← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

حافر فرس الرسول، بقولي: وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى رابع عن الثاني والثالث. ثم أشرت إلى حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا، وأنه مقيس وغير مقيس، فأما المقيس فما حذف منه مضاف مذكور قبله مثله لفظا ومعنى، بشرط كون المحذوف بعد عاطف منفصل بلا، أو غير منفصل، كقولهم: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة. وما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، وكقوله: أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرَأ ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا وكقوله: ولم أرَ الخيرِ يتركُه الفتى ... ولا الشرِّ يأتيه الفتى وهو طائع وكقوله: لوَ انّ طبيبَ الإنسِ والجن داويا الـ ... ـلذي بِيَ من عَفْراءَ ما شَفياني وكقوله: لو أنّ عُصْم عَمايَتَيْن ويَذْبُل ... سمعا حديثَك أنزلا الأوْعالا وكقوله: ألم يَحْزُنْكِ أن جبالَ قَيْسٍ ... وتغْلبَ قد تباينتا انقطاعا

стр. 1087

والأصل: ما كل سوداء ولا كل بيضاء، ولا مثل أبيك ومثل أخيك يقولان، وأكل امرئ تحسبين امرأ وكل نار، ولم أر مثل الخير ولا مثل الشر، ولو أن طبيب الإنس وطبيب الجن، ولو أن عصم عمايتين وعصم يذبل، وأن جبال قيس وجبال تغلب. وظن بعضهم أن الحذف في هذا النوع مشروط بتقدم نفي أو استفهام، وليس ذلك شرطا، بل يجوز مع عدمهما، كقول الشاعر: لغير مغتبط مُغْزى بطوع هوى ... ونادم مولع بالحزم والرشد ومثله: كُلُّ مُثْرٍ في رَهْطه ظاهرُ العزْ ... ـز وذي غُربة وفقر مَهينُ وأما غير المقيس فما خالف المقيس بخلوه مما قيدته به، كقراءة ابن جماز (تريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرة) بالجر على تقدير: والله يريد عرض الآخرة. وكقول بعض العرب: رأيت التيمي تيم فلان، على تقدير: أحد تيم فلان، حكاه الفارسي. وكقول الشاعر: رَحِمَ اللهُ أعْظما دفنوها ... بسِجِسْتان طلحةِ الطَّلَحات على تقدير: أعظم طلحة الطلحات. وكقول الآخر: الآكلُ المالَ اليتيم بَطَرا ... يأكلُ نارا وسيصلى سَقَرا على تقدير: الآكل المالَ مالَ اليتيم، ومثله:

стр. 1088

المالُ ذي كَرم تُنْمي محامده ... ما دام يبذله في السر والعلن على تقدير: المال مال ذي كرم، فحذف البدل ونوى لفظه، فبقى عمله. وعلى هذا يوجه على الأجود ما في حديث الدجال من قول بعض الصحابة ﵃: يارسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعين يوما" أي لبث أربعين يوما. ومثله: "خير الخيل الأدهم الأرثم المحجل ثلاثٍ" أي المحجل تحجيل ثلاث، فحذف البدل وأبقى عمله، كما فعل في البيتين المتقدمين. وقد يكون على حذف "في" قبل ثلاث، والأول أجود لتقدم مثل المحذوف. وفي صحيح البخاري: فلما قدم جاءه بالألف دينار، فحذف البدل وأبقى عمله. وهذا في البدل نظير ما جاء في العطف من: ونار تَوَقَّدُ، وأمثاله. وبهذا يوجه ما رواه الكوفيون من قول العرب: الخمسة الأثواب، أي: الخمسة خمسة الأثواب، فحذفوا البدل وأبقوا عمله، وعلى هذه الشواهد وأمثالها نبهت بقولي: وربما جر المضاف المحذوف دون عطف، ومع عاطف مفصول بغير "لا". فصل: ص: يجوز في الشعر فصل المضاف بالظرف والجار والمجرور بقوة إن تعلقا به، وإلا فبضعف. ومثله في الضعف الفصل بمفعول متعلق بغير المضاف، وبفاعل مطلقا، وبنداء، ونعت، وبفعل ملغى. وإن كان المضاف مصدرا جاز أن يضاف نظما ونثرا إلى فاعله مفصولا بمفعوله، وربما فصل في اختيار اسم الفاعل المضاف إلى المفعول بمفعول آخر، أو جار ومجرور.

стр. 1089

ش: من أمثله فصل المضاف بالظرف قول الشاعر: فَرِشْني بخير لا أكونَنْ ومِدْحتي ... كناحتِ يوما صخرةٍ بعَسيل ومن أمثله فصله بالجار والمجرور قول الآخر: لأنت مُعْتاد في الهيجا مُصابرةٍ ... يَصْلى بها كلُّ من عاداك نيرانا فتقدير الأول: كناحت صخرة يوما، وتقدير الثاني: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا. فهذا النوع من أحسن الفصل، لأنه فصل بمعمول المضاف، فكان فيه قوة، وهو جدير بأن يجوز في الاختيار ولا يختص بالاضطرار، وبذلك أقيس على وروده في حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل أنتم تاركولي صاحبي" أراد: هل أنتم تاركو صاحبي لي، ففصل بالجار والمجرور، لأنه متعلق بالمضاف، وهو أفصح الناس، فدل ذلك على ضعف قول من خصه بالضرورة. وفي كلام بعض من يوثق بعربيته: ترك يوما نفسك وهواها، سعى لها في رداها. ففصل في الاختيار بالظرف، فعلم أن مثله لا حجر على المتكلم به ناظما وناثرا. وإنما يحجر على من فصل بمالا يتعلق بالمضاف، كقول الشاعر: كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوما ... يهوديِّ يقاربُ أو يُزيل ففصل بين "كف" و"يهودي" بيوما، وهو متعلق بخط، فمثل هذا ضعيف حقيق بألا يجوز إلا في ضرورة، لما فيه من الفصل بأجنبي. ومثله في الضعف والاختصاص بالضرورة الفصل بمفعول به متعلق بغير المضاف،

стр. 1090

كقول جرير: تسقى امتياحا نَدى المسواكَ ريقتِها ... كما تَضَمَّن ماءَ المُزْنة الرَّصَفُ أراد: تسقى ندى ريقتها المسواك. ومثله في الضعف الفصل بالفاعل مطلقا أي سواء في ذلك ما تعلق بالمضاف، وما تعلق بغير المضاف. فالمتعلق به كقول الشاعر: ترى أسْهُما للموت تُصمي ولا تُنْمِي ... ولا تَرْعوي عن نقضِ أهواؤنا العزمِ أراد: ولا ترعوي عن أن ينقض أهواؤنا العزم، ففصل بأهوائنا – وهو فاعل النقض – بينه وبين المفعول المضاف إليه وهو العزم. والمتعلق بغيره كقول الشاعر: أنْجَبَ أيامَ والداه به ... إذ نَجَلاه فنعم ما نَجَلا أراد: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه. ففصل بين "أيام" و"إذ" بفاعل أنجب، ولا عمل لأيام فيه، كما كان النقض في الأهواء. ومن الفصل بفاعل مرتفع بالمضاف قول الراجز: ما إنْ عَرَفنا للهوى من طبِّ ... ولا جَهِلْنا قَهْرَ وَجْدٌ صَبِّ وزعم السيرافي أن قول الشاعر: تَمُر على ما تستمر وقد شفت ... غلائلَ عبدُ القيس منها صدورِها

стр. 1091

قد فصل فيه "عبد القيس" – وهو فاعل شفت – بين غلائل وصدورها، وهو مضاف ومضاف إليه، والذي قاله غير متعين، لإمكان جعل غلائل غير مضاف، وجعله ساقط التنوين لمنعه الصرف، وانجرار صدورها على أنه بدل من الضمير في قوله: منها، وهذا التوجيه راجح على ما ذهب إليه السيرافي لكثرة نظائره، وعدم أمن الاستشهاد بما يرد في الضرورة وعلى سبيل الندور، ومثله في الضعف والندور الفصل بالنداء، كقول الشاعر: وِفاقُ كعبُ بُجَيْرٍ مُنْقِذٌ لك من ... تعجيلِ تَهْلُكة والخُلدِ في سَقَرا أراد: وفاقُ بجير ياكعب، والمراد: بُجَيْر وكعب ابنا زهير رضي الله عن بجير، ورحم كعبا. وكقول الراجز: كأنَّ بِرْذَون أبا عصام ... زيدٍ حمارٌ دُقَّ باللِّجام أراد: كأن برذون زيد، ومثله قول الفرزدق: إذا ما أبا حفص أتتْك رأيتها ... على شعراءِ الناس يعلو قصيدُها أراد: إذا ما أتتك يا أبا حفص. ومثله في الضعف الفصل بالنعت، كقول الشاعر يخاطب معاوية ﵀: نجوتَ وقد بَلّ المُرادِيُّ سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالبِ أراد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، ومثله قول الفرزدق: ولئن حلفت على يديك لأحلفن ... بيمين أصدق من يمينك مُقسِم أراد: بيمين مقسم أصدق من يمينك، ففصل بأصدق – وهو نعت يمين – بين

стр. 1092

"يمين" و "مقسم"، كما فصل بين "أبي" و"طالب" بشيخ الأباطح. ومثله قول سويد بن الصامت يخاطب قومه: أدينُ وما ديني عليكم بمَغْرمٍ ... ولكن على الشُّمِّ الجلاد القرواح على كلِّ خوّار كأن عماده ... طُلين بقارٍ أو بحَمْأةِ مائح لها حامل أرعى برية كلما ... تناول كفاه اليسار الجوانحِ أراد: أرعى الجوانح، ففصل بنعت وهو جملة، لأنها في حكم نعت مفرد. ومثال الفصل بفعل ملغى ما أنشد ابن السكيت من قول الشاعر: ألا يا صاحبي قفا المَهارى ... نُسائلُ عن بثينة أين سارا بأي تراهم الأرضين حَلُّوا ... أألدبران أم عسفوا الكِفارا أراد: بأي الأرضين تراهم حلوا، ففصل بتراهم – وهو فعل ملغى – بين أي والأرضين، وهما مضاف ومضاف إليه، وهذا من الغرابة مثل الفصل بنعت هو جملة، وقد تقدم ذكره. وتقدم أيضا أن الفصل بمعمول المضاف إذا لم يكن مرفوعا جدير بأن يكون جائزا في الاختيار، ولا يختص بالاضطرار، واستدللت على ذلك بقوله ﷺ : "هل أنتم تاركولي صاحبي" وبقول بعض العرب: ترك يوما نفسك وهواها، سعى لها في رداها. وأقوى الأدلة على ذلك قراءة ابن عامر

стр. 1093

رضي الله عنه: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم) لأنه ثابته التواتر، ومعزوة إلى موثوق بعربيته، قبل العلم بأ، هـ من كبار التابعين، ومن الذين يقتدى بهم في الفصاحة، كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يعلم عنهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن، ويكفيه شاهدا على ما وصفته به، أن أحد شيوخه الذين عوّل عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان ﵁، وتجويز ما قرأ به في قياس النحو قوي، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل يدخله بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به. الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف. الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل المضاف إليه، مقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه، لاقتضى القياس استعماله، لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرا، فاستحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية، فحكم بجوازه. وأيضا فقد فصل بقول النبي ﷺ مثل: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" بالجار والمجرور، والمضاف فيه اسم فاعل، مع أنه مفصول بما فيه من الضمير المنوي، ففصل المصدر بخلوه من الضمير أحق بالجواز، ولذلك قلت نظائر: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" وكثرت نظائر: (قتلُ أولادَهم شركائهم)، فمنها قول الطرماح: يَطُفْن بحُوزيِّ المراتع لم تُرَع ... بواديه من قَرْعِ القِسَّى الكنائِنِ ومنها:

стр. 1094

عَتَوْا إذْ أجبناهم إلى السلم رأفةً ... فسُقْناهم سوقَ البغاثَ الأجادل ومن يُلغ أعقاب الأمور فإنه ... جديرٌ بهُلكٍ آجلٍ أو مُعاجِلِ ومنها: يَفْرُكْن حبَّ السُّنْبل الكُنافج ... في القاع فَرْك القطنْ المحالجِ وأنشد أبو عبيدة: وحَلَقِ الماذيِّ والقوانسِ ... فداسهم دوسَ الحصادَ الدائسِ وأنشد الأخفش: فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّة ... زجَّ القَلُوصَ أبي مزادة وأنشد ثعلب بجر "مطر" من قول الشاعر: لَئِنْ كان النكاحُ أحلَّ شيءٍ ... فإنَّ نكاحَها مطرٍ حرامُ ومما يرد على: "أنتم تاركو لي صاحبي" قراءة بعض السلف ﵁: (فلا تَحْسَبنَّ الله مُخْلِفَ وعدَه رسلِه) ففصل فيه اسم الفاعل المضاف إلى مفعول بمفعول آخر. فصل: ص: الأصحُّ بقاءُ إعراب المعرب إذا أضيف إلى ياء المتكلم ظاهرا، في المثنى مطلقا، وفي المجموع على حده غير مرفوع، وفيما سواهما

стр. 1095

مجرورا، ومقدرا فيما سوى ذلك. ويكسر متلوُّها إن لم يكن حرف لين يلي حركة، وتفتح الياء أو تسكن. وإن نُودِي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها، وقلبها ألفا، والاستغناء عنها بالفتحة، وربما وردت الثلاثة دون نداء، وقد يضم فيه ما قبل الياء المحذوفة وتُنْوى الإضافة، وتفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة، ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا، وإن كان ألفا لغير تثنية جاز في لغة هذيل القلب والإدغام، وربما كسرت مُدْغما فيها، أو بعد ألف، ويجوز في أبي وأخي أبيّ وأخيّ، وفاقا لأبي العباس، وحذف ميم الفم مضافا أكثر من ثبوته، وفيّ حذف الميم واجب. ش: من المضاف إلى ياء المتكلم ما كان مبنيا قبل الإضافة كلدن وأحد عشر، وما كان معربا قبلها وهو الكثير، فما كان مبينا لا يزال مبنيا، وما كان معربا يعرض له تقدير الإعراب بعد أن كان ظاهرا، ما لم يكن مثنى فيظهر إعرابه في الأحوال الثلاثة، وكذا المجموع على حد التثنية في حال الجر والنصب، وأما في حال الرفع فيقدر إعرابه، كقول الشاعر: أوْدى بَنِيّ وأوْدَعوني حسرةً ... عند الرُّقاد وعبرةً لا تُقْلع وزعم الجرجاني، ووافقه ابن الخشاب والمطرزي، وهو الظاهر من قول الزمخشري، أن المضاف إلى ياء المتكلم مبني، وفي كلام ابن السراج احتمال، وسأبين مراده إن شاء الله. والصحيح أن المكسور الآخر للإضافة إلى الياء معرب تقديرا في الرفع والنصب، لأن حرف الإعراب منه في الحالين قد شغل بالكسرة المجلوبة ترعية للياء، فتعذر اللفظ بغيرها، فحكم بالتقدير كما فعل في المقصور. وأما حال الجر فالإعراب ظاهر للاستغناء عن التقدير، هذا عندي هو الصحيح، ومن قدر كسرة أخرى فقد ارتكب تكلفا لا مزيد عليه، ولا حاجة إليه، ولم أوافق الجرجاني في بناء المضاف إلى الياء، وإن كان في تقدير إعرابه تكلف يخالف

стр. 1096

الظاهر، لأن لبناء الأسماء أسبابا كلها منتفية منه، فيلزم من الحكم ببنائه مخالفة النظائر، فلذلك أتبعته ردا، ولم أر من خلافه بدا. فإن زعم أن سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن، رد ذلك بثلاثة أمور: أحدها: استلزامه بناء المضاف إلى سائر المضمرات، بل إلى كل الأسماء التي لا تمكن لها، وذلك باطل، وما استلزم باطلا فهو باطل. الثاني: أن ذلك يسلتزم بناء المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، وبناؤه باطل، وما يستلزم باطلا فهو باطل. الثالث: أن المضاف إلى غير متمكن لا يبنى لمجرد إضافته، بل للإضافة مع كونه قبلها مناسبا للحرف في الإبهام والجمود كغير، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يشترط ذلك في كسر آخره، فدل ذلك على أنه غير مستحق للبناء. وقد ينتصر للجرجاني بأن يقال: لا أسلم انحصار ما يوجب بناء الأسماء في مناسبة الحرف، يضاف إليها كون آخر الكلمة لا يتأتى فيه تأثر بعامل في تصغير وتكبير وتكسير وتأنيث وتذكير، فلزم من ذلك بناء المضاف المذكور، وثبوت الفرق بينه وبين المقصور، فإن إعرابه يظهر في تصغيره كفتيّ، وفي تكسيره كفتية، وفي تأنيثه كفتاة، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يظهر إعرابه في الأحوال الخمسة، فمن ادعى فيه إعرابا مقدرا فقد ادعى مالا دليل عليه، بخلاف المقصور فإن ظهور إعرابه في الأحوال الثلاثة يدل على صحة ما ذهب إليه. وقد ينتصر له أيضا بأن يقال: لا أسلم خلو المضاف إلى ياء المتكلم من مناسبة الحرف، لأنه شبيه "بالذي" في أن آخره ياء كياء "الذي" في كونها بعد كسرة لازمة، وصالحة للحذف، وغير حرف إعراب، وفي أنه يتغير في التثنية تغيرا متيقنا، وفي الجمع تغيرا محتملا، والذي مناسب للحرف، ومناسب المناسب مناسب، فاستحقاق بناء المضاف إلى الياء بمناسبة الذي، شبيه باستحقاق بناء رَقاشِ بمناسبة نزالِ. وهذا التوجيه والذي قبله من المعاني التي انفردت بالعثور عليها، دون سبق إليها. وقولي: "ويكسر متلوها" أي متلو الياء، كقولك في: قلم: قلمِي، وتجرى

стр. 1097

هذه الكسرة مجرى كسرة الإعراب في أنها تظهر في الحرف الصحيح، كظهورها في ميم قلم، وفي حرف العلة الجاري مجرى الصحيح كظبيي وصبيي ودلوي وفُلُوِّي، وتقدر في الحرف المعتل الذي لا يجرى مجرى الصحيح ويتبعها ما قبلها، كما يتبع ما قبل كسرة الإعراب، فيقال: هذا ابنمي، بكسر النون، كما تقول في الجر: مررت بابنم. ومن أتبع في الفم فقال: نظرت إلى فمه، قال هنا: نظر إلى فمي. وتقول فيما في آخره حرف علة بعد حركة: هذا داعِيّ ومولاي، ويابني ويابني، ورأيت مصطفى، وجاء بنيّ ومصطفى، والأصل: جاء بنوي ومصطفوي، ففعل بهما من القلب والإدغام، وفي تحويل بنوي إلى بني زيادة تبديل ضمة النون كسرة، فأشبه شيء به مرميّ، في أن أصله: مرمُوي، فأبدلت الضمة كسرة، والواو ياء وأدغمت، وكذا فعل ببنُوي حين قيل: بني. ومن قال غير ما بُيِّن، فأجرى المنقوص مجرى الصحيح في ظهور كسرة الإعراب، لا يقول بها ماضِيي، لأن كسرة الإعراب عارضة متعرضة لأن تخلفها الفتحة والضمة، وهذه الكسرة لازمة لا يخلفها مع الإضافة إلى الياء غيرها، فكانت أثقل، ولذلك لم تظهر في اختيار ولا اضطرارا، بخلاف كسرة ماض ونحوه. وقد دخل في حرف اللين الذي بعد حركة علامة التثنية نحو: جاء غلاماي، وعلامة الجمع نحو: جاء مكرمي، ومصطفى. ثم قلت: "وتفتح الياء أو تسكن" فعلم من الإطلاق جواز الأمرين في نداء غيره. ثم قلت: وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها، وقلبها ألفا، والاستغناء عنها بالفتحة" فعلم بهذا أن في الياء التي يضاف إليها غير المنادى وجهين مشهورين، وفي التي يضاف إليها المنادى خمسة أوجه. يقال في غير النداء: جاء غلامِي وغلامي. ويقال في النداء: يا غلامِي، ويا غلامَي، ويا غلامِ، ويا غلاما، ويا غلامَ بحذف الألف مع خفتها، لأنها بدل من الياء، فجرت مجراها في

стр. 1098

الاستغناء عنها بحركة. ثم قلت: "وربما وردت الثلاثة في غير نداء" فأشرت إلى نحو قوله تعالى: (فبشِّرْ عبادِ الذين يستمعون القول) بحذف الياء خطا ووقفا. وإلى نحو قول الشاعر: أُطَوِّفُ ما أطوف ثم آوِي ... إلى أُمَّا ويُرْويني النَّقيعُ وإلى نحو قول الآخر: ولستُ براجعٍ ما فات مني ... بلَهْفَ ولا بلَيْتَ ولا لَوَ انِّي أراد: بقول: لهفا، والأصل: لهفى، فأبدل الياء ألفا دون نداء ثم حذفها واستغنى بالفتحة، كما حذفت الياء واستغنى بالكسرة. وقيدت بالإضافة بأن تكون إضافة تخصيص احترازا من نحو: يا مكرمي، وأنت تريد الحال والاستقبال، فإن إضافته إضافة تخفيف، فالياء في نية الانفصال، كما يكون "زيد" في نية الانفصال إذا قلت: يامكرم زيد الآن أو غدا. وإذا كانت في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به، فتشبه بياء قاض فتشاركها في جواز الحذف. والحاصل أنت ياء المتكلم المضاف إليها منادى هو اسم فاعل بمعنى الحال والاستقبال لا تحذف ولا تقلب ألفا، وإذا لم تقلب ألفا فلا يفتح ما قبلها، فليس لها حظ في غير الفتح والسكون. وقد يستغنى بنية إضافة المنادى إلى الياء، ويجيء وكأنه غير مضاف، كما يفعل ذلك في غير النداء، أعني كون الاسم مضافا في المعنى، مفردا في اللفظ. ومن ورود المنادى المضاف إلى الياء مكتفيا بالنية قراءة بعض القراء: (ربُّ السجن

стр. 1099

أحبُّ إليَّ) وأصله: يارب، فحذف الياء، ولذلك حسن حذف حرف النداء، لأنه لو حذف حرف النداء والإضافة غير منوية لكان مثل قولهم: افتد مخنوق، وهو قليل. بخلاف الاستغناء بنية الإضافة عن المضاف إليه، فإنه كثير، والحمل على ما كثرت نظائره أولى من الحمل على ما قلت نظائره. وأيضا لو كان غير منوي الإضافة لكان في الأصل صفة لأي، كما أن مخنوق في الأصل صفة لأي، وأسماء الله تعالى لا يوصف بها أي، فتعين كون الأصل: يارب. "وتفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة، ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا" نبهت به على أنه يقال في القاضي واثنين وابنين ومصطفين وعشرين: قاضيّ، واثنيّ، وابنيّ، وبنتيّ، ومصطفيّ، وعشريَّ، وكذا بنون وعشرون ومصطفون، لأنه يلتقي مع الياءين اللتين لم تكن إحداهما واوا. وقصدت بالحالين حال غير النداء وحال النداء، وسكت عن التالية ألفا عند ذكر الإدغام، فعلم أن حكمها التخفيف والفتح مطلقا، نحو: غلاماي وفتاي. ثم نبهت على أن هذيلا يقلبون ألف المقصور ياء ويدغمون، كقراءة الحسن: (يابُشْرَيّ هذا غلام) وكقول الشاعر: سَبَقوا هَوَيَّ وأعْنَقوا لهواهم ... فَتُخَرِّموا ولكل جنب مصرعُ وفي دعاء بعض العرب: يا سيديّ، ويا موليّ. وقولي: "وربما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف" أشرت به إلى قراءة حمزة: (وما أنتم بمصرخيِّ) بالكسر، وإلى قول بعض العرب في: عصايَ: عصايِ.

стр. 1100

وقرأ الحسن وأبو عمرو في شاذه، وهي لغة قليلة، أقل من كسر المدغم فيها، وممن روى كسر المدغم فيها أبو عمرو بن العلاء والفراء وقطرب، ومن شواهدها قول الراجز: قال لها هل لكِ ياتا فِيِّ ... قالت له ما أنت بالمَرْضيِّ ومنها قول الشاعر: لعمرٍو عليِّ نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالده ليست بذاتِ عَقارِب كذا روي بكسر الياء من علي. واللغة الجيدة أن يقال في إضافة: أب وأخ إلى الياء: أبي وأخي، كما جاء في القرآن الكريم، ويجوز عند أبي العباس: أبيّ وأخيّ، برد اللام وإدغامها في ياء المتكلم. والذي رآه مسموع في الأب مقيس في الأخ، ومن شواهد السماع قول الراجز: كأن أبيِّ كَرَما وسُودا ... يُلقى على ذي اللبد الجديدا والاستشهاد بهذا أقوى من الاستشهاد بقول الآخر: قَدَر أحَلّك ذا المجاز وقد أرى ... وأبيّ مالك ذو المجاز بدار لاحتمال أن يريد قائل هذا الجمع، والذي قبله يتعين فيه الإفراد، بيلقى، إذ لو قصد الجمع لقال: يلقون. ولم أجد شاهدا على أخيّ، لكن أجيزه قياسا على أبيّ كما فعل أبو العباس. وأيضا إذا أضيف الفم إلى ظاهر أو ضمير جاز أن يضاف بالميم ثابتة، فيقال: كلمته من فمي إلى فمه، وجاز أن يضاف عاريا من الميم، فيقال: كلمته من فيّ

стр. 1101

إلى فيه، والأصل: فيي بياءين، الأولى عين الكلمة، والثانية ياء المتكلم، فأدغمت الأولى في الثانية، ولا يجوز التخفيف كما جاز مع الأب والأخ، لأن الأب والأخ إذا وليتهما الياء مخففة كانا على حرفين، أحدهما فاء الكلمة، والآخر عينها، ولو فعل ذلك بفيّ بقي على حرف واحد، مع أنه اسم متمكن، وليس في الأسماء المتمكنة ما هو على حرف واحد، فاجتنب ما يلزمه منه عدم النظير. ويجوز أن يقال: كلمته من فمي إلى فمه، وفم زيد أحسن من فم عمرو. وفي حديث رسول الله ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ولم يقل: لخلوف في الصائم، وهذا يدل على قلة علم من زعم عدم ثبوت الميم مع الإضافة، ويجوز بقلة في ضرورة شعر، كقول الشاعر: صَفَحْنا عن بني ذُهْل ... وقلنا القومُ إخوان عسى الأيامُ أن يَرْجِعْـ ... ـنَ قوما كالذي كانوا بضَرْبٍ فيه تَوْهينٌ ... وتخضيعٌ وإقْران وطَعْن كفَم الزَّقِّ ... غدا والزَّقُّ ملآنُ فلما صرّح الشَّرُّ ... فأمسى وهو عُرْيان ولم يَبْقَ سوى العُدْوا ... ن دِنَّاهم كما دانوا وعاب بعض أصحاب هذا المذهب على الحريري قوله: أدخله في فمه، وقرنه بتوأمه". ولا عيب فيه لما ذكرته، والله أعلم.

стр. 1102

باب التابع ص: "وهو ما ليس خبرا من مشارك ما قبله في إعرابه وعامله مطلقا، وهو توكيد أو نعت أو عطف بيان أو عطف نسق أو بدل. ويجوز فصله من متبوع إن لم يكن توكيد توكيد، أو نعت مبهم أو شبهه، ولا يتقدم معمول تابع على متبوع، خلافا للكوفيين. ش: المشارك ما قبله يعم نحو: حامض، من: هذا حلو حامض، وثاني المفعولين من نحو: أعطيت زيدا درهما، وظننت عمرا قائما، والحال والتمييز المنصوب ما هما له، نحو: لقيت زيدا راكبا، واشتريت رطلا عسلا. فخرج المفعول الثاني والحال بقولي: مطلقا، لأنهما - وإن وافقا التابع بمشاركة ما قبلهما في إعرابه وعامله - فقد خالفهما بزوال المشاركة في الإعراب عند تبديل العامل، نحو قولك في: ظننت زيدا كريما، ولقيت عمرا راكبا: كان زيد كريما، ومررت بعمرو راكبا. وعند تبديل الاقتضاء، نحو قولك: ظُنَّ زيد كريما، ولُقِيَ عمرو راكبا. بخلاف التابع فإن مشاركته في الإعراب لا تزول بذلك. ويخرج التمييز المشار إليه بذكر المشاركة في العامل، فإن رطلا منصوب باشتريت، وعسلا منصوب برطلا. ونحو: حامض، من قولي: هذا حلو حامض، موافق للتابع في كل ما قيد به، من مشاركة ما قبله من إعرابه وعمله مطلقا، فأخرجته بنفي الخبرية عن التابع، فخلص الحد له. ثم بينت أن التابع ينقسم إلى توكيد ونعت وعطف بيان وعطف نسق وبدل، ولكل واحد منها باب يستوفى فيه الكلام عليه. ولا يلزم اتصال التابع بالمتبوع إلا إذا كان توكيد توكيد نحو: (فسجد

стр. 1103

الملائكةُ كلُّهم أجمعون) أو صفة تشبهه نحو: (لا تتخذوا إلهين اثنين) أو صفة اسم مبهم نحو: ضرب هذا الرجل زيدا. فلو قلت: ضرب هذا زيدا الرجل، لم يجز. وكذلك ما أشبه الاسم المبهم في عدم الاستغناء عن الصفة نحو: طلعت الشِّعْرى العبور، فلو قلت: الشعرى طلعت العبور، لم يجز. فلو كان الموصوف غير مبهم ولا شبيه به جاز الفصل بينه وبين صفته، كقوله تعالى: (أفي اللهِ شكٌّ فاطر السموات والأرض) وكقوله تعالى: (أغيرَ اللهِ أتخذُ وليا فاطر السموات والأرض) وكقوله تعالى: (سبحان الله عما يصفون، عالمِ الغيب والشهادة) وكقوله تعالى: (قل بلى وربِّي لتأتينكم عالمِ الغيب) وحكى سيبويه: هذان رجلان وزيد منطلقان، ففصل بين الموصوف والصفة بالعطف، وفي قول الشاعر: ألم تر أنني لاقيت يوما ... معاشرَ فيهم رجلٌ جَمارا فقيرُ الليلِ تلقاه غنيا ... إذا ما آنس الليلُ النهارا فصلان: فصل بين معاشر وصفته، أعني جمارا، وبين رجل وصفته هو فقير الليل. وقد يفصل بين التوكيد والمؤكَّد، كقوله تعالى: (ولا يحْزَنَّ ويرْضَيْنَ بما آتيتَهُنّ كلُّهن) فكلهن توكيد للنون من "يرضين" و"ما آتيتهن" فصل. ومن

стр. 1104

الفصل بين التوكيد والمؤكَّد قول أبي النجم: وأقبلت والهةً تَفَجَّع ... ما رأسُ ذا إلا جبينٌ أجمعُ أراد: ما رأس ذا أجمعُ إلا جبين. وأجاز الكوفيون: هذا طعامَك رجلٌ يأكل، وزيدا قمت فضربت، فقدموا معمول يأكل على رجل وهو منعوت به، ومعمول ضربت على قمت، وهو معطوف عليه. ووافقهم الزمخشري في قوله تعالى: (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) فجعل (في أنفسهم) متعلقا بـ (بليغا)، ولا يصح ذلك على طريق البصريين، لأن حق المعمول ألا يحل إلا في موضع يحل فيه العامل، ومعلوم أن التابع لا يتقدم على المتبوع، فلا يتقدم عليه معموله، والله أعلم.

стр. 1105

باب التوكيد ص: "وهو معنوي ولفظي، فالمعنوي التابع الرافع توهم إضافة إلى المتبوع، أو أن يراد به الخصوص، ومجيئه في الغرض الأول بلفظ النفس والعين مفردين مع المفرد، مجموعين مع غيره جمع قلة، مضافين إلى ضمير المؤكد، مطابقا له في إفراده وغيره. ولا يؤكد بهما غالبا ضمير رفع متصل إلا بعد توكيده بمنفصل، ويفردان بجواز جرهما بياء زائدة، ولا يؤكد مثنى بغيرهما إلا بكلا وكلتا، وقد يؤكِّدان مالا يصح في موضعه واحد، خلافا للأخفش. ش: التوكيد المعنوي هو المعتد به في التوابع، وهو على ضربين: أحدهما: الذي قصد به رفع توهم السامع أن المتكلم حذف مضافا وأقام المضاف إليه مقامه، نحو: قتل العدوَّ زيدٌ نفسه، فبذكر النفس علم السامع أن زيدا باشر القتل وحده، ولولا ذلك لأمكن اعتقاد كونه آمرا لا مباشرا. والثاني: أن يقصد به رفع توهم السامع أن المتكلم وضع العام موضع الخاص، نحو قولك: جاء بنو فلان كلهم، لم يرد أن يخص بالمجيء بعضا دون بعض، ولولا ذلك لأمكن اعتقاد غير ذلك. والمؤكد في القصد الأول النفس أو العين أو هما معا، بإفراد مع المفرد، نحو: جاء زيد نفسه، وهند نفسها. وبجمع مع المثنى والمجموع نحو: جاء الزيدان أنفسهما، والزيدون أنفسهم، والهندان أنفسهما، والهندات أنفسهن، ولا يجمعان إلا جمع قلة، فلا يقال: جاء الزيدون نفوسهم ولا عيونهم، ولا بد من إضافتهما لفظا إلى ضمير يوافق المؤكَّد في إفراده وتذكيره وغير ذلك. وإن أكد بهما ضمير رفع متصل فالجيد أن يؤكد بهما بعد التوكيد بالضمير

стр. 1106

المنفصل، نحو: قاموا أنفسهم، وقاموا أنفسهم جائز على ضعف، ذكر ذلك الأخفش في المسائل. ويجوز جر النفس والعين بباء زائدة نحو: جاء زيد بنفسه، ورأيت عمرا بعينيه، ولا يجوز ذلك في غيرهما من ألفاظ التوكيد. إلا أنهم قالوا: جاءوا بأجمعهم، بضم الميم وفتحها، وفيه معنى التوكيد، وليس من ألفاظه، إذ لو كان من ألفاظه لجاز استعماله بلا باء، بل كان استعماله بلا باء أكثر، كما كان كذلك في النفس والعين. ويجوز أن يؤكد بهما معا، نحو: جاء زيد نفسه عينه. ولا يؤكد المثنى ولا ما في معناه بغير النفس والعين إلا بكلا في التذكير، وبكلتا في التأنيث، نحو: جاء الزيدان كلاهما، والهندان كلتاهما. ولا يؤكد بهما عند الأخفش مالا يصح أن يجعل في موضعه واحد، نحو: جلست بين الرجلين. قال الأخفش: لا يجوز حذف ضربت أحد الرجلين كليهما، فإنك إذا قلت: ضربت أحد الرجلين، فقد علم أنهما رجلان، وأن موضع الرجلين لم يصلح لواحد، لتقدم أحد، فلا يتوهم أن ذكرهما غلط. بخلاف قولك: رأيت الرجلين كليهما، فإن موضع الرجلين صالح لرجل، فيتوهم الغلط، فيفيد التوكيد. قال الأخفش: لا يمتنع عندي: ضربت أحد الرجلين كليهما، لأن فيه فائدة، وذلك أن موضع الرجلين صالح للجمع، فيمكن توهم السامع أن المتكلم قصد الجمع، فغلط بوضع المثنى موضعه، فبذكر كليهما يزول ذلك التوهم، ولا يخلو من فائدة. وأيضا فإن موضع الرجلين صالح للفرسين والبعيرين وغير ذلك، فلا يمتنع توهم السامع قصد المتكلم شيئا من ذلك، ما لم يأت بكليهما أو نعت يقوم قامه، فإذا جاء بكليهما علم اعتناؤه بما ذكر قبله، وأنه قاصد إعلام السامع بصحة العبارة.

стр. 1107

ص: ومجيؤه في الغرض الثاني تابعا لذي أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه، مضافا إلى ضميره بلفظ كل أو جميع أو عامة. وقد يستغنى بكليهما عن كلتيهما، وبكلهما عنهما، وبالإضافة إلى مثل الظاهر المؤكد بكل عن الإضافة إلى ضميره، ولا يستغنى بنية إضافته خلافا للفراء والزمخشري. ولا يثنى أجمع ولا جمعاء خلافا للكوفيين ومن وافقهم. ويتبع كلَّه أجمع، وكلها جمعاء، وكلهم أجمعون، وكلهن جمع، وقد يُغْنين عن كل، وقد يُتْبَعْن بما يوازنهن من كُتَع وبُصَع وبُتَع، بهذا الترتيب أو دونه. وقد يغني ما صيغ من كُتَع عما صِيغ من جُمَع، وربما نُصب أجمع وجمعاء حالين، وجمعاهما كهما على الأصح. وقد يرادف جمعاء مجتمعة فلا يفيد توكيدا. ش: قد تقدم أن التوكيد المعنوي يجاء به لغرضين: أحدهما: رفع توهم إضافة إلى المتبوع. والثاني رفع توهم إرادة الخاص باللفظ العام، وبينت ما يفيد الغرض الأول، فشرعت الآن في تبيين ما يفيد الغرض الثاني وهو كل وأخواته على حسب استعماله الآتي تفصيله. ولا يؤكد بها إلا معرفة متبعضة بالنسبة إلى عمل العامل، ويعتبر ذلك بجعل بعضها في موضعه، فإن صح صح التوكيد، وإن امتنع امتنع، فقولك: جاء القوم كلهم، صحيح لصحة قولك: جاء بعض القوم، وقولك: جاء زيد كله، ممتنع لامتناع قولك: جاء بعض زيد. فلو كان العامل صالح الإسناد إلى بعض زيد كنظف ونجس لم يمتنع التوكيد، فصح أن يقال: نظف زيد كله، لأنه يقال: نظف بعضه. وذكرت مع "كل" جميعا وعامة، كما فعل سيبويه، وأغفل ذلك أكثر المصنفين سهوا أو جهلا، فيقال: جاء القوم جميعهم أو عامتهم كما يقال: جاءوا كلهم، والمعنى واحد، ومن شواهد ذلك قول الشاعر:

стр. 1108

يَمُتُّ بقُرْبى الزينبين كلَيْهما ... إليك وقُربى خالد وحبيب ومثال الاستغناء بكلهما عن كليهما وكلتيهما. وبالإضافة إلى مثل الظاهر المؤكد بكل عن الإضافة إلى ضميره، نحو قول كثير: كمْ قد ذكرتُك لو أُجْزى بذكركم ... يا أشبهَ الناسِ كلِّ الناس بالقمر ومثله قول الفرزدق: أنت الجوادُ الذي تُرْجَى نوافلُه ... وأبعدُ الناسِ كلِّ الناس من عار وأقربُ الناس كلِّ الناس من كرم ... يعطى الرغائب لم يَهْمُمْ بإقتار وأجاز الفراء والزمخشري في قراءة من قرأ: (إنا كلًّا فيها) بالنصب على توكيد اسم إن، وذلك عندي غير جائز، لأن ألفاظ التوكيد على ضربين: ضرب مصرح بإضافته إلى ضمير المؤكد وهو النفس والعين وكل وجميع وعامة، وضرب منوي الإضافة إلى ضمير المؤكد وهو أجمع وأخواته، وقد أجمعنا على أن المنوي الإضافة لا يستعمل صريح الإضافة، وأجمعنا على أن غير "كل" من الصريح الإضافة لا يستعمل منوي الإضافة، فتجويز ذلك في كل يستلزم عدم النظير في الضربين، لأن غير كل إما ملازم لصريح الإضافة، وإما ملازم لمنويها فإفراد "كل" بجواز الاستعمالين مستلزم لعدم النظير، والمفضي إلى ذلك هو ما ذهب إليه الفراء والزمخشري، فوجب اجتنابه.

стр. 1109

والقول المرضي عندي أن "كلا" في القراءة المذكورة منصوب على الحال من الضمير المرفوع المنوي في "فيها" وفيها هو العامل، وقد قدمت الحال عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة: (والسموات مطوياتٍ بيمينه) وفي قول النابغة الذبياني: رَهْطُ ابن كُوزٍ مُحْقِبي أدْراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حُذار ومثله قول بعض الطائيين: دعا فأجبنا وهو بادي ذلة ... لديكم فكان النصر غير بعيد وأجاز الكوفيون وبعض أصحابنا تثنية أجمع وجمعاء، قال ابن خروف: وقياس تثنية أفعل وفعلاء في هذا الباب، يعني باب التوكيد، قياس أحمر وحمراء، ومن منع تثنيتهما فقد تكلف وادعى مالا دليل عليه. وقال الأخفش في المسائل: وزعموا أن من العرب من يجعل أجمع وأكتع وجنسه نكرة، فيقول: أجمعَيْن وجمعاوان وكتعاوين، قال: وقال الشاعر: لو كان ذا المربد خبزا أجمعا فجعل أجمع من صفة النكرة. هذا نص الأخفش في المسائل. وكله توكيد لمفرد ذي أجزاء يصح تعليق العامل ببعضها، كالجيش والبستان. وكلها توكيد لمؤنث هو كذلك كالقبيلة والدار، ويؤكد بكلها أيضا مع جمع المذكر غير العاقل نحو: قبضت الدراهم كلها، وجمع المذكر العاقل إذا كان مكسرا

стр. 1110

أو مجموعا بالألف والتاء، كما يقال في الفعل المسند إلى ضميره فعلتْ، وفي الواقع عليه فَعَلتا، كقول الراجز: إذا الرجالُ ولدتْ أولادُها ... واضطربت من كبر أعْضادها وجعلتْ أوْصابها تعتادُها ... فهي رزوع قددنا حصادها فكما جاز تأنيث ضمير الرجال مع غير كل، فكذلك يجوز مع كل، فيقال: جاء الرجال كلها، وأما كلهن في العاقلات فأولى من كلها، وكلها في غير العاقلات أولى من كلهن، إلا إن كان مرادا به أدنى العدد فكلهن أولى به من كلها، كقولك: الأجذاع انكسرن كلهن، أولى من: الأجذاع انكسرت كلها. وقولك: الجزوع انكسرت كلها، أولى من: الجزوع انكسرن كلهن. ومثال إتباع أجمع وأخواته لكله وأخواته: جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والرجال كلهم أجمعون، والنساء كلهن جمع، قال تعالى: (فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون). ومثال الاستغناء عن كل قوله تعالى: (ولَأُغْوِيَنَّهم أجمعين) (وإن جهنم لموعدهم أجمعين). ومثال المصوغات من جمع ما يوازيهن من: كتع وبصع وبتع: جاء الجيش كله أجمع أكتع أبصع أبتع، والقبيلة كلها جمعاء كتعاء بصعاء بتعاء، والرجال كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون، والنساء كلهن جمع كتع بصع بتع. وهذا الترتيب لا يلزم، بل هو أجود من عدمه، وإنما اللازم لمن ذكر الجميع أن يقدم "كلا" ويوليه المصوغ من جمع، ثم يأتي بالبواقي كيف شاء، إلا أن تقديم ما من الكتع على الباقين، وتقديم ما من البصع على ما من البتع هو المختار. ومثال الاستغناء بالمصوغ من كتع ما أنشد الأصمعي من قول الراجز:

стр. 1111

يا ليتني كنت صبيا مُرْضَعا ... تحملني الذَّلْفاء حولا أكتعا إذا بكيت قبلتني أربعا ... إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا وحكى الفراء: أعجبني القصر أجمعَ، والدار جمعاءَ بالنصب على الحال، ولم يجز في أجمعين وجمع إلا التوكيد. وأجاز ابن درستويه حالية أجمعين، وما ذهب إليه هو الصحيح، لأنه قد صح بضبط الثقات من قول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين" وممن صحح النصب في أجمعين المذكور في الحديث المذكور القاضي عياض ﵀، وقال: إنه منصوب على الحال. ويروى: "فصلوا جلوسا أجمعون" على أنه توكيد للواو من فصلوا. وجعل بعضهم أجمعين توكيدا لضمير مقدر منصوب، كأنه قال: أعنيكم أجمعين؛ وهذا القول شبيه بقول سيبويه ﵀ في: باب ما انتصب فيه الاسم لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة: مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما". هكذا قال سيبويه ﵀. وقد يستعمل جمعاء بمعنى مجتمعة فلا يقصد بها توكيد، ومنه قول النبي ﷺ : "كما تناخ الإبل من بهيمة جمعاء" أي مجتمعة الخلق. وأجاز أبو علي الشلوبين استعمال أجمع بهذا المعنى فتأول به قول الراجز: أرمي عليها وفي فرعٌ أجمعُ ... وهي ثلاث أذرع وإصبع ص: ولا يتحد توكيد معطوف ومعطوف عليه إلا إذا اتحد معنى عامليهما، وإن أفاد توكيد النكرة جاز، وفاقا للأخفش والكوفيين، ولا يحذف المؤكَّد ويقام المؤكِّد مقامه على الأصح، ولا يفصل بينهما بإمّا خلافا للفراء. وأجري في التوكيد مجرى كل ما أفاد معناه من الضرع والزرع والسهل والجبل، واليد

стр. 1112

والرجل والظهر والبطن. ولا يلي العاملَ شيءٌ من ألفاظ التوكيد وهو على حاله في التوكيد إلا جميعا وعامة مطلقا، وكل وكلا وكلتا مع الابتداء بكثرة، ومع غيره بقلة، واسم كان في نحو: كان كلنا على طاعة الرحمن، ضمير الشأن، لا كلنا. ويلزم تابعية كل بمعنى كامل وإضافته إلى مثل متبوعه مطلقا نعتا لا توكيدا. ويلزم اعتبار المعنى في خبر "كل" مضافا إلى نكرة، لا مضافا إلى معرفة. ولا تَعَرُّضَ في أجمعين إلى اتحاد الوقت، بل هو ككل في إفادة العموم مطلقا خلافا للفراء. ش: قال أبو الحسن الأخفش: اعلم أن قولهم: مات زيد وعاش عمرو كلاهما، ليس بكلام، لأنهما لم يبنيا في كلام واحد. فلو قلت: انطلق زيد وذهب عمرو كلاهما، جاز لأنهما قد اجتمعا في أمر واحد، فإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي: ولا يتحد توكيد معطوف ومعطوف عليه إلا إذا اتحد معنى عامليهما. ومنع البصريون إلا الأخفش توكيد النكرة مطلقا، وأجازه بعض الكوفيين مطلقا، وأجازه بعضهم إذا أفاد ومنعه إذا لم يفد، ومثال الجائز لكونه مفيدا قولك: صمت شهرا كله، وقمت ليلة كلها، وهذا أسد نفسه، وعندي درهم عينه. فبذكر "كل" يُعلم أنّ الصيام كان في جميع الشهر، والقيام كان في جميع الليلة، ولو لم يذكر لاحتمل ألا يراد جميع الشهر، ولا جميع الليلة. وبذكر النفس أيضا علم أن المشار إليه أسد حقيقي لا شيء شبيه بأسد، وأن الذي عندك درهم مصوغ لا صرفه ولا موازنته. فتوكيد النكرة إن كان هكذا حقيق بالجواز، وإن لم تستعمله العرب، فكيف إذا استعملته، كقول رؤبة: إن تميما لم يُرَاضِع مُشْبَعا ... ولم تلده أمه مُقَنَّعا ... أوْفَت به حولا وحولا أجمعا

стр. 1113

وكقول الآخر: قد صرت البكرة يوما أجمعا وكقول الآخر: ياليتني كنت صبيا مرضعا ... تحملني الذلفاء حولا أكتعا وكقول الآخر: أُولاك بنو خيرٍ وشر كليهما ... جميعا ومعروفٍ ألَمَّ ومُنْكَرِ وكقول الآخر: ساعة قدر احتجابك فيها ... سنة دام ضرها جمعا دام وأما ما لا فائدة فيه: نحو: اعتكفت وقتا كله، ورأيت شيئا نفسه، فغير جائز، فمن حكم بالجواز مطلقا، أو بالمنع مطلقا، فليس بمصيب، وإن حاز من الشهرة أوفر نصيب. وقول الشاعر: عَداني أنْ أورك أنّ بَهْمي ... عجايا كلُّها إلا قليلا توكيد عند الكوفيين، والصحيح أنه مبتدأ مقدم الخبر، أو توكيد لضمير مرفوع بعجايا، لأنه جمع عَجِيّ، وهو السيء الغذاء.

стр. 1114

وكلانا من قول الشاعر: فما أعْلَمَ الواشين بالسر بيننا ... ونحن كلانا للمحبة كاتم مبتدأ خبره كاتم، وليس بتوكيد نحن، إذ لو كان توكيدا لم يجز إفراد كاتم، لأنه على ذلك التقدير خبر نحن. وقال سيبويه ﵀ في: باب ما ينتصب فيه الاسم لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة: وسألت الخليل ﵀ عن: مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما، فقال: الرفع على: هما صاحباي أنفسهما، والنصب على أعنيهما أنفسهما" فأجاز حذف المؤكَّد، والاستغناء عنه بالمؤكِّد، وهذا ضعيف بين الضعف، لأن المؤكّد مذكور كتقوية، ويبين كونه مرادا به الحقيقة لا المجاز، فالاستغناء عنه بالمؤكّد بمنزلة الاستغناء بعلامة على معنى في شيء غير مذكور، كالاستغناء بحرف التعريف عن المُعَرَّف، وبعلامة التأنيث عن المؤنث، مع ما في تقديره من كثرة الحذف، ومخالفة المعتاد، وذلك أن في كلا الوجهين تقدير ثلاثة أشياء: في الرفع تقدير مبتدأ ومضاف ومضاف إليه، وفي النصب تقدير فعل وفاعل ومفعول، وفي التقدير الأول مخالفة لقاعدة التقدير من قبل أنه قدر: هما صاحباي، وما في الكلام دليل على الصحبة، والمعتاد في الحذف أن يكون في الباقي دلالة على المحذوف، وكان الأولى بعد أن نسلم التقدير أن نقدر: هما معنيان أنفسهما، كما قدر في النصب: أعنيهما، لأن كونهما معنيين معلوم، وكونهما صاحبين غير معلوم. وأيضا فإن هذا الحذف المدعى هو من من حذف المتبوع وإبقاء تابعه، والأصل فيه حذف المنعوت وإبقاء نعته قائما مقامه، وإنما جعلت حذف المنعوت أصلا لكثرته، وكونه مجمعا على صحة استعماله، ومع ذلك لا يستعمل إلا والعامل في المنعوت المحذوف موجود، وما مثل به الخليل من حذف المذكور، فالعامل فيه محذوف، فتجويزه يستلزم مخالفة النظير فيما هو أصل أو كالأصل. ولا يجيز البصريون: مررت بقومك إما أجمعين وإما بعضهم، وأجازه الفراء على تقدير: مررت بقومك أجمعين وإما بعضهم. ويلزم سيبويه التجويز على تقدير:

стр. 1115

مررت بقومك إما بهم أجمعين وأما بعضهم، فإن الحذف هنا أسهل من الحذف في: مررت بزيد وأتاني أخوه هما صاحباي أنفسهما وأعنيهما أنفسهما. وبالغ الأخفش في منع حذف المؤكد فقال: لو نظرت إلى قوم فقلت: أجمعون قومك، تريد: هم أجمعون قومك، لم يجز، لأنك جئت بالتوكيد قبل أن يثبت عند المخاطب اسم يؤكد. وأجاز سيبويه فيما قصد به العموم من: ضرب زيد الظهر والبطن، واليد والرجل، ومطرنا السهل والجبل، والزرع والضرع، أن يكون توكيدا ككل وأن يكون بدلا. ونبهت بقولي: ولا يلي العوامل شيء من ألفاظ التوكيد وهو على حاله في التوكيد" على أنه لا يقال: زيد لقيت رأيت نفسه، ولا إخوتك كان أنفسهم منطلقين، ولا ما أشبه ذلك. لأنك أوليت رأيت نفسه، وولى كان أنفسهم، وهما الحال الذي يكونان عليه إذا قصد بهما التوكيد مع عدم قصد التوكيد. فلو كانا على غير الحال المستعمل في التوكيد وليا كل عامل، كقولك: رأيت نفس زيد، وأنفس إخوته. واستثنيت جميعا وعامة بلا قيد، لأن استعمالهما في التوكيد قليل، واستعمالهما في غير التوكيد كثير، بخلاف غيرهما، فيقال: القوم مررت بجميعهم وعامتهم، ومررت بهم وجميعهم يتحدثون، وعامتهم نيام. وأما كل وكلا وكلتا إذا كانت بالحال الصالحة للتوكيد فيباشرها العامل كثيرا إن كان ابتداء نحو: مررت بالرجال كلُّهم قيام، ومررت بالرجلين كلاهما في المسجد، وبالمرأتين كلتاهما في الدار. ولا يباشرها غير الابتداء إلا قليلا، فمن القليل قول كثير: يَميدُ إذا والتْ عليه دِلاؤُهم ... فيصدرُ عنه كلُّها وهو ناهلُ

стр. 1116

ومنه قول عدي بن زيد: أسمو بها عند الحبيب فنصبرا ... كيما لنهلو كلنا ولنشربا ومن القليل قول الأخفش في المسائل: تقول: ايتني بزيد أو عمرو أو كليهما، رفعا ونصبا وجرا. قال سيبويه في: باب هذا شيء محذوف فيه الفعل لكثرته في كلامهم: وكليهما وتمرا، كأنه قال: أعطني كليهما وزدني تمرا" فقدر أعطني عاملا في كليهما. ويجوز: كان كلكم منطلقون، على أن اسم كان ضمير الشأن، وكلكم منطلقون، مبتدأ وخبر. ومنه قول علي بن أبي طالب ﵁: فلمّا تبيّنا الهُدى كان كلُّنا ... على طاعةِ الرحمنِ والحقِ والتُّقى ويقصد بكل معنى كامل فينعت به اسم جنس معرف أو منكر، وتلزم إضافته إلى مثل المنعوت لفظا ومعنى وتعريفا وتنكيرا، نحو: رأيت الرجل كل الرجل، وأطعمنا شاة كل شاة، وفيه معنى التوكيد وليس من ألفاظه، للزوم إضافته إلى ظاهر. إذا أخبر عن كل مضافا إلى نكرة تعين اعتبار المعنى، نحو: (كلُّ نفس ذائقة الموت) وكل رجلين قائمان، وكل رجال قائمون و: (كلُّ حزب بما لديهم فرحون). وإذا أخبر عن كل مضافا إلى معرفة جاز اعتبار لفظها، فيفرد الخبر ويذكّر كقوله

стр. 1117

تعالى: (إنْ كلُّ من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) واعتبار معناها فيجاء به على وفق المضاف إليه، نحو: (وكلٌّ أَتَوْه داخرين) لأن المعنى: وكلهم أتوه داخرين. ومذهب البصريين التسوية بين كلهم وأجمعين في إفادة العموم دون تعرض لاجتماع في وقت وعدمه. وزعم الفراء أن أجمعين يفيد أنهم كانوا مجتمعين في وقت الفعل. والصحيح أن ذلك ممكن أن يراد وممكن ألا يراد، فإمكان أن يراد مجمع عليه، فأغنى ذلك عن دليل، وإمكان ألا يراد مستفاد من قوله تعالى: (لأُزَيِّنَنَّ لهم في الأرض ولأُغْوِيَنَّهم أجمعين) لأن إغواءهم لا يكون في وقت واحد. فصل: ص: التوكيد اللفظي إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنى، وإن كان المؤكَّد به ضميرا متصلا، أو حرفا غير جواب لم يُعَد في غير ضرورة إلا معمودا بمثل عامده أولا أو مفصولا. وإن عمد أولا بمعمول ظاهر اختير عمد المؤكِّد بضمير. وفصل الجملتين بثم إن أمن اللبس أجود من وصلهما. ش: تعم إعادة اللفظ اسما كان، معرفة كان أو نكرة، أو فعلا، أو حرفا متصلا أو منفصلا. وإعادة المركب، جملة كان أو غير جملة. فإعادة الاسم المعرفة كقول علي بن أبي طالب ﵁: تَيَمَّمْتُ هَمْدانَ الذين همُ همُ ... إذا نابَ أمرٌ جُنَّتي وسهامي وإعادة النكرة كقول الأعشى ميمون: أبيح لهم حبُّ الحياة فأدبروا ... مَرْجاةُ نفسِ المرءِ ما في غدٍ غد وإعادة الفعل كقول الشاعر:

стр. 1118

فأين إلى النجاة ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس وإعادة الحرف متصلا كقول الشاعر: فما الدنيا بباقيةٍ بحُزْنٍ ... أجَلْ لا لا ولا بِرخاء بالِ وإعادة الحرف منفصلا كقول الكميت: ليتَ شِعْرِي هلْ ثُمْ هل آتِيَنْهُمْ ... أم يَحُولَنْ من دونِ ذاك حِمامي وإعادة المركب غير الجملة كقول الكميت: فلتك ولاةُ السُّوءِ قد طالَ مُكْثُهم ... فَحتّام حتّامَ العناءُ المُطَوَّلُ وإعادة المركب الجملة كقول الشاعر: أيا مَنْ لستُ أقْلاه ... ولا في البُعْدِ أنْساهُ لك اللهُ على ذاك ... لك اللهُ لك اللهُ وكقول الآخر: ألا حبذا حبذا حبذا ... حبيب تحملت فيه الأذى وقولي: وتقويته بموافقة معنى" يتناول توكيد الضمير المستتر والبارز المتصل بالمنفصل، نحو: قم أنت، وقمت أنا. وتوكيد الفعل باسم الفعل كقول الشاعر: فرّتْ يهودُ وأسلمت جيرانها ... صَمِّي لما فعلت يهود صَمام

стр. 1119

وقولي: "وإن كان المؤكد به ضميرا متصلا أو حرفا غير جواب" أشرت بذلك إلى أن قاصد توكيد نحو: تاء فعلت، بإعادة لفظه، لا غنى له عن إعادة ما هو به متصل، فتقول: فعلت فعلت، ورأيتك رأيتك، ومررت به به. وكذلك يلزم في الحرف غير المجاب به، فعلى قاصد إعادة "في" من قولك: فيك نجابة، أن يقول: فيك نجابة فيك. وعلى قاصد إعادة "إنّ" من قولك: إن زيدا منطلق، أن يقول: إن زيدا إن زيدا منطلق، وإن زيدا إنه منطلق، وإن كان مع ذلك فصل كان أحسن، كقوله تعالى: (أيعدكم أنكم إذا مِتُّم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) فأكد أنكم بأنكم مع الفصل. ويجوز أن يجعل الثاني مبتدأ، والخبر إذا متم، والجملة خبر أن الأولى، والتوكيد أجود. وليس لك أن تكرر الحرف وحده إلا إن اتصل به حرف عطف كقول الكميت: هل ثم هل، وكقول الراجز: حتى تراها وكأنّ وكأنْ ... أعناقَها مُشَدَّداتٌ في قَرَن واستثنيت حرف الجواب لأنه قائم مقام جملة، فلقاصد توكيده أن يكرره وحده كما له في الإجابة أن يجيب به وحده، كقوله: أجل أجل لا لا، ولا يكرر حرف غيره إلا في ضرورة، نص على ذلك ابن السراج في الأصول. وقد أشار الزمخشري في المفصل إلى توكيد الحرف الذي ليس من حروف الجواب بإعادته وحده، ونحو: إن إن زيدا منطلق، وقوله مردود لعدم إمام يسند إليه، وسماع يعول عليه، ولا حجة في قول الشاعر: إنّ إنّ الكريمَ يحلُم مالم ... يَرَيَنْ مَنْ أجارَهُ قد ضيما

стр. 1120

فإنه من الضرورات، وكذا قول الآخر: فلا والله لا يُلْفى لما بي ... ولا لِلمابِهمْ أبدًا دواءُ وإلى هذا أشرت بقولي: لم يُعَد في غير ضرورة إلا معمودا بمثل عامده أولا أو مفصولا" فمن المعمود بمثل عامده أولا قول الشاعر: ليتني ليتني تَوَقَّيْتُ مُذْ أيْـ ... ـفَعْتُ طَوْعَ الهوى وكنتُ مُنيبا والمفصول كقول الآخر: ليتَ وهلْ ينفعُ شيئا ليتُ ... ليتَ شبابا بُوعَ فاشتريت فأكد ليت بليت وفصل بينهما بـ (وهل ينفع شيئا) ليت. ومن الفصل المسموع الفصل بالوقف كقوله: لا يُنْسك الأسى تأسِّيا فما ... ما مِنْ حمامٍ أحدٌ مُعْتصِما فما ليس معمودا ولا مفصولا فهو ضرورة، نحو: إن إن الكريم، ولا للما بهم وإن كان العامل اسما ظاهرا، فالمختار أن يعمد المؤكِّد بضمير، فقولك: مررت بزيد به، أجود من قولك: مررت بزيد بزيد، ومن المختار قوله تعالى: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون) قال ابن السراج: "إلا أن الحرف لا يكرر إلا مع ما اتصل به، لا سيما إذا كان عاملًا" ومثل بقوله: في الدار زيد قائم فيها. وقال: فيفيد "فيها" توكيدا. وقال تعالى: (وأما الذين سُعِدوا ففي الجنة خالدين فيها) فجعل فيها توكيدا، وفي الجنة مُؤَكَّدا، وكذا أقول، ومن حكم على شيء من

стр. 1121

هذا بالبدلية فليس بمصيب، وإن حظي من الشهرة بأوفر نصيب. وإن كان المؤكَّد والمؤكِّد جملتين، وأُمِن توهم كون الثانية غير مؤكدة، فالأجود الفصل بينهما بعاطف، كقوله تعالى: (كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون) وكقوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين) فلو خيف توهم كون الثانية غير مؤكدة نحو: ضربت زيدا، ثم ضربت زيدا، ترك العاطف، لأن ذكره يخل بالتوكيد، ويوهم أن الضرب الثاني غير الأول. وقد جعل ابن السراج من التوكيد اللفظي قول الشاعر: ألا يااسْلَمى ثم اسلمى ثُمَّتَ اسلمى ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي ص: ويؤكَّد بضمير الرفع المنفصل المتصل مطلقا، ويجعل المنصوب المنفصل في نحو: رأيتك إياك، توكيدا لا بدلا، وفاقا للكوفيين. ش: لا خلاف بين النحويين في توكيد الضمير المتصل – مرفوعه ومنصوبه ومجروره – بضمير الرفع المنفصل، نحو: فعلت أنت، ولقيتك أنت، ومررت بك أنت. واختلف في ضمير النصب المنفصل الواقع بعد ضمير النصب المتصل، نحو: رأيتك إياك، فجعله البصريون بدلا، وجعله الكوفيون توكيدا، وقولهم عندي أصح من قول البصريين، لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل في نحو: رأيتك إياك، كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في نحو: فعلت أنت، والمرفوع توكيد بإجماع، فليكن المنصوب توكيدا، ليجرى المتناسبان مجرى واحدا.

стр. 1122

باب النعت ص: وهو التابع المقصود بالاشتقاق وضعا أو تأويلا، مسوقا لتخصيص أو تعميم أو تفصيل أو مدح أو ذم أو ترحم أو إبهام أو توكيد. ش: التابع يعم التوكيد والنعت والعطف والبدل، والمقصود بالاشتقاق مخرج لما سوى النعت وإن كان في الأصل مشتقا، كالأعْلام الغلبية إذا عطفت عطف بيان نحو: أبي بكر الصديق، وخويلد الصعق، فإن الصديق والصعق صفتان كثر استعمالهما مخصوصين بموصوفيهما، حتى صار التعيين بهما أكمل من التعيين بالعلم الموضوع، وصار القصد بهما وبأمثالهما كالقصد بالأعلام العارية من الاشتقاق، وما كان كذلك فاشتقاقه في تابعيته غير مقصود، بخلاف النعت فإنه مقصود الاشتقاق بالوضع، كرجل كريم، أو مقصود الاشتقاق بالتأويل كرجل ذي مال. ولو اقتصرت في الحد على وضعا أو تأويلا لكمل بهما، ولكن الحاجة داعية إلى زيادة بيان بذكر المعاني المستفادة بالنعت، فذكرتها متصلة بالحد. فالمسوق لتخصيص نحو: (الصلاة الوسطى) و: (منه آيات محكمات). والمسوق للتعميم نحو: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، ويحشر الناس الأولين والآخرين. والمسوق للتفصيل نحو: مررت برجلين عربي وعجمي. والمسوق للمدح نحو: سبحان الله العظيم. والمسوق للذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

стр. 1123

والمسوق للترحم نحو: لطف الله بعباده الضعفاء. والمسوق للإبهام نحو: تصدقت بصدقة كثيرة أو قليلة. والمسوق للتأكيد نحو: (ومناة الثالثة الأخرى). ص: ويوافق المتبوع في التعريف والتنكير، وأمره في الإفراد وضديه، والتذكير والتأنيث على ما ذكر في إعمال الصفة. وكونه مفوقا في الاختصاص ومساويا أكثر من كونه فائقا، وربما تبع في الجر غير ما هو له دون رابط إن أمن اللبس، وقد يفعل ذلك بالتوكيد. ش: متبوع النعت يعم ذا النعت الجاري عليه لفظا ومعناه لما بعده، كرأيت رجلا طويلا ثوبه، قصيرة قامته. فلذلك قلت: ويوافق المتبوع، ولم أقل: ويوافق المنعوت، لأن المنعوت إنما يصدق حقيقة على متبع ما هو له لفظا ومعنى، لا على المتبع لفظا لا معنى، وكلا النوعين مراد. وأشرت بقولي: "وأمره في الإفراد وضديه، وفي التذكير والتأنيث على ما ذكر في الصفة المشبهة" إلى أن موافقة النعت لمنعوته تجب إن كان معناه له، كرأيت رجلا طويلا، وامرأة طويلة. وكذا إن كان معناه لما بعده ولم يرفعه، كمررت برجل كريم الأب، حسن وجها، وبامرأة كريمةِ الأب، حسنةٍ وجها. وكذا التوافق في التثنية والجمع، فإن رفع ما بعده أُفْرد، وأعطي من التذكير والتأنيث ما يعطى الفعل الواقع موقعه، نحو: مررت برجلٍ كريم أبوه، حسنةٍ أمُّه، جميلٍ ولدُه، ظريفٍ غلمانُه. وتكسير ما رفع جمعا أولى من إفراده، نحو: مررت برجل حسانٍ أبناؤه، وبسط الكلام في هذا سابق في باب إعمال الصفة المشبهة، والذي ذكرته منه هنا بعض ذلك، واستيفاؤه تكرار، فأضربت عنه. والأكثر أن يكون النعت دون المنعوت في الاختصاص أو مساويا له، فالأول نحو: رأيت زيدا الفاضل. والثاني نحو: رأيت الرجل الصالح. ولا يمتنع كونه أخص من

стр. 1124

المنعوت كرجل فصيح، ولحّان، ومهدار، وضحاك، وأفّاك، وغلام يافع، ومُراهق. وجارية عَروب، وشَمُوع، وخَوْد، وضِناك. وماء فُرات، وأجاج. وتمر بَرْنِي، وشَهْريز. وعنب مُلاحِيّ، ورمان إمْليسي، وملح داراني، وكلب زِئْنِيّن، وأمثال ذلك كثيرة. قال أبو علي الشلوبين: الفراء ينعت الأعم بالأخص، وهو الصحيح، وحكى عنه: مررت بالرجل أخيك، على النعت. وأشرت بقولي: "وربما تبع في الجر غير ما هو له دون رابط إن أمن اللبس" إلى قولهم: "هذا جحر ضبٍّ خربٍ، وأمثاله، فحق "خرب" أن يرتفع لأنه نعت "جحر"، وجحر مرفوع، لكنه جعل تابعا لضب لمجاورته إياه مع أمن اللبس. ومثله قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب: (إن الله هو الرّزّاقُ ذو القوة المتين) بخفض المتين ومن الشواهد الشعرية في ذلك قول الشاعر: كأنما ضَرَبت قُدّام أعينها ... قُطْنا بمُسْتَحْصِد الأوتارِ مَحْلُوجِ

стр. 1125

ومثله: تُريك سُنَّةَ وجهٍ غيرِ مقرفة ... بلساءَ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ ومثله: فإياكم وحَيّةَ بطنِ وادٍ ... ضموزِ النّابِ ليس له بِسِيِّ ومثله: جزى الله عني الأعْوَرَيْن مَلامة ... وعَبْدةَ ثَفْرَ الثَّورةِ المتضاجمِ ومثله: كأنَّ ثبيرا في أفانين وَدْقِه ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ ومثله لرؤبة: كأنّ نسْجَ العنكبوت المُرْمَلِ ... على ذُرا قُلّامِه المُهَدَّل ... سُتورُ كتان بأيدي غُزّل ونبهت بقولي: "وقد يفعل ذلك بالتوكيد" على ما أنشد الفراء من قول
следующие страницы →