← Гариб и словари

Гариб и словари · id 13256

حلية الفقهاء

ابن فارس

Полный текст (211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ما أتى بالإلصاقِ كَفاهُ ذلك قليلاً كان مسحُه أو كثيراً، لأنه قد أَتى بالإلْصاقِ. وأما غَسْلُ الرِّجْلَيْن، فواجِبٌ، لا صلاةَ إلاَّ بغَسْلِهما، والدليلُ على ذلك قولُه: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم). لأنه رَدَّه إلى قوْلِه: (فاغسلوا وجوهَكم وأيديكم) , فإنْ قال قائلٌ: فقد قُرِئَتْ بالخَفْضِ؟ قيل له: إن قُرِئَ، فقد يُعْطَفُ الاسْمُ على الاسْمِ ومَعْناهما مُخْتَلِفٌ، إلاَّ أنَّه عُطِفَ هذا عليه لِقُرْبِه منه، قال الله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين). ثم قال: (وحور عين)، وهُنَّ لا يُطافُ بهِنَّ على أزْواجِهِنَّ، وقد قال شاعرُ العرب: ورأيتُ زوجكِ في الوَغى ... مُتَقلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، ثم نَظَرْنا فوَجَدْنا القِراءتَيْنِ قَدْ صَحَّتا، ولم يَجُز اطِّراحُ واحدةٍ منهما، فاحْتَجْنا إلى الاحْتياطِ للفَرْضِ، فوجَدْنا الغاسِلَ ماسِحًا غاسِلا، قد جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ، ووَجدْنا الماسِحَ لا يَاتي إلا بأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، فَأَخَذْنا بالغَسْل. وأما الكَعْبان: فهما النَّاتِئان، وكذلك كلُّ ناتٍ يُقال له كَعْب، ويُقال لما نَتَأ من الرُّمْحِ كَعْبٌ، وكَعَبَ ثَدْيُ المرأةِ: إذا نَتَأَ، وامرأةٌ كاعِب.

стр. 37

وأما قولُه: "والنَّزَعَتان من الرأس"، فإنَّما يريد ما زال عنه الشَّعَرُ مِن جانِبَيِ الرأسِ، ويُقال: فلانٌ أنْزَعُ بَيِّنُ النَّزَعَةِ. والنَّزَعَتان، بفتح النون والزاء، فإن زاد ذَهابُ الشَّعَرِ على ذلك قليلاً، فهو: أَجْلَحُ، وتلك هي الْجَلَحَة.

стр. 38

باب القول في الأُذُنَيْن حُكْمُ الأذُنَيْن عند الشافعيِّ أنهما مُفْرَدَتان، وأنهما لا يُغْسلان مع الوَجْه، ولا يُمْسَحان مع الرأس، لكنْ يُؤْخَذُ لهما ماءٌ جديد، واحْتَجَّ في ذلك بما دَوَّنَه في كتابه. فحَدَّثَني علِيُّ بن إبراهيم القَطَّانُ، قال: حدَّثنا أبو بكر المُفَسِّرُ، عن القُتَيْبِيِّ، قال: الذي عندي أنهما من الرأس، لا من الوَجْهِ، لأن الوَجْهَ ما اسْتَقْبَلَك، كما تقول لما يَسْتَقْبِلُكَ مِن وَسَط الجَبَل: وَجْهُه. والأذُنان في الجانِبَيْن، فلا تكون مِن الوَجْهِ، كما أنه لا يكون جانِبَا

стр. 39

الجَبَلِ وَجْهَه، ولا جانِبا الحائِطِ مِن وَجْهِه، ومَن اعْتَبَرَ هذا في آذانِ الأنْعامِ وأذانِ السِّباعِ لم يَخْفَ عليه أنَّ آذانَها مِن رُؤوسِها، لا مِن وُجُوهِها. ويدُلُّ على ذلك قَوْلُ الشاعر: إلى هامَةٍ قد وَقَّرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا ... وليستْ كأُخْرى سَمْعُها لم يُوَقَّرِ يقال للقُتَيْبِيِّ: إذا كان الوجهُ هو الذي يُواجِهُك، ولم تكن المواجهةُ بالْأُذُنَيْن، دَلَّ ذلك على أنهما ليسا من الوَجْهِ، فَمِنْ أين لك أنهما من الرأس؟ وذلك أن الرأس ما عَلاَ، ولا نعلم أحدًا سَمَّى جَانِبَيِ الجبلِ رأسَ الجبل، فلَا نُلْزِمُ مَن قال: إنَّهما مِن الوَجْهْ شيئًا إلاَّ وقد لَزِمَك مِثْلُه في قولِك: إنهما مِن الرأس، لأن جَانِبَيِ الجبلِ ليسا وَجْهَه، فكذلك جَانِباه ليسا رأسَه. وإذا كان الآذانُ في الجانِبَيْن دَلَّ أنهما ليسا مِنَ الوَجْهِ ولا مِنَ الرَّاس، على ما أصَّلْتَهُ. وأمَّا احْتِجاجُك بقَوْلِ القائِل: إلى هامَةٍ قد وَقَّرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا فإنَّ العربَ تُضيفُ السمعَ والبصرَ إلى الراس، لأنهما في الرَّاس، ثم لا يدُلُّ ذلك على أنَّ حُكْمَ العَيْنَيْنِ حُكْمَ الأُذُنَيْن، ألا تَرى الشَّنْفَرَى يقول:

стр. 40

إذا ضَرَبوا رأسي وفي الرَّأسِ أَكْثَري ... وغُودِرَ عندَ المُلْتَقَى ثَمَّ سائِرِي وإنما أراد بالأكثرِ: السمعَ والبصرَ واللسانَ، فتقول على هذا: إنَّ البصرَ والفَمَ مِن الرأس، ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ ذلك كلَّه مِن الهامَةِ، ولكنْ لكلِّ واحدٍ حُكْمًا على حِدَةٍ، ولو جاز لك أنْ تَحْتَجَّ كما تقول، لَجازَ لخَصْمِك أن يقول: الْأُذُنان مِن الوَجْهِ، لأنَّ النبيَّ ﵇، قال: "سَجَدَ وَجْهي للَّذي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَه وبَصَرَهُ". وإذَا اضْطَرَبَ قولان كما هذا الاِضْطِراب قُلْنا: إنَّهما لَيْسا مِن الوَجْهِ، ولا مِنَ الرَّاسِ في الحُكْمِ حتى يَدُلَّ الدليلُ على أنَّهما من أَحَدِ هَذَيْن.

стр. 41

باب القول في موالاة أعضاء الوضوء قال الله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامسحوا برؤسِكم وأرجلَكم إلى الكعبين). فذهب الشافعيُّ إلى أنَّ مَن خالف ذلك في التَّرْتيبِ الذي ذكره الله تعالى لم يَجُزْ وُضوءُه. وعابَ عليه ذلك قَوْمٌ، فقالوا: الواو لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا. وليس تعلُّقُ الشافعيِّ في ذلك بالواو فقط، ولكنْ بالمعنَى والَّلفْظِ، وذلك أنَّ الوُضوءَ لمَّا كان عبادةً على البَدَنِ أُتِيَ بلَفْظٍ لا يَنْفِي التَّرْتيب، بل ظاهرُه أنه تَرْتيبٌ أَوْجَبَ التَّرْتيبَ، ألا تَرَى أنَّ الصلاةَ لمَّا كانت على البدنِ كانتْ مُرَتَّبَةً، وكذلك الحَجُّ لمَّا كان على البَدَنِ كان على التَّرْتيب، ولم يَلْزَمْنا ما أَلْزَمْنَاه في قِسْمَةِ الصدقات، لأنَّ العِلَّةَ ليستْ في ذلك، إذْ هو عبادةٌ على المال.

стр. 42

ثم يُقال لابن داود، في قولِه: "إن ثُمَّ يَدُلُّ على التَّرْتيب": ما أنتَ قائِلٌ في قَوْلِه جَلَّ ثَناؤُه: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، وفي قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن). أليس خَلْقُه له كان بِقَوْلِه: "كُنْ"، فما معنى إِتْيانِه بعد ذلك بـ"ثُمَّ"؟ فقد تَرَى الأمرَ في "ثُمَّ" كهُوَ في الواو، فماذا أنتَ قائلٌ؟. فإِنْ قال: يُرْجَعُ إلى المعاني إذا اشْتُبِهَ في الَّلفْظِ. قُلْنا: وكذلك يُرْجَعُ إلى المعاني في الواو، كما رَجَعْنا في "ثُمَّ" والمعنَى هو ما ذَكَرْناه أنه عِبادةٌ على البَدَنِ. وأمَّا قولُه: "ولا يَمَسُّ المصحفَ إلاَّ طاهِرٌ"، فلأنَّ اللهَ تعالى قال: (لا يمسه إلا المطهرون). فكان هذا في الظَّاهر خَبَرًا، وفي

стр. 43

المعنَى نَهْيًا، وقد يَفْعَلُ العربُ ذلك، قال الله تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون). فهذا لفظُه ومعناه نَهْيٌ، لأنَّه لو كان نَفْيًا لَما جازَ وُقوعُ ظُلْمٍ أبَدًا، فدَلَّ أَنَّه نَهْيٌ، قال الشاعر: ألا مَنْ سَرَّهُ الْعَيْشُ ... فلا يَمْرُرْ في كِنْدَهْ وفي الأمرِ مِثْلُ ذلك أيضًا، قال الله تعالى: (والمطلقات يتربصن)، ثم قال الشاعر: قُوما تَجُوبانِ مع الْأَنْواحِ فإنْ قال قائلٌ: إنَّما أُريد بقولِه: (لا يمَسُّه إلا المطهرون). الكتابُ الذي عندَ اللهِ. قُلْنا: نحن على ظاهِرِ الخِطابِ، وكلُّ مَا مُدِحَ به الكتابُ فالمُرادُ به القرآنُ، حتى يدُلَّ الدليلُ أنه أُريدَ به غَيْرُه.

стр. 44

باب الاستطابة الاسْتِطابَةُ، مِنْ قَوْلِك: أطابَ نَفْسَه فهو مُطِيب، واسْتَطابَ فهو مُسْتَطيب، وذلك أنَّ المُسْتَنْجيَ يُطيب نفسَه ممَّا عليه مِن الْخَبَثِ بالاسْتِنْجاء، قال الأعْشى: يُعْجِلُ كَفَّ الْخارِىءِ المُطِيبِ وأمَّا الاسْتِنْجاءُ، فمِنْ قولك أيْضًا: نَظَّفَ نفسَه، وذلك أنه يُنَظِّفُ نفسَه من النَّجْوِ. وناسٌ يثولون: إنَّما سُمِّيَ الاسْتِنْجاء، لأنَّ العربَ كان أحدُهم إذَا أراد الحَدَثَ يَسيرُ بنَجْوَةٍ، فقالوا: ذهب يَنْجُو، كما قالوا: يَتَغَوَّط، ثُمَّ كَثُرَ ذلك حتى صار الاسْتِنْجاء التَّمَسُّحَ بالْأَحْجار.

стр. 45

وأمَّا الرِّمَّةُ، فالعِظامُ الباليةُ، قال الله تعالى: (مَنْ يُحْيي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم). والرُّمَّةُ، بِضَمِّ الرَّاء: الحَبْلُ الخَلَقُ.

стр. 46

باب ما ينقض الوضوء ذكر الشافعيُّ ما يَنْقُضُ الطُّهْرَ، وذَكَرَ فيه مُلامَسَةَ الرَّجُلِ امْرأتَه، وأنَّ المُلامَسَةَ أنْ يُفْضِيَ بِشَيْءِ منه إلى جَسَدِها، أوْ تُفْضِيَ إليه، بلا حائِل، وهذا صحيحٌ، وذلك أنَّ المُلامَسَةَ في الْأَصْلِ: تَتَّبُعُ الشيءِ بالْيَدِ، ثُمَّ تقول: لَمَسْتُه بِيَدِي، ثمَّ كَثُرَ حتى صار كلُّ مَسٍّ مُلامَسَةً، قال الله تعالى في قصة مَنْ قال: (وأنَّا لَمَسْنا السَّماء)، ونَهَى رسول الله ﷺ عن بَيْعِ الْمُلامَسَةِ. وكانوا

стр. 47

يقولون: إذا لَمَسْتَ ثَوْبي أو لَمَسْتُ ثَوْبَكَ فقد وَجَبَ البَيْعُ بيننا بكذا أوْ كذا. وأَنْشَدَ الشافعِيُّ في كتاب "الأُمِّ": لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغي الغِنى ... ولم أَدْرِ أنَّ الْجودَ مِن كَفِّهِ يُعْدِي فَلا أنَا منه ما أَفادَ ذَوُو الْغِنى ... أفَدْتُ وأَعْداني فَأتْلَفْتُ ما عِنْدِي وأمَّا المَذْي، فما يَخْرُجُ مِن الرَّجُلِ عند مُلاعَبَةْ أهْلِه، أو مُحادثتِها. والْوَدْيُ: ما يخرُج بعدَ البَوْلِ، يُقال: وَدَى الرجلُ: إذا كان ذلك.

стр. 48

باب الجنابة اخْتَلَف الناسُ في هذا الاسْم، مِن أيِّ شيءٍ أُخِذَ، فكان الشافعيُّ، ﵀، يذهب إلى أنَّ ذلك مَاخوذٌ من المُخالَطةِ، وقال: مَعْلومٌ في كلام العربِ أنْ يقولوا للرَّجُلِ إِذا خالَط امرأَتَه: قد أَجْنَبَ. وإنْ لم يكنْ منه إِنْزالٌ، وكان يقول: ذلك موجودٌ في التقاءِ الخِتانَيْنِ، وإِنْ لم يكنْ ثَمَّ إنْزالٌ. وقال قومٌ: الْجَنابةُ ماخوذَةٌ مِن البُعْدِ، لأنَّ الجُنُبَ بَعيدٌ ممَّا كان جائِزًا له فِعْلُه مِن الصلاةِ وغيرِ ذلك، قالوا: وتقول العربُ: رجلٌ جُنُبٌ: إذا كان بَعيدًا. وأتَيْتُ فلانًا عن جَنابةٍ. أي: عن بُعْدٍ، واحْتَجُّوا بقَوْلِ القائلِ: فَلَا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عن جَنابَةٍ ... فإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الرِّجالِ غَريبُ

стр. 49

والْمَعْنَيان كلاهما يَرِجِعان إلى أصْلٍ واحد، لأنَّ المُرادَ إذا خالَط أهْلَه لم يَجُزْ له إتْيانُ الصلاةِ حتى يَغْتَسِلَ، فالمعنى الْأَوَّلُ وهو المُخالطةُ بُعْدُه عمَّا كان مُباحًا له. وأمَّا قَوْلُ المرأةِ: "إنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَاسِي"، فالضَّفْرُ الْفَتْلُ، ويُقال: شَعرٌ مَضْفُورٌ. إذا كان مُفَتَّلاً. وأمَّا غَلْغَلَةُ الماءِ، فدُخولُه في أُصولِ الشَّعَرِ، يُقال للماءِ الذي يَجْرِي بين الْأَشْجار: غَلَلٌ. وأمَّا الْفِرْصَةُ، فالْقِطْعةُ مِن الصُّوفِ أو القطن، وهو مِن فَرَصْتُ الشيءَ: إذا قَطَعْتَه. ويُقال للحَديدة التي تُقْطَع بها الفِضَّةُ: مِفْرَاصٌ.

стр. 50

باب التَّيَمُّم التَّيَمُّمُ: القَصْدُ والتَّعَمُّدُ، يُقال: تَيَمَّمْتُ وتأَمَّمْتُ. أي: تَعَمَّدتُ، قال الله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون)، وقال: (ءامين البيت الحرام). وهو مِن قولك: دَارِي أَمَمُ دارِ فلان. أي: مُقابِلَتُها، وكذلك القاصِدُ جاعِلٌ له أَمَامَهُ. والصَّعِيدُ: التراب. قال الأصْمَعِيُّ: البَوْغاءُ: التُّرْبَةُ الرِّخْوَةُ، كأنها ذَرِيرَةٌ. والصَّعِيد: التراب. وقال ابن سُفْيان: الصَّعِيد ما عَلَا وَجْهَ الأَرْضِ مِن التراب لا يُنْبِتُ، أَلاَ تَرى قولَه تعالى: (فَتُصْبِحَ صعيدًا زَلَقًا). أي: لا شَيْءَ فيها. والعرب تقول لظاهِرِ الْأرْضِ: صَعِيدٌ. وعن الخَلِيل، قال: الصَّعيدُ الْأَرْضُ قَلَّ أوْ كَثُرَ.

стр. 51

يقول: تَيَمَّمْ بالصَّعيد. أي: خُذْ مِن غُبارِه للصلاة. وأمَّا الكُوعُ: فطَرَفُ الزَّنْد الذي يَلِي الإبْهامَ، وأمَّا الطَّرَف الذي يلي الْخِنْصَرَ فهو الْكُرْسُوعُ. وأَمَّا قَوْلُ النبيِّ ﵇: "إذا وَقَعَ الذُّبابُ في الطَّعامِ فامْقُلُوه". فإنَّ المَقْلَ الغَمْسُ، يُقال: مَقَلْتُ الشيءَ في الماءِ. ويُقال للْحَصاةِ التي تُطْرَحُ في الماءِ فَيُنْظَرُ قَدْرُه: الْمَقْلَةُ.

стр. 52

باب قدر الماء الذي ينجس ولا ينجس رَوَى الشافعيُّ: بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ ﵇، قال: "إذا كان الماء قُلَّتَيْن لمْ يَحْمِلْ نَجَسًا". قال: وفي الحديث "بِقِلالِ هَجَرَ". وحَدَّثَنا ابنُ سَلَمَةَ، عن المُفَسِّر، عن القُتَيْبِيِّ، قال: والْقُلَّةُ التي جُعِلَتْ مِقْدارًا بَيْنَ ما يَنْجُسُ مِن الماء وما لا يَنْجُسُ، مِن اسْتَقَلَّ فُلانٌ بِحِمْلِه وأقَلَّهُ، إذَا أَطَاقَهُ وحَمَلَه. وإنَّما سُمِّيَت الْكِيزانُ قِلالاً، لأنَّها تُقَلُّ بالْأَيْدِي وتُحْمَلُ فيُشْرَبُ فيها، والقُلَّةُ تَقَعُ على الكوزِ الصغير، والجَرَّةِ

стр. 53

اللطيفة والعظيمة، والحُبِّ اللَّطيفِ إذا كان القَوِيُّ مِن الرِّجالِ يستطيع أن يُقِلَّهُ. قال: ولستُ أعرفُ في ذلك على طَريقِ اللغة حَدًّا مَحْدودًا. هذا كُلُّه قَوْلُ القُتَيْبِيِّ، فإذا كان الْأَمْرُ على ما قالَه، فليس إلاَّ الرُّجوعُ إلى قَوْلِ مَن زعَم أنه قد رآها، وأنَّ القُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أوْ قِرْبَتَيْنِ وشيئًا. وأمَّا قَوْلُ النبيِّ ﵇: "مَنْ تَوَضَّأ فَبِها وَنِعْمَتْ". فحدَّثني أبو الحسن القَطَّان غيرَ مَرَّةٍ، قال: سمعتُ ثَعْلَبًا يقول: "فَبِها ونِعْمَتْ". أي: ونعمت الخَصْلَةُ. وسُئِلَ الْأَصْمَعِيُّ عن التأنيثِ في قوله: "فبها"، فقال: أظنُّه يُريدُ فبالسُّنَّةِ أخَذَ. أَضْمَرَ ذلك -إن شاء الله-، وكان ناسٌ يقولون: فبها ونَعِمْتَ. بكسر العين وتسكين الميم: أي نَعَّمَك اللهُ.

стр. 54

باب الحيض الحَيْضُ: نُزولُ دَمِ المرأةِ لِوَقْتِها المُعْتادِ. ومن العرب مَن تُسَمِّي الحائضَ النُّفَساءَ، وإنَّما سُمِّيَتْ بذلك لِسَيَلانِ النَّفْسِ، والدَّمُ يُسَمَّى نَفْسًا. قال الشاعر: تَسيلُ علَى حَدِّ الحَديدِ نُفوسُنا ... وليستْ على غَيْرِ الحديدِ تَسيلُ وأمَّا قولُ الشافعيِّ: "فإِن كان دَمُها ثَخينًا مُحْتَدِمًا"، فالمُحْتَدِم: الشديدُ الحرارةِ.

стр. 55

يُقال: احْتَدَمَ النهارُ، والعرب تقول: إذا طَلَع نَجْم فالصَّيْفُ في حَدْمٍ، والعُشْبُ في حَطْمٍ.

стр. 56

كتاب الصلاة الصلاة لها اسْمان: لُغَوِيٌّ وشَرْعِيٌّ، فأمَّا اللغويُّ: فالدعاءُ صلاةٌ، قال الله تعالى: (وصلِّ عليهم إنَّ صلواتك سَكَنٌ لهم)، وقال رسول الله صلَّى الله عليه: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طَعامٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَأكُلْ، وإنْ كانَ صائمًا فَلْيُصَلِّ". أي: فَلْيَدْعُ لهم بالبَرَكَةِ والخير.

стр. 57

باب الأذان أصلُ الأذان: الإعْلامُ، يُقال: آذَنْتُك بالْأمْرِ. أي: أَعْلَمْتُكَهُ. وكان القُتَيْبِيُّ، فيما خَبَّرَنا به ابنُ سَلَمةَ، عن المُفَسِّر، عنه، يقول: أصْلُه مِن الإذْنِ، يُقال: آذَنْتُك بالْأمرِ فأَذِنْتَ. أي: أعْلَمْتُكَه، فَعَلِمْتَ. يُريد قد أوْقَعْتُه في أُذُنِك. فأمَّا قولُ القائلِ في أذانِه: حيَّ على الصلاة، فإنَّه يُراد: هَلُمَّ إليها، يقال: حيَّ إلى كذا، وحيَّ على كذا، أي: أَقْبِلْ إليه. وفي بعض الحديث: "إذا ذُكِرَ الصَّالِحونَ فَحَيَّ هَلاً بِعُمَرَ". معناها: أَقْبِلْ إلى ذِكْرِ عُمَرَ، ويُقال: حَيْعَلَ الرجلُ، إذا قال: حَيَّ على الصَّلاة.

стр. 58

وأمَّا الفَلاحُ، فالفَوْزُ والبقاءُ والخُلودُ في الجنّة. ويُقال: أَفْلِحْ بما شِئْتَ، أي: فُزْ بما شِئْتَ. وفي حديث ابنِ مسعودٍ: إذا قال الرَّجُلُ لامْرَأتِه: اسْتَفْلِحي بأمْرِك، أي: فُوزِي. قال عَبِيد: أَفْلِحْ بما شِئْتَ فقد يُبْلَغُ بالضَّعْفِ وقد يُخَدَّعُ الْأَريبُ أي: عِشْ بما شِئْتَ مِن كَيْسٍ أوْ حُمْقٍ. وأمَّا الحُجَّةُ على أن الفَلاحَ البَقاءُ، فَقَوْلُ الشاعر: لِكُلِّ هَمٍّ مِن الهُمومِ سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ وأمَّا التَّثْويبُ، فَقَوْلُهم في أذان الصبح: الصلاةُ خيرٌ من النوم، وإنَّما سُمِّيَ تَثْويبًا مِن قَوْلِك: ثابَ فلانٌ إلى كذا، أي: عاد إليه. وثابَ إلى فلانٍ جِسْمُه بعدَ العِلَّةِ. أي: رَجَع. كأنَّه لمَّا قال: حَيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، عاد إلى الدُّعاءِ فقال: الصلاةُ خيرٌ من النوم، فثابَ إلى الدُّعاء.

стр. 59

وخَبَّرَنا مُخَبِّرٌ عن إبراهيم بن محمد الشَّهْرُزُوريُّ. قال: التَّثْويبُ إذا فَرَغ المُؤذِّنُ مِن الْأذانِ جاء غَيْرُه، فصَعَدَ المِئْذَنَةَ، فقال: الصَّلاةَ، رَحِمَكم اللهُ.

стр. 60

باب أوقات الصلاة إذا زالتِ الشمسُ، فهو أوَّلُ وقتِ الظُّهْرِ، وزَوالُها: مَيْلُها عن الاسْتِواء في كَبِدِ السماء، وذلك بعدَ أن تَدُوم، ويقال: دَلَكَتْ. أي: زالتْ. وسُمِّيَتْ هذه ظُهْرًا لأنَّ وَقْتَها أظْهَرُ الْأوْقاتِ وأَبْيَنُها. وأمَّا العَصْرُ، فإنَّما سُمِّيَتْ عَصْرًا، لأنَّها في أَحَدِ طَرَفَيِ النَّهار. وكان ابنُ قُتَيْبَةَ يقول: الْأَوْلَى تَأخيرُها، وذلك أنَّ العَصْرَ إنَّما سُمِّيَتْ عَصْرًا للتَّأخير، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الحارثِ بنِ حِلِزَّةَ: أَنِسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنَّاصُ عصرًا وقد دَنَا الإمْساءُ قال: أفلا تراه قال: "وقد دَنا الإمْساء" فذلك دليلٌ على أن تأخيرَها أَفْضَلُ. فيُقال للْقُتَيْبِيِّ: إنَّ الله أمَر بالصلاةِ والمُحافَظَةِ عليها،

стр. 61

ولا تكونُ المُحافَظَةُ إلاَّ بالمُبادَرَةِ، ولأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه، قال: "أوَّلُ وقتٍ رِضْوانُ اللَّهِ، وآخِرُ الوَقْتِ عَفْوُ اللهِ"، ومَنْزِلَةُ الرِّضَى أعْلى مِن مَنزلةِ العَفْوِ، إذْ كان العَفْوُ لا يكونُ إلاَّ على تَقْصيرٍ، فأمَّا قَوْلُك: سُمِّيَتْ عَصْرًا للتَّأخيرِ، فإنَّما كان يَصِحُّ ذلك لو كان لا يُسَمَّى بالعَصْرِ إلاَّ هذه وَحْدَها، وقد وَجَدْنا صلاةَ الصُّبْحِ سُمِّيَتْ عَصْرًا، وذلك أنَّ داودَ بنَ أبي هْنْد، روَى عن أبي حَرْبٍ بنِ] أبي [الأسْودَ، عن عبد الله بن فَضَالةَ، عن أبيه فَضالة، أنَّ رسول الله، صلَّى الله عليه، قال له: "حافِظْ على العَصْرَيْنِ" قال: وما كانتْ مِنْ لُغَتِنا، قلتُ: وما العَصْرانِ؟. قال: "صلاةٌ قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ، وصلاةٌ قَبْلَ غُروبِها". يُريدُ بِالعَصْريْن صلاةَ الصبحِ وصلاةَ العصر، فإذا كان النَّبِيُّ ﵇، قد سَمَّى الصبحَ عَصْرًا فأينَ قولُك: إنَّها سُمِّيَتْ عصرًا لدُنُوِّها مِن الْمَساء؟ والعربُ تُسَمِّي الغَداةَ والعِشاءَ عَصْرَيْن، والعَصْرُ عندَهم الدَّهْرُ.

стр. 62

وأمَّا المَغْرِبُ، فإنَّما سُمِّيَتْ لِغُروبِ الشَّمْسِ عندَها، يُقال: غَرَبَت الشمسُ تَغْرُبُ: إذا غابَتْ، وهو مأخوذٌ مِن البُعْدِ، يُقال: غَرَبَ الرَّجُلُ. إذا تَباعَدَ، كذلك الشمسُ إذا غابتْ بَعُدَتْ عن مَرْأَى الْأبْصارِ لها. وأمَّا العِشاءُ الآخِرَةُ، فإنَّما سُمِّيَتْ عَتَمَةً لتَأخيرِها، وقد نُهِيَ عن تَسْمِيَتِها عَتَمَةً. والعَتْمُ: الْإبْطاءُ. وأمَّا الشَّفَقُ: فالحُمْرَةُ التي تكونُ بعدَ غُروبِ الشمسِ. قد روَى العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن مُجاهِد، قال: هي الحُمْرَة. ورَوَى عُبَيْدُ الله بن عُمَرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: غَيْبوبَةُ الشَّفَقِ إذا ذهبتِ الحُمْرَةُ. وفي "تفسير مُقاتِل" في قولِه جَلَّ وعَزَّ: (فَلا أُقْسم بالشَّفَقِ). والشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ.

стр. 63

وأنْبَأَنا ابنُ سَلَمَةَ، عن المَعْدانِيِّ، عن أبيه، عن أبي مُعاذٍ النَّحْوِيِّ، عن اللَّيْثِ، عن الخَليل، قال: الشَّفَقُ الحُمْرَةُ. وفي "كتاب ابنِ دُرَيْدٍ" في اللغة، قال: الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ. وفي "كتاب الزَّجَّاجِ"، قال: هي الحُمْرَةُ التي تُرَى في المغرب بعدَ سُقوطِ الشمسِ. وأنْبَأنا أبو الحسن القَطَّان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الفَرَج، قال: حدَّثَنا سَلَمَةُ، عن الفَرَّاءِ، قال: الشَّفقُ الحُمْرَةُ.

стр. 64

قال الفَرَّاءُ: وحدَّثني ابنُ أبي يحيى، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جَدِّه، يَرْفَعُه، قال: الشَّفقُ الحُمْرَةُ. قال الفَرَّاءُ: سمعتُ بعضَ العربِ يقول: عليه ثَوْبٌ مَصْبوغٌ، كأنَّه الشَّفقُ –وكان أحْمَرَ- قال: فهذا شاهِدٌ لِمَن قال: إنَّه الحُمْرَةُ. وأمَّا وَقْتُ الصُّبْحِ، فإنَّما سُمِّيَ صُبْحًا لِحُمْرَتِه، ويُقال: إن صَباحةَ الوَجْهِ إنَّما سُمِّيَتْ للحُمْرَةِ صَباحَةً، والصبحُ الحُمْرَةُ. وأمّا قولُه : (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر). فالخيطُ الأسودُ: سوادُ الليلِ، والخيطُ الأَبْيَضُ: بَياضُ النَّهارِ. وجاء في الصُّبْحِ الحديثُ الذي فيه: (والنِّساءُ مُتَلَفِّعاتٌ بِمُروطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ"، وجاء فيه: "أَسْفِروا بالفَجْرِ فإنَّهُ أَعْظَمُ

стр. 65

لِلْأجْرِ"، فمُمْكِنٌ أنْ يُحْمَلَ هذا عَلى النَّاسِخِ والْمَنْسوخِ، لكنْ لَمَّا لم يُتَوَصَّلْ إلى ذلك احْتَجْنا إلى الجَمْعِ بين الحَديثَيْن، فقُلْنا: الإسفارُ هو دخولُ الناسِ في إسفارِ الصُّبْحِ، وذلك لا يكونُ إلاَّ عندَ أنْ يَبْدُوَ الفَجْرُ، وذلك أنَّ الإسفارَ انْكِشافُ الظَّلامِ. ويُقال: أمْرٌ مُسْفِرٌ: أي: مُضيءٌ، وأصْلُه مِن: سَفَرْتُ الْبَيْتَ. إذا كَنَسْتَه، لأنَّ تُرابَه ينْكَشِفُ عنه. وسَفَرَتِ المرأةُ عن وَجْهِها. فالإسْفارُ: انْكِشافُ الظَّلام، وذلك في أوَّلِ حالاتِه، فهذا الوَجْهُ في الجَمْعِ بين الحَديثَيْن، وأحْسب أنَّ الشافعيَّ قد أوْمَأ إلى هذا المعنى في "كتاب اختلاف الحديث"، و"الرسالة". ويُقال للفَجر: الصَّدِيعُ، لأنَّ الظُّلْمَةَ تَتَصَدَّعُ عنه، وكذلك: الفَلَقُ، لانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عنه، والفَجْرُ مِن: انْفَجَر الشيءُ، إذا انْفَتَح. والفَجْرُ فَجْرانِ، يُقال لِلأوَّلِ منهما: الكاذِبُ، وهو الذي يُسَمَّى ذَنَبَ السِّرْحان، وهو المُسْتَطيل، والسِّرْحانُ: الذِّئْب، والثاني: المُسْتَطير المُنْتَشِرُ، وهو الصادِقُ.

стр. 66

باب القبلة وصفة الصلاة إنَّما سُمِّيَتِ القِبْلَةُ مِن قولِك: أقْبَلْتُ على الشيءِ: إذا واجَهْتَه، وهذه الدارُ قُبالةُ دارِ فلانٍ، أي: مُواجِهتُها. وقَوْلُه: "لو تَأخَّى القبلةَ". أي: تَحَرَّاها، وقَصَدَ قَصْدَها اجْتِهادًا، يُقال: فُلانٌ يَتَأخَّى صاحِبَه، أي: يَقْصِدُ مَقْصِدَه. ورَوى الشافعيُّ عن سعيد بن سالم، عن الثَّوْرِيِّ، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن محمد بن عليّ بن الحَنَفِيَّةِ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله، صلَّى الله عليه، قال: "مِفْتاحُ الصَّلاةِ الوُضوءُ، وتَحْريمُها التَّكْبيرُ، وتَحْليلُها التَّسْليمُ".

стр. 67

فالمِفْتاحُ مِن قولِك: فتحتُ البابَ المُغْلَقَ، وذلك أنَّ الصَّلاةَ لا تَحِلُّ لِمُحْدِثٍ، فالأمْرُ عليه فيها مُغْلَقٌ، فإذا تَوَضَّأ حَلَّ له ما كان عليه مُحَرَّمًا. وقولُه: "تحريمُها التَّكْبيرُ" فإنَّ التَّكْبيرَ يُحَرِّمُ على المُصَلِّي ما كان له مُباحًا قبلَ ذلك، مِن الكلام وغيرِه، وصورةُ التكبيرِ أن يقول: "اللهُ أكبرُ واللهُ الأكبرُ"، ولا يجوز أن يقولَ: "اللهُ كبيرٌ"، وذلك أنَّ "أكْبَرَ" موضوعٌ لِبُلوغِ الغايةِ في العَظَمَةِ، وكذلك إذا قُلْنا: هو أَعْلَمُ أوْ أمْجَدُ، قال الفَرَزْدَقُ: إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بَنَى لنا ... بَيْتًا دَعائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ وليس كذلك قولُنا: "كبيرٌ". وأمَّا قولُ النبيِّ، ﵇: "وكُلُّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَا فيهَا بِفاتِحَةِ

стр. 68

الكِتابِ فَهِيَ خِداجٌ". فَإنَّه يُريدُ النَّاقِصةَ. يُقال: خَدَجَتِ النَّاقَةُ: إذا ألْقَتْ وَلدَها لِغَيْرِ تَمامٍ. فأمَّا التَّأمينُ، فأنْ يقول بعدَ قراءتِه لفاتحةِ الكتاب: آمينَ. وآمينَ فيما يُقال هو اسمٌ مِن أسماء اللهِ، ويُقال: إنَّ معْناها: اللَّهُمَّ افْعَلْ بنا ذلك. كذا رُوِيَ عن الحسن، وآمين: بالمَدِّ والقَصْرِ مع تَخْفيفِ الميم. وأمَّا تَرِتيلُ القراءةِ، فإنَّ التَّرْتيلَ ما لا بَغْيَ فيه. وهو مِن قولِنا: ثَغْرٌ رَتْلٌ. إذا اسْتَوَتِ الأسنانُ، وكذلك القِراءةُ الرَّتْلَةُ، فإنَّ التَّرْتيلَ ما لا بَغْيَ فيه.

стр. 69

قال الشافعيُّ: "ولا يبلُغُ بالقراءةِ تَمْطيطًا". فالتَّمْطيطُ: المَدُّ المُفْرِط، والعرب تقولُ: مَطَّ الشيءَ، أي: مَدَّهُ. وأمَّا التَّمْتَمَةُ، فأن يَتَرَدَّدَ الرجلُ في التَّاءِ، فإن تردَّدَ في الفاءِ فهو: فَأفَأةٌ. واللَّثْغَةُ: أن يجعل السِّينَ ثاءً، والرَّاءَ غَيْنًا. وقولُه: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ". أي: تَوَجَّهْتُ أنا، ورُبَّما عُبِّرَ عن الذَّاتِ بالوَجْهِ، قال اللهُ : (ويبقى وجهُ ربِّك). أي: ويَبْقى اللهُ. وقولُه: "فطر السماوات والأرض". أي: أنْشَأها وابْتَدَأها وابْتَدَعَها لا على مِثالٍ، وفَطَرَ فلانٌ البِئْرَ: إذا أنْشَأ حَفْرَها. وأمَّا قَوْلُ المُصَلِّي: (إنَّ صلاتي ونُسُكي). فقد قُلْنا في الصلاة. والنُّسُكُ: الذَّبيحَةُ. وقال قَوْمٌ: الطَّاعَةُ.

стр. 70

وأمَّا الرُّ كوعُ: فالانْحِناءُ، يُقال للشيخِ المُنْحَني: راكِعٌ. وأمَّا السُّجودُ: فالتَّطامُنُ، يُقال: سَجَدَ البعيرُ. إذا خَفَضَ رأسَهُ، وكذا تقول للواضِع جَبْهَتَه بالأرضِ لِتَطامُنِهِ: ساجِدٌ، والدَّليلُ على ذلك قولُ القائل: بِخَيْلٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ في حَجَراتِهِ ... تَرى الْأَكْمَ فيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ يقول: إنَّه جَيْشٌ لَجِبٌ تتطامَنُ له الأكابِرُ لمرورِه عليها. والإسْجادُ: إدامَةُ النَّظَرِ. والقِياسُ فيه واحِدٌ، لأن] الساجد [النَّاظِرَ لا يكونُ طامِحَ الطَّرْفِ. ويُقال: سَجَدَ الظِّلُّ. وهو سُقوطُه بالأرضِ. وقولُه: "ويُجافي مِرْفَقَيْهِ عن جَنْبَيْهِ". يقول: يُباعِد بهما ويُبينُ، يُقال: تتَجافى عن كذا: إذا تَنَاءى عنه، قال اللهُ تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع). وقَوْلُه: "حتَّى يرى مَنْ خَلْفَه عُفْرَةَ إبطَيْه"، فالعُفْرَةُ: البَياضُ،

стр. 71

وأصلُه مِن العَفَرِ، وهو التراب، يُقال: عَفَرَ وَجْهَهُ. وأمَّا التَّشَهُّدُ، فإنَّما سُمِّيَ بذلك لقولِ القائِل: أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، أشْهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، وليس ذلك على الاسْتِقْبالِ، ولا على المُعْتاد، ولكنْ مَعْناه أنا شاهِدٌ، وشَهِدْتُ. والتَّحِيَّاتُ، جَمْعُ تَحِيَّةٍ، والتحيةُ: المُلْكُ. قال عَمرُو بنُ مَعْدِيكَرِب: أُسَيِّرُها إلى النُّعْمانِ حتَّى ... أُنيخَ على تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي والتَّحِيَّةُ: البقاءُ والسَّلام، يقول: حَيَّيْتُ فُلانًا، وإنَّما سُمِّيَ بذلك، لأنه يسْتَقْبِلُ به مُحَيَّاهُ، ومُحَيَّاهُ: وَجْهُه. وقال النبيُّ، ﵇: "وتحليلُها التَّسْليمُ". والتحليلُ: فَتْحُ ما كان مُنْغَلِقًا عليه، لأنَّ الكلامَ والعملَ مُحَرَّمٌ على المُصَلِّي، فإذَا سَلَّمَ فكأنَّه أُحِلَّ له ما كان مَحْظورًا عليه، لأنَّ هذا قياسُ الحلالِ والحرام، لأنَّ الحلالَ مِن حَلَلْتُ: إذا فَتَحْتَ. والحرامَ مِن قولِنا: هذا سَوْطٌ مُحَرَّمٌ: إذا لم يكنْ لَيِّنًا، ومُهْرٌ مُحَرَّم: إذا لم يكنْ قد رِيضَ. وأمَّا الوِتْرُ: فمِن قولِك: أَوْتَرْتُ: إذا أَفْرَدْتَ، واللهُ جَلَّ ثَناؤُه هو الوِتْرُ، وهو الفَرْدُ. وأمَّا قولُه تعالى: (والشَّفْعِ والوَتْرِ). فالشَّفْعُ: الخَلْقُ، والوَتْرُ: اللهُ، وقال قومٌ: الشَّفْعُ رَكْعَتا الفجر] والوَتْر [: ثلاثُ المغرب، وكُلُّ

стр. 72

مُفْرَدٍ وَتْرٌ، فكذلك الوِتْرُ إنَّما سُمِّيَتْ وِتْرًا، لأنَّها واحدةٌ أوْ ثلاثٌ على قَوْلِ مَن يَراها ثلاثًا. وأمَّا القُنُوتُ، فطُولُ القِيام، وفي بعضِ الحديث: ما أفْضَلُ الصلاةِ؟ قال: "طولُ القُنوتِ". والقُنوتُ: السُّكوتُ، والقُنوتُ: الدُّعاء، وكذلك القُنوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ إنَّما هو دُعاءٌ. وأمَّا السَّلام، قال: "السلامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ ". فقال بعضُ أهلِ التَّأويلِ: إنَّما سُمِّيَ سَلامًا لِسَلامَتِهِ ممَّا يَلْحَقُ

стр. 73

الْمَخْلوقينَ مِن الْفَناءِ، وغير ذلك، قال اللهُ تعالى: (واللهُ يَدْعو إلى دارِ السَّلامِ). فالسَّلامُ اللهُ ، ودارُه الجَنَّةُ. ومعنَى قَوْلِ القائلِ: السلامُ عليكم: أي: اللهُ القائمُ على مَصْلَحَةْ أُمورِكم. وأمَّا النَّهْيُ عن الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ، ففيه قولان، قال قومٌ: مَعاطِنُ الإبِلِ: مَرابِضُها حَوْلَ الماءِ، وهي مَحابِسُها بعدَ الوُرودِ، وكذلك كُلُّ مَنْزِلٍ مَالَفٍ للإبلِ، فهو عَطَنٌ، بمَنْزِلَةِ الوطنِ للنَّاس، وذلك المكانُ يُقال له: العَطَنُ والمَعْطَنُ، قال الشاعر: ولا تُكَلَّفُني نَفْسي ولا هَلَعي ... حِرْصًا أُقيمُ به في مَعْطَنِ الْهُونِ أفَلا تَراهُ جعلَ لنَفْسِه مَعْطَنًا. والقولُ الثاني: أنَّ أعْطانَ الإبلِ لا تكونُ إلاَّ على الماءِ، فأمَّا مَبارِكُها في البَرِيَّةِ وعندَ الحَيِّ، فهو المَأوَى والمَراحُ والمَبارِكُ، وقال لَبيد: إنَّما يُعْطِنُ مَن يَرْجو الْعَلَلْ

стр. 74

أَفَلا تَراهُ جَعَلَ عَطَنَها عندَ الماءِ بعدَ وُرودِ الأوَّلِ، إذا رَجا لها ساقيها السَّقْيَ الثاني، والعَلَلُ: هو الشُّرْبُ الثَّاني. ويدُلُّ على هذا التَّأويلِ: "صَلَّوا في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإِبِلِ". وأمَّا المَرابِضُ، فحيث تَرْبِضُ، يُقال: رَبَضَتْ الشَّاةُ: إذا نَامَتْ. وقولُه: "جِنٌّ مِن جِنٍّ خُلِقَتْ". فإنَّما أريدَ به تَهْويلُ خِلْقَتِها، وسُرْعَةُ نِفارِها، وما فيها مِن رُعْبِ الإنسانِ عندَ نِفارِها وعَدْوِها. وقد فَرَّقَ الشَّافعيُّ بنفْسِه بين المَعْطَن والْمُراح، فقال: "ومُراح

стр. 75

الغنم] الذي [تجوزُ فيه الصلاةُ، الذي لا بَوْلَ فيه ولا بَعْرَ، ولا يُعْرَفُ العَطَنُ إلاَّ مَوْضِعٌ قُرْبَ الْبِئْرِ الذي يُنَحَّى إليه الْإِبِلُ لِيَرِدَ غيرُها الماءَ، لا المُراحُ الذي تَبيتُ فيه"، وإنَّما أراد – واللهُ أعلمُ- أنها تكونُ بذلك المَوْضِع أكْثَرَ أبْوالاً وأبْعارًا.
следующие страницы →