← Гариб и словари

Гариб и словари · id 13256

حلية الفقهاء

ابن فارس

Полный текст (211 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب إحياء المواتِ والإقطاع والعطايا وغير ذلك أمَّا إحْياءُ المَوَاتِ، فالْأرْضُ لا يَمْلِكُها أحَدٌ وتكون مَيِّتَةً، فيَجِيءُ واحِدٌ فيُحْيِيها بإصْلاحِها وسَقْيِها، فتكون له، لأنَّ النبيَّ ﵇، جَعَلَها له، قال ﵇: "مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". فالعِرْقُ الظَّالِمُ: أنْ يَجِيءَ الرجلُ إلى الْأرْضِ قد أحْياهَا غيرُه، فيُحْدِثُ فيها بِنَاءً، أوْ يَغْرِسُ فيها غِرَاسًا، أوْ يَعْمَلُ بها عَمَلاً يُريدُ أنْ يَسْتَوْجِبَ بذلك الْأرْضَ. والعِرْقُ: الأَصْلُ. كأنه يُريد أن يُؤَصِّلَ أصْلاً يَسْتَوْجِبُ به الأرْضَ. وقال في حديثٍ آخَرَ: "وما أكَلَتِ الْعَافِيَةُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ".

стр. 142

فالْعَافِيَةُ: كلُّ مَنْ أتَى طالِبَ رِزْقٍ، مِنْ إنْسانٍ، أوْ دابَّةٍ، أوْ طائرٍ، أوْ غيرِ ذلك. والْعَافِي: الطَّالِبُ. وأمَّا الْحِمَى، فهو أن يَحْمِيَ أرْضًا لا يدخُلُها غَيْرُه، وقد فَسَّرْنَاه قَبْلُ. وأمَّا الْإقْطَاعُ: فأنْ يُقْطِعَ له ناحِيَةً مِن الْأرْضِ، أوْ شيئًا مِن الْأشْياءِ، فيَجْعَلُه له. وأمَّا حديثُ أبْيَضَ بنِ حَمَّالٍ، في قَوْلِه: إنَّما أقْطَعْتَهُ الماءَ الْعِدَّ. فالْعِدُّ: هو الماءُ الدائمُ الذي لا يَنْقَطِعُ، مثلُ ماءِ الْعَيْنِ والبِئْرِ، والْجَمْعُ أعْدَاد. أنْشَدَنا القَطَّانُ، عن ابنِ عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ: دَعَتْ مَيَّةَ الْأعْدادُ واسْتَبْدَلَتْ بها ... خَنَاطِيلُ آجَالٍ مِن العِينِ خُذَّلُ

стр. 143

في "المُجْمَل": العِينُ: البَقَرُ، سُمِّيَتْ بذلك لِسَعَةِ عُيُونِها. وأمَّا الحَبْسُ، فأنْ يَحْبِسَ المَرْءُ مِنْ مالِه شيئًا للَّهِ . وأمَّا الْعُمْرَى، فأنْ يقولَ الرجُلُ للْآخَرِ: هذه الدارُ لك عُمْرِي، أو عُمْرَكَ. والرُّقْبَى، أنْ يقولَ: هذه الدارُ لك، فإنْ مِتُّ قَبْلَك فهي لك، وإنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إلَيَّ. وقيل لها رُقْبَى، لأنَّ كُلَّ واحدٍ منها يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِهِ. وقَوْلُه: "إنِّي نَحَلْتُ ابني هذا". فالنَّحْلُ: إعْطاءُ الشيءِ مِنْ طِيبِ نَفْسٍ، مِنْ غيرِ أن يُطالِبَ به. وأمَّا اللُّقَطَةُ، فمن الْتَقَطْتُ الْحَبَّ: إذا أخَذْتَهُ مِنَ الْأرْضِ.

стр. 144

وأمّا قوْلُه: "احْفَظْ عِفاصَها وَوِكَاءَها". فالْعِفَاصُ: ما يُشَدُّ فيه، والْوِكاءُ ... وأمَّا المَنْبُوذُ، فالمَرْمِيُّ، يُقال: نَبَذْتُ الشيءَ: إذا رَمَيْتَ به.

стр. 145

باب الشفعة قد كانت الشُّفْعَةُ معروفةً عندَ العربِ في الجاهليَّة، وذلك أنَّ علِيًّا حدَّثَنا، عن المُفَسِّر، عن القُتَيْبِيِّ، قال: كان الرجلُ في الجاهليَّة إذا أرادَ بَيْعَ مَنْزِلٍ أوْ حائِطٍ أتاه الجارُ والشَّرِيكُ والصَّاحِبُ، يَشْفَعُ إليه فيما باع، فشَفَّعَهُ، وجعلَه أولَى به ممَّن بَعُدَ نَسَبُهُ، فسُمِّيَتْ شُفْعَةً، وسُمِّيَ طالبُها شَفِيعًا. وأمَّا الْجِيرانُ، فقد قال بعضُ أهلِ العلْمِ: إنَّ الجارَ هو الذي يُساكِنُكَ في الدَّارِ، ولهذا سَمَّتِ العربُ زَوْجَةَ الرَّجُلِ جارَتَهُ، قال الأَعْشَى: أيَا جَارَتِي بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ والثَّانِي: الذي يُلاصِقُ مَنْزِلُه مَنْزِلَكَ، ويَشْرَعُ بَابًا في المَحَلَّةِ كما يَشْرَعُ بَابُك.

стр. 146

والثَّالث: الذي معَك في المَحَلَّةِ، وإنْ لم يُلاصِقْكَ. والرابع: الذي يَجْمَعُك وإيَّاه بَلَدٌ، قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا). وأمَّا قَوْلُه: "الْجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ". فالسَّقَبُ: القُرْبُ، ويُرْوَى بالصَّادِ "الصَّقَبُ".

стр. 147

كتاب الفرائض أصْلُ الفرائِضِ: الحدودُ، وهو مِنْ: فَرَضْتُ الخَشَبَةَ: إذا حَزَزْتَ فيها حَزًّا يُؤَثِّرُ فيها، فكذلك الْفَرائِضُ حُدُودٌ وأحْكامٌ مُبَيَّنَةٌ. وأمَّا الْعَصَبَةُ، فخَبَّرَنا الْقَطَّانُ، عن المُفَسِّر، عن القُتَيْبِيِّ، قال: عَصَبَةُ الرَّجُلِ قَرَابَتُهُ لأبِيهِ، وبَنُوه، فسُمُّوا عَصَبَةً لأنهم عَصَبُوا به، أي: أحَاطُوا بِهِ. والْأَبُ طَرَفٌ، والاِبْنُ طَرَفٌ، والعَمُّ جانِبٌ، والْأخُ جانِبٌ، فلما أحاطَتْ به هذه الْقَراباتُ عَصَبَتْ به، وكلُّ شيءٍ اسْتَدارَ حَوْلَ شيءٍ، فقد عَصَبَ به، ومنه الْعِصَابَةُ. قال: والْكَلالَةُ: أن يَمُوتَ الرجلُ ولا يَتْرُك وَالِدًا ولا وَلَدًا.

стр. 148

قال أبو عُبَيْدٍ: وهو مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ. أي: أحَاطَ به، والْأبُ والاِبْنُ طَرَفَانِ للرَّجُلِ، فإذا مات ولم يُخَلِّفْهُما فقد مات عن ذَهابِ طَرَفَيْهِ، فسُمِّيَ ذَهابُ الطَّرَفَيْنِ كَلالَةً، وكأنَّها اسْمٌ مِن الْمُصِيبَةِ في تَكَلُّلِ النَّسَبِ مَأخُوذٌ منه.

стр. 149

باب الوديعة الْوَدِيعَةُ، مِن قَوْلِكَ وَدَعْتُ الشيءَ: إذا تَرَكْتَهُ. كأنَّك لَمَّا أوْدَعْتَهُ الوَدِيعَةَ تَرَكْتَها عندَه، والعربُ تقول: دَعْ ذَا. ولا يكادُون يقولون: وَدَعْتُه. وقد جاء عنهم ذلك. قال الشاعر: لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي ما الذي ... غَالَهُ في الحُبِّ حتَّى وَدَعَهْ

стр. 150

باب الفيء والغنيمة وما شابه ذلك أمَّا الفَيْءُ، فما أفَاءَ اللهُ عَلَى المسلمين، مِمَّنْ لم يُوجَفْ عليه بخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، بِصُلْحٍ صُولِحُوا عليه. وهو في اللغة مِن الرُّجُوع، يُقال: فَاءَ إلى كذا، وهو يَفِيءُ: إذا رَجَع، قال اللهُ: (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم). والمعنَى أنَّه ما رَجَعَهُ اللهُ إلى المسلمين، ورَدَّهُم إليهم. وأمَّا الغَنِيمَةُ: فما غَنِمَ المسلمون من العَدُوِّ عن حَرْبٍ يكون بينهم. وأَصْلُ الغُنْمِ: الرِّبْحُ والفَضْلُ، وكذا في الرَّهْنِ له غُنْمُهُ وعليه غُرْمُهُ. أراد بالغُنْمِ الزِّيادةَ والفَضْلَ. أمَّا النَّفَلُ: فما نَفَلَهُ الْإمامُ لِلْواحدِ من المسلمين: إذا قَتَلَ مُشْرِكًا أوْ خُصَّ به السَّرايَا، وأَصْلُهُ ممَّا يتَطَوَّع به ممَّا لا يَجِبُ عليه، ومنه

стр. 151

قيلَ للصَّلاةِ التَّطَوُّعِ نافِلَةً، فكأنَّ الْأنْفَالَ شيءٌ خَصَّ اللهُ به المسلمين، ولم يكنْ لغَيْرِهم من الْأُمَمِ. وأمَّا الْإيجَافُ: فالْإسْرَاعُ في السَّيْرِ. ويكون ذلك عَلَى الْأَفْراسِ، قال اللهُ : (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب). فالخَيْلُ الأفْرَاسُ. والرِّكابُ الْإبِلُ، يُقال لِرَاكِبِ الفَرَسِ: قد أوْجَفَ: إذا أسْرَعَ، ويُقال لصاحِب البَعيرِ: قد أوْضَعَ. وأمَّا السَّرِيَّة، فإنَّما سُمِّيَتْ بذلك، لأن الغالِبَ عليها أنها تَسْرِي لَيْلاً، والسُّرَى لا يكونُ إلاَّ باللَّيْلِ. وأمَّا الْهَزِيمَةُ، فمن الْهَزِيمِ، وهو الكَسْرُ، يُقال: هَزَمْتُ الشَّيْءَ. إذا كَسَرْتَهُ. وأمَّا قَوْلُ القائلِ: "فكان أوَّلَ مالٍ تَأَثَّلْتُهُ في الْإسْلامِ"، فهو مِن التَّأَثُّلِ، وهو الجَمْعُ، قال رسولُ اللهِ ﷺ في وَصِيِّ الْيَتِيمِ: "إنَّه يأكُلُ مِنْ مالِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً".

стр. 152

باب قَسْم الصدقات قال اللهُ جَلَّ ثَناؤُه: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل). فأما الفقراء، فالزَّمْنَى الضِّعَافُ الذين لا حِرْفَةَ لهم، ولا يَسْألُون الناسَ أوْ يَسْأَلُون. وبعضُ أهلِ اللغةِ يَذْهَبُ إلى أن الفقيرَ الذي له بُلْغَةٌ مِن العَيْشِ، ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ القائل: أمَّا الفقيرُ الذي كانتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ

стр. 153

ألا تَرَى أنه جَعل له حَلُوبَةً، وجعَلها وَفْقًا لِعِيَالِهِ، أي: قُوتًا لا فَضْلَ فيه. والْمَساكينُ: السُّؤَّالُ، ومَنْ لا يَسْألُ مِمَّنْ له حِرْفَةٌ ولا تَقَعُ منه مَوْقِعًا، ولا تُغْنِيهِ ولا عِيالَهُ، وقد كان سائِلاً أوْ غيرَ سائِلٍ. وقال بعضُ أهلِ اللغةِ: المسكينُ الذي لا شَيْءَ له. وإنَّما يُحْكَى مَقالُ الشَّافِعِيِّ فيما يُشْبِهُ هذا المعنَى، لأنَّه ليس في عِلْمِ اللِّسانِ بدُونِ واحِدٍ مِمَّنْ يُذْكَرُ. وأمَّا العامِلُون عليها، فمَن وَلَّاهُم الوَالِي قَبْضَها، ومَنْ لا غِنَى بالوَالِي عن مَعُونَتِه عليها. وأمَّا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم، فقَوْمٌ تَألَّفَهُم النبيُّ، ﵇، علَى الْإسْلامِ، وكانوا رُؤَساءَ قَوْمٍ، وهو مِنْ قَوْلِك: ألَّفْتُ الشَّيْءَ: إذا جَمَعْتَهُ، فكأنَّ قُلُوبَهم أُلِّفَتْ على الإسْلامِ بِبَذْلٍ بُذِلَ لهم. وأمَّا الرِّقابُ، فالرِّقابُ المُكاتَبُون مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَاتِ، وإنَّما عَبَّرَ عن الذَّاتِ بالرَّقَبَةِ، وإلاَّ فالْعِتْقُ يَقَعُ على النَّفْسِ كُلِّها.

стр. 154

وأمَّا الْغَارِمُون، فقومٌ كانوا في مَصْلَحَةِ نُفُوسِهم، لا في مَعْصِيَةٍ، ثم عَجَزُوا عن أداءِ ذلك، فيُعْطَوْنَ في غُرْمِهم لِعَجْزِهم، وقَوْمٌ كانوا في حَمالاتٍ يَحْمِلُونَها في دِماءٍ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وحَقْنِ الدِّماءِ. وفي سَبيلِ اللهِ، أراد الْغُزَاةَ. وابن السَّبيلِ، أراد المُسافِرَ الذي يُريدُ بَلَدًا غيرَ بَلَدِه، لِأمْرٍ لا بُدَّ له منه، وهو مِنْ جيران الصدقة، وإنَّما سُمِّيَ ابن السَّبيل لأنَّ السَّبيلَ الطَّرِيقُ، فنُسِبَ سالِكُ السبيلِ إلى السبيلِ، كأنَّه ابْنُهُ.

стр. 155

كتاب النكاح وما اتصل به من الطلاق والرجعة والإيلاء وغير ذلك النِّكاح: هو التَّزْويج، ورُبَّما عُبِّرَ به عن الغِشْيانِ نَفْسِهِ. ولا يكونُ إلاَّ بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ. فالْوَلِيُّ: الذي يَلِي أمْرَ الزَّوْجَةِ، وهو الذي أَقْرَبُ إليها مِنْ جِهَةِ الْوِلايَةِ. والْوَلِيُّ مَاخُوذٌ مِنَ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ، لِقَوْلِ النبيِّ ﵇: "لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ ذَوُو الْأحْلامِ". أي: لِيُقارِبْنِي. وأمَّا عَضْلُ الوَلِيِّ لِلْأَيِّمِ، فَحَبْسُها عن التَّزْوِيجِ، يُقال:

стр. 156

عَضَلَها: إذا مَنَعَها. وهو مِنْ قَوْلِنا: عَضَلَ الولدُ في رَحِمِ النَّاقَةِ: إذا نَشِبَ فلم يَخْرُجْ، والمُعْضِلاتُ: الشَّدائِد. وتقول: نَكَحْتُ المرأةَ: إذا تَزَوَّجْتَها، وأنْكَحْتُها: إذا زَوَّجْتَها. وأمَّا عَقْدُ النِّكاحِ، فَمِنْ قَوْلِكَ: عَقَدْتُ الخَيْطَ والحَبْلَ: أعْقِدُهُ عَقْدًا. وأمَّا الشِّغَارُ الذي نَهَى عنه رسولُ اللهِ ﷺ ، فهو أن يُزَوِّجَ الرجلُ أُخْتَهُ، على أن يُزَوِّجَهُ الآخَرُ أُخْتَهُ، أوْ غيرَ الأُخْتِ مِمَّنْ يَلِي أمْرَها، ويكونُ النِّكاحُ مِنْ غيرِ مَهْرٍ. وكان الرجلُ في الجاهليَّةِ يقول: شَاغِرْنِي. أي: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، وقيل لذلك شِغَارٌ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَشْغَرُ إذا نَكَحَ، وأصْلُ الشَّغْرِ لِلْكَلْبِ، وهو أن يَرْفَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ لِيَبُولَ، فكُنِيَ بذلك عن هذا النِّكاحِ، وجُعِلَ له عَلَمًا. ويَحْتَمِلُ أن يكون إنَّما سُمِّيَ شِغَارًا لِخُلُوِّهِ مِنَ المَهْرِ، كما يُقالُ: بَيْتٌ شَاغِرٌ، أي: خَالٍ. وأمَّا المُتْعَةُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: مَتَّعْتُ الرَّجُلَ: إذا فَعَلْتَ شَيْئًا يكونُ له فيه مَنْفَعَةٌ، قال اللهُ تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم). أي: مَنْفَعَةٌ.

стр. 157

وأمَّا الْإحْصَانُ، فأنْ تكونَ المرأةُ ذاتَ زَوْجٍ، وقد تُدْعَى الحُرَّةُ البِكْرُ مُحْصَنَةً، ويدُلُّ على ذلك قَوْلُه ، في الْإماءِ: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، أي: على الْحَرائِرِ، لا ذَواتِ الْأزْواجِ، لأنَّ ذَواتِ الْأزْواجِ عليهنَّ الرَّجْمُ، والرَّجْمُ لا يَتَبَعَّضُ، وإنَّما سُمِّيَتْ الْحُرَّةُ البِكْرُ مُحْصَنَةً، لأنَّ الإحْصانَ يكونُ لَها وبِها، لا بالْأَمَةِ.

стр. 158

باب عفو المهر قال اللهُ : (إلاَّ أن يعفون). أي: يَعْفُوَ النِّساءُ، فلا يَأخُذْنَ شيئًا، (أو يعفوَا الذي بيده عقدة النكاح)، وهو الزَّوْجُ فيُعْطِيها الصَّداقَ كُلَّهُ. ورَوى سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حَدَّثَنا جَريرُ بنُ حازِمٍ، عن عيسى بنِ عاصِمٍ، قال: سمعتُ شُرَيْحًا يقول: قال: سألنِي عَليُّ بنُ أبي طالبٍ، عن الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، فقُلْتُ له: هو وَلِيُّ المَرْأةِ. فقال: لا، ولكنَّه الزَّوْجُ. وكذا كان ابنُ عَبَّاسٍ يقولُ. وحكَى بعضُ أهلِ العِلْمِ، قال: كان أهلُ المدينةِ يقولون: هو الوَلِيُّ، فَقَدِمَ ابنُ جُبَيْرٍ عليهم، فقال: أرَأيْتُم لو عَفَا الوَلِيُّ وأَبَتِ المَرْأةُ، وما لِلْوَلِيِّ مِنْ ذلك! فرَجَعُوا إلى أنه الزَّوْجُ.

стр. 159

فإنْ قال قائلٌ: وَجَدْنَا الْأزْواجَ قد جَرَى ذِكْرُهم في الآيةِ، وهو قَوْلُه: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم). ثم قال: (إلا أن يعفون)، فإنَّما أراد بذلك النِّساءَ، ثم قال: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح)، وهو يُريد: أو تَعْفُوا أنْتُم أيُّها الْأزْواجُ. فإن قال قائلٌ: فإنَّ العَفْوَ لا يكونُ إلاَّ تَرْكُ الْأخْذِ بالشيءِ الواجِبِ، وذلك إنَّما يكونُ مِن المرأةِ لأنَّ المَهْرَ لها، وقد اسْتَحَقَّت النِّصْفَ، فتَتْرُكُ طِلابَ ذلك النِّصْف، أو يَعْفُو وَلِيُّها فيَتْرُكُ ما وَجَبَ للذي يتَوَلَّى أمْرَها، وهو أبُو البِكْرِ. قيل له: وكذلك البَعْلُ قد اسْتَحَقَّ أن يُجْعَل له نصفُ المَهْرِ المُسَمَّى، فلا يُطالَبُ به، وإذا كان مُسْتَحِقًّا له، قيل له: اعْفُ. أي: اتْرُكْ ما قد صِرْتَ أنتَ أوْلَى به، وهو النِّصْفُ، فيَعْفُو، أي: يتْرُكُ ما قد اسْتَحَقَّه، ويجعله للمرأةِ، ابْتِغاءَ الفَضْلِ. ثم يُقال لهؤلاء القومِ: أرَأيْتُمْ إن كان الوَلِيُّ هو الذي تَزَوَّجَها، ثم طَلَّقَها قبل أن يَدْخُلَ بها، وأبَتْ أن تَعْفُوَ عنه، ألَهُ أن يَعْفُوَ عن نفسِه؟ فإذا لم يكنْ له ذلك دَلَّ ذلك على أن الْأمْرَ ليس كالذي تَأوَّلْتُمُوه، وقد قال الشَّافِعِيُّ، ﵀: أمَّا أبُو البِكْرِ فلا يَجُوزُ له عَفْوُهُ، كما لا يَجُوز له هِبَةُ مالِها.

стр. 160

وأمَّا قَوْلُه، في باب الحُكْمِ في الدُّخُول: "ولوْ أفْضَاها فلم يَلْتَئِمْ فَعَلَيْهِ دِيَتُها". فإنَّ ذلك مِن المرأةِ المُفْضَاةِ، وهي التي جُعِل مَسْلَكَاها مَسْلَكًا واحدًا. وأمَّا نُشُوزُ الزَّوْجَيْن، فمعناه النُّبُوُّ، يُقال: نَشَزَ الرجلُ عَلَى امْرأتِهِ: إذا نَبَا عنها. وكلُّ نابٍ نَاشِزٌ، قال اللهُ تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها). أي: نَرْفَعُها مِن الْأرْضِ. وأمَّا الخُلْعُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: خَلَعْتُ ثَوْبِي، وخَلَعْتُ خاتَمِي. والْخُلْعُ لا يكونُ إلاَّ مِن الْأدْوَنِ لِلْأعْلَى، ألا تَرَى أنَّا نَقُولُ: خُلِعَ الخليفةُ. فلِذلك كان ابْتِداءُ الخُلْعِ مِن المرأةِ، وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الْمُخْتَلِعاتُ هُنَّ الْمُنافِقاتُ". يعني بذلك اللَّواتِي خَالَعْنَ أزْواجَهُنَّ مِن غَيْرِ حاجةٍ بِهِنَّ إلى الخُلْعِ. والخُلْعُ معروفٌ في كلامِ العربِ، وأصْلُه ما ذَكَرْناه، قال الشاعرُ يذكُر النِّساءَ: مُولَعَاتٌ بِهَاتِ هَاتِ فإنْ شَفَّقَ ... عَيْشٌ يَوْمًا أرَدْنَ الْخِلاَعَا

стр. 161

وأمَّا الشِّقَاقُ، فالخِلافُ، وانْشِقَاقُ الغُصْنَيْن الاختلاف بينهما، قال اللهُ : (ومن يُشاقِقِ اللهَ). أي: يُخالِف اللهَ، ويُقال لِلْخَوارِجِ: قد شَقُّوا عَصَا المسلمين، أي: فَارَقُوا جَماعَتَهم. وأمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: "ولو خَالَعَها عَلَى أن تُرْضِعَ ولده وَقْتًا معلومًا"، ثم قال: "لأنَّ المرأة تُدِرُّ على وَلَدِها، ويَقْبَلُ ثَدْيَها، ويَتَرَأَّمُها". فمعنَى يَتَرَأَّمُها أي: يَقْبَلُ مِن عَطْفِها عليه عندَ الإرْضَاعِ ما لا يَقْبَلُه مِن غيرِها. يُقال: أُمٌّ رَؤُومٌ: إذا كانتْ حانِيَةً على الولدِ، رَفِيقَةً عندَ رَضاعِها، وطَيْرٌ رؤُومٌ، بمعنًى واحدٍ. ورَأَمَ الفَصِيلُ أُمَّهُ: إذا قَبِلَ إرْضَاعَها له.

стр. 162

باب الطلاق معنَى الطَّلاق: الإطْلاق مِن العُقْدةِ المَعْقُودَةِ، يُقال: أطْلَقْتُ الرجلَ مِن حَبْسِهِ، وانْطَلَقَ الرجلُ، وعَدَا طِلْقًا أو طِلْقَيْن. كلُّ ذلك مِن أصْلٍ واحدٍ. ويُقال: هذا الشيءُ حلالٌ طِلْقٌ، أي: ليس بمُشَدَّدٍ ولا مُضَيَّقٍ. وأمَّا الْبَتَاتُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: بَتَتُّ الشيءَ: إذا قَطَعْتَهُ، وبَتَتُّ القضاءَ وأبْتَتُّهُ: إذا قَطَعْتَهُ. والسَّراح: مِن قَوْلِكَ: سَرَّحْتُ الماشيةَ: إذا خَلَّيْتَ عنها مِن حَظائِرِها، فهي مُسَرَّحَةٌ. وأمَّا البائِنُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: بانَتْ: إذا بَعُدَتْ، والبَيْنُ: الفِرَاقُ، والفِرَاقُ معروف.

стр. 163

وأمَّا قَوْلُه في الفَرْق بين "إذا" و"إن" إذا قال لها: أنتِ طالِقٌ إنْ لم أُطَلِّقْكِ، أو إذا لم أُطَلِّقْكِ، فالفرقُ بينهما، أنَّ "إنْ" لا يكونُ إلاَّ فيما يُشَكُّ في كَوْنِهِ، و"إذا" لا يكونُ إلاَّ فيما لا يُشَكُّ فيه، ولكن يكونُ وَقْتُه مُشْتَبِهًا، ألا تَرَى أنَّ اللهَ جَلَّ ثَناؤُه يقول: (إذا السماء انشقت). فهذا لا يجوز مَكانَه "إن السماءُ انْشَقَّتْ" لأنَّ السماءَ تَنْشَقُّ لا مَحالَةَ، فعَلَى هذا يَجْرِي هذا البابُ. وأمَّا الرِّجْعَةُ، فَمِنْ قَوْلِكَ: راجَعْتُ الشيءَ مُراجَعَةً، والاِسْمُ الرَّجْعَةُ. وأمَّا البَلاغُ في قَوْلِه: (فإذا بلغن أجلهن). فإنَّ أهلَ اللغةِ مُجْمِعُونَ على أنَّ قَوْلَه: (فإذا بلغن أجلهن) إذا قَرُبْنَ ذلك، وأشْرَفْنَ على انْقِضائِه، والعربُ تقولُ للْإنْسان: إذا بَلغْتَ مَكَّةَ، فاغْتَسِلْ قبلَ أنْ تدْخُلَها. فهذا لا شَكَّ على أنَّه أراد به مُقارَبَةَ البُلُوغِ. وأمَّا قَوْلُه: (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن). فالمعنَى واقِعٌ بعدَ بُلُوغِ الْأجَلِ، لأنَّ بُلُوغَ الْأجَلِ ههنا على ظاهِرِه، والعَضْلُ لا يَقَعُ

стр. 164

إلاَّ بعدَ بُلُوغِ الْأجَلِ، لأنَّ الزَّوْجَ إنَّما يكونُ أحَقَّ بِرَجْعَتِها قبلَ بُلُوغِ الأجَلِ. والرَّجْعَةُ لا تسَمَّى نِكَاحًا، وإنَّما يكونُ النِّكاحُ ما يُسْتَأنَفُ، فلَمَّا بَلَغَتِ الْأَجَل الذي هو لها احْتِيجَ إلى اسْتِئْنافِ النِّكاحِ. ونُهِيَ الْأوْلِياءُ عن عَضْلِ المرأةِ إذا أرادتْ أن تَنْكِحَ زَوْجَها الذي كان قد طَلَّقَها، إذا تَرَاضَيَا. وأمَّا قَوْلُه: "حتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ". فهو تَصْغِيرُ العَسَلِ،

стр. 165

والعَسَلُ مُؤَنَّثَةٌ. قال الشاعر: بِها عَسَلٌ طابَتْ يَدَا مَنْ يَشُورُها أي: يَجْنِيها. وإنَّما كَنَى بها عن حَلاوةِ الجِماعِ، وقد يكون ذلك بالإنْزالِ وغيرِ الإنْزالِ، كما تقولُ في الغُسْلِ مِن الْجَنابَةِ. وأمَّا الْإيلاءُ، فهو مِن الْألِيَّةِ، والجَمْعُ ألايَا، كما يُقال: عَشِيَّةٌ وعَشَايَا. والدَّلِيلُ على أن الْألِيَّة اليَمِينُ قَوْلُ جَرِيرٍ: آلَوْا عَلَيْها يَمِينًا لا تُكَلِّمُنا ... مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ولا مِنْ رِيبَةٍ حَلَفُوا وأمَّا الفَيْءُ، فالرُّجُوعُ، يُقال: فَاءَ الظِّلُّ: إذا رَجَع مِن جانِبِ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ، قال اللهُ تعالى: (حَتَّى تَفيءَ إلى أمْرِ اللهِ). أي: تَرْجِعَ.

стр. 166

وأمَّا قَوْلُه: "حَبْلُكِ على غارِبِكِ" فمَأخُوذٌ مِن أنَّ الرجلَ إذا خَلَّى عن نَاقَتِهِ للرَّعْيِ أو غيرِه أرْخَى حَبْلَها، وألْقاه على سَنامِها، والعربُ تَتَمَثَّلُ بذلك كثيرًا، قال الشاعرُ: فَلَمَّا عَصَيْتُ الْعاذِلِينَ ولم أُطِعْ ... مَقالَتَهُمْ ألْقَوْا عَلَى غَارِبِي حَبْلِي

стр. 167

باب الظهار أخبرنا القَطَّانُ، قال: حدَّثَنَا أبو بكر المُفَسِّرُ، عن القُتَيْبِيّ، قال: الظِّهارُ الذي تَحْرُم به المرأةُ مَأخُوذٌ مِن الظَّهْرِ، وذلك أن تقولَ لها: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي. وكان يُطَلَّقُ في الجاهليَّةِ بذلك، وإنَّما اخْتَصُّوا به الظَّهْرَ دونَ البَطْنِ والفَخِذِ والفَرْجِ، لأنَّ الظَّهْرَ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ، والمرأةُ مَرْكُوبَةٌ إذا غُشِيَتْ، فكأنَّه إذا قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي. أراد رُكُوبُكِ للنِّكاحِ حرامٌ كرُكوبِ أُمِّي للنِّكاحِ. فأقام الظَّهْرَ مُقامَ الرُّكُوبِ، لأنَّه مَرْكُوبٌ، وأقام الركوبَ مُقامَ النِّكاح، لأنَّ النَّاكِحَ راكبٌ، وهذا مِن لَطِيفِ الاِسْتِعارَةِ لِلْكِناية. هذا كلُّه قَوْلُ القُتَيْبِيِّ. وقال نَاسٌ مِن أهلِ العِلْمِ: ليس الظِّهارُ مَاخُوذًا مِن الظَّهْرِ مِن الجَسَدِ، لأنه لو كان كذلك، لَكَانَ البَطْنُ أوْلَى بذلك، لأنَّ العربَ لا تَذْكُرُ البِضَاعَ إلاَّ بِلَفْظِ البَطْنِ، يقولون: تَبَطَّنْتُها. ولكن الظَّهْرُ ههنا

стр. 168

مَأخُوذٌ مِن العُلُوِّ والمِلْكِ، ألا تَرَى أنَّ اللهَ يقولُ: (فما استطاعوا أن يظهروه). أي: يَعْلُوهُ، وكلُّ مَن عَلا شَيْئًا فقد ظَهَرَهُ، قال: فكذلك امرأةُ الرجلِ يَظْهَرُها، أي: يَعْلُوها بالمِلْكِ والبُضْعِ، وإنْ لم يكنْ ناحِيَةَ الظَّهْرِ، وكان تَأوِيلُ قَوْلِ القائلِ: أنتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أي: كَظَهْرِها عَلَيَّ، أي: مِلْكِي إيَّاكِ وعُلُوِّي لكِ حَرامٌ عليَّ. ثم اخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ جَلَّ ثَناؤُه: (ثم يعودون لما قالوا). فقال قَوْمٌ: أنْ يقولَ لها: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي. ثم يعود ثانيةً، فيقول: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي. فتَجِبُ الكَفَّارَةُ بالقَوْلِ الثاني، ولا تَجِبُ بالقَوْلِ الْأَوَّلِ. وقال قومٌ: المُعاوَدَةُ بالوَطْءِ، وهو أن يعودَ إلى ما حَرَّمَهُ، فَيَصيرُ إلى مِثْلِ ما كان عليه قبلَ مَجِيءِ التَّحْرِيمِ. وقال قومٌ مِن أهلِ اللغةِ: ... في الجاهليَّة كانُوا يُطَلِّقُون بالظِّهارِ، فجعل اللهُ الظِّهارَ بالْإسلامِ خِلافَ ما كان عندَهم في الجاهليَّة بالكَفَّارةِ التي تُحِلُّهُنَّ لَهُم وأنْزَلَ اللهُ: (والذين يُظاهِرون مِن نسائِهم ثم يعودون لما قالوا). يعني: ما كانوا يَقُولونَه مِن هذا الظِّهارِ، فتَحْلِيلُها في الإسْلامِ: (فتحرير رقبة)، أي: فكَفَّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.

стр. 169

قالوا: فَتَلْخِيصُها: والذين كانوا يُظاهِرُونَ في الجاهليَّة مِن نِسائِهم، ثم يَعُودُون، فتَحْلِيلُها في الْإسْلامِ لِمِثْلِ ما كانوا يقُولونَه فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. والعربُ تُضْمر "كان" ألا تَرَى أنه قال، جَلَّ ثَناؤُه: (واتَّبَعوا ما تتلوا الشَّياطينُ). أي: ما كانتْ تَتْلُوا الشَّياطِينُ. وقال الشَّافْعِيُّ، ﵀: إذا أمْسَكَ ما حَرَّمَ على نَفْسِه، فقد عاد لِما قال، فخَالَفَهُ، وأحَلَّ ما حَرَّمَ. وأمَّا قَوْلُ مَن قال: إنَّما هو أن يَعُودَ لِقَوْلِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي ثانِيَةً، فَرَدِيءٌ مِن القَوْلِ، لِمُخالَفَتِهِ مَقالاتِ أهلِ العِلْمِ، ولو جاز لِقائلٍ أن يقولَ: إنَّما أُريد بذلك أن يُعاوِدَ المُظَاهَرَةَ مَرَّتَيْن، لَجَازَ للآخَرِ أن يقولَ: وكذلك قَوْلُه: (للذين يُؤْلُون مِن نسائهم تربُّصُ أربعةِ أشهُرٍ فإن فاءوا). أي: فإنْ عادُوا لِلْإيلاءِ مَرَّةً أخرى. إذْ كان "عادوا" و"فاءوا" في معنًى واحدٍ، وإذا كان هذا القَوْلُ لا مَعْنَى له، فكذلك الْأَوَّلُ. وأمَّا قَوْلُ مَن قال: إنَّ ذلك إنَّما هو مَن عَاوَدَ في الإسْلامِ ما كان في الجاهليَّةِ.

стр. 170

فيُقال له: ما الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ؟ وأنتَ إنَّما صَحَّحْتَ قَوْلك عندَ نَفْسِك بإضْمارٍ أضْمَرْتَهُ عندَ قَوْلِك: تَأوِيلُها، والذين كانُوا يُظاهِرُون. ولا مَعْنَى لِقَبُولِ قَوْلٍ لا يَدُلُّ على صِحَّتِه دَلِيلٌ. وكان القُتَيْبِيُّ يقولُ بهذا القَوْلِ. إنَّما قُلْتُه تَدَبُّرًا واسْتِدْلالاً، ولم يَدُلَّ عَلى صِحَّةِ ذلك شيءٌ يجبُ قَبُولُه. وهذا القَوْلُ والذي قَبْلَه في الضَّعْفِ مُتَقارِبان، وذلك أنه يَلْزَمُ ألاَّ تَجِبَ الكَفَّارَةُ إلاَّ على مَن كان عائِدًا في الإسْلامِ لِمِثْلِ ما كان يَقُولُه في الجاهليَّة، وأنه متى لم يَسْبِقْ مِنْهُ في الجاهليَّة ظِهارٌ أنَّه لا يكونُ عائِدًا، إلاَّ أنَّ العَوْدَ عِنْدَه أنْ يُعِيدَ ذلك مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، فيُقال له: وما الفَضْلُ بينَك وبينَ مَن قال: إنَّما هو أنْ يُعاوِدَ الظِّهارَ مَرَّةً أُخْرَى، كما قُلْتَ أنْتَ: هو أن يَعُودَ إلى ما كان في الجاهليَّةِ يَقُولُه، فلا يَلْزَمُه على هذا كَفَّارَةٌ، إلاَّ أن يَقُولَه مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الجاهليَّةِ، ومَرَّةً في الإسْلام. وأمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأبو عُبَيْدَة، فإنَّ العَوْدَ عندَهما إمْساكُ ما حَرَّمَهُ بالظِّهارِ على نَفْسِه. فإن قال قائلٌ: إنَّ اللهَ، يقول: (ثُمَّ يعودون لما قالوا). فجعَل العَوْدَ لِلْقَوْلِ، وأنتُم تَجْعَلُون العَوْدَ لإمْساكِ المرأةِ،

стр. 171

والمرأةُ ... إنَّما مَعْناها: ثم يَعُودُون لِما حَرَّمُوا على أنْفُسِهم، وهُنَّ نِساؤُهم، وذلك تحتَ القَوْلِ ومُضَمَّنٌ فيه، ألا تَرَى أنَّ الوليدَ بنَ المُغيرةِ قال: (لأوتين مالا وولدا). يعني: في الآخِرَةِ، فقال اللهُ تعالى رَدًّا عليه: (كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا، ونرثه ما يقول). أي: نَرِثُه ما تحتَ هذا القَوْلِ مِن المَعْنَى، وهو المالُ والوَلَدُ، لأنَّ القَوْلَ لا يُورَثُ، فإذا كان معنَى قَوْلِه: (ونرثه ما يقول) ما دَلَّ عليه قَوْلُه، كذلك قَوْلُه: (ثم يعودون لما قالوا). أي: لِما انْطَوَى تحتَ قَوْلِهم، ودَلَّ عليه نُطْقُهم، وذلك كثيرٌ شائِعٌ في الكلامِ، وهو أن يَعِدَ الرجلُ الآخَرَ شَيْئًا، فيقول له: ألا تَفِي بقَوْلِك، أي: بما دَلَّ عليه قَوْلُكَ مِن وَعْدِكَ.

стр. 172

باب اللعان اللِّعانُ، والمُلاعَنَةُ، بمعنًى واحدٍ، كالْقِتَالِ، والمُقاتلةِ، والخِصامِ والمُخاصَمَةِ، وهو مِن اللَّعْنِ، وذلك أن الرَّجُلَ يقولُ في الخامسةِ: (أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين). وأصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ والْإبْعادُ، يُقال: مَلْعُونٌ، ولَعِينٌ، أي. مَطْرُودٌ، وطَرِيدٌ. فيُمْكِنُ أن يكونَ اللِّعانُ لِقَوْلِه في الخامسةِ: (أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين). ويُمْكِنُ أن يكونَ مِن الطَّرْدِ والْإبْعادِ، وذلك أنَّ المُطَلِّقَ والمُظَاهِرَ والمُولِيَ قد يجُوز أن يَجْتَمِعَ هو وامْرَأتُه في حالٍ مَا، والمُتلاعِنَيْنِ لا يَجْتَمِعان أبدًا، وهذا شيءٌ قُلْناه على حَدِّ الإمْكانِ، واللهُ أعْلَمُ.

стр. 173

باب العدَّة معنَى العِدَّةِ، مِن قَوْلِكَ: عَدَدْتُ الشَّيْءَ: إذا أَحْصَيْتَهُ، فسُمِّيَت العِدَّةُ عِدَّةً مِن أنَّها مُحْصاةٌ، لأنَّها ثلاثةُ قُرُوءٍ، وثلاثة أشْهُرٍ، وأربعة أشْهُرٍ وعَشْرًا. وأمَّا القُرْء، فهو اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الحَيْضِ والطُّهْرِ. والعربُ تُسَمِّي الحَيْضَ قُرْءًا، ألا تَرَى أنَّ الشاعِرَ يقولُ: ] له [قُرُوءٌ كقُرُوءِ الْحائِضِ وتُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، وحُجَّتُهُ قَوْلُ الأعْشَى: مُوَرِّثَةً مَالاً وفي الحَيِّ رِفْعَةً ... لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوءِ نِسائِكَا

стр. 174

قال أبو عمرو بن الْعَلاء: وإنَّما جاز ذلك، لأنَّ القُرْءَ الوَقْتُ، وهو يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، ويَصْلُحُ للطُّهْرِ، يُقال: هذا قَارِئُ الرِّيَاحِ، أي: وَقْتُ هُبُوبِها، وأنْشَدَ: شَنِئْتُ الْعَقْرَ عَقْرَبَنِي شَلِيل ... إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّيَاحُ فهذا ما تقُوله العربُ، وليس الاخْتِلافُ الواقِعُ بين الفُقَهاءِ عَلى اطِّرَاحِ أحَدِ القَوْلَيْنِ، وكلُّهم مُجْمِعُون على أنَّ القُرْءَ اسمٌ يَقَعُ على الْحَيْضِ، كما يَقَعُ على الطُّهْرِ، ولكن كُلاَّ اخْتارَ قَوْلاً، واحْتَجَّ له مِن جِهَةِ المَعْنَى. ومِثْلُ ذلك أنَّ الجَوْنَ اسمٌ يَقَعُ على الأبْيَضِ، كما يَقَعُ على الأَسْوَدِ، ثم اخْتَلَفَ الناسُ في الشمس، ولم سُمِّيَتْ جَوْنًا؟: فيقُولُ قومٌ: لِبَيَاضِها ونُورِها، ويقولُ آخَرُون: لا، بل لِسَوادِها، لأنَّها إذا غابت اسْوَدَّتْ ثم يَحْتَجُّ كلٌّ لِمَقالَتِه بعدَ إجْماعِهم على أنَّ الجَوْنَ الأبْيَضُ والأَسْوَدُ. وكذا الفُقَهاءُ مُجْمِعُون على أنَّ القُرْءَ الطُّهْرُ والحَيْضُ.

стр. 175

ولا مَعْنَى لِمَنْ يَحْتَجُّ علينا بالحديثِ "اقْعُدِي أيَّام أَقْرائِكِ"، لأنَّا قد وَافَقْناهُ على أنَّ القُرْءَ يَقَعُ على الْحَيْضِ، ولكنَّا قُلْنا: إنَّ المُرادَ بقَوْلِه: (ثلاثةُ قُرُوءٍ) الأَطْهارَ، لا الحيْضُ، والدليلُ على صِحَّةِ ذلك قَوْلُه: (ثلاثةُ قُرُوءٍ) فدُخُولُ الهاءِ دليلٌ على التَّذْكِيرِ، كأنَّه قال: ثلاثةُ أطْهارٍ، ولو أراد الحيْضَ لَكانَ الْأَشْبَهُ أن يقولَ: ثلاثُ قُرُوءٍ، لأنَّ الحِيْضَ، مُؤَنَّثَةٌ فلا يكونُ إلاَّ بِسُقُوطِ الهَاءِ. وفي الدَّلِيلِ على ذلك أيْضًا، أنَّ القَرْءَ في اللغةِ الجَمْعُ، وأنَّ قَوْلَهم: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، وإنْ كان قد أُلْزِمَ الياءَ، فهو مِن قَوْلِك: جَمَعْتُ، وقَرَاتُ القُرْآنَ، أي: لَفَظْتُ به مَجْمُوعًا، ويُقال: القِرْدُ يَقْرِي، أي: يَجْمَعُ ما يأكُلُ] في [فيه، والمِقْرَاةُ: الحَوْضُ الذي يُقْرَى فيه الماءُ، أي: يُجْمَعُ، والمقْرَى: الإناءُ الذي يُقْرَى فيه الضَّيْفُ. فأمَّا القُرْءُ على هذا المعنَى الذي ذكَرْناهُ، اجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ، وذلك إنَّما يكونُ في الطُّهْرِ، وهذا هو المعنَى الذي قالَه الشَّافِعِيُّ، وهو قَوْلُ عائشةَ، وزيدِ بن ثابت، وابنِ عُمَرَ، والقاسِمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن، وسليمانَ بنِ يَسارٍ، وابنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ.

стр. 176

ومِن الدَّلِيل على ذلك أيْضًا قَوْلُه، جَلَّ ثَناؤُه: (فطلقوهن لعدتهن)، وجاءت السُّنَّةُ أنَّ العِدَّةَ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا، فذلك دليلٌ على أنَّه لو طَلَّقَ وهيَ حائِضٌ لم يُعَدَّ ذلك مِن عِدَّتِها، وإنَّما الذي يُعْتَدُّ به إنَّما هو الطُّهْرُ. فإنْ قال قائلٌ: إنَّه إذا طَلَّقَها طاهِرًا، فلا بُدَّ مِن أنْ يكونَ قد مَضَى بعضُ الطُّهْرِ، وإذَا كان كذلك لم يَكْمُلْ ثلاثةُ أطْهارٍ. قيل له: إنَّ معنَى ذلك بَيِّنٌ في اللغةِ، وهو أنه إذا طَلَّقَها في بعضِ الطُّهْرِ، ثم خَرَجَتْ مِن الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، فقد مَضَى قَرْءٌ، تَسْمِيَةً وحَقِيقَةً، لأنَّ المُبْتَغَى في الطُّهْرِ آخِرُه، فإذا خَرَجَت المرأةُ إلى أوَّلِ الحَيْضِ فقد دَلَّك عَلَى سَلامةِ حَيْضِها إذا اجْتَرَأ رجلٌ قغَشِيَ في الحَيْضِ. ووَاحِدُ القُروءِ قَرْءٌ، وتَقْدِيرُه أقرؤٌ، وأقرُؤٌ لِمَا دونَ العَشَرةِ، وقروء لكثيره. وأمَّا الإحْداد، فمِن قَوْلِك: أحَدَّتِ المَرْأةُ على بَعْلِها: إذا مَنَعَتْ نَفْسَها الزِّينَةَ والخِضَابَ. والحَدُّ: المَنْعُ، يُقال لِلْبَوَّابِ: حَدَّادٌ، لأنه يَمْنَعُ من الدُّخُولِ.

стр. 177

باب الرَّضاع الرَّضاع: شُرْبُ اللَّبَنِ مِن الضّرْعِ. والعربُ تقولُ: لَئِيمٌ رَاضِعٌ. وذلك أنَّ رجلاً كان يَرْتَضِعُ الإبلَ والغَنَمَ، ولا يَجْلِبُها، لِئَلاَّ يُسْمَعَ صَوْتُ الحَلْبِ فَيُسْألَ اللَّبَنَ، ثم صار كيفَ وَصَلَ اللَّبَنُ إلى جَوْفِ الصَّبِيِّ رَضَاعًا. وأمَّا قولُه: "لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ والْإمْلاجَةُ والْإمْلاجَتَان". فالعربُ تقولُ: مَلَجَ الصَّبِيُّ أُمَّهُ يَمْلُجُها مَلْجَةً، وامْتَلَجَها: إذا ارْتَضَعَها.

стр. 178

باب وجوب النفقة قال الشَّافِعِيُّ: قال اللهُ : (ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا يكْثُرَ مَن تَعُولون. وهذا قَوْلُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ. وكان عبدُ الرحمن بنُ زَيْدٍ سُئِلَ عنها، قال: أقولُ: مَعْناه اقْتَصِدُوا. ثم قال: لَنَفَقَتُكَ الواحدةُ خَيْرٌ مِن اثْنَتَيْن، ونَفَقَةُ جارِيَتِكَ خيرٌ مِن نَفَقَةِ حُرَّةٍ، وألاَّ تَعُولَ أهْوَنُ عليكَ مِن الْعِيالِ. وناسٌ يقُولون: معناها، ذلك أدْنَى أن لا تَجُورُوا. واحْتَجُّوا في ذلك بأشْعارٍ كثيرةٍ.

стр. 179

والأمْرُ في ذلك قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْناه في القُرْءِ، وذلك أنَّا لا نُنْكِرُ أنَّ العَوْلَ قد يَقَعُ على الجَوْرِ، فلا حاجةَ بهم إلى الاسْتِشْهادِ الكثيرِ، ولكنَّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: (ذلك أدنى ألا تعولوا) إنَّما أريدَ به كثرةُ الْعِيالِ، وذلك أنَّ زيدَ بنَ أسْلَمَ قد قالَهُ، وعبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ، وَوَافَقَهما على ذلك الشَّافِعِيُّ، ومَن قال بمَقالَتِهِ، والشَّافِعِيُّ مِن اللغةِ بالْمَكانِ الذي كان به، فهذا مِن جِهَةِ التَّوْقِيفِ. وأمَّا اللُّغَةُ، فقد قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: إنَّ العربَ تقولُ: عالَ الرجلُ، إذا كَثُرَ عِيالُه، وأعَالَ بمعنًى واحدٍ. وقال: إنَّ معنَى عالَ يَعُولُ –وإن كان مَرْجِعُه إلى مَالَ يَمِيلُ- فهو يعُودُ إلى كَثْرَةِ الْعِيالِ، وذلك أنَّ الرجلَ إذا كَبُرَ ضَعُفَ عن عَيْلِهِنَّ وعَجَزَ، فيُقال: عَالَ عن ذلك. أي: ضَعُفَ. وذهب بعضُ أصحابِ هذه الْمَقالةِ إلى أنَّ معنَى الآيةِ: (ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا تَمُونُوا عَدَدًا كثيرًا مِن الْعِيالِ، فلعلَّكم لا تُطِيقُون ذلك، يُقال: الرجلُ عالَ عِيالَه: إذا مَانَهم، قال النبيُّ ﵇: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كان عنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ"، وأنْشَدَنِي أبو منصور الْقَطَّانُ، قال: أنْشَدَنِي الهَجَرِيُّ بمكةَ، فقال:

стр. 180

يا عَمْرُو نِعْمَ الْأُمُّ أُمُّكَ في الْغِنَى ... أبَدًا ونِعْمَ العِرْسُ عِرْسُ المُعْدِمِ غَرًّا تُجَمِّعُ قُوتَها لِعِيالِها ... ويُعِيشُها في الْعَوْلِ مِلْءُ الْمِحْجَمِ ومن الدَّليلِ على صِحَّةِ قَوْلِنا، أنَّ العربَ تقُولُ: عالَ الرجلُ: إذا كان ذا عِيالٍ، قَوْلُ جَرِيرٍ: واللهُ أنْزَلَ في الْكِتابِ فَرِيضَةً ... لابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ الْعائِلِ أراد به ذَا الْعِيالِ الذي يَعُولُ عِيالَه، لا مَعْنَى أنْ يقُولَ "ولِلْفَقِيرِ" فعُلِمَ أنه أراد به ذَا الْعِيالِ. وخَالَفَنا في هذا التَّاوِيلِ ناسٌ كثيرٌ عَدَدُهم، فَمِمَّنْ تَصَدَّى للرَّدِّ الشَّدِيدِ وقَصَدَ الطَّعْنَ أبو بكر بنُ داود، وكان أوَّلُ ما احْتَجَّ به إجْماع النَّاسِ على أنَّ العَوْلَ الجَوْرُ. فيُقال لابنِ داوُد: ومَنْ ذا حَكَمَ بهذا الإجْماعِ، وقد أعْلَمْناك أنَّ زَيْدًا وعبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ كانا يقُولانِ: ذلك مِن كَثْرَةِ الْعِيَالِ؟ ثم يُقال له: وكيف يكونُ ذلك إجْماعًا، وقد قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: معناه ذلك أدْنَى، لأنَّ اللهَ وَعَدَهم الغِنَى، ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَه:
следующие страницы →