← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

هذا بالبدلية فليس بمصيب، وإن حظي من الشهرة بأوفر نصيب. وإن كان المؤكَّد والمؤكِّد جملتين، وأُمِن توهم كون الثانية غير مؤكدة، فالأجود الفصل بينهما بعاطف، كقوله تعالى: (كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون) وكقوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين) فلو خيف توهم كون الثانية غير مؤكدة نحو: ضربت زيدا، ثم ضربت زيدا، ترك العاطف، لأن ذكره يخل بالتوكيد، ويوهم أن الضرب الثاني غير الأول. وقد جعل ابن السراج من التوكيد اللفظي قول الشاعر: ألا يااسْلَمى ثم اسلمى ثُمَّتَ اسلمى ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي ص: ويؤكَّد بضمير الرفع المنفصل المتصل مطلقا، ويجعل المنصوب المنفصل في نحو: رأيتك إياك، توكيدا لا بدلا، وفاقا للكوفيين. ش: لا خلاف بين النحويين في توكيد الضمير المتصل – مرفوعه ومنصوبه ومجروره – بضمير الرفع المنفصل، نحو: فعلت أنت، ولقيتك أنت، ومررت بك أنت. واختلف في ضمير النصب المنفصل الواقع بعد ضمير النصب المتصل، نحو: رأيتك إياك، فجعله البصريون بدلا، وجعله الكوفيون توكيدا، وقولهم عندي أصح من قول البصريين، لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل في نحو: رأيتك إياك، كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في نحو: فعلت أنت، والمرفوع توكيد بإجماع، فليكن المنصوب توكيدا، ليجرى المتناسبان مجرى واحدا.

стр. 1122

باب النعت ص: وهو التابع المقصود بالاشتقاق وضعا أو تأويلا، مسوقا لتخصيص أو تعميم أو تفصيل أو مدح أو ذم أو ترحم أو إبهام أو توكيد. ش: التابع يعم التوكيد والنعت والعطف والبدل، والمقصود بالاشتقاق مخرج لما سوى النعت وإن كان في الأصل مشتقا، كالأعْلام الغلبية إذا عطفت عطف بيان نحو: أبي بكر الصديق، وخويلد الصعق، فإن الصديق والصعق صفتان كثر استعمالهما مخصوصين بموصوفيهما، حتى صار التعيين بهما أكمل من التعيين بالعلم الموضوع، وصار القصد بهما وبأمثالهما كالقصد بالأعلام العارية من الاشتقاق، وما كان كذلك فاشتقاقه في تابعيته غير مقصود، بخلاف النعت فإنه مقصود الاشتقاق بالوضع، كرجل كريم، أو مقصود الاشتقاق بالتأويل كرجل ذي مال. ولو اقتصرت في الحد على وضعا أو تأويلا لكمل بهما، ولكن الحاجة داعية إلى زيادة بيان بذكر المعاني المستفادة بالنعت، فذكرتها متصلة بالحد. فالمسوق لتخصيص نحو: (الصلاة الوسطى) و: (منه آيات محكمات). والمسوق للتعميم نحو: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، ويحشر الناس الأولين والآخرين. والمسوق للتفصيل نحو: مررت برجلين عربي وعجمي. والمسوق للمدح نحو: سبحان الله العظيم. والمسوق للذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

стр. 1123

والمسوق للترحم نحو: لطف الله بعباده الضعفاء. والمسوق للإبهام نحو: تصدقت بصدقة كثيرة أو قليلة. والمسوق للتأكيد نحو: (ومناة الثالثة الأخرى). ص: ويوافق المتبوع في التعريف والتنكير، وأمره في الإفراد وضديه، والتذكير والتأنيث على ما ذكر في إعمال الصفة. وكونه مفوقا في الاختصاص ومساويا أكثر من كونه فائقا، وربما تبع في الجر غير ما هو له دون رابط إن أمن اللبس، وقد يفعل ذلك بالتوكيد. ش: متبوع النعت يعم ذا النعت الجاري عليه لفظا ومعناه لما بعده، كرأيت رجلا طويلا ثوبه، قصيرة قامته. فلذلك قلت: ويوافق المتبوع، ولم أقل: ويوافق المنعوت، لأن المنعوت إنما يصدق حقيقة على متبع ما هو له لفظا ومعنى، لا على المتبع لفظا لا معنى، وكلا النوعين مراد. وأشرت بقولي: "وأمره في الإفراد وضديه، وفي التذكير والتأنيث على ما ذكر في الصفة المشبهة" إلى أن موافقة النعت لمنعوته تجب إن كان معناه له، كرأيت رجلا طويلا، وامرأة طويلة. وكذا إن كان معناه لما بعده ولم يرفعه، كمررت برجل كريم الأب، حسن وجها، وبامرأة كريمةِ الأب، حسنةٍ وجها. وكذا التوافق في التثنية والجمع، فإن رفع ما بعده أُفْرد، وأعطي من التذكير والتأنيث ما يعطى الفعل الواقع موقعه، نحو: مررت برجلٍ كريم أبوه، حسنةٍ أمُّه، جميلٍ ولدُه، ظريفٍ غلمانُه. وتكسير ما رفع جمعا أولى من إفراده، نحو: مررت برجل حسانٍ أبناؤه، وبسط الكلام في هذا سابق في باب إعمال الصفة المشبهة، والذي ذكرته منه هنا بعض ذلك، واستيفاؤه تكرار، فأضربت عنه. والأكثر أن يكون النعت دون المنعوت في الاختصاص أو مساويا له، فالأول نحو: رأيت زيدا الفاضل. والثاني نحو: رأيت الرجل الصالح. ولا يمتنع كونه أخص من

стр. 1124

المنعوت كرجل فصيح، ولحّان، ومهدار، وضحاك، وأفّاك، وغلام يافع، ومُراهق. وجارية عَروب، وشَمُوع، وخَوْد، وضِناك. وماء فُرات، وأجاج. وتمر بَرْنِي، وشَهْريز. وعنب مُلاحِيّ، ورمان إمْليسي، وملح داراني، وكلب زِئْنِيّن، وأمثال ذلك كثيرة. قال أبو علي الشلوبين: الفراء ينعت الأعم بالأخص، وهو الصحيح، وحكى عنه: مررت بالرجل أخيك، على النعت. وأشرت بقولي: "وربما تبع في الجر غير ما هو له دون رابط إن أمن اللبس" إلى قولهم: "هذا جحر ضبٍّ خربٍ، وأمثاله، فحق "خرب" أن يرتفع لأنه نعت "جحر"، وجحر مرفوع، لكنه جعل تابعا لضب لمجاورته إياه مع أمن اللبس. ومثله قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب: (إن الله هو الرّزّاقُ ذو القوة المتين) بخفض المتين ومن الشواهد الشعرية في ذلك قول الشاعر: كأنما ضَرَبت قُدّام أعينها ... قُطْنا بمُسْتَحْصِد الأوتارِ مَحْلُوجِ

стр. 1125

ومثله: تُريك سُنَّةَ وجهٍ غيرِ مقرفة ... بلساءَ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ ومثله: فإياكم وحَيّةَ بطنِ وادٍ ... ضموزِ النّابِ ليس له بِسِيِّ ومثله: جزى الله عني الأعْوَرَيْن مَلامة ... وعَبْدةَ ثَفْرَ الثَّورةِ المتضاجمِ ومثله: كأنَّ ثبيرا في أفانين وَدْقِه ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ ومثله لرؤبة: كأنّ نسْجَ العنكبوت المُرْمَلِ ... على ذُرا قُلّامِه المُهَدَّل ... سُتورُ كتان بأيدي غُزّل ونبهت بقولي: "وقد يفعل ذلك بالتوكيد" على ما أنشد الفراء من قول

стр. 1126

الشاعر: ياصاحِ بَلِّغْ ذوي الزوجاتِ كُلِّهم ... أن ليس وصلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرا الذَّنَب فصل: ص: المنعوت به مفرد أو جملة كالموصول بها، منعوتها نكرة أو معرف بأل الجنسية، وقد ترد الطلبية محكية بقول محذوف واقع نعتا أو شبهه، وحكم عائد المنعوت بها حكم عائد الواقعة صلة أو خبرا، لكن الحذف من الخبر قليل، ومن الصفة كثير، ومن الصلة أكثر. ويختص المنعوت بها اسم زمان بجواز حذف عائدها المجرور بفي دون وصف، ويجوز أيضا حذف المجرور بمن عائدا على ظرف أو غيره إن تعين معناه. ش: المفرد هو الأصل في الخبر والحال والنعت، والجملة الواقعة خبرا أو حالا أو نعتا نائبة عن المفرد، ومؤولة به. وتنفرد الخبرية بجواز كونها طلبية، وتنفرد الحالية بجواز اقترانها بالواو، فلهذا لم أُحل المنعوت بها عليهما، بل أحلته على الموصول بها، لأنها لا تكون طلبية، ولا تقترن بالواو. وأجاز الزمخشري اقتران الواقعة نعتا بالواو، زاعما توكيد الارتباط بالمنعوتـ وهذا من آرائه الواهية، وزعماته المتلاشية، لأن النعت مكمل للمنعوت، ومجعول معه كشيء واحد، فدخول الواو عليه يوهم كونه ثانيا مغايرا له، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، وهذا مناف لما زعم من توكيد الارتباط. وفي قولي: كالموصول بها تنبيه على لزوم كونها خبرية ومشتملة على ضمير لائق بالمنعوت، وقد تغني عنه الألف واللام، كقول الشاعر: كأنّ حَفيف النَّبْل من فوق عَجْسِها ... عوازبُ نَحْلٍ أخطأ الغارَ مُطْنِفُ أي أخطأ غارها، فحذف الضمير، وجعل الألف واللام عوضا منه، أطنف:

стр. 1127

بلغ أعلى الجبل. والمنعوت بالجملة نكرة نحو: (حتى تُنَزِّل علينا كتابا نقرؤه) أو مقرون بأل الجنسية نحو: (وآيةٌ لهم الليل نسلخ منه النهار) فنعت الليل بجملة، لأنه معرفة في اللفظ، نكرة في المعنى، إذ لم يقصد به ليل معين. ومثال الطلبية المحكية بقول محذوف واقع نعتا ما أنشد ثعلب من قول الراجز: فإنَّما أنت أخٌ لا نَعْدَمُه ... فأبْلنا منك بلاءً نعلمُه فلا نعدمه دعاء محكي بقول مقدر، كأنه قال: فإنما أنت فتى مقول له: لا نعدمه. ومثله قول الآخر: جاءوا بمَذْقٍ هل رأيت الذئْبَ قَطّ أي مقول عند حضوره: هل رأيت الذئب قط، والمذق: اللبن المشوب بالماء، ومراد الراجز أنه تغير بياضه لمخالطة الماء حتى صار شبيها بلون الذئب. ومثال ذلك فيما يشبه النعت قول أبي الدرداء ﵁: "وجدت الناس اخبُر تَقْلَه". أي مقولا عند رؤيتهم: اخبر تقله، فحكى بقول واقع موقع مفعول ثان لوجدت، إن كانت من أخوات ظننت، وفي موضع الحال إن لم تكن منها، وكلاهما محتمل، وفي كليهما شبه النعت، فلذلك قلت: نعتا أو شبهه. وكان في قولي: كالموصول بها" تنبيه على ما تبين بقولي: وحكم عائد المنعوت بها حكم عائد الواقعة صلة أو

стр. 1128

خبرا إلى آخر الكلام، إلا أن في التصريح زيادة بيان. ومثال الحذف من الخبر قراءة ابن عامر: (وكلُّ وعد اللهُ الحسنى) ومثال الحذف من المنعوت بها قول الشاعر: وما شيْءٌ حميتَ بمُسْتباح ومثال الحذف من الموصول بها قوله تعالى: (وإن كادوا ليَفْتِنُونَك عن الذي أوحينا إليك). وحذف المجرور العائد على اسم زمان نحو قوله تعالى: (واتَّقوا يوما لا تجزى نفسٌ عن نفس شيئا) وكقراءة عكرمة: (حينا تُمْسون وحينا تُصْبحون) ومثله: فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نُساءُ ويوم نُسَرّ فهذا عند سيبويه حذف اعتباطا، لأن الظرف يجوز معه مالا يجوز مع غيره. وعند الأخفش على حذف في وتعدي الفعل، وحذف الضمير. وإن كان المجرور مجرورا بمن، وكان عند الحذف لا يحتمل إلا وجها واحدا جاز حذفه، عائدا على ظرف أو على غير ظرف، ونحو: من شهر صمت يوما مباركا، وعندي بُرٌّ كُرٌّ بدرهم، بحذف من والعائد المجرور بها لتعيين معناه، إذ لا يحتمل إلا وجها واحدا.

стр. 1129

ومن حذف عائد الجملة المنعوت بها قول ذي الرمة: يقعن بالسفح مما قد رأين به ... وقعا يكاد حصى المَعزاء يلتهب ومنه: عَوازبُ نَحْل أخطأ الغارَ مُطْنِف ومنه: من اليوم زوراها خليلي إنها ... ستأتي عليها حقبة لا نزورها ص: والمفرد مشتق لفاعل أو مفعول أو جار مجراه أبدا أو في حال، فالجاري أبدا كلَوْذَعِيّ وجُرْشع وصمحمح وشَمَرْدَل، وذي بمعنى صاحب وفروعه، وأولي وأولات، وأسماء النسب المقصود. والجاري في حال دون حال مطّرد وغير مطرد، فالمطرد أسماء الإشارة غير المكانية، وذو الموصولة وفروعها وأخواتها المبدوءة بهمزة وصل، ورجل بمعنى كامل أو مضاف إلى صدق أو سَوْء، وأي مضافا إلى نكرة تماثل المنعوت معنى، وكلٌّ وجدٌّ وحق مضافات إلى اسم جنس مكمل معناه للمنعوت. وغير المطرد النعت بالمصدر والعدد والقائم بمسماه معنى لازم ينزله منزلة المشتق. ويُنْصبُ أيٌّ المنعوت به حالا بعد معرفة. وما في نحو: رجل ما شئت من رجل شرطية محذوفة الجواب، لا مصدرية منعوت بها خلافا للفارسي. ش: المشتق المنعوت به كل وصف تضمن معنى فعل وحروفه، واحترز بكون اشتقاقه لفاعل أو مفعول، من المشتق لمكان أو زمان أو آلة. فالمشتق للفاعل يعم أسماء الفاعلين وأمثلة المبالغة والصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل المفضل به الفاعل

стр. 1130

كأنا أعلم منك. والمشتق للمفعول يعم أسماء المفاعيل وأفعل المفضل به المفعول كأنت أنجب من غيرك. والجاري مجرى المشتق أبدا يعم الأوصاف التي وضعت موافقة لمشتقات في تضمن معاني الأفعال دون حروفها، فجرت مجرى المتضمنة معانيها وحروفها في استدامة النعت بها، فلَوْذَعِي يجرى مجرى فطن وذكي، وجُرْشُع يجرى مجرى غليظ وسمين، وصَمَحْمَح يجرى مجرى شديد، وأمثلة هذا النوع كثيرة، ولذلك أدخلت كاف التشبيه على أول ما ذكرته منها. وفروع ذي بمعنى صاحب ذوا، وذوو، وذواتا، وذوات. وأوليت فروع ذي أولي وأولات لأنهما بمعنى ذوي وذوات. وقيدت النسب بالمقصود احترازا من نحو قمري وزئني من الأسماء التي هي منسوبة في الأصل، وأغلب استعمالها دالة على أجناس دلالة مالا تعرض فيه للنسب. وجعلت أسماء الإشارة جارية مجرى المشتق في حال دون حال، لأن استعمالها غير منعوت بها أكثر من استعمالها منعوتا بها. وقيدت أسماء الإشارة بغير المكانية احترازا من "هنا" وأخواتها. وقيدت الموصولات المنعوت بها احترازا من الموصولات التي لا ينعت بها كمَنْ وما. ومن المنعوت به في حال دون حال رجل، فإنه ينعت به في حالين: أحدهما: إذا قصد به كمال الرجولية، فقولك: مررت بزيد الرجل، أي الذي كملت رجوليته، ووقوعه بهذا المعنى خبرا أكثر من وقوعه نعتا. والحال الثانية: إذا أضيف بمعنى صالح إلى صدق، وبمعنى فاسد إلى سوء، كقولك: هو رجلٌ رجلُ صدق، أو رجلٌ رجلُ سوء. ومن المنعوت به في حال دون حال "أي" فإنه ينعت به تبييا لكمال المنعوت، ولا يكون إلا نكرة، ولا بد حينئذ من إضافته إلى نكرة تماثل المنعوت لفظا ومعنى،

стр. 1131

نحو: هذا رجل أيُّ رجل، أو معنى دون لفظ نحو: هذا رجل أيُّ فتى. فالتماثل في اللفظ لا يلزم، وإنما يلزم التماثل في المعنى، فلذلك اقتصرت عليه في المتن حين قلت: وأي مضافا إلى نكرة تماثل المنعوت معنى. ومن المنعوت به في حال دون حال: كل وجد وحق، فإنها ينعت بها للمعنى الذي نسب لأي، كقولك: زيد الرجل كل الرجل، وجد الرجل، وحق الرجل. فالنعت بهذه كلها مطرد لا يتوقف على سماع، بخلاف النعت بالمصدر وما ذكر بعده، فإن السماع فيه متبوع، واطراده ممنوع وللمصدر مزية على غيره وكذلك العدد، ويقارب فيهما الاطراد، ومن المصادر المنعوت بها رضًى وعَدْل وزَوْر وصوم وفطر، ومن النعت بالعدد قول بعض العرب: أخذ بنو فلان من بني فلان إبلا مائة، على النعت، حكاه سيبويه، وأنشد: لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانين قامة ... ورُقّيتَ أسبابَ السماءِ بسُلّم وفي الحديث: "الناس كإبل مائة". والنعت بالقائم بمسماه معنى ينزله منزلة المشتق كمررت برجل أسد أبوه، ولبست ثوبا حريرا ملمسه، وشربت ماء عسلا طعمه، تريد ماء شديد الحلاوة، وثوبا شديد الليونة، فلو أردت أن الماء مشوب بعسل، وأن الثوب مجعول في نسجه حرير لم يجز النعت، ومن هذا النوع قول الشاعر: وليلٍ يقول الناس من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مُسُوحا أعاليها وسَاجا كُسُورها فأجرى مسوحا وساجا مجرى سود. ومثال نصب "أي" حالا بعد معرفة قول الشاعر: فأوْمأت إيماءً خفيا لحَبْتَر ... فلله عينا حَبْتر أيَّما فتى

стр. 1132

وزعم أبو علي الفارسي أن "ما" في نحو: مررت برجل ما شئت من رجل، مصدرية نعت بها وبصلتها، كما ينعت بالمصدر الصريح، وليس قوله بصحيح، لأن المصدر لكونه أصل الفعل اختص بالتوكيد به، وبوقوعه نعتا وحالا، والحرف المصدري لا يؤكد به فعل، ولا يقع نعتا ولا حالا، فلو جعل نعتا في المثال المذكور لزمت مخالفة النظائر، ولو جاز أن ينعت بالحرف المصدري وصلته لجاز أن يقع موقع المصدر الصريح إذا نعت به، فكان يقال في موضع: مررت برجل رضًى، مررت برجل أن يرضى. وأيضا فإن المصدر المقدر في موضع المذكور معرفة، لأن فاعل صلتها معرفة، والمصدر المنعوت به نكرة لا يكون إلا نكرة، كرجل عدل ورضى، فبطل تقدير ما شئت مصدرا. والصحيح أن "ما" في المثال المذكور شرطية، محذوفة الجواب، ولكون "ما" شرطية حسن وقوع "مِنْ" بعدها لبيان الجنس، كقوله تعالى (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ولو كانت مصدرية لم يحسن وقوع "من" بعدها. فصل: ص: يُفَرّق نعتُ غير الواحد بالعطف إذا اختلف، ويجمع إذا اتفق، ويُغَلّب التذكير والعقل عند الشمول وجوبا، وعند التفصيل اختيارا. وإن تعدد العامل واتحد عمله ومعناه ولفظه أو جنسه جاز الإتباع مطلقا، خلافا لمن خصص ذلك بنعت فاعلي فعلين وخبري مبتدأين. فإن عُدِم الاتحاد وجب القطع، بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل لائق ممنوع الإظهار في غير تخصيص بوجهيه في نعت غير مؤكد، ولا ملتزم، ولا جار على مشاربه، وإن كان لنكرة يشترط تأخيره عن آخر. ش: تفريق نعت غير الواحد إذا اختلف نحو: مررت برجلين كريم وبخيل، ورغبت في الزيدين القرشي والتميمي، ومنه قول الشاعر: فوافيناهم منا بجمع ... كأُسْد الغاب مُرْدانٍ وشيب

стр. 1133

وجمعه إذا اتفق نحو: أويت إلى رجلين كريمين، واستعنت بالزيدين القرشيين. وتغليب التذكير عند الشمول نحو: مررت بزيد وهند الصالحين. وتقول في التفصيل قاصد رجل وامرأة، مررت باثنين صالح وصالح. ومررت باثنين ذي عذرة وذي عذار، وذات عذرة وذي عذار. وتقول في تغليب العقل: اشتريت عبدين وفرسين مختارين. ومثال تعدد العامل واتحاد عمله ومعناه ولفظه: ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان، وهذا بكر وهذا بشر الفاضلان، ورأيت محمدا ورأيت خالدا الشيخين، وعجبت من أبيك وأخيك المحسنين. ومثال اتحاد الجنس: هذا زيد وذاك عمرو الحسيبان، وذهب بكر وانطلق بشر الحازمان، ورأيت عليا وأبصرت سعيدا الماجدين، وسيق المال إلى عامر ولسالم المفضلين. فهذه الأمثلة وأمثالها جائز فيها الإتباع، وإن لم يكن العامل في اللفظ عاملا واحدا، لأن ثاني العاملين فيهما صالح لأن يعد توكيدا، وأولهما صالح للاستغناء به ولانفراده بالعمل في النعت، فيؤمن بذلك إعمال عاملين في معمول واحد. وفي كلام سيبويه ما يوهم منع جواز الإتباع عند تعدد العامل في غير مبتدأين وفاعلين، فإنه قال في: باب ما ينتصب فيه الاسم لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة، بعد أن مثل بهذا فرس أخوي ابنيك العقلاء، ثم قال: ولا يجوز أن يجرى وصفا لما انجر من وجهين، كما لم يجز فيما اختلف إعرابه. ثم قال: وتقول: هذا عبد الله وذاك أبوك الصالحان، لأنهما ارتفعا من وجه واحد، وهما اسمان بنيا على مبتدأين. وانطلق عبد الله ومضى أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا بفعلين" فمن النحويين مَنْ أخذ من هذا الكلام أن مذهبه تخصيص نعت فاعلي الفعلين وخبري المبتدأين بجواز الإتباع، والأولى أن يجعل مذهبه على وفق ما قدرته قبل، لأنه منع الاشتراك في إعراب ما انجر من وجهين، كما هو في: هذا فرس أخوي ابنيك، وسكت عن المجرورين من وجه

стр. 1134

واحد، وعن المنصوبين من وجه واحد، فعلم أنهما عنده غير ممتنعين. ويعضد هذا التأويل قوله في: هذا عبد الله وذاك أبوك الصالحان، لأنهما ارتفعا من وجه واحد. فإن عدم اتحاد العامل أوجب القطع بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل، نحو: مررت بزيد، ولقيت عمرا الكريمان أو الكريمين. وكذلك إن اتحد العمل والعامل واختلف المعنى أو الجنس نحو: مررت بزيد واستعنت بعمرو، ومررت بزيد أمام عمرو. فقطع النعت الواقع بعد هذه المجرورات المختلفة وأشباهها متعين. وقولي: "بفعل لائق" نبهت به على أن بعض المواضع يليق به أمدح نحو: شكرت لزيد ورضيت عن عمرو المحسنين. وبعضها يليق به أذم نحو: أعرضت عن زيد وغضبت على عمرو الخبيثين. وبعضها يليق به أرحم نحو: رثيت لزيد وأسيت على عمرو المسكينين. وبعضها يليق به أعني، وذلك إذا كان المذكور غير متعين نحو أن تقول لذي أخوين وابنين: مررت بأخيك والتفت إلى ابنك الكبيرين. وإذا كان المضمر أمدح أوأذم أو أرحم لم يجز الإظهار، وإذا كان المضمر أعني جاز الإظهار والإضمار، وموضع تقدير أعني هو موضع التخصيص المنبه عليه بقولي: ممنوع الإظهار في غير تخصيص. ويجوز القطع بوجهيه، أي بالرفع والنصب في نعت غير مؤكد نحو: (لا تتخذوا إلهين اثنين) ولا ملتزم نحو: الشعرى العبور، ولا جار على مشاربه نحو: مررت بذلك الرجل. وما سوى نعوت هذه الثلاثة فالقطع فيها جائز على الوجهين المذكورين. وإن كان المنعوت نكرة اشترط في قطع نعته مشاركة المعرفة بتقديم نعت غير مقطوع، كقول الشاعر: وتَأوِي إلى نِسْوة عُطّل ... وشُعْثا مراضيع مثلَ السَّعالي

стр. 1135

ومنه قول أبي الدرداء ﵁: "نزلنا على خال لنا ذو مال وذو هيئة". ص: وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته أُتبعت أو قُطعت، أو أُتبع بعض دون بعض، وقدم المُتْبع. وقد يلي النعت "لا" أو "إما" فيجب تكريرهما مقرونين بالواو، ويجوز عطف بعض النعوت على بعض. فإن صلح النعت لمباشرة العامل جاز تقديمه مبدلا منه المنعوت. وإذا نعت بمفرد وظرف وجملة قدم المفرد وأخرت الجملة غالبا. ش: إذا كثرت النعوت والمنعوت لا يتعين إلا بجميعها لزم إتباعها كقولك: ايتني برجل مسلم عربي النسب فقيه نحوي كاتب حاسب، واكسه من الثياب الجيدة الجديدة السابغة المخيطة أحسنها. فهذه النعوت المتوالية على هذا الوجه وأشباهها بمنزلة نعت واحد لا يستغنى عنه، فلا تقطع. فلو حصل التعيين بدونها جاز للمتكلم أن يتبعها، وأن يقطعها، وأن يتبع بعضا بشرط تقديم المتبع وتأخير المقطوع، والإتباع أجود. وكذلك يجوز القطع والإتباع فيما لا يحصل التعيين بدونه، إذا قصد المتكلم تنزيله منزلة ما يحصل التعيين بدونه، لتعظيم أو غيره، ومنه قول الخِرْنق: لا يَبْعَدن قومي الذين همُ ... سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزُر النازلين بكلِّ مُعْتَرَك ... والطيبين مَعاقد الأُزُر ويروى: والطيبون والنازلون، والطيبين والطيبون، أربعة أوجه. ومثال إيلاء النعت "لا": صحبت رجلا لا جزوعا ولا منوعا، وملكت عبدا لا ضعيفا ولا عنيفا. ومثال إيلائه "إما" قولك: لا بد من حساب إما شديد وإما يسير، فاتق النار إما

стр. 1136

قليلا وإما كثيرا. ومثال عطف بعض النعوت على بعض قوله تعالى: (الذي خلق فسوى *والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى). ومثال تقديم النعت وجعل المنعوت بدلا قوله تعالى: (إلى صراط العزيز الحميد * الله) ومنه قول الشاعر: ولكني بُليت بوَصْل قوم ... لهم لحمٌ ومنكرةٌ جسومُ وإذا نعت بمفرد وجملة وظرف أو شبهه فالأقيس تقديم المفرد وتوسيط الظرف أو شبهه وتأخير الجملة، كقوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) وقد تقدم الجملة، كقوله تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يُحبُّهم ويُحبُّونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين). فصل: ص: من الأسماء ما ينعت به وينعت كاسم الإشارة، ونعته مصحوب أل خاصة، وإن كان جامدا فهو عطف بيان على الأصح. ومنها مالا ينعت ولا ينعت به كالضمير مطلقا، خلافا للكسائي في نعت ذي الغيبة. ومنها ما ينعت ولا ينعت به كالعلم، وما ينعت به ولا ينعت كأيّ السابق ذكرها. ش: النعت باسم الإشارة كقوله تعالى: (بل فعله كبيرهم هذا) و: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) ونعته نحو: سل هذا الماشي عن ذلك الراكب، ولا ينعت إلا بمصحوب أل، وإن كان مصحوب أل جامدا محضا كمررت بذلك الرجل، فهو عطف بيان لا نعت لأنه غير مشتق ولا مؤول بمشتق.

стр. 1137

وأكثر المتأخرين يقلد بعضهم بعضا في أنه نعت، ودعاهم إلى ذلك اعتقادهم أن عطف البيان لا يكون متبوعه أخص منه وهو غير صحيح، فإن عطف البيان يقصد به في الجوامد من تكميل المتبوع ما يقصد بالنعت في المشتق وما جرى مجراه، فلا يمتنع أن يكون متبوع عطف البيان أخص منه، كما لا يمتنع أن يكون المنعوت أخص من النعت، وقد هدى أبو محمد بن السيد إلى الحق في هذه المسألة، فجعل ما تبع اسم الإشارة من الرجل ونحوه عطف بيان، وكذا فعل ابن جني، حكاه أبو علي الشلوبين، وهكذا ينبغي، لأن اسم الجنس لا ينعت به وهو غير تابع له، فلو كان نعتا حين يتبع الإشارة لكان نعتا حين يتبع غيره، كقولك: رأيت شخصا رجلا، وأنت لا تريد إلا كونه رجلا لا امرأة، ولا خلاف في امتناع كونه في هذه الصورة نعتا، فيجب ألا يكون في غيرها نعتا، وإلا لزم عدم النظير، أعني جعله اسما واحدا نعتا لبعض الأسماء دون بعض، مع عدم اختلاف المعنى. ومثل اسم الإشارة في أنه ينعت وينعت به الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، وأسماء النسب المشتقة التي يجوز أن يبدأ بها. ولا ينعت مضمر الحاضر، ولا ينعت به بإجماع، وكذا مضمر الغائب عند غير الكسائي، ولا يمتنع عنده أن ينعت، ورأيه قوي فيما يقصد به مدح أو ذم أو ترحم، ونحو: صلى الله عليه الرءوف الرحيم، وعمرو غضب عليه الظالم المجرم، وغلامك الطف به البائس المسكين. وغير الكسائي يجعل هذا النوع بدلا، وفيه تكلف. ومما لا ينعت ولا ينعت به المصدر الذي بمعنى الأمر أو الدعاء كسقيا له، لا ينعت لأنه بدل من اللفظ بالفعل، ولا ينعت به لأنه طلب، فاللام في: سقيا له، وشبهه، متعلقة بالمصدر، وهي للتبيين.

стр. 1138

وقال سيبويه ﵀ في بعض أبواب الحال: هذا باب ما ينصب كخبر، لأنه معرفة لا توصف ولا تكون وصفا، وذلك قولك: "مررت بكل قائما، ومررت ببعض قائما وبعض جالسا" قلت: وكل وبعض في هذا الكلام بمنزلة المضمر في أنه لا ينعت ولا ينعت به. وكون العلم يُنْعَت ظاهر، وأما كونه لا ينعت به فلأنه ليس مقيس الاشتقاق وضعا ولا تأويلا، وإن كان مشتقا في الأصل، وذلك عن قصد الاشتقاق بالنقل والغلبة، فهو في امتناع النعت به بمنزلة العلم المرتجل، فإن وقع موقعا صالحا للنعت جعل عطف بيان نحو: رضي الله عن خليفته الصديق، وعن عم نبيه العباس. ومما ينعتب به ولا يُنْعَت "أي" وكل وجد وحق السابق ذكرها في هذا الكتاب. فصل: ص: يقام النعت مقام المنعوت كثيرا إن علم جنسه، ونعت بغير ظرف وجملة، أو بأحدهما بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن أوفى، وإن لم يكن كذلك لم يقم الظرف والجملة مقامه إلا في شعر. واستغنى لزوما عن موصوفات بصفاتها فجرت مجرى الجوامد، ويعرض مثل ذلك في قصد العموم، ويكتفى بنية النعت عن لفظه للعلم به. ش: يعلم جنس المنعوت باختصاص النعت به، كمررت بكاتب راكب صاهلا، وبمصاحبة ما يعينه كقوله تعالى: (وألَنَّا له الحديدَ * أن اعملْ سابغات) وقوله تعالى: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا): (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا): (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فمثل هذا من الحذف

стр. 1139

حسن كثير، لكون المنعوت معلوم الجنس، ولكون النعت قابلا لمباشرة العامل. ولكونه جملة أو شبهها لم يقم مقام المنعوت في الاختيار إلا بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن كقوله تعالى: و (إنْ من أهل الكتاب إلا لَيُؤْمِنَنَّ به قبل موته) ومن هذا النوع قول تميم العجلاني: وما الدهرُ إلا تارتانِ فمنهما ... أموتُ وأخرى أبتغي العيشَ أكْدحُ وكلتاهما قد خُطَّ لي في صحيفتي ... فلا العيشُ أهوى لي ولا الموتُ أرْوَحُ وقد تقوم "في" مقام "من" كقول الراجز: لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يَفْضُلُها في حَسَبِ وميسَم فمثل هذا أيضا لو استعمل في غير الشعر لحسن كقولك: ما في الناس إلا شَكَرَ أو كَفَر. وقد تقام الجملة مقام المنعوت دون "من" و"في" كقول الشاعر: لكم مسجدا الله المَزوران والحصى ... لكم قِبْصُه من بين أثْرى وأقْتَرا وأشرت بقولي: "واستغنى لزوما عن موصوفات بصفاتها" إلى نحو: دابة، وأبطح، وحسنة، وسيئة. وأشرت بقولي: ويعرض مثل ذلك بقصد العموم إلى مثل قوله تعالى: (ولا رطبٍ ولا يابس إلا في كتاب مبين) وقوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث

стр. 1140

والطيب) وقوله تعالى: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) ومن هذا النوع قولك: لا متحرك ولا ساكن إلا بقدر سابق. وقد يحذف النعت للعلم به، فيكتفى بنيته، كقوله تعالى: (وكذَّب به قومك وهو الحق) أي قومك المعاندون. وكقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كلَّ شيء بأمر ربها) أي: كل شيء سلطت عليه، أو أمرت بتدميره. وكقوله تعالى: (إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد). أي: معاد كريم، أو إلى معاد تحبه. ومن حذف النعت للعلم به قول المرقش الأكبر: ورُبَّ أسيلة الخدين بِكرٍ ... مُهَفْهَفةٍ لها فرعٌ وجيدُ أي فرع وافر، وجيد طويل. ومن نادر حذف المنعوت قول الفرزدق: إذا حارب الحجّاجُ أيَّ منافقٍ ... علاه بسيفٍ كلّما هز يَقْطع أي منافقا أيّ منافق، ومثله قول عمرو بن قميئة: لعمرُك ما نفسي بجد رشيدة ... تؤامرني سرا لأصْرِم مَرْثدا أراد: نفسي برشيدة جد رشيدة، ومثله قول ابن أبي ربيعة: إن الثَّواءَ بأرض لا أراك بها ... فاستيقنيه ثواءٌ حق ذي كدر أراد: ذو كدر حق ذي كدر.

стр. 1141

باب عطف البيان ص: هو التابع الجاري مجرى النعت في ظهور المتبوع، وفي التوضيح والتخصيص، جامدا أو بمنزلته. ويوافق المتبوع في الإفراد وضديه، وفي التذكير والتأنيث، وفي التعريف والتنكير، خلافا لمن التزم تعريفهما، ولمن أجاز تخالفهما، ولا يمتنع كونه أخص من المتبوع على الأصح. ش: التابع يعم التوكيد والنعت وعطف البيان وعطف النسق والبدل. والجاري مجرى النعت يخرج النعت وعطف النسق والبدل. وفي التوضيح والتخصيص يخرج التوكيد لأن من النعت ما يجاء به للتوكيد كـ: (نفخة واحدة)، فهذا النوع من النعت يصدق عليه أنه جار مجراه، فإذا ذكر التوضيح والتخصيص انعزل كل واحد منهما عن الآخر، لأن التوكيد لا يحصل به تخصيص، وإن كان يحصل به توضيح، أي زيادة تبيين. وشارك عطف البيان النعت في ظهور المتبوع، فلا يتبعان ضميرا. وقياس مذهب الكسائي جواز إتباع عطف البيان ضمير الغائب قياسا على النعت. وذكرت: "جامدا أو بمنزلته" توكيدا لإخراج النعت فإنه من جهة المعنى أشبه شيء بعطف البيان، وذلك أنك تقول لمن له ابنان طويل وقصير، واسم الطويل محمد: مررت بابنك الطويل، فيحصل التخصيص بالنعت، ولو ذكرت محمدا موضع النعت لتبين به ما تبين بالنعت، لكن النعت مشتق أو منزل منزلته، كالصعق ونحوه من الأعلام الصادقة بها العلمية بالغلبة، وهي من الصفات لكن وصفيتها بعد الغلبة غير مقصودة، وإنما المقصود بها ما يقصد بالأعلام المرتجلة من تعيين المسمى.

стр. 1142

ولا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، ويتوافقان أيضا في التعريف والتنكير. وزعم الشيخ أبو علي الشلوبين أن مذهب البصريين التزام تعريف التابع والمتبوع في عطف البيان، ولم أجد هذا النقل من غير جهته، وعلى تقدير صحة النقل، فالدليل أولى بالانقياد إليه، والاعتماد عليه، وذلك أن الحاجة داعية إليه في المعرفتين فهي في النكرتين أشد، لأن النكرة يلزمها الإبهام فهي أحوج إلى ما يبينها من المعرفة، فتخصيص المعرفة بعطف البيان خلاف مقتضى الدليل، واستعماله مطلقا مذهب الفراء وغيره من الكوفيين، وهو أيضا مذهب الزمخشري، فإنه حكم بذلك في موضع من الكشاف، وهو أيضا مذهب أبي علي الفارسي، فإنه أجاز العطف والإبدال في "مقام" من قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) فجعله عطف بيان، مع كونه معرفة وآيات نكرة، وقوله في هذا مخالف لإجماع البصريين والكوفيين، فلا يلتفت إليه. وزعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص، بل يساويه أو يكون أعم منه. والصحيح جواز الأوجه الثلاثة، لأنه بمنزلة النعت، وقد تقدم في بابه أن النعت يجوز أن يكون في الاختصاص فائقا ومفوقا ومساويا، فليكن العطف كذلك، وهو مذهب سيبويه ﵀، فإنه أجاز في: ذا الجُمّة، من: ياهذا ذا الجمة، أن يكون عطف بيان أو يكون بدلا، وقد تقدم الكلام على أن اسم الجنس الجامد مثل: رأيت ذلك الرجل، بيان، مع أنه أقل اختصاصا من اسم الإشارة، وتبين دليل ذلك هناك. ص: ويجوز جعله بدلا، إلا إذا قرن بأل بعد منادى، أو تبع مجرورا بإضافة صفة مقرونة بآل، وهو غير صالح لإضافتها إليه، وكذا إذا أفرد تابعا لمنادى، فإنه ينصب بعد منصوب، وينصب ويرفع بعد مضموم، وجعل الزائد بيانا عطفا أولى من جعله بدلا. ش: قد تقدم أن عطف البيان لا بد من موافقته المتبوع في التعريف والتنكير،

стр. 1143

والبدل قد يكون كذلك، وقد لا يكون، فكل عطف بيان قد يجوز جعله بدلا، إلا إذا قرن بأل بعد منادى نحو: ياأخانا الحارث. أو عطف على مجرور بإضافة صفة مقرونة بأل، وهو غير صالح لإضافتها إليه كقول الشاعر: أنا ابنُ التّاركِ البَكْريِّ بِشْرٍ ... عليه الطيرُ تَرْقُبُه وقُوعا فلا يجوز جعل الحارث ولا بشر بدلا، لأن البدل في تقدير مستقل، فيلزم من جعله بدلا تقدير مباشرة الحارث لحرف النداء، وتقدير مباشرة بشر التارك، وذلك ممتنع، والمفضي إلى الممتنع ممتنع، فتعين جعلهما عطفي بيان، ونصب الحارث لأن متبوعه منصوب، كما ينصب النعت الواقع موقعه. فلو كان الحارث تابعا لمنادى مضموم، جاز نصبه على الموضع، ورفعه على اللفظ، كما يجوز في النعت المفرد. ولو كان موضع بشر اسم صالح لإضافة التارك إليه جاز فيه العطف والإبدال، نحو: أنا ابن التارك البكري غلام القوم، فيجوز في: غلام القوم الإبدال، لأنه يجوز أن يضاف إليه التارك، لأن الصفة المقرونة بأل تضاف إلى المضاف إلى المقرون بأل، كما تضاف إلى المقرون، فتقول: عرفت الضارب غلام الرجل، كما تقول: عرفت الضارب الرجل. وإذا أفرد عطف البيان وتبع منادى نصب بعد المنصوب، نحو: ياأخانا زيدا، ونصب أو رفع بعد المضموم نحو: ياغلامُ بشرا وبشرٌ، كما يفعل بالنعت، لأنهما يجريان مجرى واحدا. ولو قصد الإبدال تعين ضم زيد وبشر، فإنهما عند قصد الإبدال في حكم ما باشر حرف النداء. وكل ما صلح للعطفية والبدلية، وكان فيه زيادة بيان، فجعله عطفا أولى من جعله بدلا، كقوله تعالى: (أو كفّارةٌ طعامُ مساكين) وكقوله تعالى: (ويُسقى

стр. 1144

من ماء صديد) و (من شجرة مباركة زيتونة) ومن هذا قول ذي الرمة: لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لعَسَ ... كالشمس لما بدت أو تشبه القمرا لأن الحوة السواد مطلقا، واللعس سواد يسير.

стр. 1145

باب البدل ص: وهو التابع المستقل بمقتضى العامل تقديرا دون مُتبِع، ويوافق المتبوع ويخالفه في التعريف والتنكير. ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر، وما أوهم ذلك جعل توكيدا إن لم يفد إضرابا. فإن اتحدا معنى يمي بدل كل من كل، ووافق أيضا في التذكير والتأنيث، وفي الإفراد وضديه ما لم يقصد التفصيل، وقد يتحدان لفظا إن كان مع الثاني زيادة بيان. ولا يُتْبع ضمير حاضر في غير إحاطة إلا قليلا. ويسمى بدل بعض إن دل على بعض الأول، وبدل اشتمال إن باين الأول وصح الاستغناء به عنه ولم يكن بعضه، وبدل إضراب أو بداء إن باين الأول مطلقا وقصدا، وإلا فبدل غلط. ويختص بدلا البعض والاشتمال بإتباعهما ضمير الحاضر كثيرا، وبتضمن ضمير أو ما يقوم مقامه. ش: البدل تابع للمبدل منه، وهو مع تبعيته في تقدير المستقل بمقتضى العامل، وفي حكم تكريره، ولذلك يعاد معه العامل كثيرا نحو: (للذين استُضعفوا لمن آمن منهم) و: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله) وكقول النبي ﷺ : "وإنما نزل القرآن بلساني، بلسان عربي مبين" وكقول الأخطل: حوامل حاجاتٍ ثقالٍ تَجُرُّها ... إلى حسنِ النُّعْمى سَواهِمُ نُسَّلُ

стр. 1146

وكقول الحطيئة: كفيت بهامازنا كلَّها ... أصاغرها وكفيت الكهولا ولكونه في تقدير حكم العامل منع أبو الحسن: مررت برجل قائم زيد أبوه، على البدل، وأجازه على أن يكون صفة، ولا يلزم من هذا تقدير عامل آخر إذا لم يعد العامل، كما لا يلزم ذلك في عطف النسق مع كثرة إعادة العامل معه. وتقدير عامل آخر في كل بدل مذهب ابن خروف، قال: ولذلك بني البدل المفرد على الضم بعد المنادى المضاف نحو: ياأخانا زيد. وظاهر قول سيبويه أن عامل البدل هو عامل المبدل منه، لأنه قال في بعض أبواب البدل: هذا باب من الفعل يستعمل في الاسم، ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر، فيعمل فيه كما عمل في الأول، وذلك قولك: رأيت قومك أكثرهم، ورأيت قومك ثلثهم" فهذا تصريح بأن العامل في البدل ومتبوعه واحد. ولأنه قال في بعض أبواب الحال بعد تمثيله بدخلوا الأول فالأول، وإن شئت رفعت فقلت: الأولُ فالأول، جعلته بدلا وحملته على الفعل، كأنه قال: دخل الأول فالأول. ثم قال: فإن قيل: ادخلوا، فالنصب الوجه، ولا يكون بدلا، لأنك لو قلت: ادخل الأول فالأول لم يجز. فهذا تصريح بأن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، والأول أصرح. ولا حجة لابن خروف في لزوم ضم المفرد المبدل من المضاف، كما لا حجة لمن زعم أن عامل المعطوف غير عامل المعطوف عليه محتجا بضم زيد في نحو: ياأخانا وزيد. والجواب عنهما أن العرب التزمت في البدل والمعطوف أحد الجائزين في القياس، وهو تقدير حرف النداء، تنبيها على أنهما في غير النداء في حكم المستقل بمقتضى العامل، فلم يجز لنا أن نخالف ما التزمته. وخص المعطوف والبدل بهذا لأن المعطوف

стр. 1147

غير المعطوف عليه، وكذا البدل إذا لم يكن بدل كل من كل، ولو لم يكن العامل في البدل والمبدل منه واحدا لزم اطراد إضمار الجار والجازم في الإبدال من المجرور والمجزوم، وذلك ممتنع، وما أفضى إلى الممتنع ممتنع. قلت: وإذا تقررت هذه القاعدة فلنعد إلى الكلام على حد البدل، فالتابع يعم التوابع الخمسة، والمستقل بمقتضى العامل تقديرا يخرج ما سوى البدل إلا المعطوف ببل ولكن، فإنه داخل تحت المستقل بمقتضى العامل تقديرا، ولكن حصول تقدير الاستقلال له يمتنع، وحصوله للبدل غير ممتنع، فلذلك قلت: دون متبع. وتبدل المعرفة من المعرفة نحو: (بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد * الله) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكوفيين. والنكرة من النكرة نحو: (إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا) والمعرفة من النكرة نحو: (وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم * صراط الله) والنكرة من المعرفة نحو: (لنسفعا بالناصية * ناصية) واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من المعرفة اتحاد اللفظين كما هو في: الناصية وناصية. والعرب لا تلتزم ذلك، ومن الحجج عليهم قول الشاعر: ولم يلبث العصران يومٌ وليلةٌ ... إذا طلبا أن يُدْرِكا ما تَيَمَّما ومنها ما أنشد أبو زيد من قول الشاعر: فلا وأبيك خيرٍ منك إني ... ليُؤْذيني التَّحَمْحُم والصَّهيل

стр. 1148

ويبدل الظاهر من المضمر كثيرا، ومنه قول الشاعر: على حالةٍ لو كان في القومِ حاتمٌ ... على جوده لضَنَّ بالماءِ حاتمِ ومنه: المُنْعِمون بنو حرب وقد حَدَقَتْ ... بِيَ المنيةُ واستَبْطأت أنصاري قومٌ إذا حاربوا شَدُّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطْهار بنو حرب بدل من الضمير في "المنعمون" ولا يجوز أن يكون مبتدأ والمنعمون خبرا، لأن: وقد حدقت، حال العامل فيه منعمون، فلو جعل: بنو حرب خبر المبتدأ، لزم الإخبار عن الموصول قبل تمام الصلة. قال أبو الفتح: (وترى كلَّ أمةٍ جاثية كلَّ أمة تُدْعى) وجاز إبدال الثانية من الأول لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى، لأن في الثانية ذكر السبب الداعي إلى جثوها". فهذا الكلام يدل على أن التابع إذا وافق لفظه لفظ المتبوع لا يجعل بدلا حتى يكون معطيا من المعنى بما اتصل به مالم يعطه الأول، بخلاف قول الزمخشري: بك بدل من بك. ويبدل المضمر من الظاهر نحو: رأيت زيدا إياه. والمضمر من المضمر نحو: رأيتك إياك. ولم أمثل بهذين المثالين إلا جريا على عادة المصنفين المقلد بعضهم بعضا. والصحيح عندي أن نحو: رأيت زيدا إياه، لم يستعمل في كلام العرب نثره ونظمه، ولو استعمل لكان توكيدًا لا بدلا. وأما: رأيتك إياك، فقد تقدم في باب التوكيد أن البصريين يجعلونه بدلا، وأن الكوفيين يجعلونه توكيدا، وأن قول الكوفيين عندي أصح، لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل في: رأيتك إياك،

стр. 1149

كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في: فعلت أنت، والمرفوع توكيد بإجماع، فليكن المنصوب توكيدا، فإن الفرق بينهما تحكم بلا دليل. وجعل الزمخشري من أمثلة البدل: مررت بك بك، وهذا إنما هو توكيد لفظي، ولو صح جعله بدلا لم يكن للتوكيد اللفظي مثال يخص به، وعلى هذا وأمثاله نبهت بقولي: ولا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر، وما أوهم ذلك جعل توكيدا " ثم قلت: إن لم يفد إضرابا" فنبهت بذلك على قول القائل: إياك إياي قصد زيد، إذا كان المراد: بل إياي. ثم قلت: فإن اتحدا معنى سمي بدل كل من كل" نحو: مررت بأخيك زيد. وعبرت عن هذا النوع ببدل كل من كل جريا على عادة النحويين، وهي عادة غير مطردة، فإن المراد بها أن يكون مسمى البدل والمبدل منه واحدا، فيدخل في ذلك مالا يطلق عليه كل نحو: (إلى صراط العزيز الحميد * الله) فالعبارة الجيدة أن يقال: بدل موافق من موافق، ولا بد في هذا النوع من التوافق في التذكير والتأنيث، نحو: رأيت أخاك زيدا، وجاريتك رقاش. وفي الإفراد كما سبق، وفي ضديه وهما التثنية والجمع، نحو: عرفت ابنيك المحمدين، وأصحابك الزيدين. وأشرت بقولي: مالم يقصد التفصيل إلى نحو: سألت عن أخويك زيد وعمرو. ومنه قول النبي ﷺ : "فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف" ومنه قول الشاعر: وكنتُ كذي رجلَيْن رجلٍ صحيحةٍ ... ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فَشَلَّت ونبهت بقولي: "وقد يتحدان لفظا إن كان مع الثاني زيادة بيان" على قراءة

стр. 1150

يعقوب: (وترى كلَّ أمة جاثية كلَّ أمة تدعى إلى كتابها) وإلى قول ابن جني: جاز إبدال الثانية من الأولى لأن في الثانية ذكر سبب الجثو، قلت ومثل هذا قول الشاعر: رويد بني شيبانَ بعض وعيدكم ... تلاقوا غدًا خيلي على سَفَوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غَدَتْ في المأزِق المُتداني تُلاقُوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنتْ فيهم يد الحدثان وقد يقع بدل التفصيل بلفظ بعض، كقولك: ضربت الناس بعضهم قائم وبعضهم قاعدا. وإبدال الظاهر الدال على الإحاطة من ضمير الحاضر كثير، لتنزله منزلة التوكيد بكل، فمن ذلك قوله تعالى: (تكونُ لنا عيدا لأولنا وآخرنا) فلأولنا وآخرنا بدل من الضمير في لنا، وقد أعيد معه العامل مقصودا به التفصيل، ومثله قول عبيدة بن الحارث ﵁: فما بَرِحَتْ أقدامُنا في مقامنا ... ثلاثتِنا حتى أُزيرا المَنائيا فلو لم يكن في البدل من ضمير الحاضر معنى الإحاطة جاز على قلة ولم يمتنع، كما زعم غير الأخفش. والدليل على ثبوته قول أبي موسى الأشعري ﵁: "أتينا النبي ﷺ نفرٌ من الأشعريين". ومثله قول الشاعر:

стр. 1151

وشوهاءَ تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمُسْتَلْئمٍ مثل الفَنيقِ المُرَحَّل ومثله: بكم قُريشٍ كُفينا كلَّ مُعْضِلةٍ ... وأمَّ نهجَ الهدى من كان ضِلِّيلا ويسمى البدل بدل بعض من كل إن دل على بعض ما دل عليه الأول، نحو: مررت بقومك ناس منهم، وصرفت وجوهها أولها. ومنه على أجود أحد الوجهين قوله تعالى: (ولله على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا). ويسمى بدل استمال إن باين الأول، أي إن لم يكن بدل كل، فدخل في ذلك بدل البعض وبدل الإضراب والغلط، فخرج بدل البعض بقولي: "ولم يكن بعضه" وخرج بدل الإضراب والغلط بقولي: وصح الاستغناء به" فخلصت العبارة للمسمى بدل اشتمال. وهو إما مصدر دال على معنى قائم بمسمى المبدل منه، كعجبت من زيد حلمه، أو صادر عنه كعجبت منه قراءته، أو واقع فيه مثل: (يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه) أو واقع عليه كدُعيَ زيدٌ إلى الطعام أكله، وإما على ملابس صالح للاستغناء عنه بالأول كـ: (قُتِل أصحابُ الأخدودِ * النارِ) وصلاحيته للاستغناء بالأول شرط في هذه الأمثلة كلها وما أشبهها، ومذهب الزجاجي جعل (النار ذات الوقود) بدل إضراب، وليس ما ذهب إليه بصحيح، لأنه لا يحسن أن يقدر ببل ولكن، والإضراب في المعنى ترك للمضرب عنه، والأخدود غير متروك المعنى. فإن كان الملابس لا يغني عنه الأول كالأخ والعم، وحكى له بدلا، فهو بدل إضراب أو غلط، كقولك: عجبت من زيد أخيه، وانطلقت إلى عمرو عمه. ومن

стр. 1152

شواهد بدل البعض قول الشاعر: وهمْ ضربوكَ ذات الرأس حتى ... بدت أمُّ الدِّماغ من العظام ومنه قول الآخر: رأتني كأفحوص القطاة ذؤابتي ... ... يشتهيها ومن شواهد بدل الاشتمال قول الشاعر: ذريني إنّ أمركِ لن يُطاعا ... وما ألْفيتِني حِلمي مُضاعا ومنها قول رؤبة: أقْحَمني في النَّفْنف النَّفْناف ... قولُك أقوالا مع التِّحْلاف ... فيها ازدِهافٌ أيَّما ازدِهاف وقولي: يسمى البدل بدل إضراب أو بداء إن باين الأول مطلقا وقصدا" نبهت به على أن من البدل ما يجرى مجرى المعطوف ببل، كقولك: أعط السائل رغيفا درهما، أمرت له برغيف، ثم رق قلبك عليه. فأضربت عن الرغيف، وأبدلت منه الدرهم، وهذا النوع مقصود فيه الأول والثاني كالناسخ والمنسوخ، ولو جعل بينهما بل لكان حسنا، ولكن يزول عنه ببل إطلاق البدل، لأن البدل تابع بلا متبع. وبدل البداء كبدل الإضراب لفظا ومعنى. وقولي: "إن باين الأول مطلقا" أشرت به إلى أن البدل كله مباين بوجه، فبدل الكل مباين لفظا موافق معنى. أو متحدان لفظا متباينان معنى بزيادة بيان، كقراءة

стр. 1153

يعقوب: (وترى كلَّ أمة جاثية كلَّ أمة تدعى إلى كتابها). وبدلا البعض والاشتمال متباينان لفظا ومعنى، لكن بينهما وبين متبوعهما ملابسة تجعلهما في حكم المتحدين، فالمباينة فيما بينهما مقيدة لا مطلقة، بخلاف بدل الإضراب فإنه مباين لفظا ومعنى، ولا ملابسة بينه وبين المتبوع، فكان التباين بينهما مطلقا لا مقيدا. وإن كان الأول عاريا من القصد كقولك وقد رأيت زيدا لا عمرا: رأيت عمرا زيدا، فبدل غلط وذكر بل أيضا هنا حسن. ويختص بدلا البعض والاشتمال بإتباعهما ضمير الحاضر كثيرا نحو: ألفيتني حلمي مضاعا ويختصان أيضا بتضمنهما ضميرا عائدا على المبدل منه نحو: ضربت زيدا رأسه، وأعجبتني الجارية حسنها. وقد يستغنى عن لفظ الضمير بظهور معناه نحو: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقول الشاعر: لقد كان في حول ثواءٍ ثويتَه ... تُقَضَّى لُباناتٌ ويسأمُ سائمُ ويجوز البدل بالألف واللام كقولك: ضربوك ذات الرأس. ومنه على أحد الوجهين قوله تعالى: (جناتِ عدْنٍ مُفَتَّحةً لهم الأبوابُ) ومنه قول الراجز: غمرتَ بالإحسان كلّ الناس ... ومنْ رجاك آمِنٌ مِنْ ياس ومن الاستغناء عن الضمير بالألف واللام قوله تعالى: (قُتِل أصحاب

стр. 1154

الأخدود * النار ذات الوقود). فصل: ص: المُشْتَمِل في بدل الاشتمال هو الأول، خلافا لمن جعله الثاني والعامل، والكثير كون البدل معتمدا عليه، وقد يكون في حكم المُلْغَى. وقد يُسْتَغنى في الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه، ويقرن البدل بهمزة الاستفهام إن تضمن متبوعه معناها. وقد تبدل جملة من مفرد. ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان. وما فُصِّل به مذكور وكان وافيا ففيه البدل والقطع، وإن كان غير واف تعين قطعه إن لم ينو معطوف محذوف. ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل، ثم بالنسق. ش: مذهب الفارسي كون المشتمل هو الأول، ومذهب غيره أنه التابع، وظاهر قول المبرد أنه العامل. ومذهب الفارسي هو الصحيح، لأن الثاني والثالث لا يطردان، لأن من بدل الاشتمال: أعجبني زيد كلامه وفصاحته، وكرهت عمرا ضجره، وساءني خالد فقره وعرجه. فالثاني في هذا وأمثاله غير مشتمل على الأول، فلم يطرد كون الثاني مشتملا. وأما عدم اطراد الثالث فظاهر، لأن من جملة بدل الاشتمال: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) والعامل فيه ليس مشتملا على المتبوع والتابع. والكثير كون البدل مُعتمدا عليه بما تدعو الحاجة إليه من خبر وغيره، كقولك: إن الجارية هندا حُسْنَها فائق، وإن زيدا نجابته بينة، وكقول الشاعر: وما كان قيسٌ هُلكهُ هُلْكَ واحدٍ ... ولكنه بنيانُ قومٍ تَهدّما ويقل الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغى، كقول الشاعر:

стр. 1155

فكأنه لَهِقُ السَّراة كأنه ... ما حاجبَيْه مُعَيَّنٌ بِسَواد فجعل حاجبيه وهو بدل في حكم ما لم يذكر، فأفرد الخبر، ولو جعل الاعتماد على البدل لثني الخبر، كما تقول: إن زيدا يديه منبسطتان بالخير، ولو جعلت البدل في حكم الملغى لقلت: إن زيدا يديه منبسط بالخير. ومثل: كأنه ما حاجبيه معين، قول الآخر: إن السيوف غدوَّها ورواحَها ... تركت هوازنَ مثلَ قَرْن الأعْضَب فجعل الخبر للسيوف، وألغى غدوها ورواحها، ولو لم يلغهما لقال: تركا، كما تقول: الجارية خَلْقُها وخُلُقها سيان. ومن الاعتماد على المبدل منه وجعل البدل في حكم الملغى قولك: زيد عرفت أخاه عمرا، وجاء الذي رغبت فيه عامرٍ. وقد يستغنى في الصلة عن لفظ المبدل منه كقولك: أحسن إلى الذي وصفت زيدا، بالنصب على الإبدال من الهاء المقدرة، وبالجر على الإبدال من الذي، وبالرفع على جعله خبر مبتدأ. ويجب اقتران البدل بهمزة استفهام إن تضمن المبدل منه معناها كقولك: كيف زيد، أمريض أم صحيح؟ وما عندك، أدرهم أم دينار؟ وكم دراهمك، أعشرون أم ثلاثون؟ وتبدل جملة من مفرد كقولك: عرفت زيدا أبو مَنْ هو. أي عرفت زيدا أبوته، ومنه قول الشاعر:

стр. 1156

لقد أذْهلتني أمُّ سَعْد بكلمة ... تصبر ليوم البينِ أم لسْتَ تصْبرُ فالجملة الاستفهامية التي بعد "كلمة" بدل منها، لأن الكلمة هنا بمعنى الكلام، ومنه قول الآخر: إلى اللهِ أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى كيف يَلْتقيان قال أبو الفتح بن جني: كيف يلتقيان بدل من حاجة، كأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما. ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: (ما يُقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم) فإن وما عملت فيه بدل من "ما" وصلتها، على تقدير: ما يقال لك إلا إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم. وجاز إسناد يقال إلى إن وما عملت فيه، كما جاز إسناد قيل إليهما في قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله حق) ومن إبدال الجملة من المفرد: (هل هذا إلا بشرٌ مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) قال الزمخشري: وهذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى. ومن إبدال الجملة من المفرد قول أبي زبيد الأسدي: لما دنا مني سمعت كلامه ... من أنت لاقيت أمر سرور ويبدل فعل من فعل موافق له في المعنى مع زيادة بيان، كقوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) وكقول الشاعر:

стр. 1157

متى تأتنا تُلْمم بنا في ديارنا ... تَجِدْ حَطبًا جَزْلا ونارا تأججا ومنه: إنّ عليّ اللهَ أن تبايعا ... تُؤخذَ كرها أو تجيءَ طائعا وإذا قصد تفصيل مذكور بما هو صالح للبدلية، وكان وافيا بآحاد المذكور جاز البدل والقطع، كقول الشنفري: ولى نحوكم أهْلون سِيدٌ عَمَلّس ... وأرْقَطُ زُهْلُول وعرفاءُ جَيْألُ فلك في "سيد" وما بعده أن تجعله بدلا من "أهلون" ولك أن تقطعه على إضمار مبتدأ. فلو كان المفصل غير واف بآحاد المذكور تعين القطع على الابتداء وجعل الخبر "مِنْ" وضميرا مجرورا بها كقول النبي ﷺ : "اجتنبوا الموبقاتِ، الشركُ بالله والسحرُ" ومثل هذا قوله تعالى: (فيه آياتٌ بينات مقامُ إبراهيم) أي منها مقام إبراهيم. ويروى: اجتنبوا الموبقات، الشركَ بالله والسحرَ بالنصب على البدل وحذف معطوف، والتقدير: اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر وأخواتهما، وجاز الحذف لأن الموبقات سبع ثبتت في حديث آخر، واقتصر هنا على ثنتين تنبيها على أنهما أحق بالاجتناب.

стр. 1158

ويبدأ اجتماع التوابع بالنعت لأنه كجزء من متبوعه، ثم بعطف البيان لأنه جار مجراه، ثم بالتوكيد لأنه شبيه بعطف البيان في جريانه مجرى النعت، ثم بالبدل لكونه تابعا كلا تابع، لكونه كالمستقل، ثم بعطف النسق لأنه تابع بواسطة، فيقال: مررت بأخيك الكريم محمد نفسه رجل صالح ورجل آخر، والله أعلم.

стр. 1159

باب المعطوف عطف النسق ص: وهو المجعول تابعا بأحد حروفه، وهي الواو والفاء وثم وحتى وأم وأو وبل ولا، وليس منها لكن وفاقا ليونس، ولا "إما" وفاقا له ولابن كيسان وأبي علي، ولا "إلا" خلافا للأخفش والفراء، ولا "ليس" خلافا للكوفيين، ولا "أي" خلافا لصاحب المستوفى. ش: المجعول تابعا يعم الأقسام الخمسة، وتقييد الجعل بأحد الحروف مخرج للأربعة، وقاصر العبارة على لامقصود، وهو المعطوف عطف النسق. والضمير في قولي: "بأحد حروفه" عائد على النسق. وذكرتها الآن متتابعة عارية من شرح معانيها وبيان أحكامها لتحفظ جملة، ويعلم منها المجمع عليه والمختلف فيه، فنفيت أن يكون منها لكن موافقا ليونس، فإنها عنده حرف استدراك لا حرف عطف، فإن وليها مفرد معطوف، فعطفه بواو قبلها لا يستغنى عنها إلا قبل جملة مصرح بجزأيها، نحو: ما قام سعد ولكن سعيد، ولا تزر زيدا ولكن عمرا، ولو كانت عاطفة لاستغنى بها عن الواو، كما استغنى ببل وغيرها. وما يوجد في كتب النحويين من نحو: ما قام سعد لكن سعيد، ولا تزر زيدا لكن عمرا، فمن كلامهم لا من كلام العرب، ولذلك لم يمثل سيبويه في أمثلة العطف إلا بولكن، وهذا من شواهد أمانته، وكمال عدالته، لأنه لا يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو، وترك التمثيل به لئلا يعتقد أنه مما استعملته العرب. ومع هذا ففي المفرد الواقع بعد ولكن إشكال، لأنه على ما قررته معطوف بالواو، مع أنه مخالف لما قبلها، وحق المعطوف بالواو أن يكون موافقا لما قبلها، فالواجب أن يجعل من عطف الجمل، ويضمر له عامل، كأنه قال: ما قام سعد ولكن قام سعيد، ولا تزر زيدا ولكن زر عمرا، لأن الجملة المعطوفة بالواو يجوز كونها موافقة ومخالفة، فالموافقة نحو: قام زيد وقام عمرو،

стр. 1160

والمخالفة نحو: قام زيد ولم يقم عمرو. ونفيت أن تكون "إما" حرف عطف لأنها أيضا لا يليها معطوف إلا وقبلها الواو، كقوله تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة) فالعطف بالواو لا بها، لأن عطفية الواو إذا خلت من إما ثابته، وعطفية إما إذا خلت من الواو منتفية، والأصل استصحاب ثبوت ما ثبت ونفي ما نفي. وأيضا فإن توسط الواو بين إما وإما كتوسطها بين لا ولا في نحو: زيد لا بخيل ولا جبان، والعطف قبل "لا" بالواو بإجماع، فيكن بها قبل إما ليتفق المتماثلان ولا يختلفا. ومن زعم أن إما عاطفة فله شبهتان: إحداهما أن الواو قد تحذف ويستغنى بإما كقول الشاعر: ياليتما أمنا شالتْ نعامتها ... إما إلى جَنَّةٍ إما إلى نار وكقول الراجز: لا تُتْلفوا آبالكم ... إمالنا وإمالكم الثانية: أنّ أو تعاقبها، كقراءة أبي ﵁: (وإنا أو إياكم لإما على هدى أو في ضلال مبين) وأو عاطفة بإجماع، فلتكن إما كذلك، ليتفق المتعاقبان ولا يختلفا. والجواب عن الأولى أن ذلك معدود من الضرورات النادرة، فلا اعتداد به. ومن يرى أنها عاطفة فلا يرى إخلاءها من الواو قياسا على ما ندر من ذلك، فلا يصح استناده إليه، واعتماده عليه.
следующие страницы →