← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا اللهِ لآتينك، يريد كلا والله. وزعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها – المجرور منها محذوف الواو -. وترفع وتخفض ولا يجوز النصب إلا في (يقيني) وكعبة الله وقضاء الله وأنشد: لاكعبة اللهِ ما هجرتُكم ... إلّا وفي النَّفْس منكمُ أرَب ومن أجل هذا ... قلت بعد "ويجوز جر الله دون عوض": ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيين. ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جاره بلا عوض ولم ينو المحذوف جاز نصبه كائنا ما كان. فمن ذلك قول الشاعر: إذا ما الخبزُ تأدِمُه بلَحْم ... فذاكَ أمانةَ اللهِ الثَّريدُ ومثله: فقلتُ يمينَ الله أبْرحُ قاعِدا ... ولو قطّعوا رأسي لديكِ وأوْصالي ومذهب الأخفش أن الجر في ها الله ونحوه: بالعوض من الحرف المحذوف لا بالحرف، ذكر ذلك في كتابه "الأوسط" ووافق الأخفشَ في هذا جماعةٌ، وانتُصر لهذا بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء، والتاء من الواو، ولا خلاف في كون الجر بعد الواو والتاء بهما، فكذا ينبغي أن يكون الجرّ في آ، وها بهما لا بالمعوّض عنه. والأصح كون الجر بالحرف المحذوف، وإن كان لا يلفظ، كما كان النصب بعد الفاء والواو

стр. 1017

وحتى وكي الجارة ولام الجحود بأنْ المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف. ومن الجر بعد "ها" قول أبي بكر ﵁: "لاها الله إذن لا تعمد إلى أسد من أسْد الله" الحديث. ص: فإن ابتدئ في الاسمية بمتعين للقسم حذف الخبر وجوبا، وإلا فجوازا والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدّر، وإن كان "عمْرا" جاز أيضا ضم عينه ودخول الباء عليه، ويلزم الإضافة مطلقا. وإن كان ايمن الموصول الهمزة لزم الإضافة إلى الله غالبا، وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي. وقد يقال فيه مضافا إلى الله ايمِن وايمَن وايمُن. وأيْمُ وإيم وإمُ ومُنُ مثلث الحرفين. و"م" مثلثا. وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها مِن، خلافا لمن زعم ذلك، ولا أيمن المذكور جمع يمين خلافا للكوفيين. وقد يخبر عن اسم الله مقسما به بلك وعليّ. وقد يبتدأ بالنذر قسما. ش: المبتدأ المتعين للقسم نحو لعمر الله ولايمن الله، فإنهما لا يستعملان مقرونين باللام إلّا مقسما بهما مرفوعين، فالتزم حذف خبرهما لكونه مفهوم المعنى مع سدّ الجواب مسدّه. ونبّهت بإضافة "نحو" إليهما على أمرين: [أحدهما أنهما] قد يضافان إلى غيرما أضيفا إليه إلا نحو لعمرك ولعمري ولايمن الكعبة وليمنك. والآخر أنه قد يقترن غيرهما بما يعينه للقسم فلا يكون حذف خبره واجبا، كقول من توجهت عليه يمين لازمة: لعهد الله لقد كان كذا فيتعيّن كون المبتدأ مقسما به لا من قبل نفسه، ولذا جاز إثبات خبره وحذفه، كقولك حالفا: عليّ عهد الله أو يمين

стр. 1018

الله فلك أن تجيء به هكذا، ولك ألّا تلفظ بعليّ ولا بيلزمني لأن ذكر الجواب يدل السامع على أنك مقسم. وقد كان قبل ذكرك مجوزا أنك غير مقسم ومجوزا أنك مقسم، ولم يمتنع حذف الخبر لكنه مفهوم المعنى بعد ذكر الجواب، فلو لم يقترن لعمر باللام لجاز نصبه كقول ابن شهاب الهذلي: فإنك عَمْرَ الله إنْ تسأليهم ... بأحْسابنا إذَنْ تُحلُّ الكبائر يُنبّوك أنا نفرجُ الهمّ كله ... بحقٍّ وأنا في الحروب مَساعِرُ فلهذا قلت: "والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر". ثم نبهت على أن العين من لعمر الله ونحوه عند عدم اللام يجوز فيها الفتح والضم. وكان ينبغي أن يجوزا مع وجود اللام، لكن خُص لكثرة الاستعمال في مصاحبة اللام بالفتح، لأنه أخفّ اللغتين. ومن دخول الباء عليه عند عدم اللام قول الشاعر: رُقيَّ بعَمْركم لا تَهْجُرينا ... ومنّينا المُنى ثم امْطُلينا ومثله: أأقامَ أمسِ خليطُنا أم سارا ... سائلْ بعَمْركَ أيَّ ذاكَ اختارا وقولي تلزم الإضافة مطلقا، أي إلى الظاهر والمضمر، ومع وجود اللام وعدمها. واحترزت بقولي "وإن كان ايمن الموصول الهمزة" من أيمن بقطع الهمزة فإنه جمع يمين بلا خلاف. وحكمه إذا أقسم به حكم واحده. وأما الموصول الهمزة فيلزم الإضافة إلى الله أو إلى الكعبة أو إلى ضمير المخاطب أو إلى الذي، لكن إضافته إلى غير الله قليلة، وإضافته إلى ضمير المخاطب وإلى الذي أقلّ من إضافته إلى الكعبة. ومن إضافته إلى ضمير المخاطب قول عروة بن الزبير رضي

стр. 1019

الله عنهما: "لايْمُنُكَ لئِن ابْتَلَيْتَ لقد عافَيْتَ" ومن إضافته إلى "الذي" قول النبي ﷺ : "وايم الذي نفسي بيده". وفيه حين يليه "الله" اثنتا عشرة لغة: ثلاث مع ثبوت الهمزة وثلاث مع حذف النون دون الهمزة، وثلاث مع حذف الهمزة والياء وثبوت النون، وثلاث مع الاقتصار على الميم فقال: ايْمُنُ الله وأيمَنُ الله وايمن الله، وأيمُ الله وإيمُ الله وإمُ الله، ومُنُ الله ومَنَ الله ومِن الله، ومُ الله ومَ الله ومِ الله. وزعم بعضهم أن الميم المفردة بدل من واو والله كالتاء وليس بصحيح، لأنها لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء، ولأن التاء إذا أبدلت من الواو في القسم فلها نظائر في غير القسم مطردة، كاتّصل واتّصف، وغير مطّردة كتراث وتجاه، وليس لإبدال الميم من الواو إلا موضع شاذ وهو فم، وفيه مع شذوذه خلاف. وزعم الزمخشري أنها من المستعملة مع ربّي، فحذفت نونها وليس بصحيح أيضا، لأنها لو كانت إياها لاستعملت في النقص مع ما استعملت في التمام على الأشهر، كما لم يستعمل أيمن في النقص إلا مع ما استعمل في التمام على الأشهر. واحترزت بالأشهر من رواية الأخفش عن بعض العرب: من الله ومن ايمن الكعبة وأيمنك وأيمن الذي نفسي بيده. وقال الزمخشري في م الله: ومن الناس من زعم أنها من أيمن. قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك، وهو سيبويه – ﵀ – فإنه قال في عدة ما يكون عليه الكلم: "واعلم أن بعض العرب يقول مُ الله لأفعلنّ، يريد: إيمُ الله لأفعلنّ". وفي عدم معرفة الزمخشري أن صاحب هذا القول سيبويه دليل على أنه لم يعرف من كتابه إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء، فما أوفر تبجحه وأيسر ترجّحه، عفا الله عنا وعنه.

стр. 1020

وزعم الكوفيون أن المذكور جمع يمين ورأيهم في هذا ضعيف، يدل على ضعفه ثلاثة أمور: أحدها أن همزة الجمع همزة قطع، وهمزة هذا الاسم همزة وصل، لسقوطها مع اللام في "ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت" وفي قول الشاعر: فقال فريقُ القومِ لمّا نَشَدتُهم ... نعم وفريقٌ ليمنُ اللهِ ما ندري وليس هذا بضرورة، لتمكن الشاعر من إقامة الوزن بتحريك التنوين والاستغناء عن اللام. الثاني أن من العرب من يكسر الهمزة في الابتداء وهمزة الجمع لا تكسر. الثالث أن من العرب من يفتح الميم فيكون على وزن أفعَل، ولا يوجد ذلك في الجموع. ومن الإخبار بلَك عن اسم الله مقسما به قول الشاعر: لكَ اللهُ لا أُلفى لعهدكَ ناسيا ... فلاتكُ إلّا مثلَ ما أنا كائنُ ومثله: لقد حَبَبَتْكَ العَيْنُ أولَ نظرة ... وأُعطيتَ منّي يابْنَ عَمَّ قبولا أميرا على ما شئت مني مسلَّطا ... فسَلْ، فلك الرحمنُ، تمنعُ سولا ومن الإخبار عنه بعليّ قول الشاعر: نهى الشيبُ قلبي عن صِبًا وصبابة ... ألا فَعليّ الله أوجَد صابيا ومثال جعل النذر قسما مرفوعا بالابتداء قول الشاعر: عليّ إلى البيت المحرّم حجَةٌ ... أوافي بها نذْرا ولم أنتعل نعلا لقد منحت ليلى المودة غيرنا ... وإنَّ لها منا المودة والبذلا

стр. 1021

ص: المقسم عليه جملة مؤكدة بالقسم، تصدر في الإثبات بلام مفتوحة أو إنّ مثقلة أو مخففة، ولا يستغنى عنهما غالبا دون استطالة. وتُصدّر في الشرط الامتناعي لو ولولا، وفي النفي بما أو لا أو إن، وقد تصدر بلن أو لم. وتُصدّر في الطلب بفعله أو بأداته أو بإلّا أو لمّا بمعناها. وقد تدخل اللام على "ما" النافية اضطرارا. وإن كان أول الجملة مضارعا مستقبلا غير مقارن حرف تنفيس ولا مقدّم معموله لم تغنه اللام غالبا عن نون توكيد. وقد يستغنى بها عن اللام. وقد يؤكد المنفي بلا، ويكثر حذف نافي المضارع المجرد مع ثبوت القسم، ويقل مع حذفه، وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللبس، ويكثر ذلك لتقدم نفي على القسم، وقد يكون الجواب مع ذلك مثبتا. وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية. وقد يكون الجواب قسما. ش: تصدر الجملة الاسمية المقسم عليها بلام مفتوحة كقوله تعالى (ثُمَّ لنَحْنُ أعلمُ بالذين هم أولى بها صِليّا) وكقول حسان ﵁: فلئن فَخَرْتَ بهم لمثل قديمهم ... فخر اللبيب به على الأقوام وتصديرها بإن مثقلة كقوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ) وكقوله تعالى (إنّ سعيَكم لشتى) وتصديرها بالمخففة كقوله تعالى (إنْ كلُّ نفس لمّا عليها حافظٌ) ويستغنى عنهما قليلا دون استطالة في المقسم به كقول أبي بكر رضي عنه "والله أنا أظلم منه" والأصل لأنا فحذفت والمقسم به اسم لاستطالة فيه بصلة ولا عطف. فلو كان فيه استطالة لحسن الحذف، وكان جديرا بكثرة النظائر كقول بعض العرب: أقسم بمن بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وختمهم بالرسول

стр. 1022

رحمة للعالمين هو سيدهم أجمعين. ومثله قول ابن مسعود ﵁ "والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة" والأصل لهذا، فحذف اللام لاستطالة القسم والخبر بالصلتين. ومنه قول الشاعر: وربّ السمواتِ العُلا وبُروجِها ... والارضِ وما فيها المقدَّرُ كائِن أراد للمقدّر كائن فحذف لاستطالة القسم والعطف. ومن التصدير بلو قول سويد بن كراع: فتاللهِ لو كُنّا الشُهودَ وغِبْتُم ... إذَنْ لمَلانا جوفَ جيرانِهم دما ومن التصدير بلولا قول عبد الله بن الزبير ﵁: فوالله لولا خشيةُ النارِ بغتة ... عليّ لقد أقْبَلت نحوي مِغْولا ونبهت بقولي "وبالنفي بما أو لا أو إنْ" على النوافي المخصوصة بجواب القسم وهي الثلاثة التي لا تختص بفعل ولا اسم وهي ما ولا وإن، بخلاف لن ولم ولمّا فإنها مخصوصة بالفعل، فأرادوا أن يكون ما ينفى به الجواب مما لا يمتنع دخوله على الاسم، لأن مالا يمتنع دخوله على الاسم يجوز دخوله على الفعل، والجواب قد يصدر بكل واحد منهما، فلذلك لم يُنف جواب القسم – دون ندور- بغير الثلاثة التي لا تختص، إلا أن المنفي بها في القسم لا يتغير عما كان دون قسم، إلا إن كان فعلا موضوعا للمضي فقد تجدّد له الانصراف إلى معنى الاستقبال. فمن ورود ذلك في المنفي بما قوله تعالى (ولئن أتيتَ الذين أوتوا الكتابَ بكُلِّ آيةٍ ما تبعوا قبلتك). ومن وروده في المنفي بلا قول الشاعر:

стр. 1023

ردُوا فواللهِ ما ذُدْناكم أبدا ... ما دام في مائنا وردٌ لنزّالِ ومن ورود ذلك في المنفي بإن قوله تعالى (ولئن زالتا إنْ أمسكهما من أحد من بعده) وندر نفي الجواب بلن في قول أبي طالب: واللهِ لنْ يصلوا إليكَ بجمعهم ... حتى أُوارى في التراب دفينا وندر أيضا نفي الجواب بلم فيما حكى الأصمعي أنه قال لأعرابي: ألك بنون؟ فقال: نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة. ومثال تصدير الجواب في الطلب بفعل طلب قول الشاعر: بعَيْشكِ ياسَلْمى أري ذا صَبابة ... أبى غير ما يُرضيك في السرّ والجهر ومثال تصديره بأداة الطلب قول الشاعر: بربّك هل للصَبّ عند رأفةٌ ... فيرجُوَ بعد اليأسِ عَيْشا مجدّدا ومثال تصديره بإلّا قول الشاعر: بالله ربِّك قلتِ صادقة ... هل في لقائِك للمَشْغوفِ من طمع ومثال تصديره بلمّا التي بمعنى إلا قول الراجز: قالت له باللهِ يا ذا البُردَيْن ... لمّا غنثت نَفَسا أو اثنين ولا تدخل اللام على جواب منفي إلا إذا نفي بما، ولا تدخل عليه وهو منفي بها إلا في الضرورة كقول الشاعر: لعَمْرُكِ ياسَلْمى لما كنت راجيا ... حياةً ولكنَّ العوائدَ تُخْرَق

стр. 1024

فإن صُدِّرت الجملة المجاب بها القسم بفعل مضارع وكان مثبتا، فإما أن يراد به الاستقبال أو يراد به الحال. فإن أريد به الحال قرن باللام ولم يؤكد بالنون لأنها مخصوصة بالمستقبل، فمن شواهد إفراد اللام لكون الحال مقصودا قول الشاعر: لئن تكُ قد ضاقتْ عليكم بيوتُكم ... ليَعْلمُ ربيّ أنّ بيتي واسعُ ومثله: لعمْري لأدْري ما قضى اللهُ كونَه ... يكونُ، وما لم يقضِ ليس بكائن ومثله: وعيشكِ ياسَلْمى لأوقنُ أنّني ... لما شئت مُسْتحْلٍ ولو أنّه القتل ومثله: يمينا لأبغضُ كلَّ امرئ ... يُزخرفُ قَولا ولا يَفْعَلُ وإن أريد بالمضارع المثبت الاستقبال وقرن به حرف التنفيس أو قدّم عليه معموله امتنع أيضا توكيده بالنون، ولزم جعل اللام مقارنة بحرف التنفيس أو للمعمول المتقدم: فمن مقارنتها حرف التنفيس قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومنه قول الشاعر: فو ربّي لسوف يُجزَى الذي أسْـ ... لَفه المرءُ سَيّئا أو جميلا ومن مقارنتها المعمول المتقدم قول الله تعالى (ولئن مُتّم أو قُتِلْتُم لإلى اللهِ

стр. 1025

تُحْشَرون) ومن ذلك قول الشاعر: يمينًا ليَوْما يَجْتني المرءُ ما جَنتْ ... يداه فمسرورٌ ولهفانُ نادمُ [ومثله]: جوابًا به تَنْجو اعتمِدْ فَوَربِّنا ... لَعَنْ عمل أسلفت لا غيرُ تسألُ [وقول آخر]: قَسَمًا لحينَ تُشب نيرانُ الوغى ... يُلفى لديّ شفاءُ كل عليل فإن أريد بالمضارع المثبت الاستقبال وخلا من حرف تنفيس وتقديم معمول لزم في الغالب اقترانه باللام وتوكيده بالنون، كقوله تعالى (وتاللهِ لأكيدنَّ أصنامكم بعد أنْ تُولّوا مدبرين). وقلت "في الغالب" احترازا من نحو قول النبي ﷺ : "ليردُ عليّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني" ومن قول الشاعر: تألّى ابنُ أوسٍ حَلفة ليرُدّني ... على نِسْوة كأنَّهن مفائِدُ ومثله قول ابن رواحة ﵁: فلا وأبي لَنأتيها جميعا ... ولو كانتْ بها عربٌ ورُوم فأفردت اللام والاستقبال مراد مع عدم حرف تنفيس وتقدم معمول.

стр. 1026

وفي ذكر الغالب أيضا احتراز من حذف اللام وثبوت النون كقول الشاعر: وقتيل مُرة أثأرَنَّ فإنّه ... فِرْغ وإنّ أخاكم لم يُثأر وكقول الآخر: وهمُ الرجالُ وكل مَلْك منهم ... تجدنَّ في رُحْب وفي مُتَضَيَّق ومن أجل ندور إفراد اللام وإفراد النون قلت "لم تغنه اللام غالبا عن نون توكيد، وقد يستغنى بها عن اللام". وإن كان المضارع المجاب به القسم منفيا لم يؤكد بالنون إلّا إنْ كان نفيه بلا، فحينئذ قد يؤكد بها كقول الشاعر: تالله لا يُحمَدَنّ المرءُ مُجتَنبا ... فِعْلَ الكرام وإنْ فاق الورى حسبا والأكثر ألّا تؤكد كقوله تعالى (وأقْسموا بالله جهد أيمانهم لا يبْعَثُ اللهُ من يموتُ بلى وعدًا عليه حقًّا). وشرط في توكيد المنفي كونه منفيا بلا لشبهه بفعل النهي. وقد فعل به ذلك في غير القسم كثيرا كقوله تعالى (واتَّقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّةً) وكقول النمر: فلا الجارةُ الدُّنيا لها تلحَيَنَّها ... ولا الضيف عنها إن أقام مُحوَّلُ ويكثر حذف الحرف النافي المضارع المجرد من نون التوكيد كقوله تعالى (تالله تَفْتؤ تذكر يوسفَ) أي تالله لا تفتأ تذكر يوسف، وكقول حسان ﵁:

стр. 1027

أقسمتُ أنساها وأترُكُ ذِكْرها ... حتى تُغيَّب في الضَّريح عظامي فلو كان المفي مؤكدا بالنون مثل تالله لا تحملانّ لم يجز حذف نافيه، لأنه حينئذ لا دليل على أن النفي مراد بل المتبادر إلى ذهن السامع أن الفعل مثبت، كما هو في قول الشاعر: وقتيل مُرَّة أثأرنّ وفي قول الآخر: ليت شعري وأشعرنّ إذا ما ... قَرَّبوها منشورةً ودُعيتُ أليَ الفوزُ أم عليّ إذا حُو ... سِبْتُ إنّي على الحساب مقيت فإن يكن القسم مثبتا لم يجز حذف النافي المضارع عاريا كان من النون أو مؤكدا بها، هذا هو الأصل وقد يحذف حرف النفي والقسم محذوف إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي كقول النمر: وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تُلاقُونَه حتّى يَئوبَ المنخَّلُ أراد: والله لا تُلاقونه. فحذف القسم وحرف النفي، لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، واحتيج إلى تقدير القسم لأن تقديره مصحح لحذف النفي، إذ لا يحذف مع غير زال وأخواتها إلا في جواب قسم بشرط كونه مضارعا غير مؤكد بالنون. وقد يحذف نافي الماضي عند أمن اللبس، كقول أمية بن أبي عائذ الهذلي: فإن شئتُ آليتُ بين المقا ... مِ والركنِ والحجرِ الأسود نسيتُكِ ما دام عقلي معي ... أمدُّ به أمَدَ السَّرْمَدِ

стр. 1028

أراد: لا نسيتك، فحذف النافي لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، ولأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك أو لنسيتك. وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفي آخر على القسم قليل. فإن تقدم نفي كان الحذف أحسن كقول الشاعر: فلا واللهِ نادى الحيَّ ضَيْفي ... هُدُوًّا بالمَساءةِ والعِلاط أراد فلا والله لا نادى، فحذف النافي الثاني استغناء عنه بالأول. وقد يجتمعان توكيدا كقول الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتّى يُحكِّمونك فيما شجر بينهم) وكقول أبي ذر "فلا والله أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين" وقد يكون الجواب مثبتا مع تقدم حرف نفي على القسم كقوله تعالى (لا أقسم بهذا البلد * وأنت حلّ بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد خلقنا الإنسان في كبد)، وكقول عبد الله بن رواحة ﵁: فوالله ما نلْتُم ومانيل منكم ... بمُعتدل وَفْقٍ ولا مُتقارب أراد ما مانلتم وما نيلَ منكم بمعتدل، فحذف "ما" النافية وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدلالة دخول الباء الزائدة في الخبر، ولدلالة العطف بولا. ويجوز على مذهب الكوفيين أن تكون "ما" النافية، والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا على مذهب البصريين، لأنهم لا يجيزون بقاء الصلة بلا موصول في اللفظ

стр. 1029

وإن دل عليه دليل. ونبهت بقولي "وقد يكون الجواب قسما" على نحو قوله تعالى (ولَيحلفُنَّ إنْ أردنا إلّا الحُسْنى) (فليحلفنّ) قسم جوابه (إن أردنا إلا الحسنى) وهو جواب قسم محذوف، كأنه قيل والله ليحلفن المنافقون إن أردنا إلا الحسنى (واللهُ يشهدُ إنّهم لكاذِبون). ص: ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت المجاب به من اللام مقرونة بقد أو ربما أو بما مرادفتها إن كان متصرّفا، وإلا فغير مقرونة. وقد يلي لقد ولبما المضارع الماضي معنى. ويجب الاستغناء باللام الداخلة على ما تقدم من معمول الماضي، كما استغنى باللام الداخلة على ما تقدم من معمول المضارع. ش: إن كان صدر الجملة المجاب بها القسم فعلا ماضيا مثبتا وخلا القسم من استطالة وجب اقترانه باللام وحدها إن كان الفعل غير متصرف، وباللام مع "قد" أو ربّما أو بما بمعنى ربما إن كان متصرّفا. فإن وجدت استطالة جاز إفراد الفعل كقوله تعالى: (والسماءِ ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهدٍ ومشهودٍ * قُتِل أصحابُ الأخدود) وكقول النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل" أخرجه البخاري. واقترانه بقد وحدها كقوله تعالى (قد أفلح من زكّاها) وإن لم توجد الاستطالة والفعل غير متصرف وجب الاقتران باللام مفردة كقول الشاعر: لعمري لنِعم الفتى مالكٌ ... إذا الحربُ أصْلَتْ لظاها رجالا

стр. 1030

وإن كان الفعل متصرفا فالأكثر أن يقترن باللام مع قد كقوله تعالى (تالله لقد آثرك الله علينا) أو بربّما كقول الشاعر: لئنْ نَزَحَتْ دارٌ لليلى لرُبّما ... غَنينا بخيْر والديارُ جميعُ أو بما مرادفة ربما كقول عمر بن أبي ربيعة: فلئنْ بانَ أهلُه ... لبما كان يُؤْهَلُ وقد يستغنى باللام الفعل الماضي المتصرف في النثر والنظم. ومن الاستغناء بها في النثر قوله تعالى (ولئنْ أرسلنا ريحًا فرأوه مصْفَرًّا لظَلُّوا من بعده يكفرون). وفي الحديث عن امرأة من "غفار" أنها قالت: "والله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ" وفي حديث سعيد بن زيد "أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرا من الأرض ظُلْما" الحديث. ومن الاستغناء بها في النظم قول امرئ القيس: حلفتُ لها بالله حلفةَ فاجر ... لناموا، فما إنْ من حديث ولا صالي وقد يجاب القسم بمضارع ماضي المعنى فيقترن بلقد أو لبما؛ فاقترانه بلقد كقول

стр. 1031

الشاعر: لئن أمستْ ربوعُهم يبابا ... لقد تدعو الوفود لها وُفودا واقترانه بلبما كقول الآخر: فلئنْ تغيّر ما عَهِدْتُ وأصبحت ... صَدَفَتْ فلا بَذْلٌ ولا ميسورُ لبما تُساعِفُ في اللقاء وَليّها ... فرح بقرب مزارِها مسرورُ وإذا قدّم معمول الماضي المجاب به القسم قرن باللام وأغنت عن قد وربما وبما، كما أغنى اقترانها بمعمول المضارع المؤخر عن توكيده بالنون. ومن شواهد اقترانها بمعمول الماضي المؤخر قول أمّ حاتم: لعمْري لقدما عضَّني الجوعُ عضّة ... فآليتُ ألّا أمنع الدهرَ جائعا وقد اجتمع في قول عامر بن قدامة: فلبعدَه لا أخلدنّ ومالَهُ ... بدلٌ إذا انقطعَ الإخاء فَوَدَّعا شذوذان: أحدهما عدم الاستغناء بتقدم اللام عن النون. والثاني دخولها على جواب منفي. فلو كان مثبتا لكان دخولها عليه مع تقدم اللام أسهل. ص: وإذا توالى قسم وأداة شرط غير امتناع استغنى بجواب الأداة مطلقا إن سبق ذو خبر، وإلا فبجواب ما سبق منهما. وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم. وقد يقرن القسم المؤخر بفاء فيغني جوابه وتقرن أداة الشرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمى الموطئة. ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا. وقد يجاء بلئن بعدما يغني عن الجواب فيحكم بزيادة اللام. ش: إذا اجتمع في كلام واحد قسم وأداة شرط ولم تكن الأداة لو ولولا استغنى

стр. 1032

بجواب ما تقدم منهما عن جواب المتأخر إن لم يتقدم عليهما ذو خبر، فالاستغناء بجواب القسم لتقدمه نحو: والله إن جئتني لأكرمنك، والاستغناء بجواب الشرط لتقدمه نحو إنْ والله جئتني أكرمك. فلو تقدم عليهما ذو خبر استغنى بجواب الشرط، تقدم على القسم أو تقدم القسم عليه. وكان الشرط حقيقا بأن يغني جوابه مطلقا، لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخلّ، لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ. ففضل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى القسم ذو خبر. فإن لم يتقدم عليهما ذو خبر وأخر القسم وجب الاستغناء عن جوابه بجواب القسم، كقوله تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرُجُنَّ) ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره. ومن شواهد ذلك قول الفرزدق: لئن بلّ أرضى بلالٌ بدفعة ... من الغيث في يُمْنى يديه انسكابُها أكنْ كالذي صاب الحيا أرضَه التي ... سقاها، وقد كانتْ جديبا جَنابُها ومنها قول ذي الرمة: لئن كانتِ الدنيا عليّ كما أرى ... تباريحَ من مَيٍّ فلَلموتُ أرْوحُ ومنها قول الأعشى: لئنْ مُنيتَ بنا عن غبّ معركةٍ ... لا تُلْفِنا عن دماء القوم نَنْتَفل فلو كانت أداة الشرط "لو أو لولا" استغنى بجوابها عن جواب القسم مطلقا نحو: والله لو فعلت لفعلت، ولو فعلت والله لفعلت. وكذا لو تقدم عليهما ذو خبر أو كان

стр. 1033

بدل "لو": "لولا". ومن أجل هذا قلت "وأداة شرط غير امتناعي". وقد يقرن القسم المؤخر بفاء فيجب الاستغناء بجوابه، لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها. ومنه قول قيس بن العيزارة: فإمّا أعِشْ حتى أدِبَّ على العصا ... فواللهِ أنسى ليلتي بالمسالم وأجاز ابن السراج أن تنوي هذه الفاء فيعطى القسم المؤخر بنيّتها ما أعطى بلفظها فأجاز أن يقال إن تقم يعلم الله لأزورنك، على تقدير فيعلم الله لأزورنك ولم يذكر عليه شاهدا. فلو لم تنو الفاء لألغي القسم فقيل إن تقم يعلم الله أزرْك. وتقارن أداة الشرط المسبوقة بقسم لام مفتوحة تسمّى الموطئة. وأكثر ما يكون ذلك مع إنّ كقوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آيةٌ ليؤمِنُنَّ بها). وقد يكتفي بنيّتها عن لفظها كقوله تعالى: (وإن لم تغفر لنا وترحمْنا لنَكُونَنَّ من الخاسرين). والأصل ولئن لم تغفر ولولا ذلك لم يقل في الجواب لنكوننّ. بل كان يقال وإن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، كما قيل: (وإلّا تغفرْ لي وترحمْني أكنْ من الخاسرين) قال سيبويه – ﵀: "ولا بد من هذه اللام مظهرة أو مضمرة" يعني اللام التي تقارن أداة الشرط وتسمى الموطئة. ومن مقارنتها غير إنْ من أخواتها قوله تعالى (وإذْ أخذ الله ميثاقَ النَّبيين لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مُصَدِّقٌ لما معكم لتؤْمِنُنَّ به

стр. 1034

ولتنصرنّه) ومثله قول القطامي: ولما رُزقتَ ليأتينّك سَيْبُه ... جَلَبا، وليس إليكَ مالم تُرزقِ ومثله قول الآخر: لمتى صلحت ليُقضَيَنْ لك صالحٌ ... ولتُجْزينَّ إذا جُزيَت جميلا وقد يستغنى بعد "لئن" عن جواب، لتقدم ما يدل عليه، فيحكم بأن اللام زائدة. فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: ألممْ بزينبَ إن البين قد أفِدا ... قلَّ الثواءُ لئن كان الرحيلُ غدا ومثله: فلا يَدْعُني قومي صريحًا لحُرّة ... لئن كنتُ مقتولًا ويَسْلَمَ عامرُ ص: لا يتقدم على جواب قسم معموله، إلا إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا. ويستغنى للدليل كثيرا بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعموله، أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة. والأصح كون "جَيْر" منها، لا ساما بمعنى "حقا". وقد تفتح راؤها. وربما أغنت هي "ولاجَرَم" عن لفظ القسم مرادا. وقد يجاب بجير دون إرادة قسم. ش: إن تعلق بجواب القسم جار ومجرور أو ظرف جاز تقديمه عليه كقوله تعالى (عمّا قليلٍ ليُصْبحُنَّ نادمين). وكقول الشاعر: رضيعَي لبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تحالفا ... بأسحم داجٍ عَوْضُ لا نتفرّقُ

стр. 1035

وإن تعلق به مفعول لم يجز تقديمه، فلا يجوز في والله لأضربنّ زيدًا: والله زيدا لأضربنّ ويستغنى عن القسم بجوابه كثيرا إذا دلّ عليه دليل، كوقوعه بعد لقد أو بعد لئن أو مصاحبا للام مفتوحة ونون توكيد. ويستغنى عن الجواب بمعموله كقوله تعالى (يوم ترجُف الراجفة) أي تُبعثنّ يوم ترجف الراجفة. ويكثر الاستغناء بقسم مقرون بأحد حروف الإجابة وهي: بلى ونعم ومرادفاتها: إي وإنَّ وأجلْ وجيْر، كقوله تعالى (أليس هذا بالحقّ قالوا بلى وربِّنا)، وكقولك لمَن قال: أتفعل كذا؟: لا والله، ونعم والله، وإي والله، وإنّ والله، وأجل والله، وجير والله. وزعم قوم أن "جير" اسم بمعنى حقا. والصحيح أنها حرف بمعنى نعم، لأن كل موضع وقعت فيه "جير" يصلح أن تقع فيه "نعم"، وليس كل موضع وقعت فيه يصلح أن توقع فيه حقّا. فإلحاقها بنعم أولى. وأيضا فإنها أشبه بنعم في الاستعمال، ولذلك بُنيتْ. ولو وافقت حقّا في الاسمية لأُعربتْ، ولجاز أن تصحبها الألف واللام، كما أن حقا كذلك. ولو لم تكن بمعنى نعمْ لم تعطف عليها في قول بعض الطائيين: أبى كَرمًا لا آلفا جَيْر أو نَعَمْ ... بأحسنِ إيفاءٍ وأنْجَزِ موعِد ولا أكدت نعم بها في قول طُفيل الغنوي: وقُلْنَ على البَرْدِيّ أوّلُ مَشْرب ... نعم جَيْر إن كانت رِواءً أسافِلُهْ ولا قُوبِل بها "لا" في قول الراجز: إذا يقولُ "لا" أبو العُجير ... يَصْدُقُ "لا" إذا يقولُ "جَيْرِ"

стр. 1036

فهذا تقابل ظاهر. ومثله في التقدير قول الكميت: يرجونَ عفوي ولا يخشون بادرتي ... لا جيرَ لا جيرَ والغرْبان لم تَشِبِ أراد لا يثبت مرجوّهم، نعم تلحقهم بادرتي. وقريب منه اجتماع أجلْ ولا في قول ذي الرمة: [ترى] سيفَه لاي نصفُ الساق نَعْلُه ... أجل لا ولو كانت طِوالًا محاملُهْ وقد يستغنى بجير عن لفظ القسم، وهو مراد كقول الشاعر: قالوا قُهرتَ فقلتُ جير ليعلمَنْ ... عمّا قليلٍ أيُّنا المقهورُ وحكى الفراء أن العرب تقول: لا جرمَ لآتينّك، ولا جرم لقد أحسنت، يريد أنهم يستغنون بها عن القسم قاصدين بها معنى حقا. وقد يجاب بجير دون قسم مراد، كما يجاب بأخواتها، إلّا إي، فلا أعلم استعمالها إلا مع قسم.

стр. 1037

باب الإضافة ص: المضاف هو الاسم المجعول كجزء لما يليه خافضا له بمعنى "في" إن حسن تقديرها وحدها، وبمعنى "من" إن حسن تقديرها مع صحة الإخبار عن الأول بالثاني، وبمعنى "اللام" تحقيقا أو تقديرا فيما سوى ذينك. ويزال ما في المضاف من تنوين أو نون تشبهه. وقد يزال منه تاء التأنيث إن أُمِن اللبس. ش: الاسم المجعول كجزء لما يليه يعمّ الموصول والمركب تركيب مزج والموصوف بصفة لازمة ويخرج الثلاثة تقييد المجعول بكونه خافضا، فيختص المضاف بالجدّ. وقلت كجزء لما يليه، ولم أقل كجزء اسم، لأن ثاني جزءي المضاف قد يكون جملة وحرفا مصدريا، وما يلي يعمّ الاسم وإيّاهما، فكان بالذكر أولى. ثم بينت أن الإضافة على ثلاثة أقسام: إضافة بمعنى "في" وإضافة بمعنى "من" وإضافة بعنى "اللام". وقد أغفل النحويون التي بمعنى "في" وهي ثابتة في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كقوله تعالى (وهو ألَدُّ الخِصامِ) وكقوله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربُّصُ أربعةِ أشهر)، وقوله تعالى (ياصاحِبَي السِّجْن) وقوله تعالى (بل مكرُ الليل والنهار). ومنه قول النبي ﷺ : "فلا يجدون أعلم من عالم المدينة"، وقول العرب: شهيد الدار وقتيل الكربلاء. ومنه قول الشاعر: لهم سَلَفٌ شمٌّ طوالٌ رماحُهم ... يسيرون لا ميلَ الركوب ولا عُزْلا

стр. 1038

ومثله: مُهادِي النِهار لجاراتِهم ... وبالليلِ هُنّ عليهم حرام ومثله: وغيثٍ تبطّنت قُرْيانه ... بأجردَ ذي ميْعة منهمرْ مسحّ الفضاء كسيد الأباء ... جميم الجراء شديد الحُضُرْ ومثله: من الحورِ مَيْسانُ الضُحى بُحْتريّة ... ثَقالٌ متى تنهضْ إلى الشيء تفتر ومثله: طَفْلةٌ باردةُ الصيف إذا ... مَعْمعانُ القيظ أضْحى يتقدْ سُخْنة المسّ لحافٌ للفتى ... تحت ليلٍ حين يغشاه الصَّرَدْ ومثله: تسائلُ عن قرْم هجان سَميْذَعٍ ... لدى البأس مغوار الصَّباح جَسور ومثله: وما كنا عشية ذي طليح ... لئام الروعِ إذ أزمَتْ أزامِ فلا يخفى أن معنى "في" في هذه الشواهد كلها صحيح ظاهر لا غنى عن

стр. 1039

اعتباره. وأن اعتبار معنى غيره ممتنع، أو متوصل إليه بتكلف لا مزيد عليه، فصح ما أردناه والحمد لله. وأما الإضافة بمعنى "من" فمضبوطة بكون المضاف بعض المضاف إليه، مع صحة إطلاق اسمه عليه، والإخبار به عنه كثوب خزّ، وخاتم فضّة، فالثوب بعض الخزّ، ويصح إطلاق اسمه عليه والإخبار به عنه، وكذلك الخاتم بالنسبة إلى الفضة. ومن هذا النوع إضافة الأعداد إلى المعدودات، والمقادير إلى المقدرات. فأما نحو يد زيد فالإضافة فيه بمعنى اللام، لا بمعنى من، لامتناع الإخبار فيها بالثاني عن الأول وإن كان الأول بعضا للثاني. وكذا الإضافة في نحو يوم الخميس هي أيضا بمعنى اللام لا بمعنى من لكون الأول ليس بعضا للثاني وإن كان الإخبار فيها بالثاني عن الأول غير ممتنع. هذا معنى قول ابن السراج – ﵀ – وهو الصحيح، لا قول ابن كيسان والسيرافي فإنهما جعلا إضافة كل إلى بعض بمعنى من على الإطلاق. وإذ قد انضبطت مواضع الإضافة التي بمعنى "في" ومواضع الإضافة التي بمعنى "من" فيلعلم أن كل إضافة سواهما فهي بمعنى "اللام"، وإن لم يحسن تقدير لفظها نحو زيد عند عمرو، وعمرو عند خالد، فلا يخفى أن لفظ اللام لا يحسن تقديره هنا، ومع ذلك يحكم بأن معناها مراد، كما حكم بأن معنى "من" في التمييز مراد، وإن لم يحسن تقدير لفظها. وأن معنى "في" في الظرف مراد، وإن لم يحسن تقدير لفظها. وقد يحسن تقدير من وتقدير اللام معا، ويجعل الحكم للام لأنها الأصل، ولذلك اختصت بجواز إقحامها بين المضاف والمضاف إليه في نحو: يابُؤسَ للحربِ التي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاستراحوا أراد يابؤس الحرب. ودخل في قولي "ويزال ما في المضاف من تنوين" المنون لفظا كغلام، والمنون

стр. 1040

تقديرا كأساورَ. فإنك إذا قلت أساورُ فضةً بالنصب فالتنوين مقدر الثبوت، وإذا قلت أساورُ فضةٍ، بالجرّ، فإن الذي كان ثبوته مقدّرا صار حذفه مقدّرا، ولذلك لا ينون في الاضطرار، بخلاف الذي تنوينه مقدر الثبوت فإنه ينوّن في الاضطرار. ودخل في قولي "أو نون تشبهه" نونا المثنى والمجموع كصاحبَيْن ومكرمين، ونون الجاريتين مجراهما في الإعراب كاثنين وعشرين، فإن نونيهما تحذفان للإضافة، لجريانهما مجرى المثنى والمجموع على حدّه، فيقال اقبض اثنيك وعشريك كما يقال اذكر صاحبتيك ومكرميك. ولا خلاف في إضافتهما إلى غير مميزهما. وإنما تمنع إضافتهما إلى مميزها، إلا في الاضطرار كقول الراجز: كأن خُصْيَيه من التَّدَلْدُل ... ظرفُ عجور فيه ثِنْتا حنظل أو في ندور كرواية الكسائي أن بعض العرب يقول: عشرو درهم. وقد يحذف من المضاف تاء التأنيث إن لم يوقع حذفها في التباس مذكّر بمؤنّث كحذف تاء ابنة، أو مفرد بجمع كحذف تاء تمرة. ومن شواهد ذلك قراءة بعض القراء (ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عُدَّهُ) ومنها قول الشاعر: إنك أنت الحزينُ في أثَر الـ ... قومِ فإنْ تَنْوِ نيَّهم تُقمِ ومثله: إنّ الخليطَ أجدّوا البَيْنَ وانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمرِ الذي وعدوا

стр. 1041

ومثله: ونارٍ قُبيل الصبح بادرْتُ قدْحها ... حَيا النارِ قد أوقدتها للمسافر ومثله: ألا ليتَ شعْرِي، هل تَنظّر خالدٌ ... عِيادي على الهجْران أم هو آيسُ ومثله: وأحلى من التمر الجنيّ وفيهم ... بسالةُ نفسٍ إنْ أريدَ بسالُها ومثله قول رؤبة: هاتكتُه حتّى انْجلتْ أكدارُهُ ... وانْحسرتْ عن مَعرفي نكْراؤُه فسهّل حذف التاء من هذه الأسماء أن حذفها لا يوقع في التباس، لأنه لا يقال في العُدّة: عُدّ، ولا في النّية، نيّ، ولا في العِدة: عِدٌ، ولا في الحياة: حيا، ولا في العيادة: عِياد، ولا في البسالة: بسال، ولا في المعرفة: مَعْرِف. وجعل الفراء من هذا القبيل (وإقامَ الصلاةِ) و (وهم من بعد غَلَبهم سَيَغْلبون) بناء على أنه لا يقال دون إضافة في الإقامة: إقام، ولا في الغلبة: غلب. ص: ويتخصص بالثاني إن كان نكرة، ويتعرف به إن كان معرفة، مالم يوجب تأوّله بنكرة وقوعه موقعَ مالا يكون معه معرفة، أو عدم قبوله تعريفا لشدة إبهامه كغير ومثل وحسب، أو تكون إضافته غير محضة ولا شبيهة بمحضة، لكونه صفة مجرورها مرفوع بها في المعنى أو منصوب، وليس من هذا المصدر المضاف إلى مرفوعه أو منصوبه خلافا لابن برهان. ولا أفعل التفضيل، ولا الاسم المضاف إلى الصفة خلافا للفارسي، بل إضافة المصدر وأفعل التفضيل محضة، وإضافة الاسم إلى الصفة شبيهة بمحضة لا محضة، وكذا إضافة المسمّى إلى الاسم،

стр. 1042

والصفة إلى الموصوف، والموصوف إلى القائم مقام الوصف، والمؤكَّد إلى المؤكِّد والملغيّ إلى المعتبر، والمعتبر إلى الملغيّ. ش: كل جزء من جزأي الإضافة مؤثر في الآخر؛ فالأول مؤثر في الثاني الجرّ بأحد المعاني الثلاثة، والثاني مؤثر في الأول نزع دليل الانفصال مع التخصيص إن كان الثاني نكرة، ومع التعريف إن كان معرفة. هذا إن لم يكن المضاف إلى معرفة واقعا موقع مالا يكون معرفة فيجب تقدير انفصاله، ليكون في المعنى نكرة، كقول الشاعر: أبالموت الذي لا بُدَّ أنّي ... مُلاقٍ لا أباك تُخوّفيني وكقول العرب: رُبّ رجل وأخيه، وكم ناقة وفصيلها، وفعل ذلك جهدَه وطاقته. وقد تقدم بيان حقيقة التأويل في هذه الأمثلة وأمثالها، فَصُوَرُها صورُ المعارف تقديرا وتقدير تنكيرها واجب، لوقوع كل واحد منها موقع ما لا يكون معرفة، وكذا الحكم بتنكير ما أضيف إلى معرفة وهو غير قابل للتعريف للزوم إبهامه كغير ومثل وحسب؛ فإنه لا فرق بين قولك رأيته ورجلا غيره. وقولك رأيته ورجلا آخر، وكذا لا فرق بين قولك رأيته ورجلا مثله وبين قولك رأيته ورجلا آخر. لكن كل ما صدق وصفه بالمغايرة صدق وصفه بالمماثلة إذا كان الجنس واحدا. وكذا لا فرق بين قولك رأيته ورجلا حسبك من رجل وبين قولك رأيته رجلا كافيا فيما يراد من الرجال. فلا يزول بإضافة هذه وأمثالها إلى المعارف مما تقدم إلا مالا يعتد بزواله. وقد يُعنى بغير ومثل مغايرة خاصة ومماثلة خاصة فيحكم بتعريفهما، وأكثر ما يكون ذلك في "غير" إذا وقع بين ضدّين كقوله: فلْيكُنِ المغلوبُ غيرَ الغالِبِ ... وليكُنِ المسلوبُ غيرَ السالب وأجاز بعض العلماء منهم السيرافي أن يحمل على هذا قوله تعالى (صِراطَ

стр. 1043

الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين) لوقوع "غير" فيه بين متضادين، وليس ذلك بلازم، كقوله تعالى (نعمل صالحًا غيرَ الذي كُنّا نعملُ) فغير الذي مضاف إلى معرفة وقد قصد به نكرة مع وقوعه بي ضدين، فيجوز كون (غير المغضوب) بدلا لانعتا، ويجوز كونه نعتا مع الحكم بتنكيره، لأن الذين أنعمت عليهم لم يقصد به تعيين، فهو في معنى نكرة فيجوز نعته بنكرة وإن كان لفظه لفظ معرفة، كما يجوز أن ينعت الليل ينسلخ في قول تعالى (وآيةٌ لهم الليلُ نسلخُ منه النهارَ)، لأن الليل وإن كان في صورة معرفة فهو في المعنى نكرة إذ لم يقصد به ليل معيّن، فلذلك نعت بجملة، والجمل لا ينعت بها إلا النكرات. وإلى هذا الوجه الآخر أشار الفراء والزجاج ورجّحه أبو علي الشلوبين. وزعم المبرد أن "غيرا" لا تتعرّف أبدا. ومن نعت ذي الألف واللام الجنسية بالجملة قول الأعشى: وتبْردُ بَرْدَ رداءِ العروس ... رَقْرقت في الصيف فيه العبيرا لأن رداء العروس بمنزلة رداء عروس. وكذا يحكم بتنكير ما يضاف إلى معرفة إضافة غير محضة ولا شبيهة بمحضة، وذلك أن يكون المضاف صفة مجرورها مرفوع بها في المعنى نحو: رأيت رجلا حسن الخَلْق محمودا الخُلُق، أو منصوب نصبا حقيقيا نحو: رأيت رجلا مكرم زيد؛ فالإضافة في هذه الأمثلة وأشباهها غير محضة ولا شبيهة بمحضة، لأن المضاف فيها صفة أضيفت في الأول والثاني إلى ما هو مرفوع بها في المعنى، فإن الأصل رأيت رجلا حسنا خَلْقه محمودا خُلُقه، وأضيف في الثاني إلى ما هو منصوب بها في المعنى نصبا حقيقيا، فإن الأصل رأيت رجلا مكرما زيدا، أي يكرم زيدا. فالنية الانفصال، فإن الموضع موضع فعل.

стр. 1044

وخرج بذكر الصفة إضافة المصدر، وإضافة المميز، وخرج بنسبة الرفع والنصب إلى مجرورها نحو سحقُ عمامة، وكرام الناس، فإن إضافتهما محضة، لأنهما لم يقعا موقع فعل، ولا المجرور بهما مرفوع المحل ولا منصوبه. ثم نبهت إلى أن الصحيح كون إضافة المصدر محضة. وزعم ابن برهان أن إضافته غير محضة لأن المجرور به مرفوع المحل أو منصوبه كقيام زيدٍ وأكل الطعامِ، فالأول مثل حسن الخلق، والثاني مثل ضارب العبد. قلت: والذي ذهب إليه ابن برهان ضعيف في أربعة أوجه: أحدها أن المصدر المضاف أكثر استعمالا من غير المضاف، فلو جعلت إضافته في نية الانفصال لزم جعل ما هو أقل استعمالا أصلا وهو خلاف المعتاد. الثاني أن إضافة الصفة إلى مرفوعها ومنصوبها منوية الانفصال بالضمير المستتر فيها فجاز أن ينوي انفصالها باعتبار آخر، والمصدر بخلاف ذلك؛ فتقدير انفصاله مما هو مضاف إليه لا محوج إليه ولا دليل عليه. الثالث أن الصفة المضافة إلى مرفوعها أو منصوبها واقعة موقع الفعل المفرد، والمصدر المضاف واقع موقع حرف مصدري موصول بالفعل، والموصول المشار إليه محكوم بتعريفه فليكن الواقع موقعه كذلك. الرابع أن المصدر المضاف إلى معرفة معرفة، ولذلك لا ينعت إلا بمعرفة، فلو كانت إضافته غير محضة لحكم بتنكيره ونعت بنكرة، ولجاز دخول رب عليه وأن يجمع فيه بين الألف واللام والإضافة كما فعل في الصفة المضافة إلى معرفة نحو: يارُبّ غابطنا ورأيت الحسن الوجه. ونبهت أيضا على أن الصحيح في إضافة أفعل التفضيل كونها محضة، نص على ذلك سيبويه – ﵀ – ويدل على أن ذلك هو الصحيح أن الحامل على اعتقاد عدم

стр. 1045

التمحض في إضافة الصفة إلى مرفوعها ومنصوبها وقوع الأول فيها موقع الفعل، ووقوع الثاني موقع مرفوع ذلك الفعل ومنصوبه، وأفعل المضاف بخلاف ذلك، فلم يجز اعتقاد كون إضافته غير محضة. وأيضا فإن المضاف إليه أفعل التفضيل لايليه مع بقاء المعنى المفاد بالإضافة إلا بالإضافة فكان كغلام زيد، ولا خلاف في تمحض غلام زيد، فكذا إضافة أفضل القوم وشبهه، ولأن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة لا ينعت إلا بمعرفة، ولا ينعت به إلا معرفة، ولا تدخل عليه رُبّ، ولا يجمع فيه بين الإضافة والألف واللام، ولا ينصب على الحال إلا في نادر من القول. ولو كانت إضافته غير محضة لكان نكرة ولم يمتنع وقوعه نعتا لنكرة ولا منعوتا بها ولا مجرورا برب ولا مجموعا فيه بين الألف واللام والإضافة، ولا منصبوا على الحال دون استندار. واحترزت بقولي "دون استندار" من قول المرأة الصحابية لرسول الله ﷺ : "ومالنا أكثر أهل النار" وهو معرفة مؤول بنكرة كغيره من المعارف الواقعة أحوالا. وقد تقدّم الكلام عليهما. ونبهت أيضا على أن إضافة الاسم إلى ما هو في الأصل صفة كمسجد الجامع واسطة بين المحضة وغير المحضة على أصح القولين، لأنها إضافة تصل ما هي فيه بما يليه إمّا بها نحو (ولدارُ الآخرة) وكلا الاستعمالين صحيح فصيح فوجب أن يكون لنوعه اعتباران: اتصال من وجه وانفصال من وجه، فالاتصال من قبل أن الأول غير مفصول بضمير منوي كما هو في إضافة الصفة إلى مرفوعها أو منصوبها، ولأن موقعه لا يصلح للفعل فيقدر تنكيره، ولأن الذي حكم بعدم تمحض إضافته جعل سبب ذلك أن الأصل إضافة الأول إلى موصوف الثاني، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه. وهذا إذا سُلّم لا يمتنع به تمحض الإضافة، لأن الحكم لا يتغير بحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وقبل حذف الموصوف كان تمحض الإضافة ثابتا فلا يزول بعد الحذف، كما لا يزول

стр. 1046

غيره من أحكام المحذوف الذي أقيم غيره مقامه. وأما الانفصال في هذا النوع فمعتبر من قِبَل أن المعنى يصح به دون تكلف ما يخرج به عن الظاهر. ألا ترى أن نحو الجانب الغربي والصلاة الأولى والمسجد الجامع والدار الآخرة والحبة الحمقاء مكتفى بلفظه في صحة معناه، وأن نحو جانب الغربي وصلاة الأولى ودار الآخرة ومسجد الجامع وحبة الحمقاء غير مكتفى بلفظه في صحة معناه، بل يحتاج فيه إلى تكلف تقدير، بأن يقال جانب المكان الغربي، وصلاة الساعة الأولى، ودار الحياة الآخرة، ومسجد الوقت الجامع، وحبة البقلة الحمقاء. مع أن بعض هذا النوع لا يحسن فيه تقدير موصوف نحو (دينُ القَيِّمةِ) فإن أصله الدين القيمة. والتاء للمبالغة – فإذا قُدّر محذوف لزم أن يقال دين الملة أو الشريعة، والملة هي الدين وكذا الشريعة، فلزم تقدير مالا يغني تقديره، لأن المهروب منه كان إضافة الشيء إلى نفسه وهو لازم بتقدير الملة والشريعة. وأيضا جعل الأول من هذا النوع منعوتا والثاني نعتا مطّرد كقولهم للحنطة: الحبة السمراء، وللشونيز: الحبة السوداء، وللبطيخ: الحبة الخضراء. والإضافة غير مطردة، لأنها مقصورة على السماع، واعتبار المطرد أولى من اعتبار غير المطرد، ولذلك يجوز الإتباع فيما جازت فيه الإضافة، ولا تجوز الإضافة فيما لم تضفه العرب كالحبة الحمراء، والحبة السوداء، والحبة الخضراء. والحاصل أن إضافة هذا النوع منوية الانفصال لأصالتها بالاطراد والإغناء عن ترك الظاهر، ومع ذلك لا يحكم بتنكير مضافها لشبهه بما لا ينوى انفصاله من كونه غير واقع موقع فعل، وكون تاليه غير مرفوع المحل ولا منصوبه. ثم نبهت على المضافات الجارية مجرى هذا النوع في اعتبار الاتصال والانفصال. فمنها إضافة المسمّى إلى الاسم كشهر رمضان ويوم الخميس وذات اليمين وذي صباح، وقوله: إليكم ذوي آل النّبيّ تطلّعت ... نَوازِعُ من قلبي ظِماء وألْبُبُ

стр. 1047

ومثله: عزمتُ على إقامةِ ذي صباحٍ ... لأمر ما يُسَوّد مَن يسودُ ومثله: على كلِ ذي مَيْعَةِ سابحٍ ... يُقطّع ذو أبْهَرية الجِزاما ومن إضافة المسمى إلى الاسم قولهم: سعيدُ كرز، فإن "سعيد" علم و"كرز" لقب، والشخص المدلول عليه بهما واحد، لكن الاسم قبل اللقب في الموضع فقدّم عليه في اللفظ وقصد بالمقدم المسمّى لتعرّضه إلى ما يليق بمجرد اللفظ من نداء وإسناد، فلزم أن يقصد بالثاني مجرد اللفظ، لتثبت بذلك مغيرةٌ لما، حتى كأن قائل جاء سعيد كرز قد قال: جاء مسمّى كرز. وكذا قائل صمت شهر رمضان، واعتكفت يوم الخميس، كأنه قال صمت مسمّى رمضان، واعتكفت مسمّى الخميس. وكذا العمل في أشباههما. ومنه إضافة الصفة إلى الاسم، كقول الشاعر: إنّا محيّوكِ ياسَلْمَى فحيّينا ... وإنْ سَقيتِ كرامَ الناس فادْعينا والأصل: وإن سقيت الناس الكرام، ثم قدم الصفة وجعلها نوعا مضافا إلى الجنس. ومن هذا القبيل قولهم سَحق عمامة وجَرد قطيفة وسَمْل سربال، والأصل: عمامة سحق، وقطيفة جرداء، وسربال سَمْل، ثم فُعل بها ما فُعل بكرام الناس. ومنها إضافة الموصوف إلى مضاف إليه كقول الشاعر: علا زيدُنا يومَ النقا رأسَ زيدكم ... بأبيضَ ماضي الشفرتَين يمانِ

стр. 1048

أي علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم، فحذف الصفتين المضافتين إلى ضميري المتكلم والمخاطب وجعل الموصوف خلفا عن الصفة في الإضافة. ومثله: فإنّ قريشَ الحقّ لا تتْبعُ الهوى ... ولن يقبلوا في الله لومةَ لائم أراد فإن قريشا أصحاب الحق، ثم فعل كفعل الأول. ومثله: لعمري لئن كانت بجيلة زانها ... جريرٌ لقد أخزى كليبا جريرها ومثله قول الأسد الطائي: قتلتُ مجاشعا وأسَرْت عَمْرا ... وعنترةَ الفوارسِ قد قتلْتُ ومثله قول الحطيئة: إليكَ سعيدَ الخير جُبتْ مهامِها ... يُقابلني آل بها وتُنوف ومثله قول رؤبة: ياقاسم الخيراتِ وابنِ الأخير ... ما ساسَنا مثلك مِن مُؤَمَّر ومثله: يازيدُ زيدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبّل وكذا قولهم في زيد الذي سماه رسول الله ﷺ زيد الخير: زيد الخيل، لأنه كان صاحب خيل كريمة. وعلى هذه الأمثلة وشبهها نبهت بقولي: "والموصوف إلى القائم مقام الوصف". ثم أشرت إلى إضافة المؤكَّد إلى الموكّد، وأكثر ما يكون ذلك في أسماء

стр. 1049

الزمان المبهمة كحينئذ ويومئذ وقد يكون في غير أسماء الزمان، كقول الشاعر: فقلتُ انْجُوا عنها نجا الجلدِ إنّه ... سَيُرْضيكما منها سنامٌ وغارِبُهْ أراد: اكشطا عنها الجلد، لأن النجا هو الجلد. فأضاف المؤكد، كما أضيف الموصوف إلى الوصف في المسجد الجامع وشبهه. ومن إضافة المؤكد إلى المؤكد في غير الزمان قول الشاعر: لم يبْق من زَغَب طار الشتاء به ... على قرا ظهْره إلّا سماليل فأضاف القرى إلى الظهر وهما بمعنى واحد، كما فعل في نجا الجلد. ومثله: كخَشْرم دَبْرٍ له أزْمَلُ ... أو الجَمْر حُشَّ بصُلب جُزالْ فأضاف الخشرم إلى الدبر وكلاهما اسم للنحل. وذكر الفارسي في التذكرة أن قولهم: لقيته يوم يوم، وليلة ليلة، أضيف فيه الشيء إلى مثله لفظا ومعنى. ومن إضافة الملغى إلى المعتبر قول الشاعر: إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومن يبكِ حَوْلًا كامِلا فقد اعتذَرْ ومثله: ياعجَبا لعُمان الازْدِ إذ هلكوا ... وقد رأوا عِبرًا في سالف الأمم ومثله: قالت أتصرمُني فقلتُ لقيلها ... شلّتْ بنانُ يدَي إذا لم أفعل

стр. 1050

ومثل: ألا ليت أيامَ الصفاءِ جديدُ ... ودهرًا تولّى يابُثينَ يعودُ ومثله: وتيهٍ خبطنا غَوْلها فارْتمى بنا ... أبو البُعْدِ من أرجائه المتطاوِح أراد فارتمى بنا البعد. ومثله قول أمية في ناقة صالح ﵇: فأتاها أحَيْمِرٌ كأخي السهـ ... مِ بزُجّ فقال: كوني عَقيرا أراد كالسهم فألغى "الأخ". ومن إلغاء المضاف والاعتداد بالمضاف إليه ما حكى من قول العرب: هذا حي زيد، وأتيتك وحي فلان قائم، وحي فلانة شاهد. وسمع الأخفش أعرابيا يقول: مالهن حي رماح، يعني أبياتا. ومثله قول الشاعر: ياقُرّ إنّ أباكَ حيّ خُويلدٍ ... قد كنتُ خائفَه على الإحْماقِ والمعنى: هذا زيد، وإن أباك خويلد، ومالهنّ رماح. ومن هذا القبيل قول الشاعر: وحيَّ بني كِلابٍ قد شَجَرْنا ... بأرْماح كأشْطانِ القليب قال الفارسي: من إلغاء المضاف (كمن مثله في الظّلُماتِ) أي كمن هو في الظلمات، و (مثلُ الجنّةِ التي وُعِدَ المتّقونَ فيها أنهارٌ) أي الجنة التي وُعد المتقون فيها أنهار. ومن إضافة المعتبر إلى ما لا يعتبر ولا يعتدّ به إلا كالاعتداد بالحرف الزائد للتوكيد

стр. 1051

قول ابن أبي ربيعة – رحمه الله تعالى -: حمّلتها حُبًّا لو امْسَى مثلُه ... بِثَبيرَ أو بجِرانِه لتَضَعْضعا ومثله قول الحطيئة: فلو بلغتْ عَوّا السماءِ قبيلةٌ ... لزادتْ عليها نَهْشل وتَعلّتِ وله أيضا: لعمرُ الراقصاتِ بكُلّ فجّ ... من الرُّكْبان مَوْعدُها مناها لقد شهدت حبائلُ آل لأم ... حبالى بعد ما ضعُفت قواها ومثله قول الفرزدق: وثقتُ إذا لاقتْ بلالًا مَطيّتي ... لها بالغنى إنْ لم تُصبها شَعُوبُها ومثله قول بعض الطائيين: أقام ببغداد العراقِ وشَوْقُه ... لأهلِ دمشقِ الشامِ شوقٌ مُبرِّحُ ومثله قول أذينة السلمي، وكان سادن العُزَّى: أعُزّايَ شُدّي شدّةً لا تكذبي ... على خالدٍ ألقي الخمارَ وشَمِّري فإنكِ إلّا تقتلي اليومَ خالدا ... تَبُوئي بِذُلّ عاجِل وتحَسُّرِ ومن هذا القبيل مررت برجل حسن وجهه وحسن وجهَه، واضرب أيَّهم أساء، لأن "أيّا" الموصولة معرفة بصلتها كغيرها من الأسماء الموصولة، فلو كان ما

стр. 1052

تضاف إليه معتدّا به لزم اجتماع معرّفين على معرّف واحد وهو ممنوع، وما أفضى إلى الممنوع ممنوع. فصل: ص: لا يُقدَّم على مضافٍ معمولُ مضاف إليه إلّا على "غير" مرادا به نفي، خلافا للكسائي في جواز أنت أخانا أولُ ضاربٍ. ويؤنث المضاف لتأنيث المضاف إليه إن صح الاستغناء به، وكان المضاف بعضه أو كبعضه. وقد يرد مثل ذلك في التذكير ويضاف الشيء بأدنى ملابسة. ش: المضاف إليه كصلة للمضاف، فلا يتقدم على المضاف معمول المضاف إليه، كما لا يتقدم على الموصول معمول الصلة، فلا يقال في أنت أول قاصدا خيرا: خيرا أنت أول قاصد، ولا في أنا مثل مكرم عمرا: عمرا مثل مكرم. فإن كان المضاف "غيرا" مرادا به النفي جاز أن يتقدم عليه معمول ما أضيف إليه، كما يتقدم معمول المنفي بلم ولن ولا. ومن شواهد ذلك قول الشاعر: فتى هو حقًّا غيرُ مُلغٍ (فريضةً) ... ولا يتَّخِذْ يومًا هواهُ خليلا ومثله: إنٌ امرأً خَصّني يومًا موَدَّته ... على التنائي لَعِنْدي غيرُ مكفور والأصل: غير ملغ حقا، وغير مكفور عندي. وجاز التقديم لأن النفي مراد، كأن الأول قد قال: هو حقا لا يلغي، وكأن الثاني قال: على التنائي لا يكفر عندي. فلو لم يرد بغير النفي لم يجز تقديم ما أضيف إليه كقولك أكرم القوم غير شاتم زيدا، فلو قال: أكرم القوم زيدا غير شاتم لم يجز، لأن النفي غير مراد. وحكى ثعلب أن الكسائي أجاز أن يقال: أنت أخانا أول ضارب، بمعنى أنت أول ضارب أخانا. وغير الكسائي يمنع ذلك، وهو الصحيح.

стр. 1053

ويكتسب المضاف إلى مؤنث تأنيثا، بشرط صحة الاستغناء بالمضاف إليه، وكون الأول بعضا أو كبعض. وكذلك يكتسب المؤنث المضاف إلى مذكر تذكيرا بالشرط المذكور، فمن الأول قول الشاعر: إذا بعضُ السنينَ تعرَّقتْنا ... كفى الأيتامَ فقد أبى اليتيم ومثله: مَشينَ كما اهتزّتْ رماحٌ تسفّهت ... أعاليها مرُّ الرياح النواسمِ ومثله: لما أتى خبرُ الزُّبير تواضعتْ ... سورُ المدينة والجبال الخشعُ ومثله: أبا عُروَ لا تبعدْ فكُلُّ ابن حُرّة ... سيدعُوه داعي مَوْته فيُجيبُ ومثله: (دويهة) داعي المنية بالورى ... فمنهم مُقدمٌ ومنهم مؤخّرُ ومثله: قد صرّح السيرُ عن كُتْمانَ وابتُذلتْ ... وقعُ المحاجن بالمَهْريّة الذُقُنِ

стр. 1054

ومنه قراءة أبي العالية (فظلّت أعناقهم لها خاضعين) ويمكن أن يكون منه (إن رحمت الله قريب من المحسنين)، ومنه قول الشاعر: إساءة من يبغي على الناس موقعٌ ... بحَوبائه الهلكاءَ من حيثُ لا يدري ومنه: بهجه الحُسْنِ فاتِنٌ فاغضُضِ الطر ... ف لتكفي صيد الظباء الأسودا ومثله: إنارةُ العقلِ مكسوفٌ بطوْع هوى ... وعقلُ عاصي الهوى يَزْدادُ تنويرا ومثله: رؤيةُ الفِكْرِ ما يَئول له الأمـ ... رُ مُعينٌ على اجتنابِ التواني فأنث في النوع الأول المضاف وهو مذكر لتأنيث المضاف إليه. وذكّر في النوع الثاني المضاف وهو مؤنث لتذكير المضاف إليه، لصحة الاستغناء فيهما عن المضاف بالمضاف إليه، مع كون المضاف بعض المضاف إليه أو كبعضه. واحترزت بهذا من المضافات الصالحة للحذف وليست بعض ما أضيفت إليه ولا كبعضه كيوم الخميس وذي صباح. [ومن غير الصالحة للاستغناء عنها بالمضاف إليه. فإن كانت كذلك] لم يؤنث مذكر، ولم يذكّر مؤنث نحو حسن غلام هند

стр. 1055

وكرمت أم زيد. ويضاف الشيء إلى الشيء، بأدنى ملابسة بينهما، كقول صاحب الخشبة لحامليها: خذا طرفَيكما، وكقول الشاعر: إذا كَوْكبُ الخرقاءِ لاحَ بسُحْرة ... سهيلٌ أضاعتْ غَزْلها في القرائب وكقول الآخر: إذا قال قَدْني قال بالله حلفةً ... لتُغْنِنَّ عنّي ذا إنائِكَ أجْمعا فصل: ص: لازمت الإضافة لفظا ومعنى أسماء، منها ما مرّ في الظروف والمصادر والقسم. ومنها حُمادى وقُصارى، ووحْدَ لازم النصب والإفراد والتذكير وإيلاء ضمير. وقد يجرّ بعلى وبإضافة نسيج وجُحيش وعُيير. وربّما ثنّي مضافا إلى ضمير مثنى. ومنها كلا وكلتا ولا يضافان إلا إلى معرفة مثناة لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ. وقد تفرق بالعطف اضطرارا. ومنها ذو وفروعه، ولا يضفن إلا إلى اسم جنس ظاهر. وكذا أولو وألات. وقد يضاف "ذو" إلى عَلم وجوبا إن قرنا وضعا، وإلّا فجوازا، وكلاهما مسموع، والغالب في ذي الجواز الإلغاء، وربما أضيف جمعه إلى ضمير غائب أو مخاطب. ش: قد يقتضي الاستعمال لزوم الإضافة لفظا ما يفهم معناه بمجرد الإضافة كحمادى الشيء فإنه بمعنى غايته، فلو استعمل غاية لصلح لذلك من جهة المعنى، لكن الاستعمال منع من ذلك. والأكثر لزوم الإضافة مالا يفهم معناه إلا بها. فإذا كان معنى الاسم لا يفهم بمجرد لفظه استحق متمما بصلة أو صفة لازمة أو إضافة؛ فالمتمم بصلة نحو: هذا الذي عندي. والمتمم بصفة لازمة نحو قوله: لما نافع يسْعى اللبيبُ فلا تكُنْ ... لشيءٍ بعيدٍ نفعُهُ الدهرَ ساعِيا
следующие страницы →