← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المعنى من أزواجهم، ومن النّاس. واستعمالها موافقة للباء كقوله تعالى (حقيقٌ علي أن لا أقول على الله إلّا الحقّ) أي بألّا أقول. وقرأ أبيّ بن كعب رضي الله [عنه] (حقيقٌ بألّا أقول) فكانت قراءته مفسّرة لقراءة الجماعة. وقد جاءت على زائدة دون تعويض في قول حميد بن ثور: أبى اللهُ إلّا أنَّ سَرْحَةَ مالكٍ ... على كُلِ أفنانِ العِضاهِ تَروقُ فزاد "على" لأن تروق متعد مثل أعجب، لأنهما بمعنى واحد، يقال راقني حُسن الجارية وأعجبني عقلها. وفي الحديث "مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فلْيُكفّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير" والأصل من حلف يمينا، كما قال النابغة: حلفْتُ يمينا غير ذي مَثْنَوِيَّة فعلى زائدة، وقيل بمعنى الباء. ويلزم من كونها بمعنى الباء أن تكون زائدة، لأن الباء زائدة في قولك حلفت بيمين، لأن حلفت يتعدى إلى اليمين كتعدية آلى: حلف، لأنه بمعناه والله أعلم.

стр. 982

ص: ومنها "حتّى" لانتهاء العمل بمجرورها أو عنده. ومجرورها إمّا بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا أو غير صريح، وإمّا كبعض، ولا يكون ضميرا، ولا يلزم كونه آخر جزء أو ملاقى آخر جزء خلافا لمن زعم ذلك. ويختص تالي الصريح المنتهي به بقصد زيادة ما، ويجوز عطفه واستئنافه. وإبدال حائها عينا لغة هذلية. ش: حتى على أربعة أقسام: عاطفة، وحرف ابتداء، وبمعنى كي، وجارة. فللثلاثة الأُوَل مواضع تجيء إن شاء الله تعالى. والجارة مجرورها إما اسم صريح نحو (ليسجُنُنَّه حتّى حين) و (سلامٌ هي حتى مطلع الفجر)، وإما مصدر مؤوّل من أنْ لازمة الإضمار. وفعل ماض نحو (حتّى عَفَوا وقالوا) أو مضارع نحو (حتّى يتبيّن لكم). وجرّها المصدر المؤوّل يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في إعراب الفعل وعوامله. وأمّا جرها الاسم الصريح فهي فيه على ضربين: أحدهما أن يكون ما بعدها جزءا لما قبلها من دليل جمع مصرح بذكره نحو ضربت القوم حتى زيد، فزيد جزء ما قبله، وما قبله دليل جمع مصرح بذكره وهو مضروب انتهى الضرب به. ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب عنده. وإذا كان الانتهاء به ففي ذكر القوم غنى عن ذكره، لكن قصد التنبيه على أن فيه زيادة ضعف أو قوة أو تعظيم أو تحقير. وإلى هذا أشرت بقولي "ويختص تالي الصريح المنتهى به بقصد زيادة ما". وعنيت بالصريح كونه بلفظ موضوع للجمعية، يدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللغوي كرجال وقوم. وعنيت بغير الصريح ما دل على الجمعية بغير لفظ موضوع لها كقوله تعالى (ليَسْجُنُنَّه حتى حين) فإن مجرور حتى فيه منتهى الأحيان مفهومة غير مصرح بذكرها. ويجوز كون تالي المصرح منتهى عنده، لا به، كما يجوز مع "إلى"

стр. 983

فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به وللانتهاء عنده. أشار إلى ذلك سيبويه والفراء وأبو العباس أحمد بن يحيى. وقال أحمد بن يحيى: "قوله تعالى (إلى المرافق) مثل حتى للغاية، والغاية تدخل وتخرج؛ تقول: ضربت القوم حتى زيد. فيكون زيد مضروبا، وغير مضروب، فيؤخذ هنا بالأوثق" يريد أن كون المرافق مدخلة في الغسل هو المعمول به، لأنه أحوط الحكمين. ومن شواهد استواء حتى وإلى قوله تعالى (فمتّعناهم إلى حين) قرأ عبد الله (فمتّعناهم حتّى حينٍ). ومن شواهد خروج ما بعد حتى مع صلاحيته للدخول قول الشاعر: سقى الحيا الأرضَ حتّى أمْكُن عُزيتْ ... لهم فلا زال عنها الخيرُ مجدودا ولا يعتبر في تالي غير الصريح إفهام الزيادة التي أشرت إليها. ومما يختص به تالي الصريح جواز عطفه على ما قبله نحو ضربت القوم حتى زيدا، وجواز استئنافه نحو ضربتهم حتى زيدٌ، فزيد مبتدأ محذوف الخبر. ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: عمَمْتهم بالندى حتّى غواتهم ... فكنت مالكَ ذي غيٍّ وذي رَشَد ويروى بالثلاثة الأوجه أيضا قول الآخر: ألقى الصحيفة كيْ يُخفّف رَحْلَه ... والزادَ حتّى نعله ألقاها وإلى هذا أشرت بقولي: وإما كبعض، لأن "النعل" ليست بعضا للصحيفة

стр. 984

والزاد، لكنها كبعض باعتبار أن إلقاء الصحيفة والزاد وإنما كان ليخلوَ من ثقل وتشاغل، والنعل مما يثقل ويشغل، فجاز عطفها لذلك، لأنه بمنزلة من يقول ألقى ما يثقله حتى نعله. وإذا لم يصلح أن يُنسب لمجرورها ما نسب لما قبلها فالانتهاء عنده لابه نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح، فانتهى الصوم عند يوم الأضحى لابه، لأنه لا يصح أن يُنسب إليه. وانتهى السُّرى عند الصباح لابه، لأنه لا يصح أن ينسب إليه. فالجر متعيّن، والعطف والاستئناف ممتنعان. ومجرورها أبدا عند سيبويه ظاهر لا مضمر. وأجاز غيره أن تجرّ المضمر، فيقال حتّاه وحتّاك. قال أبو بكر بن السراج: والقول عندي ما قال سيبويه، لأنه غير معروف اتصال حتى بالضمير، وهو في القياس غير ممتنع. والتزم الزمخشري كون مجرورها آخر جزء أو ملاقى آخر جزء، وهو غير لازم. ومن دلائل ذلك قول الشاعر: إنَّ سلمى من بعد يأسِيَ هَمَّتْ ... لوصالٍ لو صَحَّ لم يُبْقَ بُوسًا عيّنتْ ليلةً فما زلتُ حتّى ... نِصْفِها راجيًا، فعُدْتُ يئوسا وفي قراءة ابن مسعود (ليسْجُننَّه عتّى حين)، وسمع عمر ﵁ رجلا يقرأ (عتّى حين) فقال من أقرأك؟ قال: ابن مسعود. فكتب إليه:

стр. 985

"إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل والسلام". ص: ومنها "الكاف" للتشبيه، ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل، وعلى أنت وإيّاك وأخواتها أقلّ. وقد توافق "على". وقد تزاد إن أُمن اللبس. وتكون اسما فتجُرّ ويسند إليها، وإن وقعت صلة فالحرفية راجحة. وتزاد بعدها "ما" كافة وغير كافة، وكذا بعد رُبّ والباء. وتُحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل. وقد تحدث في الكاف معنى التعليل. وربما نصبت حينئذ مضارعا، لا لأن الأصل كيما، وإن ولي رُبّما اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبره، لا خبر مبتدأ محذوف، وما نكرة موصوفة بهما خلافا لأبي علي في المسألتين. وتزاد "ما" غير كافة بعد "مِن وعن". ش: الكاف من الحروف التي تجر الظاهر وحده كحتّى، فكما استغنى في الغاية مع المضمر بإلى عن حتى، استغنى في التشبيه مع المضمر بمثْل عن الكاف. إلا أن الكاف خالفت أصلها في بعض الكلام لخخفّتها، فجرّت ضمير الغائب المتصل كقول الشنفري: لئنْ كان من جنّ لأبْرَحَ طارِقا ... وإنْ كان إنسانًا ما "كها" الإنسُ يفعلُ أي ما مثلها الإنس يفعل. ومثله قول الراجز في وصف حمار وَحْش وأُتُن: ولا أرى بعلا ولا حَلائِلا ... كهُ ولا كهُنَّ إلّا حاظِلا وقد خولف بها الأصل أيضا فأدخلت على ضمير الرفع وضمير النصب المنفصلين، فقالوا: أنا كأنت، وأنت كأنا، وأنا كإياك، قال الشاعر: قلتُ إنّي كأنتَ ثمَّتَ لمّا ... شُبّت الحربُ خُضْتُها وكَعَعْتا

стр. 986

وأنشد الكسائي: فأحْسِنْ وأجْملْ في أسيركَ إنّه ... ضعيفٌ ولم يَأسرْ كإيّاكَ آسِرُ وقد تجيء بمعنى على كقول بعض العرب: كخير. في جواب من قال: كيف أصبحت؟، حكاه الفراء. وقد تزاد إن أمن اللبس بكون الموضع غير صالح للتشبيه كقوله تعالى (ليسَ كمثلِه شيءٌ) فلا بُدّ من عدم الاعتداد بالكاف، لأن الاعتداد بها يستلزم ثبوت شيء لا شيء مثله، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال، وكالزيادة في كمثله الزيادة في (وحورٌ عينٌ كأمثالِ اللؤْلُؤ المكنون) وفي قول النبي ﷺ على إحدى الروايتين: "يكفي كالوجه واليدين" يريد يكفي الوجه واليدان، وهي الرواية الأخرى. ومنه قول الراجز: لواحقُ الأقْرابِ فيها كالمَقَقْ يريد: فيها المقق، أي الطول. وقال الفراء: قيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ فقال: كهيّن. يريد هيّنا فزاد الكاف. وتكون اسما فتُجرّ بحرف كقول الشاعر: بكا للقوة الشَّغْواء جُلْتُ فلم أكنْ ... لأولعَ إلّا بالكميّ المقنّعِ وبإضافة كقوله: تيَّمَ القلبَ حبُّ كالبدرِ، لا بل ... فاق حُسْنا مَنْ تَيَّم القلبَ حُبّا

стр. 987

وتقع فاعلة كقول الشاعر: وما هداك إلى أرض كعالمها ... ولا أعانك في غُرْمٍ كغرّام واسم كان كقول الآخر: لو كان في قلبي كقدْر قُلامة ... فَضْلا لغيرك ما أتَتْك رسائلي ومبتدأ كقول الآخر: بنا كالجوى مما يُخاف وقد نرى ... شفاءَ القلوب الصادياتِ الحوائم وإن وقعت صلة فحرفيتها أولى من اسميّتها كقول الراجز: ما يُرْتجى وما يُخاف جَمعا ... فهو الذي كالغَيْثِ واللَّيْثِ معا وتزاد بعدها "ما" كافة كقول زياد الأعجم: لعمْري إنّني وأبا حُميد ... كما النشوانُ والرجلُ الحليمُ أريد هجاءَه وأخافُ ربّي ... وأعلمُ أنّه عبدٌ لئيمُ وغير كافة كقول الآخر، أنشده أبو علي القالي: وننْصر مولانا ونعلمُ أنّه ... كما الناسِ مجرومٌ عليه وجارِمُ قال سيبويه عن قولهم: هذا حق كما أنت ههنا، فزعم أن العامل في أنت الكاف

стр. 988

وما لغو، إلا أنها لا تحذف كراهية أن يجيء لفظها لفظ كأنّ. وتزاد "ما" أيضا بعد رُبّ كافة، كقول أبي دؤاد: رُبما الجاملُ المُؤَبَّلُ فيهم ... وعَناجيجُ بينهُنّ المِهار وغير كافة كقول الآخر: ماويَّ يارُبتما غارةٍ ... شعواء كالّلذْعَة بالميسمِ وكذلك تزاد بعد الباء كافة كقول الشاعر: فلئن صرتَ لا تُحيرُ جوابا ... لبما قد تُرى وأنت خطيبُ وغير كافة كقوله تعالى (بما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم). وتحدث "ما" الكافة في الباء معنى رُبّما، فمعنى قد ترى وأنت خطيب: لربما قد ترى. ومثله قول كثير: مغانٍ تُهيجنَ الحليمَ إلى الهوى ... وهُنَّ قديماتُ العُهودِ دواثرُ بما قد أرى تلك الديارَ وأهلها ... وهُنّ جميعاتُ الأنيسِ عوامرُ أراد: وربما قد أرى. وقد مع المضارع تفيد هذا المعنى. ولكن اجتمعتا توكيدا كما

стр. 989

اجتمعت عن والباء التي بمعناها في قول الشاعر: فأصْبحنَ لا يسألنّه عنْ بما به ... أصَعَّدَ في عُلْوِ الهوى أم تصَوّبا وتحدث "ما" الكافة في الكاف معنى التعليل كقوله تعالى (واذكروه كما هداكم) وكقول الأخفش في قوله تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويُزَكِّيكم ويُعلّمكم الكتابَ والحكمة ويعلّمكم مالم تكونوا تعلمون * فاذكروني أذكركم) [أي] كما أرسلنا فيكم رسولا فاذكروني "أي كما فعلت هذا فاذكروني". وجعل ابن برهان من هذا قوله تعالى (ويْكأنّه لا يُفْلح الكافرون)، أي أعجب لأنه لا يفلح الكافرون. وكذا قدّره ثم قال: وحكى سيبويه: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه، أي لأنه لا يعلم. وإذا حدث فيها معنى التعليل ووليها مضارع نصبته لشبهها بكي كقول الشاعر: فطَرْفَك إمّا جئتنا فاصْرفنّه ... كما يحسبوا أنّ الهوى حيثُ تَنْظرُ وزعم الفارسي أن الأصل كيما وحذفت الياء، وهذا تكلف لا دليل عليه ولا

стр. 990

حاجة إليه. وكذلك أيضا زعم في قول الشاعر: ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار أن "ما" فيها نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر. والصحيح أن "ما" فيه زائدة كافة هيّأت رُبّ للدخول على الجملة الاسمية، كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية في قوله تعالى (رُبما يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين). وفي قول الشاعر: لا يُضيعُ الأمينُ سرّا ولكن ... رُبّما يُحْسَبُ الخئونُ أمينا وتزاد "ما" بعد "من وعن" غير كافة كقوله تعالى (مِمّا خطيئاتِهم أُغْرِقوا) و (عمّا قليلٍ ليُصْبحُنَّ نادمين). ص: ومنها "مذ ومنذ، وقد ذُكرا في باب الظروف. ومنها "رُبّ" ويقال رُبَّ ورُبُ ورُبْ، ورَبّتْ ورُبّتْ ورَبَّ ورَبْ، ورَبّتْ. وليست اسما خلافا للكوفيين والأخفش في أحد قوليه. بل هي حرف تكثير وفاقا لسيبويه، والتقليل بها نادر. ولا يلزم وصف مجرورها خلافا للمبرد ومن وافقه. ولا مضى ما يتعلق بها، بل يلزم تصديرها وتنكير مجرورها وشبهه. وقد يعطف على مجرورها وشبهه بمضاف إلى ضميريهما. وقد تجرّ ضميرا لازما تفسيره بمتأخر منصوب على التمييز مطابق للمعنى. ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وجمعه وتأنيثه أشهر من المطابقة.

стр. 991

ش: قد بيّنت في باب المفعول فيه أن من جملة أسماء الزمان المبنيّة مُذْ ومنذُ إذا وليهما مرفوع أو جملة، وأنهما يكونان حرفي جر، واستوفيت القول بما أغنى عن مزيد فليعلم ذلك. ومن حروف الجر "رُبَّ" وفيها عشر لغات: أربع بتشديد الباء، وست بتخفيفها وقد ذكرت. وهي حرف عند البصريين، واسم عند الكوفيين والأخفش في أحد قوليه. وحرفيتها أصح لخلوها من علامات الأسماء اللفظية والمعنوية، ومساواتها الحرف في الدلالة على معنى في مسمى غير مفهوم جنسه بلفظها، بخلاف أسماء الاستفهام والشرط فإنها تدل على معنى في مسمى مفهوم بلفظها. ومقتضى هذا التقدير أن تكون "كَمْ" حرفا، لكن اسميتها ثابتة بالعلامات اللفظية وهي الإضافة إليها ودخول حرف الجر عليها والابتداء بها، وإيقاع الأفعال عليها وعود الضمير إليها. واستدل الكوفيون على اسميتها بقول الشاعر: إنْ يقتلوكَ فإنّ قتلك لم يكنْ ... عارًا عليك، ورُبَّ قَتْلٍ عارُ فزعموا أن "رُبّ" مبتدأ و"عار" خبر، والصحيح أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة لقتل والتقدير: رُبّ قتل هو عار. وأكثر النحويين يقولون معنى رُبّ التقليل. قال أبو العباس: "رب تنبئ عما وقعت عليه أنه قد كان وليس بالكثير، فلذلك لا تقع إلا على نكرة، لأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز". وقال ابن السراج: "النحويون كالمجمعين على أن رُبّ جواب لما، تقول: رب رجل

стр. 992

عالم؛ لمن قال لك: ما رأيت رجلا عالما، أو قدرت أنه يقول. فضارعت حرف النفي إذا كان بنية الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة". وقال ابن السراج أيضا: "رب حرف جر، وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصّلا له إلى المجرور كأخواته، لكن لمّا كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة صار مقابلا لكم إذا كانت خبرا فجعل له صدر الكلام، كما جعل لكم". وقال الزمخشري في المفصّل: "رُبّ للتقليل". وجعلها في الكشاف للتكثير .. قلت: والصحيح أن معنى رب التكثير، ولذا يصلح "كم" في كل موضع وقعت فيه غير نادر، كقول الشاعر: رُبّ من أنضجتُ غيظًا قلْبَه ... يتمنّى ليَ مَوْتا لم يُطعْ وكقول الآخر: رب رَفْدٍ هرقتهُ ذلك اليو ... مَ وأسْرى من معشَر أقْتالِ وكقول الآخر:

стр. 993

ربما تكره النفوسُ من الأمـ ... ـر له فرجةٌ كحلّ العقالِ وكقول حسان: رُبَّ حِلْم أضاعَه عدمُ الما ... لِ، وجهل غَطَّى عليه النعيمُ وكقول الآخر: ورُبَّ امرئٍ ناقص عقلُه ... وقد يعجَبُ الناسُ من شخصه وآخر تحسَبه أحمقا ... ويأتيكَ بالأمرِ من فَصّه وكقول ضائي البرجمي: ورُبَّ أمور لا تضيرُك ضيْرةً ... وللقلب من مخْشاتِهنَّ وجيبُ وكقول عدي بن زيد: رُبَّ مأمولٍ وراجٍ أملا ... قد ثناه الدهرُ عن ذاك الأمَلْ وهذا الذي أشرت إليه من أن معنى "رب" التكثير هو مذهب سيبويه ﵀. وقال ابن خروف: وذكر سيبويه في باب "كم" أن رب للتكثير، وذكر ذلك غيره من اللغويين، واستعمالها على ذلك موجود كثير. قلت: فمن كلامه الدال على ذلك قوله في باب "كم" اعلم أن لكم موضعين: أحدهما الاستفهام، والآخر

стр. 994

الخبر، ومعناهما معنى رُبّ" ثم قال بعد ذلك في الباب: "واعلم أن كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب، لأن المعنى واحد، إلا أن كم اسم ورب غير اسم" هذا نصه. ولا معارض له في كتابه. فعلم أن مذهبه كون رب مساوية لكم الخبرية في المعنى، ولا خلاف أن معنى كم الخبرية التكثير. والذي دل عليه كلام سيبويه من أن معنى رب التكثير هو الواقع في غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه. فمن النظم الأبيات التي قدمت ذكرها. ومن النثر قول النبي ﷺ : "يارُب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" وقوله ﷺ : "رُب أشعث لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبَرَّ قسمه". ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه. وقال الفراء: يقول القائل إذا أمَر فعُصي: أما والله رُب ندامة لك تذكر قولي فيها. وقولي "والتقليل بها نادر" أشرت به إلى قول الشاعر: ألا رُبَّ مولودٍ وليسَ له أبٌ ... وذي وَلَدِ لم يلدهُ أبوانِ يريد آدم وعيسى ﵉. ومثله قول عمرو بن الشريد أخي الخنساء: وذي إخوةٍ قطّعتُ أقْران بينهم ... كما تركوني واحدًا لا أخَاليا ومثله: ويومٍ على البلقاء لم يكُ مثلَه ... على الأرضِ يومٌ في بعيدٍ ولادان

стр. 995

أراد بذي إخوة دريد بن حرملة قاتل أخيه معاوية بن الشريد، وأراد الآخر يوما كان فيه وقعة بين غَسّان ومذحج، في موضع يُعرف بالبلقاء. وقول المبرد رب ينبئ عما وقعت عليه أنه قد كان، هذا هو الأكثر. وأما كون ذلك لازما لا يوجد غيره فليس بصحيح. بل قد يكون مستقبلا، كقول جَحْدر اللص: فإنْ أهلك فرُبَّ فتًى سيبكي ... عليّ مهذَب رَخْص البنانِ وكقول هند أم معاوية ﵂: يارب قائلةٍ غدًا ... يالهفَ أمِّ معاويَهْ وكقول سليم القشيري: ومُعْتصم بالحيّ من خشيةِ الرَّدى ... سيردى وغازٍ مُشْفق سَيَئوبُ ومثله: يارُبَّ يومٍ لي لا أُظَلّله ... أرْمَضُ من تحتُ، وأضحى من عَلُه ومثله: يا رُبَّ غابِطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مُباعدةً منكم وحِرمانا ولا مبالاة بقول المبرد، ولا بقول ابن السراج، فإنهما لم يستندا في ذلك إلا إلى مجرّد الدعوى، ولو لم يكن غير ما ادّعياه مسموعا، لكان مساويا لما ادّعياه في إمكان الأخذ به، فكيف وهو ثابت بالنقل الصحيح في الكلام الفصيح. وقد يكون ما وقعت عليه رُبّ حالا كقولك لمن قال: ما في وقتنا امرؤ مستريح:

стр. 996

رب امرئ في وقتنا مستريح. ومنه قول ابن أبي ربيعة: فقمت ولم تُعْلمْ عليّ خيانةٌ ... ألا رُبَّ باغي الربْحِ ليس برابح ومثله: ألا رُبّ مَن تغْتَشُّه لك ناصحٌ ... ومُؤْتمنٍ بالغيْب غيرُ أمين وقد هُدي الزمخشري إلى الحق في معنى رب فقال في تفسير (قد نرى تقلّب وجهك) قد نرى: ربما نرى، ومعناه كثرة الرؤية. وقال قد في (قد نعلم إنه ليحزنك) بمعنى ربما الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته. وقال في (قد يعلم ما أنتم عليه) أدخل قد لتوكيد علمه بما هم عليه، وذلك أن قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير نحو قوله: فإنْ تمس مهْجور الفناءِ فرُبَّما ... أقام به بعد الوُفُود وُفُود وكلامه في هذا سديد أداه إليه ترك التقليد. وقال في (رُبما يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين): "فإن قلت: فما معنى التقليل ههنا؟ قلت هو وارد على

стр. 997

مذهب العرب في قولهم لعلك ستندم على فعلك، وربما يندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحقّ عليك ألا تفعل هذا الفعل، لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من الغم المتيقن، ومن القليل منه كما يتحرز من الكثير. وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكانوا حقيقين بالمسارعة إليه، فكيف وهم يودونه في كل ساعة". قلت: في هذا الكلام ما يناقض كلامه في "قد نرى" و"قد نعلم" و"قد يعلم" من دلالة رُبّما على التكثير، لأنه نسب إليها ههنا التقليل، وتكلف في تخريجه مالا حاجة إليه، ولا دلالة عليه. ثم اعترف بقول العرب: ربما يندم الإنسان على ما فعل، وأنهم لا يقصدون تقليله فهو حجة عليه وعلى من وافقه في هذا التأويل. قلد ابن السراج فإنه قال: قالوا في قوله تعالى (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) بأنه لصدق الوعد كأنه قد كان، كما قال الله تعالى (ولو ترى إذْ فزِعوا فلا فوتَ) والصحيح عندي أن "إذ" يراد بها الاستقبال كما قد يراد بها المضي، فمن ذلك قوله تعالى (فسوف يعلمون * إذ الأغلالُ في أعناقهم) وقوله تعالى (يومئذ تُحدّثُ أخبارها) فأبدل يومئذ من "إذا" فلو لم تكن "إذ" صالحة للاستقبال ما أبدل يوم المضاف إليها من "إذا" فإنها لا يراد بها إلا الاستقبال. والمبرد وابن السراج والفارسي يرون وجوب وصف المجرور برُب، وقلّدهم في ذلك أكثر المتأخرين مع أنه خلاف مذهب سيبويه، ولا حجة لهم إلا شبهتان: إحداهما أن رب للتقليل، والنكرة بلا صفة فيها تكثير بالشياع والعموم، ووصفها يحدث فيها التقليل بإخراج الخالي منه فلزم الوصف لذلك. والشبهة الثانية أن قول القائل: رب رجل عالم لقيت، ردّ على من قال: ما لقيت رجلا عالما، فلو لم يذكر الصفة لم

стр. 998

يكن الرد موافقا. وفي كلتا الشبهتين ضعف بَيّن. أما ضعف الأولى فلترتبها على أن رب للتقليل وقد سبق أنها للتكثير، وعلى تقدير أنها للتقليل فإن النكرة دون وصف صالحة أن يراد بها العموم فيكون فيها تكثير، وأن يراد بها غير العموم فيكون فيها تقليل. فإذا دخلت عليها رب على تقدير وضعها للتقليل أزالت احتمال التكثير، كما يزال احتمال التقليل بلا ومن الجنسيتين. فإن وصفت بعد دخول رب ازداد التقليل، فإن كان المطلوب زيادة التقليل لا مطلقة فينبغي ألا يقتصر على وصف واحد، لأن التقليل يزيد بزيادة الأوصاف. وأما الشبهة الثانية فضعفها أيضا بَيّن، لأنها مرتبة على أن رب لا تكون إلا جوابا، وعلى أن الجواب يلزم أن يوافق المجاب، وكلا الأمرين غير لازم بالاستقراء. والصحيح أنها تكون جوابا وغير جواب، وإذا كانت جوابا فقد تكون جوابا موصوفا، وجوابا غير موصوف، فيكون لمجرورها من الوصف وعدمه ما للمجاب، فيقال لمن قال ما رأيت رجلا: رب رجل رأيت، ولمن قال ما رأيت رجلا عالما: رب رجل عالم رأيت. وإذا لم تكن جوابا فللمتكلم بها أن يصف مجرورها وألا يصفه. ومن وقوعه غير موصوف قول أم معاوية: ياربّ قائلةٍ غدًا ... يالهفَ أمِّ معاويَهْ ومثله: ألا رُبَّ مأخوذٍ بإجْرامِ غيرِه ... فلا تَسْأمنْ هِجْرانَ من كان مجرِما ومثله: ربّ مُسْتَغْنٍ ولامالَ له ... وعظيم الفَقْر وهو ذو نَشَب والذي يدل على أن وصف مجرورها لا يلزم عند سيبويه تسويته إياها بكم، ووصف مجرور كم الخبرية لا يلزم، فكذا وصف ما سُوِّي بها. ومن كلامه المتضمن

стр. 999

استغناء مجرورها قوله في باب الجر: "وإذا قلت رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب". فتصريحه بكون يقول مضافا إلى الرجل برب مانع كونه صفة، لأن الصفة لا تضاف إلى الموصوف. وإنما يضاف العامل إلى المعمول، فيقول إذن عامل في رجل بواسطة رب، كما كان مررت من مررت بزيد عاملا في زيد بواسطة الباء، كما كان أخذت من أخذته من عبد الله عاملا في عبد الله بواسطة من. وهما من أمثلة سيبويه في باب الجر، وقال فيهما: فإذا أضفت المرور إلى زيد بالباء. وقال أيضا فقد أضفت الأخذ إلى عبد الله بمن. فجعل نسبة مررت من بزيد، ونسبة أخذت من من عبد الله كنسبة يقول من رُبّ رجل. وفي تمثيله برب رجل يقول ذلك، وجعله يقول معدّى إلى رجل بواسطة رُب، دليل على أن مضمون ما دخلت عليه رُب يجوز استقباله ولا يلزم مضيه. وقد تقدمت شواهد ذلك. إلا أن في هذا المثال إشكالا بيّنا، وذلك أن ظاهره يقتضي جواز أن يقال من زيد عجب، إذا عجب من نفيه وهو غير جائز بإجماع، لأن فيه إعمال فعل ضمير متصل في مفسره وذلك ممتنع دون خلاف. وقد أخذ أكثر الناس هذا المثال على ظاهره، فمنهم من خطأ فيه سيبويه ومنهم من صوّبه وتكلّف تأويله. وأحسنهم مأخذا في التأويل أبو الحسن بن خروف فإنه قال: يقول سيبويه فقد أضفت القول إلى الرجل برُب كلام حسن، وهو كقوله فقد أضفت الكينونة إلى الدار بفي، وكقوله فقد أضفت إليه الرداءة بفي: قوله أنت في الدار، وفيك خصلة سوء فرب أوصلت القول إلى قليل الرجال وكثيرهم، كما أوصلت في الكينونة إلى الدار واستقرار الرداءة إلى المخاطب. وموضع المخفوض برب مبتدأ ويقول خبره، فكأنه على تقدير: كثير من الرجال يقول ذلك، ولا يخفى ما في هذا من التكلف. وقد يُسرّ لي بحمد الله تخريجه بوجه لا تخطئة فيه ولا تكلف، وذلك بأن يجعل "يقول" مضارع قال بمعنى فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا أشير به إلى مرئي أو مذكور كأنه قال: رُبّ رجل يفوق ذلك الرجل في المقاولة. فبهذا التخريج يؤمن الخطأ والتكلف ويثبت استغناء مجرور رب عن الوصف وكون ما دخلت عليه يلزم

стр. 1000

مضيه، بل يجوز كونه مستقبلا وحالا. ومنع ابن السراج استقباله وأجاز حاليته فإنه قال: "ولا يجوز رب رجل سيقوم ولا يقومن غدا إلا أن تريد: رب رجل يوصف بهذا، تقول رب رجل مسيء اليوم محسن غدا، أي يوصف بهذا". والصحيح جوازهما وجواز المضيّ، إلا أنّ المضيّ أكثر. قال ابن خروف: والمتأخرون مختلفون في رب؛ منهم مَن تبع المبرد على مذهبه كابن السراج والفارسي، وهو فاسد، لأنه ألزم مخفوضة الصفة وحذف ما يتعلق به، وألا تدل إلا على التقليل. ولا يفتقر إلى الصفة كما زعموا، لأن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مخفوضها، كما كان ذلك في "كم" ولذلك قلت كم غلام عندك، فابتدأت بنكرة، يعني أن ما دلت عليه "كم" من التكثير سوّغ الابتداء بها مع أنها نكرة. ونبهت بقولي "وقد يعطف على مجرورها وشبهه بمضاف إلى ضميريهما" على أنه قد يقال رب رجل وأخيه رأيت، وكم ناقة وفصيلها ملكت، على تقدير: رب رجل وأخ له، وكم ناقة وفصيل لها. ثم نبهت على أن المجرور بها قد يكون ضميرا لازما تفسيره بمميّز مؤخر مطابق للذي يقصده المتكلم من إفراد وتذكير وغيرهما، وأن الضمير على أشهر المذهبين لا يكون إلا بلفظ الإفراد والتذكير فيقال: ربه رجلا، وربه رجلين، وربه رجالا وربه امرأةً، ورُبّه نسوة. ومثال رُبّ رجلا قول الشاعر: رُبَّ امرأ بك نال أمْنع عِزَّةٍ ... وغِنًى بُعيدَ خصاصةٍ وهوان ومثال ربه رجالا قوله: رُبّه فتيةً دعوْت إلى ما ... يُورِثُ المجدَ دائبًا فأجابوا وحكى الكوفيون: ربهما رجلين، وربهم رجالا، وربها امرأة. وإلى هذا الوجه والذي قبله أشرت بقولي: "ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وجمعه

стр. 1001

وتأنيثه أشهر من المطابقة". فصل: ص: قد يلي – عند غير المبرد – لولا الامتناعية الضمير الموضوع للنصب والجر مجرور الموضع عند سيبويه، مرفوعه عند الأخفش والكوفيين. ش: إذا ولي "لولا" الامتناعية مضمر فالمشهور كونه أحد المضمرات المرفوعة المنفصلة لأنه موضعُ ابتداء، قال الله تعالى: (لولا أنتم لكُنّا مؤمنين)، ومن العرب مَن يقول: لولاي ولولانا إلى لولاهنّ. وزعم المبرد أن ذلك لا يوجد في كلام مَن يحتج بكلامه. وما زعمه مردود برواية سيبويه والكوفيين، وأنشد سيبويه ﵀: وكم مَوطنٍ لولايَ طِحتَ كما هوى ... بأجْرامه من قُنّةؤ النيّق مُنهوي وأنشد الفراء: أتطمِعُ فينا مَن أراق دماءنا ... ولولاكَ لم يعرضْ لأحْسابنا حَسَنْ ومذهب سيبويه في ياء لولاي وكاف لولاك وشبههما أنهما في موضع جرّ بلولا، لأن الياء وأخواتها لا يعرف وقوعها إلا في موضع نصب أو جرّ، والنصب في لولاي ممتنع لأن الياء لا تنصب بغير اسم إلّا ومعها نون الوقاية وجوبا أو جوازا. ولا تخلو منها وجوبا إلا وهي مجرورة، وياء لولاي خالية منها وجوبا فامتنع كونها منصوبة وتعيّن كونها مجرورة. وفي ذلك – مع شذوذه – استبقاء حقّ للولا، وذلك أنها مختصة بالاسم غير مشابهة للفعل، ومقتضى ذلك أن يجر الاسم مطلقا، لكن منع من ذلك شبهها بما اختص بالفعل من أدوات الشرط من ربط جملة بجملة .. وأرادوا التنبيه على موجب العمل في الأصل، فجرّوا بها المضمر المشار إليه. ومذهب الأخفش أن الياء

стр. 1002

وأخواتها في موضع رفع نيابة عن ضمائر الرفع المنفصلة. ونظير ذلك نيابة المرفوع في: ما أنا كأنت وشبهه. ص: ويجرّ بلعلّ، وعلّ في لغة عقيل، وبمتى في لغة هذيل. ش: روى أبو زيد عن بني عقيل الجر بلعل، وحكى الجر بها أيضا الفراء وغيره. وروى في لامها الأخيرة الفتح والكسر، وأنشد باللغتين قول الشاعر: لعلَّ الله يمكنني عليها ... جِهارًا من زُهَير أو أسِيد وروى الفراء أيضا الجر بلعل وأنشد: علّ صروف الدهر أوْ دُولاتِها ... يُدللننا اللّمةَ مِنْ لمّاتِها ... فتستريح النفسُ من زَفْراتِها وأما متى فهي في لغة هذيل حرف جر. ومنه قول الشاعر: شَرِبْنَ بماء البحر ثُمّ ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرِ لهنَّ نئيج ومن كلامهم: أخرجها متى كمّه، أي مِن كمه. فصل: ص: في الجر بحرف محذوف. يجر برب محذوفة بعد الفاء كثيرا، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلا، ومع التجرد أقل. وليس الجر بالفاء وبل باتفاق، ولا بالواو خلافا للمبرد ومَن وافقه. وتجر بغير رب أيضا محذوفا في جواب ما تضمن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متصل أو منفصل بلا أولو أو في، مقرون بعدما تضمنه بالهمزة أو هلّا أو إنْ أو الفاء الجزائيّتين. ويقاس على جميعها خلافا للفراء في جواب نحو: بمن مررت؟. وقد يجر بغير ما ذكر محذوفا، ولا يقاس منه إلا على ما ذكر في باب "كم" و"كان" و"لا" المشبهة بإنّ، وما يذكر في باب القسم. وقد يفصل في الضرورة بين حرف جر ومجرور بظرف أو جار ومجرور. وندر في النثر الفصل

стр. 1003

بالقسم بين حرف الجر والمجرور، والمضاف والمضاف إليه. ش: من الجر برب بعد الواو قول امرئ القيس: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليَبْتلي ومنه قول رجل من سعد مناة: وخيفاءَ ألقى الليثُ فيها ذراعَه ... فسَرَّتْ وساءتْ كل ماش ومُصْرِم تمشّى بها الدَّرْماء تسْحب قُصْبها ... كأنْ بطنُ حبلى ذاتِ أوْنَيْن متئم ومثله: وأشعثَ نفسه في مَسْك جَفْر ... يُقسّم طرفَه بين النجوم ملكتُ له سراه وقد تمطّتْ ... متونُ الصُبْح في الليل البهيم ومثله: وأغبر ولّيتُ الحقائبَ شطرَه ... وسائره في غاربٍ وجران تبدت بحبّي النفس فيه كأنه ... أخوظِنة تُرمى بها الرجوان ومثله: ومحمرة الأعطافِ مغبرَّة الحشا ... خفافٍ رواياها بطاءٍ عمودُها لقينا شذاها فانْسرتْ غمراتها ... وغُودرَ فينا وشيها وبرودُها ومثله: ومختلفاتِ النَّجْر غُيْر قَفوتُها ... وأمّاتُها شَتَّى من البيض والسُّمْر فكنّ نجوما في الصباح هدينني ... إلى مثل وقبِ العَيْن في مُرْتقى وعْر

стр. 1004

ومثله: ومناخِ نازلةٍ كفيتُ وفارسٍ ... نهلتْ قناتي من مطاهُ وعَلّت ومثله لعدي بن زيد: وسائسِ أمرٍ لم يسُسْه أبٌ له ... ورائم أسباب التي لم يُعَوَّد وراجي أمورٍ جمة لنْ ينالَها ... ستشعَبُه عنها شَعُوبُ بمَلْحَدِ ومثله لذي الرمة: ومنهلٍ آجنٍ قَفْر محاضِرُه ... حُصْرٍ كواكبه ذي عِرْمض ليد فرّجْت عن جوفه الظلماء تحملني ... عُوج من العيد والأسْراب لم ترد ومن الجر برب محذوفة بعد الفاء قول امرئ القيس: فمثلك حُبْلى قد طرقتُ ومُرضِعا ... فألْهَيْتُها عن ذي تمائم مُغْيل ومثله: فإما تعرِضنَّ أميْمَ عنّي ... وتَنْزِعْك الوشاةُ أولو النياط فحورٍ قد لهوت بهنّ عِين ... نواعمَ في المروطِ وفي الرياط ومثله قول ربيعة بن مقروم: فإن أهلكْ فذي حَنَق لظاه ... يكادُ عليّ يلتهب التهابا ومثله قول بعض الطائيين:

стр. 1005

إنْ يَثن سلمى بياضُ الفَوْد عن صلتي ... فذاتَ حُسْنٍ سواها دائما أصلُ ومن الجر برب محذوفة بعد "بل" قول الراجز: بل بلدٍ ملء الفجاج قتمُه ... لا يُشترى كتّانه وجَهْرَمُهْ وقول الآخر: بل جَوْزِ تَيْهاءَ بظَهْر الجحفَتْ ومثال الجر بها محذوفة دون واحد من الثلاثة قول الشاعر: رسمِ دار وقفتُ في طَلَلِهْ ... كدتُ أقضي الغداة من جللهْ ولا خلاف في أن الجر في فذي حنق، وبل بلد، ورسم دار وأشباهها برب المحذوفة. وزعم المبرد أن الجر بعد الواو نفسها، ولا يصح ذلك، لأن الواو أسوة الفاء وبل في إضمار رب بعدهما، ولأنها عاطفة لما بعدها من الكلام على ما قبلها، والعاطف ليس بعامل، ولا يمنع كونها عاطفة افتتاح بعض الأراجيز بها، لإمكان إسقاط الراوي من الأرجوزة متقدما، ولإمكان عطف الراجز ما افتتح به على بعض ما في نفسه. ومثال الجر بغير رب محذوفا في جواب ما تضمن مثله نحو: زيد، في جواب من

стр. 1006

قيل له: بمَن مررت؟ وكقوله ﷺ إذا قيل له "فإلى أيّهما أُهدي" [قال]: "أقربهما إليك بابا" بالجر على إضمار إلى. ومن الجواب نحو: بلى زيدٍ، لمن قال: ما مررت بأحد، أو هل مررت بأحد. ومثال ذلك بعد عطف متصل على الوجه المذكور قوله تعالى (وفي خلقكم وما يَبُثُّ من دابّة آياتٌ لقوم يوقنون * واختلافِ الليل والنهار وما أنزل اللهُ من السماء من رزْق فأحْيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) فجر اختلاف الليل بفي مقدرة لاتصاله بالواو ولتضمن ما قبلها إياها. وقرأ عبد الله بإظهارها. ومثل ما في الآية قول الشاعر: ألا يالَقَوْمي كلُّ ما حُمَّ واقعٌ ... وللطير مَجْرًى والجنوبِ مصارع ومثله: حُبّبَ الجودُ للكرامِ فحُمْدوا ... وأناسٍ فِعْلَ اللئامِ فليمُوا ومثله: أخلِقْ بذي الصَّبْرِ أن يحظى بحاجته ... ومُدْمنِ القَرْع للأبواب أن يلجا

стр. 1007

ومثله: كالتَّمْر أنتَ إذا ما حاجةٌ عرضَتْ ... وحَنْطَلٍ كُلَّما استغْنَيتَ خطبان ومثال ذلك مع الفصل بلا قول الراجز: ما لمحب جلدٌ إن هجرا ... ولا حبيب رأفة فيجبرا ومثال ذلك مع الفصل بلو ما حكى أبو الحسن في "المسائل" من أنه يقال: جيء يزيد أو عمرو ولو كليهما، وأجاز في كليهما الجر، على تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع. وأجود من هذا المثال الذي ذكره الأخفش أن يقال: جيء بزيد وعمرو ولو أحدهما. قال الشاعر: متى عُذتُم بنا ولو فئةٍ منّا ... كُفيتم ولم تخشَوا هَوانًا ولا وَهْنا لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام أن يكون ما بعد "لو" أدنى مما قبلها في كثرة وغيرها كقول النبي ﷺ : "التمسْ ولو خاتما من حديد" وكقولهم: ايتني بدابة ولو حمارا. ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو قول الشاعر: أيّهْ بضَمْرَة أو عوف بن ضمرة أو ... أمثالِ ذلك أيّهْ، تُلْفَ منتصرا أرادوا بأمثال ذينك أيهْ. ومنها: لك مما يداك تجمعُ ماتنـ ... ـفِقه ثم غيرِك المخزون أراد ثم لغيرك المخزون.

стр. 1008

ومثال جر المقرون بهمزة الاستفهام وبهلّا على الوجه المذكور ما حكى الأخفش في "المسائل" من أنه يقال مررت بزيد، فتقول: أزيد بن عمرو، ويقال: جئت بدرهم، فتقول: هلّا دينارٍ. قال أبو الحسن: وهذا كثير. ومثال الجر بمضمر بعد إنْ والفاء الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجل صالح، إلا صالحٍ فطالحٍ، على تقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح. وأجاز امرر بأيهما أفضل، إن زيدٍ وإن عمروٍ. وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إنْ لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار رب بعد الواو. فعلم بذلك اطراده عنده، وشبيه بما روى يونس ما في البخاري من قول النبي ﷺ : "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس". ويجوز رفع أربعة على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها على حذف المضاف وبقاء عمله. ونظائر الرفع أكثر. قلت: والقياس على هذه الأوجه كلها جائز. ومنعه الفراء في نحو: زيد، لمن قال: بمن مررت؟ والصحيح جوازه لقوله ﷺ : "أقربهما منك بابا" بالجرّ، إذ قيل له: فإلى أيهما أهدي. وكقول العرب: خيرٍ، بالجر، لمن قال: كيف أصبحت؟، بحذف الباء وبقاء عملها، لأن معنى كيف بأيّ حال، فجعلوا معنى الحرف دليلا، فلو لفظ به لكانت الدلالة أقوى، وجواز الجر أولى. وقد يجر بحرف محذوف في غيرما ذكر مقيسا ومسموعا، فالمقيس نحو: بكم درهم، - ولا سابقٍ شيئا – وألا رجلٍ جزاه الله خيرا.

стр. 1009

وقد ذكرت هذه الأنواع الثلاثة في أبوابها. ومن المقيس نحو: ها الله لأفعلن، مما يذكر في باب القسم. والمسموع كقول الشاعر: ألا تسأل المكيَّ ذا العلم ما الذي ... يجوزُ من التقبيل في رمضان فقال لي المكيُّ: أمّا لزوجة .. فسبعٌ وأمّا خُلّةٍ فثَمان أراد وأمّا لخلّة. وكقول الآخر: وكريمةٍ من آل قيس ألَفْتُه ... حتّى تَبذّخ فارتقى الأعلامِ أراد في الأعلام. والأول أجود، لأن فيه حذف حرف ثابت مثله فيما قبله، ولكن لا يقاس عليه، لكون العاطف مفصولا بأمّا، وهي تقتضي الاستئناف. ومثل – فارتقى الأعلام – قول الآخر: إذا قيل أي الناس شر عصابة ... أشارت كليبٍ بالأكف الأصابعُ أراد أشارت إلى كليب. وفي صحيح البخاري قول النبي ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضعّف على صلاته في بيته وسوقه خمسٍ وعشرين ضعفا" على تقدير الباء. ومثله من جامع المسانيد على أحد الوجهين قول النبي ﷺ "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجّل ثلاثٍ" على أن يكون المراد المحجل في ثلاث. والأجود أن يكون أصله المحجّل محجلُ ثلاث، فحذف البدل وبقي مجروره، كما فعل

стр. 1010

بالمعطوف في نحو "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة". وقد يفصل بين حرف الجر ومجروره بظرف أو مفعول به أو جار ومجرور، ولا يكون ذلك إلا في ضرورة كقول الشاعر: يقولون في الأكْفاءِ أكبر همّه ... ألا رُبَّ منهم مَن يعيشُ بمالكا أراد رب من يعيش بمالك منهم. وكقول (الشاعر): رب في الناسِ موسرٍ كعديم ... وعديمٍ يُخالُ ذا إيسارِ أراد رب موسر كعديم في الناس. وكقول الفرزدق: وإنّي لأطوِي الكشح من دون مَن طوى ... وأقطعُ بالخرق الهبوع المُراجم أراد وأقطع الخرق بالهبوع المراجم، ففصل بالمفعول به بين الباء ومجرورها. وأنشد أبو عبيدة: إنّ عمرًا لا خيرَ في اليوم عمروٍ ... إنّ عمرًا مُخبّر الأحزان أراد: لا خير اليوم في عمرو. وحكى الكسائي في الاختيار الفصل بين الجار والمجرور بالقسم نحو: اشتريته بـ - واللهِ – درهم، والمراد بدرهم واللهِ، أو والله بدرهم. وحكى الكسائي أيضا: هذا غلامُ والله زيد. وحكى أبو عبيدة: إن الشاة تعرف رَبَّها حين تسمع صوت – والله – ربِّها. ففصل بالقسم بين المضاف والمضاف إليه.

стр. 1011

باب القسم ص: وهو صريح وغير صريح، وكلاهما جملة فعلية أو اسمية، فالفعلية غير الصريحة في الخبر كعلمت، وواثقت مضمنة معناه، وفي الطلب: نشدتك وعمرتك، وأبدل من اللفظ بهذه "عمرك الله" بفتح الهاء وضمها، وقعدك الله، وقعيدك الله كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر أو ما بمعناه. ويضمر الفعل في الطلب كثيرا استغناء بالمقسم به مجرورا بالباء ويختص الطلب بها، وإن جُرّ في غيره بغيرها حذف الفعل وجوبا. وإن حُذفا معا نصب المقسم به. وإن كان "الله" جاز جرّه بتعويض "آ" ثابت الألف، أو "ها" محذوف الألف أو ثابتها، مع وصل ألف الله أو قطعها، وقد يستغنى في التعويض بقطعها، ويجوز جر الله دون تعويض، ولا يشارَك في ذلك، خلافا للكوفيين. وليس الجر في التعويض بالعوض خلافا للأخفش ومَن وافقه. ش: القسم الصريح ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسما، كأحلف بالله وأنا حالف بالله، ولعَمْر الله وايمن الله. وغير الصريح ما ليس كذلك نحو علم الله وعاهدت وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمّتي ميثاق. فليس بمجرد النطق بشيء من هذا الكلام يعلم كونه قسما، بل بقرينة كذكر جواب بعده نحو على عهد الله لأنصرن دينه، وفي ذمّتي ميثاق الله تعالى لا أعين ظالما، وكقوله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاقٍ) وكقول الشاعر: إني علمتُ على ما كان مِن خُلُق ... لقد أراد هواني اليومَ داودُ وكقول الآخر:

стр. 1012

أرى مُحْرِزا عاهدتُه لَيُوافِقن ... فكان كمن أغْريْتَه بخِلاف ومثله في واثق: واثقتُ ميّةَ لاتنفكُّ مُلغيةً ... قولَ الوُشاةِ، فما ألغتْ لهم قيلا ومنه قوله تعالى: (وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ الذين أوتوا الكتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ للنّاس). ومن القسم غير الصريح (نشهد إنك لرسول الله) ويدل على أنه هنا قسم كسرُ إنّ بعده، وتسميته يمينا في قوله تعالى (اتخذوا أيمانهم جُنّة). ومنه قراءة ابن عباس ﵁ (شهد الله إنه) بالكسر وقال الفراء (وتمّتْ كلمةُ ربّك لأمْلأنَّ جهنَّم): صار قوله "وتمّت كلمة ربّك" يمينا كما تقول حلفي لأضربنّك، وبدالي لأضربنّك. وما هو بتأويل بلغني، وقيل لي، وانتهى إليّ، فاللام يصلح فيه. قلت: من القسم غير الصريح نشدتك وعمّرتك، فللناطق بهما أن يقصد القسم وألا يقصده، فليس بمجرد النطق يدل على كونه قسما، لكن يعلم كونه قسما بإيلائه "الله" نحو نشدتك الله أو بالله، وعمّرتك الله، ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني، وعمّرتك الله لا تُطع هواك. ومنه قول الشاعر: عَمّرتكِ اللهَ إلّا ما ذكرتِ لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سَلَمِ

стр. 1013

ومعنى قول القائل: نشدتك الله: سألتك مذكّرًا اللهَ، ومعنى عمّرتك الله سألت الله تعميرَك، ثم ضُمّنا معنى القسم الطلبي. واستعملوا عَمْرك الله بدلا من اللفظ بعمرتك ومنه قول الشاعر: عَمْركِ اللهَ ياسُعادُ عِديني ... بعضَ ما أبتغي ولا تُؤْيسيني ومثله: ياعَمْركِ اللهَ إلّا قلت صادقةً ... أصادِقا وصَفَ المجنونُ أم كُذبا وكان الأصل أن يقال تعميرك الله، لكن خففوا بحذف الزوائد، وروى بعض الثقات عن أعرابي عمرك اللهُ، برفع "الله" قال أبو عليّ: والمراد عمرك الله تعميرا فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل. وقال الأخفشُ في كتاب "الأوسط" أصله أسألك بتعميرك الله وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب ما كان مجرورا بها. وأما قعدك الله وقعيدك الله فقيل هما مصدران بمعنى المراقبة كالحِسّ والحسيس، وانتصابهما بتقدير أقسم أي أقسم بمراقبتك الله. وقيل قِعْد وقعيد بمعنى الرقيب الحفيظ من قوله تعالى (عن اليمين وعن الشمالِ قعيدٌ) أي رقيب حفيظ. ونظيرهما خِلّ وخَليل، وندّ ونديد، وإذا كان بمعنى الرقيب والحفيظ فالمعني بهما الله تعالى ونصبهما بتقدير أقسم معدّى بالباء ثم حذف الفعل والباء وانتصبا وأبدل منهما الله. ومن شواهد النصب بعد "قِعْد" قول الشاعر: قِعْدَكِ اللهَ هل علمتِ بأنّي ... في هواكِ اسْتطبتُ كلَّ مُعَنِّي

стр. 1014

ومن شواهد نصب ما بعد "قعيد" قول قيس العامريّ: قَعيدكِ ربَّ الناسِ يا أمَّ مالكٍ ... ألم تعلمِينا نِعمَ مأوى المعصّبِ ومثله قول الفرزدق: قعيدكما اللهَ الذي أنتما له ... ألم تَسْمعا بالبَيْضَتَيْن المُناديا ويستعمل أيضا في الطلب عزمت وأقسمت، ولذلك قلت: كنشدت، تنبيها على أن لنشدت من الأفعال أخوات سوى عمرت. ونبهت بقولي "كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر وما بمعناه" على أن لفظ أقسم وأحلف وشبههما قد ينوب عنه لفظ قسم ويمين وأليّة وقضاء وحقّ وغير ذلك. فمن ذلك قول الشاعر: قسمًا لأصْطبرنْ على ما سُمْتِني ... ما لم تسومي هِجرةً وصدودا ومنه: يمينا لَنعم السَّيّدان وجدتما ... على كل حالٍ من سَحيل ومُبْرَمِ ومنه: أليّةً ليحيقنَّ بالمُسيء إذا ... ما حُوسب الناسُ طُرًّا سوءُ ما عملا ومن نيابة القضاء ما حكى ثعلب من أن العرب تنصب قضاء الله وتجعله قسما وأنشد أبو علي في نيابة اليقين: ويقينًا لأشربنَّ بماء ... ورَدُوهُ فعاجِلًا [وتئيّه]

стр. 1015

ومن نيابة الحق قوله تعالى (فالحقُّ والحقَّ أقولُ * لأملأنَّ)، ولا يستعمل في القسم الطلبي من حروف الجر إلا الباء معلقة بظاهر، كنشدتك بالله وافقْ، أو مقدّر نحو: بالله لا تخالف. ويعدّى في غير الطلب فعل القسم محذوفا وثابتا نحو: (فبعزّتك لأُغوينهم أجمعين) و (ويحلفون بالله إنّهم لمنكم) ويجب حذفه مع الواو والتاء ومن واللام نحو (واللهِ ربّنا ما كُنّا مُشْركين) و (تاللهِ لقدْ آثرك الله علينا). ومن ربّي إنك لأشِر، ولله لا يؤخر الأجل. وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي: لله يبقى على الأيّامِ ذو حيَد ... بمشمخرٍّ به الظّيّانُ والآسُ وقد تبيّن في باب حروف الجر اختصاص كل واحد من هذه الأحرف الأربعة بما خُصّ به. وإذا حذف فعل القسم والباء نصب المقسم به، وإن كان المقسم به عند حذفها "الله" جاز جرّه مع تقوية همزة مفتوحة تليها ألف نحو: آللهِ لأفعلنّ، أو "ها" ساقط الألف نحو: هالله لأفعلن، أو ثابتها: ها الله لأفعلن. وروى أيضا ها الله وهأ الله بحذف ألفها استغناء عنها بقطع الهمزة والوصل وبالجمع بينهما وذكر أيضا أللهِ لأفعلنّ، فجعل القطع عوضا مكتفى به. وحكى الأخفش في معانيه أن من العرب من جرّ اسم الله مقسما به دون جار موجود ولا عوض، وذكر غيره من

стр. 1016

الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا اللهِ لآتينك، يريد كلا والله. وزعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها – المجرور منها محذوف الواو -. وترفع وتخفض ولا يجوز النصب إلا في (يقيني) وكعبة الله وقضاء الله وأنشد: لاكعبة اللهِ ما هجرتُكم ... إلّا وفي النَّفْس منكمُ أرَب ومن أجل هذا ... قلت بعد "ويجوز جر الله دون عوض": ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيين. ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جاره بلا عوض ولم ينو المحذوف جاز نصبه كائنا ما كان. فمن ذلك قول الشاعر: إذا ما الخبزُ تأدِمُه بلَحْم ... فذاكَ أمانةَ اللهِ الثَّريدُ ومثله: فقلتُ يمينَ الله أبْرحُ قاعِدا ... ولو قطّعوا رأسي لديكِ وأوْصالي ومذهب الأخفش أن الجر في ها الله ونحوه: بالعوض من الحرف المحذوف لا بالحرف، ذكر ذلك في كتابه "الأوسط" ووافق الأخفشَ في هذا جماعةٌ، وانتُصر لهذا بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء، والتاء من الواو، ولا خلاف في كون الجر بعد الواو والتاء بهما، فكذا ينبغي أن يكون الجرّ في آ، وها بهما لا بالمعوّض عنه. والأصح كون الجر بالحرف المحذوف، وإن كان لا يلفظ، كما كان النصب بعد الفاء والواو

стр. 1017

وحتى وكي الجارة ولام الجحود بأنْ المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف. ومن الجر بعد "ها" قول أبي بكر ﵁: "لاها الله إذن لا تعمد إلى أسد من أسْد الله" الحديث. ص: فإن ابتدئ في الاسمية بمتعين للقسم حذف الخبر وجوبا، وإلا فجوازا والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدّر، وإن كان "عمْرا" جاز أيضا ضم عينه ودخول الباء عليه، ويلزم الإضافة مطلقا. وإن كان ايمن الموصول الهمزة لزم الإضافة إلى الله غالبا، وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي. وقد يقال فيه مضافا إلى الله ايمِن وايمَن وايمُن. وأيْمُ وإيم وإمُ ومُنُ مثلث الحرفين. و"م" مثلثا. وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها مِن، خلافا لمن زعم ذلك، ولا أيمن المذكور جمع يمين خلافا للكوفيين. وقد يخبر عن اسم الله مقسما به بلك وعليّ. وقد يبتدأ بالنذر قسما. ش: المبتدأ المتعين للقسم نحو لعمر الله ولايمن الله، فإنهما لا يستعملان مقرونين باللام إلّا مقسما بهما مرفوعين، فالتزم حذف خبرهما لكونه مفهوم المعنى مع سدّ الجواب مسدّه. ونبّهت بإضافة "نحو" إليهما على أمرين: [أحدهما أنهما] قد يضافان إلى غيرما أضيفا إليه إلا نحو لعمرك ولعمري ولايمن الكعبة وليمنك. والآخر أنه قد يقترن غيرهما بما يعينه للقسم فلا يكون حذف خبره واجبا، كقول من توجهت عليه يمين لازمة: لعهد الله لقد كان كذا فيتعيّن كون المبتدأ مقسما به لا من قبل نفسه، ولذا جاز إثبات خبره وحذفه، كقولك حالفا: عليّ عهد الله أو يمين

стр. 1018

الله فلك أن تجيء به هكذا، ولك ألّا تلفظ بعليّ ولا بيلزمني لأن ذكر الجواب يدل السامع على أنك مقسم. وقد كان قبل ذكرك مجوزا أنك غير مقسم ومجوزا أنك مقسم، ولم يمتنع حذف الخبر لكنه مفهوم المعنى بعد ذكر الجواب، فلو لم يقترن لعمر باللام لجاز نصبه كقول ابن شهاب الهذلي: فإنك عَمْرَ الله إنْ تسأليهم ... بأحْسابنا إذَنْ تُحلُّ الكبائر يُنبّوك أنا نفرجُ الهمّ كله ... بحقٍّ وأنا في الحروب مَساعِرُ فلهذا قلت: "والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر". ثم نبهت على أن العين من لعمر الله ونحوه عند عدم اللام يجوز فيها الفتح والضم. وكان ينبغي أن يجوزا مع وجود اللام، لكن خُص لكثرة الاستعمال في مصاحبة اللام بالفتح، لأنه أخفّ اللغتين. ومن دخول الباء عليه عند عدم اللام قول الشاعر: رُقيَّ بعَمْركم لا تَهْجُرينا ... ومنّينا المُنى ثم امْطُلينا ومثله: أأقامَ أمسِ خليطُنا أم سارا ... سائلْ بعَمْركَ أيَّ ذاكَ اختارا وقولي تلزم الإضافة مطلقا، أي إلى الظاهر والمضمر، ومع وجود اللام وعدمها. واحترزت بقولي "وإن كان ايمن الموصول الهمزة" من أيمن بقطع الهمزة فإنه جمع يمين بلا خلاف. وحكمه إذا أقسم به حكم واحده. وأما الموصول الهمزة فيلزم الإضافة إلى الله أو إلى الكعبة أو إلى ضمير المخاطب أو إلى الذي، لكن إضافته إلى غير الله قليلة، وإضافته إلى ضمير المخاطب وإلى الذي أقلّ من إضافته إلى الكعبة. ومن إضافته إلى ضمير المخاطب قول عروة بن الزبير رضي

стр. 1019

الله عنهما: "لايْمُنُكَ لئِن ابْتَلَيْتَ لقد عافَيْتَ" ومن إضافته إلى "الذي" قول النبي ﷺ : "وايم الذي نفسي بيده". وفيه حين يليه "الله" اثنتا عشرة لغة: ثلاث مع ثبوت الهمزة وثلاث مع حذف النون دون الهمزة، وثلاث مع حذف الهمزة والياء وثبوت النون، وثلاث مع الاقتصار على الميم فقال: ايْمُنُ الله وأيمَنُ الله وايمن الله، وأيمُ الله وإيمُ الله وإمُ الله، ومُنُ الله ومَنَ الله ومِن الله، ومُ الله ومَ الله ومِ الله. وزعم بعضهم أن الميم المفردة بدل من واو والله كالتاء وليس بصحيح، لأنها لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء، ولأن التاء إذا أبدلت من الواو في القسم فلها نظائر في غير القسم مطردة، كاتّصل واتّصف، وغير مطّردة كتراث وتجاه، وليس لإبدال الميم من الواو إلا موضع شاذ وهو فم، وفيه مع شذوذه خلاف. وزعم الزمخشري أنها من المستعملة مع ربّي، فحذفت نونها وليس بصحيح أيضا، لأنها لو كانت إياها لاستعملت في النقص مع ما استعملت في التمام على الأشهر، كما لم يستعمل أيمن في النقص إلا مع ما استعمل في التمام على الأشهر. واحترزت بالأشهر من رواية الأخفش عن بعض العرب: من الله ومن ايمن الكعبة وأيمنك وأيمن الذي نفسي بيده. وقال الزمخشري في م الله: ومن الناس من زعم أنها من أيمن. قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك، وهو سيبويه – ﵀ – فإنه قال في عدة ما يكون عليه الكلم: "واعلم أن بعض العرب يقول مُ الله لأفعلنّ، يريد: إيمُ الله لأفعلنّ". وفي عدم معرفة الزمخشري أن صاحب هذا القول سيبويه دليل على أنه لم يعرف من كتابه إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء، فما أوفر تبجحه وأيسر ترجّحه، عفا الله عنا وعنه.

стр. 1020

وزعم الكوفيون أن المذكور جمع يمين ورأيهم في هذا ضعيف، يدل على ضعفه ثلاثة أمور: أحدها أن همزة الجمع همزة قطع، وهمزة هذا الاسم همزة وصل، لسقوطها مع اللام في "ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت" وفي قول الشاعر: فقال فريقُ القومِ لمّا نَشَدتُهم ... نعم وفريقٌ ليمنُ اللهِ ما ندري وليس هذا بضرورة، لتمكن الشاعر من إقامة الوزن بتحريك التنوين والاستغناء عن اللام. الثاني أن من العرب من يكسر الهمزة في الابتداء وهمزة الجمع لا تكسر. الثالث أن من العرب من يفتح الميم فيكون على وزن أفعَل، ولا يوجد ذلك في الجموع. ومن الإخبار بلَك عن اسم الله مقسما به قول الشاعر: لكَ اللهُ لا أُلفى لعهدكَ ناسيا ... فلاتكُ إلّا مثلَ ما أنا كائنُ ومثله: لقد حَبَبَتْكَ العَيْنُ أولَ نظرة ... وأُعطيتَ منّي يابْنَ عَمَّ قبولا أميرا على ما شئت مني مسلَّطا ... فسَلْ، فلك الرحمنُ، تمنعُ سولا ومن الإخبار عنه بعليّ قول الشاعر: نهى الشيبُ قلبي عن صِبًا وصبابة ... ألا فَعليّ الله أوجَد صابيا ومثال جعل النذر قسما مرفوعا بالابتداء قول الشاعر: عليّ إلى البيت المحرّم حجَةٌ ... أوافي بها نذْرا ولم أنتعل نعلا لقد منحت ليلى المودة غيرنا ... وإنَّ لها منا المودة والبذلا
следующие страницы →