← Гариб и словари

Гариб и словари · id 13256

حلية الفقهاء

ابن فارس

Полный текст (211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأصلُه مِن العَفَرِ، وهو التراب، يُقال: عَفَرَ وَجْهَهُ. وأمَّا التَّشَهُّدُ، فإنَّما سُمِّيَ بذلك لقولِ القائِل: أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، أشْهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، وليس ذلك على الاسْتِقْبالِ، ولا على المُعْتاد، ولكنْ مَعْناه أنا شاهِدٌ، وشَهِدْتُ. والتَّحِيَّاتُ، جَمْعُ تَحِيَّةٍ، والتحيةُ: المُلْكُ. قال عَمرُو بنُ مَعْدِيكَرِب: أُسَيِّرُها إلى النُّعْمانِ حتَّى ... أُنيخَ على تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي والتَّحِيَّةُ: البقاءُ والسَّلام، يقول: حَيَّيْتُ فُلانًا، وإنَّما سُمِّيَ بذلك، لأنه يسْتَقْبِلُ به مُحَيَّاهُ، ومُحَيَّاهُ: وَجْهُه. وقال النبيُّ، ﵇: "وتحليلُها التَّسْليمُ". والتحليلُ: فَتْحُ ما كان مُنْغَلِقًا عليه، لأنَّ الكلامَ والعملَ مُحَرَّمٌ على المُصَلِّي، فإذَا سَلَّمَ فكأنَّه أُحِلَّ له ما كان مَحْظورًا عليه، لأنَّ هذا قياسُ الحلالِ والحرام، لأنَّ الحلالَ مِن حَلَلْتُ: إذا فَتَحْتَ. والحرامَ مِن قولِنا: هذا سَوْطٌ مُحَرَّمٌ: إذا لم يكنْ لَيِّنًا، ومُهْرٌ مُحَرَّم: إذا لم يكنْ قد رِيضَ. وأمَّا الوِتْرُ: فمِن قولِك: أَوْتَرْتُ: إذا أَفْرَدْتَ، واللهُ جَلَّ ثَناؤُه هو الوِتْرُ، وهو الفَرْدُ. وأمَّا قولُه تعالى: (والشَّفْعِ والوَتْرِ). فالشَّفْعُ: الخَلْقُ، والوَتْرُ: اللهُ، وقال قومٌ: الشَّفْعُ رَكْعَتا الفجر] والوَتْر [: ثلاثُ المغرب، وكُلُّ

стр. 72

مُفْرَدٍ وَتْرٌ، فكذلك الوِتْرُ إنَّما سُمِّيَتْ وِتْرًا، لأنَّها واحدةٌ أوْ ثلاثٌ على قَوْلِ مَن يَراها ثلاثًا. وأمَّا القُنُوتُ، فطُولُ القِيام، وفي بعضِ الحديث: ما أفْضَلُ الصلاةِ؟ قال: "طولُ القُنوتِ". والقُنوتُ: السُّكوتُ، والقُنوتُ: الدُّعاء، وكذلك القُنوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ إنَّما هو دُعاءٌ. وأمَّا السَّلام، قال: "السلامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ ". فقال بعضُ أهلِ التَّأويلِ: إنَّما سُمِّيَ سَلامًا لِسَلامَتِهِ ممَّا يَلْحَقُ

стр. 73

الْمَخْلوقينَ مِن الْفَناءِ، وغير ذلك، قال اللهُ تعالى: (واللهُ يَدْعو إلى دارِ السَّلامِ). فالسَّلامُ اللهُ ، ودارُه الجَنَّةُ. ومعنَى قَوْلِ القائلِ: السلامُ عليكم: أي: اللهُ القائمُ على مَصْلَحَةْ أُمورِكم. وأمَّا النَّهْيُ عن الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ، ففيه قولان، قال قومٌ: مَعاطِنُ الإبِلِ: مَرابِضُها حَوْلَ الماءِ، وهي مَحابِسُها بعدَ الوُرودِ، وكذلك كُلُّ مَنْزِلٍ مَالَفٍ للإبلِ، فهو عَطَنٌ، بمَنْزِلَةِ الوطنِ للنَّاس، وذلك المكانُ يُقال له: العَطَنُ والمَعْطَنُ، قال الشاعر: ولا تُكَلَّفُني نَفْسي ولا هَلَعي ... حِرْصًا أُقيمُ به في مَعْطَنِ الْهُونِ أفَلا تَراهُ جعلَ لنَفْسِه مَعْطَنًا. والقولُ الثاني: أنَّ أعْطانَ الإبلِ لا تكونُ إلاَّ على الماءِ، فأمَّا مَبارِكُها في البَرِيَّةِ وعندَ الحَيِّ، فهو المَأوَى والمَراحُ والمَبارِكُ، وقال لَبيد: إنَّما يُعْطِنُ مَن يَرْجو الْعَلَلْ

стр. 74

أَفَلا تَراهُ جَعَلَ عَطَنَها عندَ الماءِ بعدَ وُرودِ الأوَّلِ، إذا رَجا لها ساقيها السَّقْيَ الثاني، والعَلَلُ: هو الشُّرْبُ الثَّاني. ويدُلُّ على هذا التَّأويلِ: "صَلَّوا في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإِبِلِ". وأمَّا المَرابِضُ، فحيث تَرْبِضُ، يُقال: رَبَضَتْ الشَّاةُ: إذا نَامَتْ. وقولُه: "جِنٌّ مِن جِنٍّ خُلِقَتْ". فإنَّما أريدَ به تَهْويلُ خِلْقَتِها، وسُرْعَةُ نِفارِها، وما فيها مِن رُعْبِ الإنسانِ عندَ نِفارِها وعَدْوِها. وقد فَرَّقَ الشَّافعيُّ بنفْسِه بين المَعْطَن والْمُراح، فقال: "ومُراح

стр. 75

الغنم] الذي [تجوزُ فيه الصلاةُ، الذي لا بَوْلَ فيه ولا بَعْرَ، ولا يُعْرَفُ العَطَنُ إلاَّ مَوْضِعٌ قُرْبَ الْبِئْرِ الذي يُنَحَّى إليه الْإِبِلُ لِيَرِدَ غيرُها الماءَ، لا المُراحُ الذي تَبيتُ فيه"، وإنَّما أراد – واللهُ أعلمُ- أنها تكونُ بذلك المَوْضِع أكْثَرَ أبْوالاً وأبْعارًا.

стр. 76

باب المسافر قال: "إذا سافَرَ الرجُلُ سَفَرًا يكونُ سِتَّةً وأربعين مِيْلاً بالهاشِمِيِّ، فله أنْ يَقْصِرَ الصلاةَ". فالقَصْرُ مِن قولِك: قَصَرْتُ أقْصِرُ قَصْرًا، كذا يُقال في الصلاةِ، وإذا أنتَ قَصَّرْتَ مِن ثَوْبِك، أوْ قَصِّرْ في حاجتِك، فذلك بالتَّثْقيلِ، والْأوَّلُ أفْصَحُ وأجْوَدُ.

стр. 77

باب الجمعة اختلفَ الناسُ في الجمعة. فقال قومٌ: سُمِّيَتْ لاجْتِماعِ الناسِ فيها في المكانِ الجامعِ لصَلاتِهم. وقال آخرون: إنَّما سُمِّيَتْ الجمعةُ، /لأن خَلْقَ آدمَ ﵇، جُمِعَ فيها. قال اللهُ تعالى: (إذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يوم الجمعة)، أي: دُعِيتُم إليها مِن يوم الجمعة (فاسْعَوِا)، أي: فَامْضُوا. والسَّعْيُ قد يكونُ العملَ، ويكونُ العَدْوَ، ويكونُ المُضِيَّ. وقَوْلُه: "ثمَّ انْفَضُّوا عنه". فإنه يُريد بالاِنْفِضاضِ التَّفَرُّقَ. قال اللهُ تعالى: (ولو كنتَ فَظًّا غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك).

стр. 78

وأمَّا الخُطْبَةُ، فاشْتِقاقُها مِن المُخاطبة، ولا تكونُ المخاطبةُ إلاَّ بالكلامِ بين المُخاطَبين، وكذلك خِطْبَةُ النِّكاح. وقال قومٌ: إنَّما سُمِّيَتْ الخُطْبَةُ، لأنهم كانوا] لا [يَجْعلونَها إلاَّ في الخَطْبِ والْأمْرِ العظيم، فلهذا سُمِّيَتْ خُطْبَةً. والْمِنْبَرُ، مِن قَوْلِك: نَبَر: إذا عَلا صَوْتُه، وكذلك الخاطِبُ يعْلو صَوْتُه، ومِنْبَر، مِفْعَل منه، ولذلك سُمِّيَتْ الهمزةُ نَبْرَةً، لأن مَن نَبَرَ الْحَرْفَ رَفَع صَوْتَهُ. وأمَّا قَوْلُه: "لا يُشَبِّكُ بين أصابِعِه" فعَلى ظاهِرِه، كُرِهَ لِلْعامِدِ إلى الصلاةِ أن يُشَبِّكَ بين أَصابِعِه، كما كُرِهَ لِلْمُصَلِّي. وقال قومٌ مِن أهل العربيَّة: ليس هذا على ظاهِرِه، وذلك أنَّ الناسَ مُجْمِعون أن رجلاً لو شَبَّكَ أصابِعَه وهو في الصَّلاةِ لم يَضُرَّه ذلك. قالوا: فإذا كان التَّشْبيكُ في نَفْسِ الصلاةِ لا يَضُرُّ، فكيف يَضُرُّ العامِدَ إلى الصلاةِ، ولكنَّ التَّشْبيكَ إنَّما هو المُنازَعَةُ والوقوفُ علَى مَوَاقِفِ التَّخاصُمِ، لأن الرَّجُلَ إذا خَاصَم، قيل: قد شَبَّكَ يَدَهُ. وقالوا: العامِدُ إلى الصلاةِ مَأجورٌ عَلَى قَصْدِه، فإذا شَغَلَ نَفْسَه في طريقِهِ بخُصُومةٍ أوْ مُنازَعَةٍ فقد قَطَعَ ذلك القَصْدَ، وانْقَطَعَ أجْرُه، وأنْشَدُوا قولَ القائلِ: وكَتيبَةٍ لَبَّسْتُها بكَتيبَةٍ ... حتَّى إذا اشْتَبَكَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي

стр. 79

وهذا القولُ عندنا مُحْتَمِلٌ، إلاَّ أنَّ العملَ عندَنا على الْأوَّلِ، وإنْ كُنَّا نَكْرَهُ له التَّشاغُلَ بالمُنازَعاتِ والخُصوماتِ. وأمَّا العيدُ، فإنَّما سُمِّيَ عِيدًا لاِعْتِيادِ الناسِ له كلَّ حِينٍ، ومُعاوَدَتِهِ إيَّاهُم، ويُقال لِما يُعاوِدُ الْإنسانَ مِنْ هَمٍّ أوْ غيرِه: عِيدٌ، قال الشاعر: أمْسَى بِأَسْماءَ هذا الْقَلْبُ مَعْمُودَا ... إذا أثولُ صَحَا يَعْتادُهُ عِيدَا وأمَّا الكُسوفُ، فَمِن كَسَفَ الشيءُ: إذا ذَهَبَ نورُه وضَوْؤُه، يُقال: نَجْمٌ كَاسِفٌ، وكَسَفَتْ الشمسُ سائرَ الكواكبِ، إذا ذَهَبَتْ بِضَوْئِها. قال الشاعر: الشمسُ طالِعَةٌ ليستْ بِكاسِفَةٍ ... تَبْكِي عليكَ نُجومُ اللَّيْلِ والْقَمَرَا يقول: إنَّها طالعةٌ وهي مع طُلُوعِها لم تَكْسِفِ النُّجومَ والقَمَرَ، أي: ما ذهبتْ بضَوْئِها، لأنها أيضًا مِن الغَمِّ بك لا ضَوْءَ لها، فكيف/ تَكْسِفُ غيرَها؟ وإنَّما تَكْسِفُ غيرَها بتَمامِ نُورِها. وأمَّا الخُسُوفُ، فالغُيوب. يُقال: خَسفَتِ الأَرْضُ، وخُسِفَ بالْكافِرِ: إذا صارت الْأرْضُ كأنَّها ابْتَلَعَتْه، وانْخَسَفَتِ البئرُ: إذا انْخَسَفَ قَعْرُها.

стр. 80

وسمعتُ أبا الحسن القَطَّانَ، يقول: سمعتُ أبا حاتمٍ محمدَ بنَ إدريس، يقول: إذا ذَهَبَ بعضُها فهو الكُسوفُ، وإذا ذَهَبَ كُلُّها فهو الخُسُوفُ. وأمَّا الاسْتِسْقاءُ، فطَلَبُ السُّقْيا. وأمَّا الحديثُ: أنَّ النبيَّ، صلَّى الله عليه، كانتْ عليه خَمِيصَةٌ، فإنَّما هو الكِساءُ الْأَسْوَدُ، والعربُ تُشَبِّهُ شُعُورَ النِّساءِ في كَثْرَتِها بالْخَمائِصِ، قال الأعشى: إذَا جُرِّدَتْ يَوْمًا حَسِبْتَ خَمِيصَةً ... عليها وجِرْيَالاً يُضيءُ دُلامِصَا وأمَّا قولُه: "ولا سُقْيا عَذابٍ، ولا مَحْقٍ، ولا بَلاءٍ، ولا هَدْمٍ". فالمَحْق: النَّقْصُ والذَّهاب، قال اللهُ تعالى: (وليُمَحِّصَ اللهُ الذين آمنوا ويمحقَ الكافرين).

стр. 81

وأمَّا الظِّرابُ، فجَمْعُ ظَرِب، وهو أُصولُ الجبالِ والْأرَضِين، وهي الخَشِنَةُ الحَزْنَةُ، قال الشاعر: إنَّ جَنْبِي عن الْفِراشِ لَنَابٍ ... كَتَجافِي الْأَسَرِّ فوقَ الظِّرابِ وأمَّا قَوْلُه: "اسْقِنا غَيْثًا"، فكذا الاسْتِحْبابُ، ولا يذكر المَطَرَ، وذلك أنَّ المطرَ لم يُذْكَرْ في كتابِ الله تعالى إلاَّ في مَوْضِعِ عذابٍ، وما سِوَى ذلك مِن الرَّحْمَةِ غَيْثٌ. والْهَنِيُّ: الذي لا عَناءَ فيه ولا مَشَقَّةَ. والمَرِيّ: الذي لا يَسْتَوْخِمُه آكِلُهُ. وقوله: مريعًا، يَحْتَمِلُ أن تكون بضَمِّ المِيم، فإن كان كذلك، فهو الذي يَاتِي بالرِّيعٍ، وهو النُّزُل والزِّيادةُ والنَّماءُ، وإن كان بفَتْحِ المِيم، فهو الذي يُصِيِّبُ الأماكِنَ مَرِيعَةً، وهو في نَفْسِهِ مَرِيعٌ، يُقال: مَكان مَرِيعٌ: إذا كان خِصْبًا.

стр. 82

والغَدَقُ: الكثير، يُقال: حَوْضٌ مُغْدِقٌ، وقال اللهُ تعالى: (لأسقيناهم ماء غدقا). وقولُه: "مُجَلِّلاً". أي: يُجَلِّلُ الْأرْضَ بالنَّباتِ كما يُجَلِّلُ الفَرَسُ بِجلالِهِ. وقولُه: "عَامًّا طَبَقًا". أي: لا يَتَخَلَّلُ، بل يَعُمُّ. والطَّبَقُ: الذي يُطَبِّقُ الْأرْضَ، أي: يَعُمُّها، ويَصيرُ لها كالطَّبَقِ. والسَّحُّ: الانْصِبابُ، يُقال: دِيمَةٌ سَحٌّ، والسَّحُّ: الصَّبُّ نفسُه، فسُمِّيَتْ بفِعْلِها. وغَيْثٌ سَحُوحٌ. واللَّاواءُ، والجَهْدُ، والضَّنْكُ: الضَّيْقُ.

стр. 83

باب الجنائز وأمَّا قولُه:"ويَجْعَلُ في الماءِ القَرَاحِ كافُورًا"، فالقَراح: الماءُ الذي لا يُخالِطُه غَيْرُه. وأمَّا قولُه: «"لا يُخَمِّرُ راسَه". فهو أن لا يُغَطَّى. يُقال: خَمَّرْتُ الشيءَ: إذا غَطَّيْتَه، قال النبيُّ، ﵇: "خَمِّروا آنِيَتَكُمْ".

стр. 84

وأمَّا قولُه: "ثلاثة أثْواب بِيضٍ رِيَاطٍ"، فهي جَمْعُ رَيْطَةٍ، والرَّيْطَةُ: كلُّ مُلاءَةٍ لم تكنْ لِفْقَيْن. وأَمَّا "ثلاثةُ أثْوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّة"، فمَاخُوذٌ مِن السَّحْلِ، والسَّحْلُ: الثَّوْبُ من الْقُطْنِ. وأمَّا السُّحُلُ، فحدَّثنا القَطَّانُ، عن عليّ بنِ عبد العزيز، عن أبي عُبَيْد، قال: هي ثياب بِيضٌ، وواحدُه السَّحْلُ. وأمَّا "الشُّهَداء" فجَمْعُ شَهيد، وسُمِّيَ شهيدًا، لأن ملائكةَ الرَّحْمةِ تَشْهَدُه. وقال قومٌ: سُمِّيَ شهيدًا لسُقوطِه بالْأرْضِ، وذلك أن الْأرْضَ تُسَمَّى الشَّهادةَ، والوَجْهُ الْأوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 85

كتاب الزكاة أصلُ الزكاة - فيما حُدِّثْنا به عن المُفَسِّر عن القُتَيْبِيّ -: النَّماءُ والزِّيادةُ. وسُمِّيَتْ بذلك، لأنها تُثَمِّرُ المالَ وتُنَمِّيهِ، ومنه يُقال: زَكَا الزَّرْعُ: إذَا كَثُرَ رِيعُهُ، وزَكَتِ النَّفَقَةُ، إذا بُورِكَ فيها، ومنه قَوْلُ الله تعالى: (أقتلت نفسا زاكية). أي: نامِيَةً، ومنه تَزْكِيَةُ القاضي للشُّهودِ، لأنه يَرْفَعُ منهم بالتَّعْديل، والذِّكْرِ الجَميلِ، ثم يُقال منه: فلان زَكِيٌّ، وهو أزْكَى مِن فُلانٍ. قُلْنا: وعلى هذا التَّاويلِ أوْجَبَ الشافعيُّ الزكاةَ في مالِ اليتيم، لأن الزكاةَ لمَّا كانتْ مَوْضوعَةً للنَّماءِ رُجِيَ مِن مالِ الْيَتِيمِ، كما يُرْجَى مِن مالِ غيرِه، فوَجَبَتْ فيها الزكاةُ، والعربُ تقولُ للواحِدِ: خَسَا. ولِلاثْنَيْن: زَكا.

стр. 86

باب صدقة الإبل روَى الشافعيُّ حديثَ أنَس بنِ مالك: "هذا فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ". أي: بَيَانُ الصَّدَقَةِ. يُقال: فَرَضْتُ الشَّيْءَ وفَرَّضْتُهُ: إذا بَيَّنْتَهُ. قال اللهُ تعالى: (قد فَرَضَ الله لكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم)، وقولُه: (سورة أنزلناها وفرضناها). هكذا مثلُه، أي: بَيَّنَّاها. وقولُه: "الصَّدَقَة"، فإنَّما سُمِّيَتْ صَدَقَةً، لأنها عطاءٌ على غَيْرِ ثَوابٍ عاجلٍ، دالَّةٌ على صِدْقِ مُعْطِيها في الطَّاعةِ. وقولُه: "التي فَرَضَها". أي: أوْجَبَها، "فمَنْ سُئِلَها عَلَى وَجْهِها".

стр. 87

أي: على الحَدِّ الذي حَدَّه رسولُ الله، صلَّى الله عليه، "فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطَه"، فالهاءُ التي في قولِه: "فَلا يُعطه" يُمْكِنُ أن تكونَ كنايةً عن قولِه: من سأل فوقَها لا يُعْطَى ما فوقَها، ومُمْكِنٌ أن تكونَ الهاءُ هاءَ وَقْفٍ، كما تقولُ: لا تَمْضِهْ. وكما قال جَلَّ ثَناؤُه: (فبهداهم اقتدِه). كأنه قال: ومَن سَأل فوقَها فلا يُعْطَه. لكنه وَقَفَ على الهاء، لأن أكْثَرَ الوُقوفِ إنَّما يكونُ على ساكِنٍ. وأمَّا الأسْنانُ التي تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ مِن الإبِلِ، فحدَّثنا عليُّ بن إبراهيم القَطَّانُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ، قال: قال الْأصْمَعِيُّ، وأبو زيادٍ الكِلابِيُّ، وأبو زيد الْأنْصارِيُّ، قالوا: إذا وضَعَتِ الناقةُ، فوَلَدُها ساعةَ تَضَعُهُ: سَلِيلٌ. ثم ذكروا تَنَقُّلَهُ بعد ذلك في أحْوالِه، قالوا: فإذا حُمِلَ على الْأُمِّ فلَقِحَتْ فهي: خَلِفَةٌ، وجَمْعُها: مَخاضٌ، وهو: ابنُ مَخَاضٍ، وذلك لاِسْتِكْمالِ السَّنَةِ مِنْ مُنْذُ وُلِدَ، ودُخولِه في الأخْرى، فإذا نُتِجَتْ أُمُّهُ، وذلك بعدَ سَنَتَيْن ودُخُولِه الثالثةَ، وصار لها ابْنٌ، فهو: ابنُ لَبُون، فإذا فَصَلَ أخوه، وذلك لاِسْتِكْمالِ ثلاثٍ ودُخولِه الرابعةَ فهو: حِقٌّ، حتى يَسْتَكْمِلَ أرْبَعًا، فإذا أتَتْ عليه الخامسةُ، فهو جَذَعٌ، فهذا نهايَةُ السِّنِّ الذي يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ، وإنَّما لم نَذْكُرْ ما قَبْلَ ابنِ مَخاضٍ، وما بعدَ الجَذَعِ لأنه ليس له ذِكْرٌ في الصدقةِ.

стр. 88

وتلخيصُ ذلك، أنه إذا أتَتْ عليه سنةٌ كاملةٌ فهو: ابنُ مَخاضٍ، والأنثى: بنتُ مَخاضٍ، فإذا أتَتْ عليه سنتان كاملتان، فهو ابنُ لَبُون، والأُنْثى: بنتُ لَبُون، فإذا أتَتْ عليه ثَلاثٌ كَوامِلُ، فهو حِقٌّ، والأنثى: حِقَّةٌ، فإذا أتَتْ عليه أرْبَعٌ كَوامِلُ] فهو [: جَذَعٌ، والأنثى: جَذَعَةٌ. وقَوْلُه: "حِقَّةٌ طَرُوقَة الْجَمَلِ"، فالحِقَّةُ: التي تَسْتَحِقُّ أنْ يُحْمَلَ عليها. والطَّرُوقةُ: التي يَطْرُقُها الجملُ، أي: يَضْرِبُها، يُقال: طَرَقَ الفَحْلُ أُنْثَاهُ. إذا ضَرَبَها. وأمَّا "الْهُيَام" الذي ذَكَره الشافعيُّ، فحدَّثَنا ابنُ القَطَّانِ، عن عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ، قال: بَعيرٌ مَهْيُومٌ: إذا أصابَه الْهُيامُ، وهو داءٌ يَأخُذُ الإبِلَ، مثل الحُمَّى.

стр. 89

باب صَدَقة البقر أمَّا التَّبِيعُ، فالذي يَتْبَعُ أُمَّهُ، وذلك إذا قَوِيَ. الْمُسِنَّةُ: التي قد بلَغَتْ نِهايةَ السِّنِّ. وأمَّا الوَقَصُ، فقد ذَكَر الشافعيُّ أنه لم يبلُغِ الفَرِيضَةَ، والجَمْعُ: الأوْقاصُ.

стр. 90

باب صَدَقة الغنم السائمة أمَّا السَّائِمَةُ، فالرَّاعِيَةُ، وهي التي تَسُوم، أي: تَرْعَى وتَذْهَبُ في الرَّعْيِ. وأسَمْتُها أنا إِسَامَةً. قال اللهُ : (ومنه شجر فيه تسيمون). أي: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُم. وأمَّا أسْنانُ الشَّاءِ التي تُذْكَرُ في الزكاةِ وفي الأضَاحِي، فحدَّثنا القَطَّانُ، عن] علي بن [عبد العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ، قال: حدَّثنا أبو زيد، قال: يُقال لأوْلادِ الغَنَمِ سَاعَةَ تَضَعُه أمُّهُ مِن الضَّأنِ أو المَعْزِ جميعًا، ذَكَرًا كان أم أنْثى: سَخْلَةٌ، وجَمْعُهُ: سِخَالٌ، وهي البَهْمَةُ، للذَّكَرِ والأُنْثَى، وجَمْعُها: بُهْمٌ، فإذا أتَى عليها الحَوْلُ، ودخلتْ في الثانية، فهي: جَذَعَةٌ، فإذا أتتْ عليها سنتان، ودخلتْ في الثالثة، فهي: ثَنِيَّةٌ. وأمَّا الرُّبَّى، فقد قال الشافعيُّ: إنها التي يَتْبَعُها وَلَدُها. وقال قَوْمٌ مِن أهلِ اللغة: الرُّبَّى، هي التي تُحْبَسُ في البَيْتِ.

стр. 91

والدَّليلُ على ما قالَه الشافعيُّ قَوْلُ الشاعر: حَنِينَ أُمِّ الْبَوِّ في رُبابِها وأمَّا الأكُولَةُ، فهي التي تُسَمَّنُ للذَّبْحِ. والماخِضُ: الحامِلُ. وأمَّا قولُه: "وذلك عَدْلٌ بَيْنَ غَذِيِّ المالِ وخِيارِه". فحُدِّثْنا عن الخليل، بالإسْناد الذي ذكَرْناهُ قَبْلُ، قال: الغِذَاءُ: سِخَالٌ صِغَارٌ، وَاحِدُها غَذِيٌّ. وأمَّا الإِبِلُ المَهْرِيَّةُ، فمَنْسُوبَةٌ إلى مَهْرَةَ، وهم قَوْمٌ كانوا يَسْكُنونَ وَبَارِ، ويُقال: إنَّ إبِلَهُم لا يَسْبِقُها شَيْءٌ. وأمَّا أَرْحَبِيَّة، فحُدِّثْنا عن الخليلِ، بالإسْنادِ الذي ذَكَرْناه قَبْلُ، قال: أَرْحَبُ حَيٌّ أو مَوْضِعٌ، تُنْسَبُ النَّجائِبُ إليه الْأَرْحَبِيَّةُ، والْأغْلَبُ على النَّفْسِ أنَّ أَرْحَبَ حَيٌّ مِن الْيَمَنِ. والْمَجِيدِيَّة أيضًا، مَنْسُوبَةٌ إلى مَجِيدٍ، وهو فَحْلٌ كان يكونُ لإبِلِهمْ.

стр. 92

باب زكاة الثمار حكَى الشافعيُّ حديثَ أبي سعيد الخُدِرِيِّ، أن النبيَّ، ﵇، قال: "لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةً". قال: "والْوَسْقُ

стр. 93

معا سِتُّونَ صاعًا بصَاعِ رَسولِ الله، ﷺ ، والصَّاعُ أربعةُ أمْدَادٍ". فأمَّا الوَسْقُ معًا، فقد ذكر الشافعيُّ في حديثٍ: وإنَّما سُمِّيَ وَسْقًا، لأنَّه يُوسَقُ، أي: يُحْمَلُ، فكأنه كالشَّيْءِ الذي يجوز أن يُسَمَّى مِن ثقله وَسْقًا، أي: حِمْلاً، قال الشاعر: أيْن الشِّظاظانِ وأين المِرْبَعَهْ وأيْنَ وَسْقُ النَّاقَةِ المُطَبَّعَهْ فالوَسْقُ ها هنا: الحِمْلُ. وأمَّا الصَّاعُ، فقال قومٌ: صاعُ النبيِّ، ﵇، ثمانيةُ أرْطالٍ، ومُدُّهُ رِطْلان. وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ ومَنْ وافَقَهُ مِن العِرَاقِيِّين. وحدَّثنا القطَّانُ، عن المُفَسِّرِ، عن القُتَيْبِيِّ، قال: وأمَّا أهلُ الحِجازِ، فلا اخْتِلافَ بينهم فيما أعْلَمُه، يعرفهُ عالِمُهم وجاهلُهم، ويَتَبايَعُون به في أسْواقِهم، وفي زَكَاةِ الْأَرَضِينَ، وصَدَقَةِ الفِطْرِ، وكَفَّارة

стр. 94

الْيَمِينِ، وفِدْيَةِ النُّسُكِ، فهم مُجْمِعُون على أنَّ المُدَّ رِطْلٌ وثُلُثٌ، والصاعَ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، قال: والصاعُ ثُلُثُ الفَرْقِ، والفَرْقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، والفَرْقُ قد يُفْتَح راؤهُ، فأمَّا أنا، فلم أسْمَعْهُ إلاَّ مُسَكَّنًا، والله أعلم. قال أبو الحسين: سمعتُ الآن مفتوحًا، وقد جاء في الشعر "فرق" بفتح الراء: يَأخُذونَ الأَرْشَ عن إخْوَتِهم ... فَرَقَ السَّمْنِ وشَاةً في الغَنَمْ قال الشافعيُّ: "وثَمَرُ النَّخْلِ يختلفُ، يُجَذُّ بِتِهَامَةَ معًا"، أي: يُقْطَع، وذلك عند بُلُوغِه نِهايَتَهُ، وإنَّما جَذاذُهُ إذا أرادوا أن يُؤْوُوه إلى الجَرِينِ. قال: "وهو بنَجْدٍ بُسْرٌ وبَلَحٌ، وذلك إذا اسْتَدار واخْضَرَّ، يُقال: أَبْلَحَتِ النخلةُ. وأمَّا الكَبِيسُ والبُرْدِيُّ، والجُعْرُورُ، ومُصْرَانُ الْفَارةِ، وعِذْقُ ابنِ حُبَيْقٍ: فأجْناسُ التَّمْرِ من الرَّدِيءِ. وأمَّا الخَرْص، فهو التَّقْديرُ، وهو الذي يُقال له: الحَزْر. يُقال:

стр. 95

خَرَصْتُ النخلةَ: إذا حَزَرْتَ ثَمَرَها، ويُقال للكذَّاب: الخَرَّاص، لأنه يكذبُ لا على تَحْقِيقٍ. وأمَّا قولُه: "ذلك حين يَتَمَوَّه العنبُ"، فإنَّه يقول: إذا صار فيه الماءُ، يُقال: مَوَّهْتُ الشَّيْءَ: إذا سَقَيْتَه ماءً، وأصلُ الماءِ مَوه. وأمَّا الجَرِينُ، فالموضعُ الذي يُجْمَعُ فيه التمرُ، وهو البَيْدَرُ، والْأنْدَرُ، والجَوْخَانُ. وأمَّا الحبوب، فمنها الذُّرَة، وهو الجاورس. والعَلَس: جنسٌ من القَمْحِ. وأمَّا السُّلْتُ، فضَرْبٌ من الشَّعِيرِ صِغَارُ الحَبِّ ليس له قِشْرٌ. وأمَّا القُطْنِيَّةُ، فهي الحبوبُ كالعَدَسِ، والحِمَّصِ، والْأَرُزُّ، والجُلُبَّان، والقمح، والحِنْطَةُ. والتُّرْمُسُ: أحْسِبُه الفُول، والفُول: الباقِلاء، أو الجُلُبَّانُ. وأمَّا قَوْلُه: "سُقِيَ بِنَضْحٍ"، فالنَّضْحُ: الصَّبُّ، والغَرْبُ: الدَّلْوُ. وأمَّا الوَرِقُ، فالفِضَّة، وكذلك الرِّقَّة. وقال قومٌ: إنَّ الرِّقَّةَ تَقَعُ عَلَى الذهبِ والفِضَّةِ.

стр. 96

وأمَّا التِّبْرُ، فما كان من الذهب والفضةِ غيرَ مَصُوغٍ، كما حدَّثنا القَطَّانُ، عن ابنِ عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ. وأمَّا المَعْدِنُ، فإنَّما سُمِّيَ مَعْدِنًا مِن قَوْلِك: عَدَنَ بالمكانِ: إذا أقام به. وأمَّا التَّحْصِيلُ، فإخْراجُ الذهبِ والفضةِ مِنَ الحَجَر، يُقال: حَصَّلْتُه تَحْصِيلاً. وأمَّا الرِّكازُ، فالمالُ المَدْفُونُ في الجاهِلِيَّةِ: مِن قَوْلِك: رَكَزْتُ الرُّمْحَ في الْأَرْضِ. وأمَّا الْأَقِطُ، فلبنٌ يُجَفَّفُ ويُدَّخَرُ. وأمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇: "ولْيَبْدَأ أحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ"، فإنَّه يَعْنِي: بمَنْ يَمُونُ، يُقال: عُلْتُ عِيالي، أعُولُهم، عَوْلاً.

стр. 97

كتاب الصيام أصْلُ الصومِ: الإمْساك. يُقال: خَيْلٌ صِيَامٌ: إذا كانت واقفةً عَلَى غيرِ عَلَفٍ. قال الشاعر: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غيرُ صائِمَةٍ ... تحتَ الْعَجاجِ وخَيْلٌ تَعْلِكُ اللُّجُمَا والصيام في الشَّرْعِ: الْإمْساكُ عن المَاكَلِ والمَشْرَبِ والمُجامَعَةِ، وأنْ لا يَصِلَ شيءٌ إلى الجَوْفِ بأيِّ حالٍ كان. وأمَّا قَوْلُ النبيِّ ﵇: "فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ"، أي: إن غُطِّيَ عليكم الْأمْرُ فلم تَرَوْا الهلالَ.

стр. 98

وأمَّا قولُه: "فإنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ"، يقول: غَلَبَهُ. وأمَّا قَوْلُه: "أتَى بعَرَقٍ مِن تَمْرٍ"، فالعَرَقُ: السَّفِيفَةُ المَنْسُوجَةُ مِن الخُوصِ يُجْعَلُ منها زِنْبِيلٌ. وأمَّا قولُه: "كان أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِه"، فالإرْبُ: العُضْوُ. وأمَّا قولُ الشافعيِّ: "وإن صَحَّا قبلَ الزَّوالِ، أفْطَرَ وصلَّى بهم الإمامُ صلاةَ العيدِ". فإنَّ معنَى قَوْلِه: "صَحَّا"، أي: صَحَّ الشَّاهِدان، أي: أقاما الشهادةَ، وقُبِلَ قولُهما.

стр. 99

وأمَّا حديثُ النبيِّ ﵇: "لا صِيامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ"، فإنَّ التَّبْيِيتَ العَزْمُ على الشيءِ لَيْلاً، قال اللهُ: (إذْ يُبَيِّتون ما لا يرضى مِنَ القول). وناسٌ يَرْوُونَها "لِمَنْ لَمْ يَبُتَّ الصِّيامَ"، وذلك مِن قَوْلِك: بَتَتُّ الشَّيْءَ، وابْتَتَّهُ: إذا قَطَعْتَه. أراد بذلك العَزْمَ عليه.

стр. 100

باب الاعتكاف مَعنى الاعْتِكاف: الإقامَةُ، يُقال: عَكَفَ بالْمَكانِ: إذا أقامَ به، والْمَعْكُوفُ: المَحْبُوسُ، قال اللهُ تعالى: (والهديَ معكوفًا).

стр. 101

كتاب الحَجّ أصلُ الحَجِّ: القَصْدُ، يُقال: حَجَجْتُ فُلانًا: إذا قَصَدْتَه. وحدَّثنا القَطَّانُ، عن المُفَسِّرِ، عن القُتَيْبِيِّ، قال: حَجُّ البَيْتِ مَاخوذٌ مِن قَوْلِكَ: حَجَجْتُ فلانًا: إذا عُدْتَ إليه مَرَّةً بعدَ مرةٍ. فقيل: حَجُّ البيت، لأن الناسَ يَاتُونَه كلَّ سَنَةٍ. قال المُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ: وأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُؤُولاً كَثيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقانِ الْمُزَعْفَرَا يقول: إنَّهم يَأتونَه مَرَّةً بعدَ مرةٍ لِسُؤْددِه. والسِّبُّ: الْعِمَامَةُ. وأمَّا قَوْلُ الشافعيِّ في الاِسْتِطَاعة: "والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يكونَ مَعْضُوبًا

стр. 102

في بَدَنِهِ". والمَعْضُوب: المَقْطُوع عن تَجَشُّمِ السَّفَرِ بمرضٍ قد أَضْنَاهُ أو هَرَمٍ، تقولُ: عَضَبَنِي عنك شُغْلٌ. أي: قَطَعَنِي عنك، وسُمِّيَ السيفُ عَضْبًا، لأنه يَقْطَعُ.

стр. 103

باب وقت الحجّ والعمرة قال اللهُ : (الحجُّ أشهُرٌ معلومات). فقال بعضُ أهلِ التَّفْسيرِ: مَعْناه أَشْهُرُ الحَجِّ أشهرٌ معلوماتٌ. قال: وإن كان شَهْرَيْن وعَشْرَةَ أيَّامٍ جائزٌ أن تُخْبِرَ عنه بالْأشْهُرِ، لأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ، كما قال اللهُ تعالى: (فإن كان له إخوة)، وإنما المعنى: أخَوان، لأن التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ. وأمَّا الحَجُّ، فلا اخْتِلافَ في وُجُوبِه. واخْتَلَفُوا في العُمْرَةِ، فقال قومٌ: ليست بفَرِيضَةٍ. وقال ابنُ عُمَرَ: ليس أحدٌ مِن الناسِ إلاَّ عليه حَجٌّ وعُمْرَةٌ واجِبَتان. وقال عَطاء: الحَجُّ والعُمْرَةُ واجِبَتان. وقال ابنُ جُبَيْرٍ: العُمْرَةُ واجِبَةٌ.

стр. 104

وقيلَ لِقَيْس بن رُومان: فإنَّ الشَّعْبِيَّ يقول: ليست بواجبةٍ. فقال: كذب الشَّعْبِيُّ، إنَّ اللهَ يقول: (وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله). قُلْنا: فظاهِرُ اللَّفْظِ دليلٌ على الفَرْضِ، ألا تَرَى أن اللهَ، جَلَّ ثَناؤُهُ، لم يَأمُرْ بإتْمامِ شَيءٍ إلاَّ وذلك الشيءُ واجِبٌ، كقولِه: (ثُمَّ أتِمَّوا الصيام إلى الليل)، وكقولِه: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). فكان الوفاءُ بالعَهْدِ الذي أمَرَ الله بمُعاهَدَةِ المشركين إليه واجِبًا. وبعدُ، فالحَجُّ والعُمْرَةُ مَأخُوذٌ مِنْ مَعنًى واحدٍ، لأن الحَجَّ هو الزِّيارَةُ والقَصْدُ، وكذلك العمرةُ هو الزيارة، يُقال: أتانا فلانٌ مُعْتَمِرًا، أي: زائِرًا. قال الشاعر: وراكِبٌ جاء مِن تَثْلِيثَ مُعْتَمِرَا أي: زائرًا.

стр. 105

وقال قومٌ: اعْتَمَرَ: قَصَدَ، قال الشاعر: لقد سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ جينَ اعْتَمَرْ مَغْزًى بَعِيدًا مِن بعيدٍ وضَبَرْ وقد قال قومٌ: سُمِّيَت العمرةُ عُمْرَةً لأنَّه يَقْصِدُ لعملٍ في مَوْضِعٍ عامِرٍ.

стр. 106

باب وُجُوه الحَجّ الحجُّ علَى ثلاثة أَوْجُهٍ، الْإِفْرَاد، وهو اخْتِيَارُ مالكٍ والشافعيِّ. والْقِرَانُ، وهو مذهبُ أهلِ العراقِ. والتَّمَتُّعُ، وهو اخْتِيَارُ أهلِ مكةَ. فأمَّا الْإِفْرَادُ، فأَنْ يقول: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ. لأنه أَفْرَدَها ولم يَقْرِنْ بها عُمْرَةً. وأمَّا الْقِرَانُ، فأَنْ يقولَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ مَعًا. وأمَّا التَّمَتُّعُ، فأَنْ يُهِلَّ بالعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الحجِّ، ثم يخرُج من عُمْرَتِه إلى الحَجِّ. فإن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقام حتى يَحُجَّ فليس بمُتَمَتِّعٍ، لأنه أتَى بالعُمْرَةِ في مَوْضِعِها الذي هو في الْأَصْلِ لها. وأمَّا الْمِيقَاتُ، فمن الوَقْتِ، فمعنى الميقات: أي الوقتُ الذي يَلْزَمُه الْإِحْرَامُ منه إذا بلَغ أحدَ تلك المواضِعِ الْمُوَقّتَةِ.

стр. 107

باب أعمال الحَجّ فأوَّلُ ذلك النِّيَّةُ، وقد فَسَّرْناها في كتابِ الطهارة. وأمَّا الْإحْرام، فهو الدُّخُولُ في التَّحْرِيمِ، كان الرجلُ يُحَرِّمُ على نفسِه النِّكَاحَ، والطِّيبَ، وأشْياءَ مِن اللِّباسِ، فيُقال: أَحْرَمَ، أي: دخل في التَّحْرِيمِ، كما يُقال: أشْتَى: إذا دخل في الشتاء، وأَرْبَعَ: إذا دخَل في الرَّبيع. وأمَّا الْإِهْلالُ بالحَجِّ، فرَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ، ومنه يُقال: أَهَلَّ الصَّبِيُّ، واسْتَهَلَّ: إذا بكَى أو صاحَ حين يَسْقُطُ إلى الأَرْضِ. وأمَّا التَّلْبِيَةُ، فأَنْ يقول: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. ويكون التَّلْبِيَةُ مِن قَوْلِك: ألَبَّ بالمكانِ: إذا لَزِمَهُ، ومعنى لَبَّيْكَ: هأنا عَبْدُك، وأنا مُقِيمٌ عَلَى طاعتِك وأمْرِك، غيرُ خارجٍ عن ذلك، ولا شارِدٍ عليك. ومعنَى التَّلْبِيَة في قَوْلِنا: لَبَّيْكَ. أي: إِلْبَابٌ بعدَ إلْبَابٍ، وإقامَةٌ بعدَ إقامةٍ، وطاعةٌ بعدَ طاعةٍ، كما قالُوا: حَنَانَيْكَ يا رَبَّنا، أي: هَبْ لنا رحمةً بعدَ رحمةٍ. والْإِلْبَابُ: اللُّزُومُ.

стр. 108

وقَوْلُ المُهِلِّ: لَبَّيْكَ إن الحمدَ والنِّعْمَةَ لك, فقد يُقال بالفتح، فمَعْناها: لَبَّيْكَ وبأنَّ الحمدَ، ولأنَّ الحمدَ لك. ومن كَسَرَ، فالمعنى الابْتِداء، كأنَّه قال: لَبَّيْكَ وأَتَمَّ الكلامَ، ثم قال: الحمدُ والنِّعْمَةُ لك. وهذا أَجْوَدُ الوَجْهَيْن، لأنه إذا فَتَح، فكأنه يجعلُ التَّلْبِيَةَ له لِعِلَّةِ أنَّ الحمدَ له، وإذا كَسَر، فمَعْناها أنَّ الحمدَ والنِّعْمَةَ لك علَى كلِّ حالٍ. فإذا دخل مكةَ مِن ثَنِيَّةِ كَداءَ، وهي ثَنِيَّةٌ بمكة، وهو الذي يقولُه حَسَّانُ لأَهْلِ مكةَ: عَدِمْتُ جِيَادَنا إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ فإذا أتَى البيتَ بَدَأَ طَوافَه بالاِسْتِلام، والاِسْتِلامُ مَسُّ الحَجَرِ، وإنَّما سُمِّيَ اسْتِلاَمًا لأن الحَجَرَ يُقال له: السِّلامُ. فهو افْتِعالٌ مِن مَسِّ السِّلامِ. وأمَّا الاِضْطِبَاعُ للطَّوافِ، فهو أن تُدْخِلَ رِدَاءَكَ مِن تحتِ إبِطِكَ الْأَيْمَنِ، وتَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى يَسارِكَ، وتُبْدِيَ مَنْكِبَكَ الْأيْمَنَ وتُغَطِّي الْأَيْسَرَ، وإنَّما سُمِّيَ اضْطِبَاعًا لإبْدَائِكَ فيه ضَبُعَيْكَ، وهما عَضُدَاكَ. وأمَّا الرَّمَلُ، فأن يَثِبَ عَلَى رِجْلَيْهِ وَثْبًا، وهو فوق المَشْي ودون العَدْوِ، وهو مِنْ رَمَلِ المَطَرِ، وهو أَخَفُّه. وأمَّا الطَّوافُ، فَمِنْ طافُوا بفُلانٍ: إذا أحاطُوا به، كذلك الطَّائِفُ يمشي بجَنَباتِ البيتِ كُلِّها، يطُوفُ بها. وأمَّا الصَّفَا، فالحَجَرُ الصَّلْدُ الْأَمْلَسُ.

стр. 109

وأمَّا المَرْوَةُ، فالحجارة الرِّخْوَةُ، وفي "المُجْمَل": هي الحجارة البِيضُ التي تَبْرُقُ، ومنها المَرْوَةُ بمَكَّةَ. وأمَّا عَرَفَةُ، فيُقال: إنَّما سُمِّيَ عَرَفَات، لأنَّ جِبْريلَ، صَلَّى اللهُ عليه، لمَّا أَرَى إبراهيمَ خليلَ اللهِ المَناسِكَ، وبَلَغَ الشِّعْبَ الْأَوْسَطَ، الذي هو مَوْقِفُ الإِمام، قال له: عَرَفْتَ؟ فقال: نعم. فسُمِّيَ عَرَفَات. وقال آخَرون: إنَّما سُمِّيَ عَرَفاتَ، لأنَّ آدمَ وحَوَّاءَ لَمَّا أُهْبِطَا تَعارَفا بعَرَفَاتَ، فسُمِّيَ بذلك. وقال آخَرُون: إنَّما سُمِّيَ عَرَفاتَ، مِنْ قَوْلِكَ: عَرَّفْتُ المكانَ: إذا طَيَّبْتَهُ، فسُمِّيَ عَرَفَاتَ، لأنَّه أشرفُ تلك المواقِفِ وأطْيَبُها، قال اللهُ تعالى في ذِكْرِ الجَنَّةِ: (عَرَّفَها لهم). قال قومٌ: طَيَّبَها. وأمَّا مُزْدَلِفَة: فسُمِّيَتْ بذلك مِن الزُّلْفَى، وهي القُرْبَةُ، يُقال: ازْدَلَفَ القومُ بعضُهم إلى بعضٍ: إذا تَقَارَبُوا، فسُمِّيَتْ المُزْدَلِفَة لاِقْتِرابِ الناسِ إلى مِنًى بعدَ الْإفاضةِ مِن عَرَفَاتَ. وأمَّا الحجارةُ التي ذكَرها مِن مَرْوَة، فهي حِجارةٌ رِخْوَةٌ.

стр. 110

والكَذَّانُ: حِجَارَةٌ رِخْوَةٌ، كأنها المَدَرُ، يَحْسِبُها النَّاظِرُ إليها نَخِرَةً، واحدتُها كَذَّانَة. والفِهْرُ: كُلُّ حَجَرٍ مُحَدَّد. فإذا أتَى مِنًى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وإنَّما سُمِّيَتْ مِنًى مِن قَوْلِك: مَنَى اللهُ الشيءَ: إذا قَدَّرَه، فسُمِّيَ مِنًى لِمَا قَدَّرَ اللهُ فيه مِن أن جَعَلَه مَشْعَرًا مِن مَشَاعِرَ. وسُمِّيَت الجَمْرَةُ جَمْرَةً لاِجْتِماعِ الذي فيها مِن الْحَصَا، يُقال: اسْتَجْمَرُوا: إذا تَجَمَّعُوا. وأمَّا التَّرْوِيَةُ، فيُقال: إنَّما سُمِّيَ بذلك، لأنَّهم كانوا يَرْتَوُون فيه مِن الماءِ لِمَا بَعْدُ. وأمَّا الْإفَاضَةُ مِن عَرَفَاتَ، فَمِنْ: أفاضَ: إذا دَفَعَ وأوْضَعَ في مَسِيرِه، أي: جَدَّ. رَوَى النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، عن شُعْبَةَ، عن إسماعيلَ بنِ رَجاءٍ، عن المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ، قال: رأيتُ عُمَرَ، ﵁، أفاضَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أَوْضِعُوا، إنَّا وَجَدْنا الْإفاضةَ الْإيضَاعَ. وأمَّا مَشَاعِرُ الحجِّ، فإنَّها هي المعالمُ مُتَعَبَّداتُ الحجِّ، وشَعائِرُ الحجِّ: أعْلامُه، واحدتُها: شَعِيرَةٌ وشَعارةٌ، وهو أحْسَنُ، والشَّعائِرُ: كلُّ ما كانَ مِن مَوْقِفٍ، أوْ مَشْعَرٍ، أوْ مَذْبَحٍ، وإنَّما قِيل: شَعائِرُ لكلِّ عَلَمٍ ممَّا يُتَعَبَّدُ به، لأنَّ قوْلَهم: شَعَرْتُ به، أي: عَلِمْتُه، فلهذا سُمِّيَتْ أعْلامُ الحجِّ شَعائِرَ.
следующие страницы →