتُ العَتِيقُ لِكَرَمِه، ولأنَّه أُعْتِقَ مِن الْجَبابِرَةِ.
وأمَّا القُرْعَةُ، فَمِنَ الْقَرْعِ: وهو الضَّرْبُ، فكذلك القُرْعَةُ شيءٌ يُصِيبُ الآخر ولا يُصِيبُ الآخر.
وأمَّا الْوَلاءُ، فمِن الْمُوالاةِ، وهي المُقارَبَةُ، فسُمِّيَ الوَلاءُ وَلاءً، لأنَّه يُقال لِمُعْتِقِهِ: مَوْلًى، أي: كأحَدِ ذَوِي قَرابَتِهِ.
وأمَّا المُدَبِّرُ، فإنَّما سُمِّيَ مُدَبِّرًا، لأنَّه أُعْتِقَ عن دُبُرِهِ، وذلك قَوْلُه: أنتَ عَتِيقٌ. أو أنتَ مُحَرَّرٌ بعدَ مَوْتِي.
стр. 197
وأمَّا الْكِتابَةُ، فمِن قَوْلِكَ: كتبتُ الشيءَ: إذا جَمَعْتَهُ، فكأنه كَتَبَ عليه بما وَقَفَ عليه مِن مالٍ، وجُمِعَتْ عليه نُجُومٌ يُؤَدِّيها منها ما وَقَفَ سَيِّدُهُ، ولذلك المَعْنَى لم يَجُزْ عندَ الشَّافِعِيِّ أن يكونَ ذلك على أقَلَّ مِن نَجْمَيْنِ، لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اجْتِماعُ شَيْئَيْنِ.
تَمَّتْ، بحَمْدِ اللهِ ومَنِّهِ، وصَلَواتُه على سَيِّدِنا محمدٍ وآلِه أجْمَعِينَ.
стр. 198
المسائل والمشكلات
стр. 199
مسألة؛ إذا قال الرجلُ لامرأتِه: أنتِ طالِقٌ على سائرِ المذاهِبِ. فَلِكَلامِ هذا أرْبَعُ احْتِمالاتٍ:
أحدُها: أن يقول أردتُ إيقاعَ الطَّلاقِ ناجِزًا في الحالِ، وقَوْلِي "على سائر المذاهب" جَرَى على لِساني مِن غَيْرِ قَصْدٍ، أو قَصَدْتُه ولكنَّي أفْهَمُ منه تَنْجِيزَ الطَّلاقِ والْوُقُوعَ.
والثاني: أن يقولَ: قصدتُ إيقاعَ الطَّلاقِ ناجِزًا، وأردتُ بهذه الزِّيادةِ وُقوعَ الطَّلاقِ على أيِّ مَذْهَبٍ اقْتَضَى وُقُوعَهُ.
ففي هذين الاحْتِمالَيْن يَقَعُ الطَّلاقُ ناجِزًا، وتَبِينُ الزَّوْجَةُ، وهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وقال: لم أُرِدِ التَّعْلِيقَ بالصِّفَةِ، وإنَّما سَبَقَ إليه لِسانِي مِن غيرِ قَصْدٍ، فإنَّه يَقَعُ الثَّلاتُ، كذلك ههنا.
الثالث: أن يقولَ: قصدتُ إيقاعَ طَلاقٍ يَتَّفِقُ الناسُ على وُقُوعِهِ على وَجْهٍ لا يختلفُ الناسُ فيه، فظَاهِرُ الصِّيغَةِ في اقْتِضاءِ هذا القَصْدِ أقْوَى، فإن أراد عندَ تَلَفُّظِه بذلك امْتَنَعَ وُقُوعُ الثَّلاثِ، لأنَّ قَوْلَه: "على سائِرِ المذاهبِ" فيه مَعْنَى الشَّرْطِ، ولم يُوجَدِ الشَّرْطُ، إذْ لم تَتَّفِقْ أقْوالُ
стр. 200
أرْبابِ المذاهبِ على وُقُوعِ الثلاثِ جُمْلَةً، ومتى لم يُوجَدِ الشَّرْطُ لم يَقَعْ.
والرابعُ: أن يقولَ: تَلَفَّظْتُ بذلك مُطْلَقًا، ولم يَقْتَرِنْ لي به قَصْدٌ إلى شيءٍ، لا إيقَاعًا في الحالِ، ولا شَرْطًا في الوُقُوعِ، فما الذي يَلْزَمُنِي فيه؟
فههنا يَحْتَمِلُ إيقاعَ الثَّلاثِ في الْحالِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَقَعَ الطَّلاقُ أصْلاً، لأنَّ الصِّيغَةَ ظَاهِرَةٌ في تَنَاوُلِ جَمِيعِ المذاهبِ على اتِّفاقِ الوُقُوعِ، ولم يُوجَدْ ذلك. واللهُ أعْلَمُ.
تَخْرِيجُ الشيخِ الْإمامِ أبي الحسن علي بن مُسَلَّم الشَّهْرُزُورِي. تَمَّتْ.
*******************
مسألة؛ إذا دخل الْخَلاءَ، هل يُسَنُّ له أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أم يَقْتَصِرُ على: باسمِ اللهِ. فحَسْبُ.
الجواب: المنقولُ "باسم الله، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك مِن الخُبْثِ والْخَبائِثِ" وليس المَحَلُّ مَحَلَّ ذِكْرٍ حتى تُسْتَحَبَّ الزِّيادةُ عليه، والمُبالَغةُ فيه.
стр. 201
مسألة؛ هل يجب عليه أن يُرْخِيَ نَفْسَه حتى يظْهرَ منه ما ظَهَرَ عندَ خُرُوجِ الْغائِطِ لِغَسلِهِ، أو يلزمُه غَسْلُ ما يَبْقَى ظاهِرًا عندَ اجْتِماعِ السُّفْرَةِ؟
الجواب: الواجبُ غَسْلُ المَحَلِّ الذي تَصِلُ إليه الأحْجارُ في الاِسْتِنْجاءِ، ولا يجبُ تَكْلِيفُ مَزِيدٍ، والتَّعَلُّقُ مُتَعَلِّقٌ بالظَّاهِرِ في النَّجاساتِ دونَ الباطِنِ، واخْتِلافُ العُلَماءِ في إيجابِ المَضْمَضَةِ في الْجَنابةِ قد يُبْنَى على كَوْنِ داخِلِ الفَمِ ظاهِرًا وباطِنًا.
******************
مسألة؛ إذا عَسُرَ عليه الاِنْحِرافُ عن الشمسِ أو القمرِ أو القِبْلَةِ، ولم يُمْكِنْهُ إلاَّ اسْتِقْبالُ أحدِها أو اسْتِدْبارُها، أيُّها أوْلَى أنْ يَصْنَعَ؟
الجواب: اسْتِقْبالُ القِبْلةِ واسْتِدْبارُها حَرامٌ في الصَّحْراءِ قَطْعًا، ومُخْتَلَفٌ في البُنْيانِ، واسْتِقْبالُ الشمسِ والقمرِ مَكْرُوهٌ، ولا مُساواةَ بينهما، وفِعْلُ المَكْرُوهِ لِيَخْرُجَ من المُحَرَّمِ أَوْلَى، بل مُتَعَيِّنٌ.
******************
مسألة؛ الْقِيرُ طاهِرٌ، فإن تَنَجَّسَ نَجاسَةً حُكْمِيَّةً طَهَرَ بإمْرارِ الماءِ عليها، وإنْ خَالَطَتْهُ نَجاسةٌ عَيْنِيَّةٌ فلا يَطْهُرُ ما دامتْ مُخالِطَةً له، ووَقُودُ النَّجاسةِ تحتَه لا يُنَجِّسُهُ، ودَوْسُهُ بالأرْجُلِ إن كانا يابِسَيْنِ فلا يَضُرُّ، وإنْ
стр. 202
كانت الْأرْجُلُ نَجِسَةً وهو يابِسٌ فلا يَنْجُسُ، وإن كانت رَطبةً يَنْجُسُ بالمُلاقاةِ، ويطْهُرُ بالغَسْلِ.
وما تَجْدُه من الماءِ في حَوْضِ الحَمَّامِ فظاهِرُه الطَّهارةُ، ما لم يُتَيَقَّن النَّجاسة، والماءُ مِن الأُنْبُوبِ حُكْمُه حكمُ الجارِي.
******************
مسألة؛ الوَقْفُ على المَسْجِدِ لا يُصْرَفُ إلى غيرِه، لا إلى مُؤَذِّنِه، ولا إمامِه، ولا يُشْتَرَى به حَصِيرُهُ وقِنْدِيلُه وغيرُه، لأنَّ ذلك لِمَصالِحِ المسلمين دونَ المسجِدِ، بل يُصْرَفُ فس عمارتِه فحَسْبُ، هذا مُقْتَضَى إطْلاقِ لَفْظِهِ، فإنْ نَوَى بالوَقْفِ على المسجِدِ الصَّرْفَ في هذه الأَشْياءِ قُبِلَ ذلك، لِظُهُورِ العُرْفِ به، وعُمِلَ به.
******************
مسألة؛ لا يجوز بَيْعُ شيءٍ مِن الوَقْفِ متى أمْكَنَ الاِنْتِفاعُ به على شَرْطِ واقِفِهِ، فإن بَلِيَ حَصيرٌ، أو تَكَسَّرَ جِذْعٌ، فقد قال كثيرٌ من العلماءِ: يُباعُ، ويُسْتَبْدَلُ به، أو يُصْرَفُ في مَصالِحِ المسجدِ، لأنَّ في مَنْعِ بَيْعِهِ تَضْيِيعًا وإتْلافًا.
ومن الأصْحابِ مَنْ مَنَعَ بَيْعَ الوَقْفِ رَأسًا، وقد ثَبَتَ فيه الوَقْفُ فلا سبيلَ إلى إبْطالِهِ ورَفْعِهِ.
******************
стр. 203
مسألة؛ تَشْمِيتُ العاطِسِ فَرْضٌ على الكفايةِ، كرَدِّ السلامِ، فإذا أجابَه واحدٌ سقط الفَرْضُ عن الباقين.
******************
مسألة؛ الاِئْتِمامُ بمَنْ يُخالِفُ مَذْهَبَه كالشَّافِعِيِّ خَلْفَ الحَنَفِيِّ، ولا تجبُ عندَه مُوالاةُ الوضوءِ، ولا تَرْتِيبُه، ولا النِّيَّةُ فيه، ولا قراءةُ الفاتحةِ – فيه خلافٌ ظاهِرٌ. مِنْهم مَنْ مَنَعَ – وإنْ نَوَى النِّيَّةَ، وفعَلَ الترتيبَ والمُوالاةَ، وقرأَ الفاتحةَ – لأنَّه لا يعتقدُها واجبةً، فلا يَاتَمُّ به.
ومنهم مَن قال: يَصِحُّ إذا فَعَلَ، ونِيَّةُ رَفْعِ الحَدَثِ والصَّلاةِ كافِيَةٌ.
ومنهم مَن جَوَّزَ على كلِّ حالٍ، وإنْ لم يَفْعَلْ.
******************
مسألة؛ الرَّقْصُ عندَ طِيبَةِ قَلْبِه، أو عندَ مُوافَقَتِهِ لرجلٍ صالحٍ، ما حُكْمُه؟
الجواب: أحسنُ أحْوالِه الإباحةُ، وهو في الحقيقةِ لَعِبٌ، ومُوافَقَتُه الرَّجُلَ الصالحَ به حَسَنٌ، إلاَّ أن يكونَ الصالحُ يَعْتَقِدُه طاعةً وقُرْبَةً وطَرِيقًا إلى الآخرةِ، فلا يُوافق عليه، ففيه فَسادٌ لذلك الصالِحِ، وإغْراءٌ بالجاهِلِ، واللهُ تعالى يقول:
(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم
стр. 204
والعدوان)، ومِن البِرِّ إعلامُ ذلك الصالحِ حَقِيقَةَ الحالِ، وأنه ليس مِن أنْواعِ الْقُرُباتِ، ولم يَذْكُرْ إمامٌ مَعْمُولٌ بقَوْلِه، ولم يَنْقُلْهُ مَن يُرْجَعُ إلى روايتِهِ، وأحمدُ وأبو حنيفةَ يُحَرِّمُونَ الغِناءَ جُمْلَةً، وهذا مِنْ تَوابِعِهِ.
******************
مسألة؛ إذا قرأ القُرْآنَ، ولم يكنْ قَلْبُه حاضِرًا مع الْقِراءةِ أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ بنَوْعٍ مِن أنْواعِ الذِّكْرِ وهو غافِلٌ، فإنَّه لا ثَوابَ ولا قُرْبَةَ إلاَّ بقَصْدٍ ونِيَّةٍ.
والسَّاهِي واللَّاهِي في صَلاتِه تُجْزِئُهُ صلاتُه ويَسْقُطُ فَرْضُه، ولكنْ لا ثَوابَ. هكذا قَطَعَ به القاضِي، ﵀.
******************
مسألة؛ إجابةُ كلِّ مُؤَذِّنٍ في وَقْتِ كلِّ صلاةٍ مُسْتَحَبَّةٌ، وإنْ كانُوا جَماعةً، لِقَوْلِه، ﵇: "إذا سَمِعْتُم النِّداءَ فَقُولوا مِثْلَ ما يقُولُ
стр. 205
الْمُؤَذِّنُ". والألِفُ واللَّامُ تَقْتَضِي اسْتِغْراقَ الجِنْسِ والعُمومَ، فيُجيبُ كلَّ مُؤَذنٍ.
******************
مسألة؛ ما يفْضُلُ مِن أوْقافِ المساجِدِ والرِّباطاتِ يجوزُ للنَّاظِرِ فيه أو الحاكِمِ أو نائِبِه أن يَشْتَرِيَ به لِلْمَوْقُوفِ عَقارًا إن رأى ذلك، ولا يكونُ وَقْفًا، ويجوزُ بَيْعُه كَثَمَنِهِ، ورأيتُ في "فَتاوَى" مَنْسُوبَةٍ إلى الغَزَّالِيِّ: إذا رأى الحاكِمُ وَقْفَهُ على جِهَةِ فِعْلٍ صارَ وَقْفًا، وعَجَبٌ أن يَصِحَّ الوَقْفُ مِن غيرِ المالِكِ.
******************
مسألة؛ إذا رفَعَ رأسَه قبلَ رَفْعِ الإمامِ مِن الرُّكوع أو السُّجودِ فقد فَعَلَ فِعْلاً مُحَرَّمًا، ولكنْ لا تبطُلُ صَلاتُهُ.
وقال الشيخُ أبو محمد الجُوَيْنِيُّ: تبطُلُ صلاتُه؛ لِقَوْلِه عليه
стр. 206
السلام: "أمَا يَخْشَى أحَدُكُم إذا رَفَعَ رَاسَهُ والْإمامُ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أنْ يُحَوِّلَ اللهُ راسَهُ في يومِ الْقِيامَةِ وصُورَتَهُ صُورَةَ حِمارٍ".
فإذا قُلْنا: لا تَبْطُلُ صلاتُهُ وهو مذهبُ الحَقِّ، فلا يجوزُ له العَوْدُ إلى المُتابَعةِ، فإن فَعَلَ عامِدًا بَطَلَتْ صَلاتُه، فإنَّه قد زاد رُكُوعًا أو سُجودًا، وإن رَفَعَ رأسَه ظَنًّا أن الإمامَ قد رفَع رأسَه، وبانَ أنَّه لم يَرْفَعْ، فلا يجبُ عليه العَوْدُ قَطْعًا، لأنَّه تَلَبَّسَ بالفَرْضِ مع العُذْرِ.
لكنْ هل يجوزُ له الرُّجُوعُ؟
فيه وَجْهان، الأوْلَى أن لا يَرْجِعَ، احْتِرازًا عن مَحَلِّ الخلافِ، فإنَّه إذا لم يَعُدْ لم تَبْطُلْ صَلاتُه إجْماعًا، وإن عاد، ففي بُطْلانِها خِلافٌ، ولا يجبُ الرجوعُ بحَالٍ.
******************
стр. 207
مسألة؛ المشروعُ في الاِسْتِنْجاءِ البَدْءُ فيه بغَسْلِ الذَّكَرِ دون الدُّبُرِ، فإن أشْفَقَ على الماءِ، وخاف أن لا يكْفِيَهُ للذَّكَرِ وللدُّبُرِ، فلا سَبيلَ إلى عُدُولِه عن المَشْروعِ المَأمورِ به مِن غيرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، ويَسْتَنْجِي بالحَجَرِ والْمَدَرِ للدُّبُرِ.
******************
مسألة؛ بِناءُ دَكَّة في المسجدِ أو تَحْوِيطُ حاجِزٍ لِيَتَمَيَّزَ مَوْضِعُه مِن غَيْرِه لا يجوزُ، حتى أوْجَبَ العلماءُ على المُخْتَصِّ بمَوْضِعٍ منه الأُجْرَةَ.
******************
مسألة؛ النُّخامةُ التي تَخْرُجُ مِن الرَّاسِ والصَّدْرِ والْفَمِ طاهرةٌ، والبَلْغَمُ الذي يخرُج مِن المَعِدَةِ نَجِسٌ، خِلافًا لأبي حنيفةَ.
******************
مسألة؛ المُسْتَنْجِي بالأحْجارِ إذا صَلَّى أو لم يُصَلِّ، وجلَس في ماءٍ قليلٍ نَجَّسَهُ. هذا ما قَطَعَ به الأئِمَّةُ، وكذلك الثوبُ إذا عُفِيَ عن النَّجاسةِ اليَسِيرَةِ فيه، إمَّا لِكَوْنِها دَمَ بَثْرَةٍ أو بُرْغُوثٍ أو يَسيرَ الدِّماءِ، أو ما لا يُدْرِكُها الطَّرفُ، إذا وَقَعَ في ماءٍ قَليلٍ نَجَّسَهُ لا مَحالَةَ، إذْ لا حاجةَ لِيُعْفَى عن ذلك.
******************
стр. 208
مسألة؛ الصلاةُ بالجماعةِ غيرَ الفرائضِ والعِيدَيْن والكُسُوفَيْن والاِسْتِسْقاءِ وصلاةِ الْجَنازةِ بِدْعَةً، لأنَّا قد أُمِرْنا بإخْفائِها، وأن نُصَلِّيَ في البُيُوتِ خَوْفًا مِن الرِّياءِ.
ولقد كَثُرَ الاجْتِماعُ في صلاةِ الرَّغائِبِ، في رجب ونصفِ شعبان، وليس بمَشْرُوعٍ وذكَرَ في "الوسيط"، في الصلاة ثلاثةَ أوْجُهٍ.
******************
مسألة؛ إخْصاءُ البهائِمِ لِمَنْفَعَةٍ كالسِّمَنِ، أو زَوالِ الشَّغب، والسَّبْقِ، مُحَرَّمٌ، لأنَّ فيه تَعْذِيبًا وإيلامًا، إلاَّ ما وَرَدَ به الشَّرْعُ مِن الإِشْعارِ والذَّكاةِ والمُداواةِ، كفَصْدٍ وحِجامَةٍ وقَطْعِ سِلْعَةٍ.
стр. 209
ولو جاز خِصاءُ الحيوانِ للسِّمَنِ لَجازَ لبني آدم للتَّبَتُّلِ والعبادةِ وقَطْعِ غائِلَةِ الفُحُولَةِ، وقد نَهَى ﵇ عنه.
******************
مسألة؛ حَمْلُ الفُلُوسِ في الصَّلاةِ، وكذا الدَّنانيرُ التي عليها الصُّوَرُ، فإنْ كانت ظَاهِرَةً غيرَ مُسْتَتِرَةٍ فالمَنْعُ، وإن كانت مُسْتَتِرَةً غيرَ ظَاهِرَةٍ فلا مَنْعَ، ولو قِيلَ به فمُحْتَمِلٌ.
******************
مسألة؛ الإصبع الخَشِنَةُ هل يُجْزِئُ السِّواكُ بها؟
ذكَر الشيخُ أبو الغَنائِمِ الْفارِقِيّ فيها وَجْهَيْن.
وذكر الخُراسانِيُّون جَوازَ السِّواكِ بقُضْبانِ الأشْجارِ، وكُلِّ خَشِنٍ يَقُومُ مَقامَها.
******************
مسألة؛ اخْتَلَفَ أصحابُنا في المَسْبُوقِ إذا قرأ بعضَ الفاتحةِ وركَع الإِمامُ، هل يَقْرَأُ أم يُتابِعُ؟
стр. 210
فمنهم مَن أوْجَبَ المُتابَعَةَ.
ومنهم مَن أوْجَبَ القراءةَ المُتَلَبَّسَ بها.
ومنهم مَن فَرَّقَ وقال: إن قَصَّر وتَشاغَلَ بدُعاءِ الافْتِتاحِ وجب عليه،] و [إن لم يُقَصِّرْ فلا يُتْمِمْ.
وإذا قُلْنا: تَجِبُ القراءةُ، وقَرَأَ وأدْرَكَ الإمامَ راكِعًا، اعْتُدَّ له بالرَّكْعةِ، وإن فاتَتْهُ، فلا يُعْتَدُّ له بهذه الرَّكعةِ، وفي بُطْلانِ صَلاتِه بها وَجْهانِ.
******************
مسألة؛ غَسْلُ الْأَيْدِي والأبْدانِ في الحَمَّامِ وغيرِه بما هو مَطْعُومٌ كالعَدَسِ، ودَقيقِ الشَّعِيرِ، هو مَكْرُوهٌ لا مَحالَةَ، إلاَّ عندَ حاجةِ التَّداوِي، وسمعتُ عن بعضِ شُيُوخِي يقولُ: كَراهةَ تَحْرِيمٍ.
******************
مسألة؛ إذا تَجَشَّأَ في الصلاةِ، فخَرج مِن مَعِدَتِه إلى فَمِه شيءٌ قليلٌ، فهو كَسَبْقِ الحَدَثِ، إن كان باخْتِيارٍ، فهو نَجِسٌ يَحْتَرِزُ عنه، ويَمْنَعُ مِن صِحَّةِ الصَّلاةِ، وإنْ كان بغيرِ اخْتِيارِه كان كَسَبْقِ الحَدَثِ. واللهُ أعلمُ.
стр. 211
تَمَّتِ المَسائِلُ والمُشْكِلاتُ، بحَمْدِ اللهِ ومَنِّهِ، وإحْسانِهِ وفَضْلِهِ، وصَلَّى اللهُ على محمدٍ خيرِ خَلْقِهِ وعلى أصْحابِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
نَفَع اللهُ به قارِئه، وغَفَرَ لكاتِبِه، ولِمَنْ دَعَا له، ولِمالِكِه، بالعَفْوِ والتَّوْبَةِ، والحَجِّ إلى بَيْتِ اللهِ الْحَرامِ.
وكان الفَراغُ من نَسْخِه في التاسع عشر من شهر رمضان، سنة، تسع وثمانين وخمسمائة.