Полный текст (1 399 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وقول الأعشى:
ثُمّتَ لا تَجْزُونني بعد ذاكُمُ ... ولكن سيجزيني الإلهُ فيُعْقِبا
وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم، وهي الفاء الواقعة في جواب شرط أو طلب.
أما الشرط فإذا عطف على جوابه المقرون بالفاء مضارع فالوجه رفعه، كقوله تعالى: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفرُ عنكم من سيئاتكم) لأن الكلام الذي بعد الفاء أجرى مجراه في غير الجزاء، فحق ما عطف عليه أن يكون كذلك، ويجوز فيه النصب بإضمار أن كما تقدم، والجزم أيضا بالعطف على موضع الفاء، كقراءة بعضهم: (من يضلل الله فلا هادي له ويذَرْهم في طُغْيانهم يعمهون) ونظّر سيبويه الجزم فيه بالنصب في قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وأما الطلب فإذا عُطِف على جوابه المقرون بالفاء مضارعٌ كما في قولك: زرني فأزورَك وأحسن عشرتك، فلك في المعطوف النصب على التشريك في عمل أنْ المضمرة، والرفع على الاستئناف، والجزم على توهم حذف الفاء، ومنه قراءة بعضهم: (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّقَ وأكنْ من الصالحين) فالجزم في ذا نظير الجر في قوله:
ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا
стр. 1332
وحكى الفراء عن العرب الرفع والجزم في المضارع المنفي بلا الصالح قبلها كي، وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلتُ، ولا ينفلتْ، وأوثقت العبد لا يفرُّ ولا يفررْ، قال: وإنما جزم لأن تأويله: إن لم أربطه فر، فجزم على التأويل، وأنشد لرجل من عقيل:
وحتى رأَيْنا أحسنَ الفعل بيننا ... مُجاملةً لا يقرف الشَّرَّ قارِفُ
ولآخر:
لو كنتَ إذ جئتَنا حاولت رُؤْيتنا ... أتيتنا ماشيا لا تُعرَفِ الفرسُ
بجزم يقرف وتعرف، ورفعهما.
فصل: ص: تظهر أنْ وتضمر بعد عاطف الفعل على اسم صريح، وبعد لام الجر غير الجحودية، ما لم يقرن الفعل بلا بعد اللام فيتعين الإظهار. ولا تنصب أن محذوفة في غير المواضع المذكورة إلا نادرا، وفي القياس عليه خلاف.
ش: اطرد نصب المضارع بإضمار أن جائزة الإظهار في موضعين: أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على اسم صريح، كقول الشاعر:
لَلُبْسُ عباءة وتقرَّ عيني ... أحبُّ إليّ من لُبْس الشُّفوف
أراد: للبس عباءة وأن تقر عيني، فحذف أن وأبقى عملها، ولو استقام الوزن بإظهار أنْ كان أقيس.
ولا يختص هذا الإضمار بالمعطوف بالواو، بل يجوز في المعطوف بغيرها،
стр. 1333
كالفاء، وثم، وأو، مثاله بالفاء قول بعض الطائيين:
لولا تَوَقُّعُ مُعْتَرٍّ فأُرضيَهُ ... ما كنتُ أُوثِر إتْرابا على تَرَب
ومثاله بثم قول الآخر:
إنّي وقتْلي سُلَيْكا ثم أعقلَه ... كالثور يضربُ لما عافت البقرُ
ومثاله بأو قراءة السبعة إلا نافعا: (أو يرسلَ رسولا) بنصب يرسل، عطفا على "وَحْيا" وأصله: أو أن يرسل رسولا، ومثله قول الشاعر:
ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعزةٌ ... وآلُ سُلَيم أو أسوءَك عَلْقَما
والثاني: أن يكون بعد لام الجر غير المؤكدة للنفي، وهي لام التعليل، كما في نحو: جئت لتحسنَ. ولام العاقبة كما في قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكونَ لهم عدوا وحزنا) والزائدة كما في قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم) فإن الفعل إذا وقع بعد إحدى هذه اللامات كان نصبه بإضمار أن، لأن اللام حرف جر، فهي كسائر عوامل الأسماء في امتناع دخولها على الأفعال، فإذا وليها الفعل وجب أن يكون مقدرا بأن، ليكون معها اسما مجرورا باللام، فنصبوه بها، وإن شئت أظهرت أن نحو: جئت لأن تحسن، وأردت لأن تفعل.
وإنما يجوز إضمار أن وإظهارها بعد اللام المذكورة إذا كان الفعل بعدها مثبتا، فلو كان منفيا بلا وجب إظهار أن، كما في قولك: جئت لئلا تجيء.
ولا يجوز إضمار أن بعد غير اللام من حروف الجر، خصوصا بذلك لكثرة دور معناها في الكلام.
стр. 1334
وقد تحذف أن قبل المضارع في غير المواضع المذكورة، فتلغى غالبا، كقولهم: تسمعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه. وقول الشاعر:
ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرُ الوغى ... وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي
وقول الآخر:
وما راعني إلا يسيرُ بشرطة ... وعَهْدي به قينا يَفُشُّ بِكير
تقديره: أن تسمع، وعن أن أحضر، وإلا أن يسير، ولكنهم رفعوا لأنهم ألْغَوا "أنْ" لما ضعفت بالحذف على غير القياس.
وقد لا يلغونها، فينصبون بها المضارع، كقوله:
فلم أرَ مثلها خُباسَة واحِد ... ونَهْنَهْتُ نفسي بعد ما كدتُ أفْعَلَه
قال سيبويه: "أراد: بعد ما كدت أن أفعله" وهو قليل لا يقاس عليه، ورآه الكوفيون مقيسا، وروَوْا: خذ اللصَّ قبل يأخذَك. وأنشدوا:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوغى
بالنصب.
فصل: ص: تزاد "أنْ" جوازا بعد لمّا، وبين القسم ولو، وشذوذا بعد كاف الجر.
وتفيد تفسيرا بعد معنى القول لا لفظه، وتفيده "أيْ" غالبا فيما سوى
стр. 1335
ذلك. وتقع بين مشتركين في الإعراب فتُعَدّ عاطفة على رأى.
وإن ولى أنْ الصالحة للتفسير مضارع معه "لا" رفع على النفي، وجزم على النهي، ونصب على جعل أنْ مصدرية.
ولا تفيد أن مجازاة خلافا للكوفيين، ولا نفيا خلافا لبعضهم.
ش: أن في الكلام على ثلاثة أضرب: مصدرية، وزائدة، ومفسرة.
فالمصدرية نحو: أريد أن تفعل، وعلمت أن سوف تقوم، وقد تقدم ذكرها.
والزائدة هي التي دخولها في الكلام كخروجها، وتقع بعد لمّا الحينية، كقوله تعالى: (فلمّا أن جاء البشير) وبين القسم ولو، كقولك: أما والله أنْ لو قام زيد قام عمرو، ومثله قول الشاعر:
فأقسمُ أنْ لو التقينا وأنتمُ ... لكان لكم يومٌ من الشَّرِّ مظلمُ
وشذ زيادتها بعد كاف الجر كما في قوله:
كأنْ ظبيةٍ تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَم
يروى بنصب ظبية على أنه اسم كأن، وبرفعها على أنها الخبر، والاسم محذوف، وبجرها على زيادة أن، والكاف حرف تشبيه.
وأما المفسرة فهي الداخلة على جملة محكي بها قول مقدر مفسر بجملة قبله بمعنى القول لا لفظه، مذكورة أو محذوفة، فالمذكورة كقوله تعالى: (ونُودوا أنْ
стр. 1336
تلكمُ الجنة) ومثله: (فأوحينا إليه أن اصنع الفُلْك) وقوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله) لأن "ما أمرتني به" في معنى القول لا لفظه، وما بعده مفسر له، والمعنى: ما أمرتني به أي قول: اعبدوا الله.
وأما المحذوفة فكقوله تعالى: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) المعنى: ثم نهضوا وانطلقوا من مجالسهم يؤمئُون، أي يقول بعضهم لبعض: امشوا. ولو كان المحذوف مقدرا بلفظ القول لم تدخل "أن" كقوله تعالى: "والملائكةُ باسِطو أيديهم أخْرِجُوا أنفسكم) وقوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم).
ولو لم يكن ما قبل أن جملة كما في قوله تعالى: (وآخِرُ دعواهم أن الحمدُ لله رب العالمين) فهي مصدرية في موضع رفع بالخبر لا مفسرة، لأن المفسرة لا تدخل إلا على جملة محكية هي فضلة في الكلام.
ويستفاد التفسير بأي بعد ما فيه معنى القول قليلا، وبعد غيره مما يحتاج إلى التفسير لإجمال اللفظ، أو غرابة فيه، أو حذف منه كثيرا، فيؤتى بها مع المفسر بيانا لما قبلها، أو بدلا منه.
وقد تقع بين مشتركين في الإعراب، فيعدها صاحب المفتاح عاطفة، وليس بمرضى، لأنه يجوز الاستغناء عنها، وحرف العطف لا يستغنى عنه. فإن قلت: إذا جاز الاستغناء عن وقوع أي بين المشتركين في الإعراب، فما الفائدة في ذكره؟ قلت: الفائدة هي التنبيه على حاجة ما قبلها إلى التفسير، ورفع توهم
стр. 1337
كون التابع بدل غلط أو نسيان أو إضراب.
ويجوز الحكم على أن الصالحة للتفسير بكونها مصدرية، فتقول: أشرت إليه أن أفعل. على معنى: أشرت إليه بالفعل، بدليل ظهور الباء في قولهم: أوعزت إليه بأن افعل.
وإذا وَلِيَ أن هذه مضارع، فإن كان مثبتا كقولك: أوحيت إليه أن يفعل، جاز رفعه على معنى أي، ونصبه على جعل أنْ مصدرية.
وإن كان بعد "لا" جاز جزمه على النهي، وكون أن مصدرية، ورفعه ونصبه على النفي ومعنى أي، أو كون أن مصدرية.
وزعم الكوفيون في أنْ أنها حرف مجازاة في مثل قوله:
أتَجْزَعُ أنْ أُذْنا قُتَيْبةَ حُزَّتا ... جهارا ولم تَجْزعْ لقتل ابن مالك
لصحة وقوع إنْ موقعها، كقولك: أتجزع إنْ أذنا قتيبة حزتا؟ والصحيح أنها مصدرية مقدر معها اللام، كأنه قال: أتجزع لأن حزت أذنا قتيبة.
ولا تدل أنْ على نفي خلافا لبعضهم.
فص: ص: المنصوب بعد حتى مستقبل، أو ماض في حكمه، وعلامة ذلك كون ما بعدها غاية لما قبلها، أو متسببا عنه، وإن كان الفعل حالا أو مؤولا به رفع، وعلامة ذلك صلاحية جعل الفاء مكان حتى، وكون ما بعدها فضلة متسببا عما قبلها ذا محل صالح للابتداء، فإن دل على حدث غير واجب تعين النصب خلافا للأخفش.
ش: حتى الداخلة على المضارع إما حرف بمعنى إلى أو كي، فيليها المضارع غاية لما قبلها أو مسببا عنه، وينصب بأن مضمرة لكونه من تمام الكلام الذي
стр. 1338
قبلها، وإما حرف ابتداء بمنزلة الفاء، فتأتي بعد تمام الكلام، داخلة على جملة محصلة المعنى، مسببة عما قبلها، متصلة به، أو منقطعة عنه، فيليها المضارع مرفوعا لكونه مستأنفا لم يدخل عليه ناصب ولا جازم.
ولا يخلو المضارع بعد حتى من أن يكون مستقبلا أو حالا أو ماضيا، فإن كان مستقبلا فهي حرف جر بمعنى إلى أو كي، والفعل بعدها نصب بإضمار أن، ليكون معها اسما مجرورا بحتى، وذلك قولك: لأسيرن حتى تطلعَ الشمس، أي: إلى أن تطلع الشمس، وكلمته حتى يأمر بشيء، أي: كي يأمر، ولا يجوز كونها ابتدائية ورفع ما بعدها، لأنه غير محصل لكونه مستقبلا.
وإن كان المضارع بعد "حتى" حالا فهي حرف ابتداء، وما بعدها رفع، لأنه منقطع عما قبلها، فلم يدخل عليه ناصب ولا جازم، وذلك قولك: سرت حتى أدخُلها الآن، ومرض حتى لا يرجونه، وضرب أمس حتى لا يستطيعُ أن يتحرك اليوم، ورأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيعُ أن أكلمه العام بشيء، وقول حسان:
يُغْشَوْن حتى ما تَهِرُّ كلابُهم ... لا يسألون عن السَّواد المُقْبِل
ولا يجوز أن تكون جارة، لأن الجارة لا تدخل على المضارع إلا منصوبا بأن مضمرة، وأن لا تنصب الحال.
وإن كان المضارع بعد حتى ماضي المعنى فهو مؤول إما بالمستقبل نظرا إلى أنه غاية لما قبل حتى، فهو مستقبل بالإضافة إليه، وإما بالحال على قصد الإخبار بمضى ما قبل حتى وحكاية حال ما بعدها.
فإن كان الماضي المعنى غير فضلة، أو غير متسبب عما قبل حتى، أو محله غير صالح للابتداء لأنه جعل غاية، فهو مؤول بالمستقبل.
فالأول كما إذا وقع اسم كان الناقصة، كقولك: كان سيري حتى أدخلَها، فتنصب على التأويل بالمستقبل، وجعل حتى الجارة في موضع خبر كان، ولا يجوز
стр. 1339
الرفع على التأويل بالحال، وجعل حتى ابتدائية، لئلا تبقى كان بلا خبر، فإن حتى الابتدائية بمنزلة الفاء.
والثاني كما إذا كان الدخول من شخص والسير من آخر، فقلت: كنتُ سرت حتى يدخلَها زيد، فإنك تنصب على التأويل بالمستقبل وجعل حتى جارة، والمعنى: إلى أن يدخلها زيد. ولا يجوز الرفع على الحال وجعل حتى ابتدائية، لأن حتى الابتدائية لا تخلو من معنى السببية، وسيرك لا يكون سببا لدخول غيرك.
والثالث كما إذا أردت بيان الغاية فقلت: كنت سرت حتى أدخلَها، فتنصب على معنى: إلى أن أدخلها، ولا يجوز الرفع، لأن الغاية حرف جر، وحرف الجر لا يليه المبتدأ والخبر، فلا يليه الفعل المرفوع.
وإذا كان الماضي المعنى متسببا عما قبلها، وكان ذا محل صالح للابتداء، لأن المراد بيان السببية، فهو مؤول بالحال فيرفع، لأن حتى قبل الحال حرف ابتداء بمنزلة الفاء، وذلك قولك في كان التامة: كان سيرى حتى أدخلُها، لأنه تم الكلام قبل حتى، فيبقى ما بعدها جملة مستأنفة، فيرفع على معنى: فأنا أدخلها، لأن حتى الابتدائية بمنزلة الفاء في السببية، ولأنها لا تقع بين العامل ومعموله، وليست بمنزلة الفاء في إشْراك الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم أجئ فآكل، لجواز مجيئها حيث لا يصح التشريك، كقولك: كان سيرى شديدا حتى أدخلُها. ويجوز تأويله بالمستقبل وقصد الغاية فينصب، على معنى: إلى أن أدخلها، ومثله: (وزُلزِلوا حتى يقولَ الرسول) قراءة نافع بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
واعلم أن المضارع الماضي المعنى إنما يرتفع بعد حتى إذا كان متسببا عما قبلها، فلهذا لا يرتفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان واجبا، أي حاصلا لحصول سببه يقينا أو ظنا، فإن الضمير ينعقد على الظن كانعقاده على العلم، وذلك قولك: إن
стр. 1340
زيدا سار حتى يدخلُها، وما سار إلا قليلا حتى يدخلُها، وأظن عبد الله سار حتى يدخلُها، فلك في كل هذا الرفع على الابتداء، لأن الدخول قد وجب بوجوب السير، وتأدّى به.
وإن كان الماضي المعنى بعد حتى غير واجب، لأن ما قبله غير مؤد إليه، ولا مسبب له، كقولك: ما سار زيد حتى يدخلَها، تعين النصب على الغاية، وقصد معنى: ما سار إلى أن يدخلها، بل إلى ما دون ذلك، لأنك لو رفعته على الابتداء لكان ما بعد حتى الابتدائية غير محصل، ولا متسبب عما قبلها، وذلك لا يكون.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، بالنصب إن أردت النفي، وإن أردت بيان أنك سرت قليلا نصبت على الغاية، ورفعت على الابتداء.
وتقول: إنما سرت حتى أدخلها، بالنصب إن أردت الغاية، أو تحقير السير، وجعلته سيرا لا يوجب الدخول. وإن لم ترد ذلك تعين الرفع.
وأجاز الأخفش رفع غير الواجب، وقال: ما سرت حتى أدخلُها، معنى الرفع فيها صحيح، إلا أن العرب لا ترفع غير الواجب، ألا ترى أنك لو قلت: ما سرت فأدخلها، أي ما كان مني سير ولا دخول. أو قلت: ماسرت فإذا أنا داخل الآن لا أمتنع، كان حسنا". وغلط في ذلك بأن الدخول في حتى إذا وقع إنما يقع بالسير، قال السيرافي: والذي عندي أن أبا الحسن أراد أن "ما" تدخل على: سرت حتى أدخلها، بعد وجوب الرفع، فتنفي جملة الكلام، فلذلك رآه صحيحا في القياس، وإن كانت العرب لا تتكلم به.
стр. 1341
باب عوامل الجزم
ص: منها لام الطلب مكسورة، وفتحها لغة بعد الفاء والواو وثم، وتلزم في النثر في فعل غير الفاعل المخاطب مطلقا، خلافا لمن أجاز حذفها في نحو: قل له ليفعل. والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوه منها ومن حرف المضارعة. وهو موقوف لا مجزوم بلام محذوفة، خلافا للكوفيين. ولا بمعنى الأمر خلافا للأخفش في أحد قوليه، ويلزم آخره ما يلزم آخر المجزوم.
ش: عوامل الجزم لام الأمر، ولا التي للنهي، ولم، ولمّا أختها، وإن الشرطية وما ضمن معناها. وإنما عملت الجزم لأنها اختصت بالأفعال ولازمتها، ولم تنزل منها منزلة الجزء، فاقتضى ذلك أن تؤثر فيها وتعمل، لأن كل ما لازم شيئا أثر فيه غالبا، فعملت فيها الجزم لأنه أنسب، وذلك لأن الفعل بعد لام الأمر شبيه بالأمر المبني على السكون، ومثله في المعنى، فحمل عليه في اللفظ، فأعرب بالجزم الشبيه بالبناء.
وأما النهي فإنه يجزم فعله لأنه نقيض الأمر المبني.
كما يجزم الفعل بلم ولما، لأنه نقيض الماضي، والماضي مبني.
وأما إن الشرطية فلأنها تقتضي جملتين: شرطا وجزاء، وإنما عملت الجزم لأنه أخف وأحسن مع الإطالة.
واعلم أن الفعل يجزم باللام في الأمر، وهو طلب الفل على سبيل الاستعلاء نحو: (ليُنْفِق ذو سَعَة) وفي الدعاء، وهو طلب الفعل على سبيل
стр. 1342
الخضوع، نحو: (ليَقْضِ علينا ربُّك) ومثله قول أبي طالب:
يا ربِّ إما تُخْرجَنّ طالبي ... في مِقْنَب من تلكُمُ المقانب
فليكُن المغلوبُ غيرَ الغالب ... وليكن المسلوبُ غيرَ السالب
فلذلك سماها لام الطلب، والنحويون يسمونها لام الأمر، لأنه الأصل فيها.
ولام الأمر مبنية على الكسر، لأنه أقرب إلى الجزم، لأنها حركة مقابل مقابله وهو الجر. ومن العرب من يبنيها على الفتح، قال الفراء في كلامه على قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) بنو سليم يفتحون لام الأمر نحو: "ليقم زيد".
وإذا وقعت لام الأمر بعد الفاء والواو وثم جاز تسكينها جملا على فعل، وإجراء للمنفصل مجرى المتصل لكثرة الاستعمال، وهو مع الواو والفاء أعرف من التحريك، ولذلك اتفق القراء على التسكين فيما سوى: (ولِيُوفوا نُذُورهم ولِيَطَّوَّفوا) وفي: (ولِيتمتعوا) فيما ولى واوا وفاء، كقوله تعالى: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي) وقوله تعالى: (فليكتب وليُمْلِل الذي عليه الحق وليتق الله) وقوله تعالى: (فلتقم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفةٌ أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حِذرهم وأسلحتهُم).
стр. 1343
وأما تسكين اللام بعد ثم فقليل ومنه قراءة أبي عمرو وغيره: (ثم لْيقْضوا تَفَثَهم).
وتلزم لام الأمر في النثر فعل غير الفاعل المخاطب، وهو فعل الفاعل الغائب أو المتكلم، وحده أو مشاركا، وفعل ما لم يسم فاعله مطلقا، كقولك: ليقم زيد، وقوله ﷺ : "قوموا فَلأُصَلِّ لكم" وقوله تعالى: (ولنحمل خطاياكم) وقولهم: لتُعْنَ بحاجتي، وليُزْهَ زيدٌ علينا، فاللام في كل هذا واجبة الذكر، ولا يجوز حذفها في مثله إلا في الشعر فإنه محل الاختصار والتغيير، فيجوز فيه حذف اللام وجزم الفعل بها مضمرة لاضطرار ودونه، فالأول، كقول الشاعر:
فلا تَسْتَطِلْ منِّي بقائي ومُدَّتي ... ولكنْ يكنْ للخيرِ منك نصيبُ
أراد: ليكن للخير منك نصب، ولكنه اضطر فحذف، والثاني كقول الآخر:
على مثلِ أصحابِ البعوضة فاخمِشي ... لك الويلُ حرَّ الوجه أو يَبْكِ من بكَى
لتمكنه من أن يقول: وليبك من بكى. ومثله قول الآخر:
قلت لبواب لديه دارها ... تأذنْ فإني حَمْؤُها وجارها
стр. 1344
لأنه لو لم يؤثر الجزم باللام المحذوفة لقال: ايذن، بلفظ الأمر. فأما قول الشاعر:
محمدُ تَفْد نفسَك كلُّ نفس ... إذا ما خِفْتَ من شيء تَبالا
فليس يثبت، لجواز أن يكون أراد: تفدي نفسك، على الخبر، ولكن حذف الياء تخفيفها، كما حذفوا في: الأيد، يريد: الأيدي، وكذلك ما أنشده الفراء:
مَنْ كان لا يزعمُ أني شاعرُ ... فَيَدْنُ منِّي تَنْهَهُ المَزاجِرُ
لأنه لو أراد الأمر لقال: فليدن مني، وإنما أراد عطف يدنو على يزعم، وحذف الواو من يدنو، لدلالة الضمة عليها، كما قال:
فيا ليت الأطِبا كانُ حولي
فحذف واو الضمير اكتفاء بالضمة. وأما تَنْه فمجزوم لأنه جواب مَنْ.
ولا يجوز في غير الشعر حذف لام الأمر، خلافا للكسائي، قال ثعلب: قال الكسائي في قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا) هو: ليغفروا، فأسقط اللام، وترك يغفروا مجزوما.
قلت: والوجه أن يكون مجزوما بجواب الأمر على معنى: إن تقل لهم: اغفروا يغفروا.
والغالب في أمر الفاعل المخاطب خلوه من اللام ومن حرف المضارعة، وقد لا يخلو منهما كقراءة عثمان وأنس وأبيّ: (فبذلك فلْتَفْرحوا)
стр. 1345
وكقوله ﷺ : "لِتأخذوا مَصافَّكم" وهو قليل، والكثير المعروف في كلامهم مجيء أمر الفاعل المخاطب مجردا من اللام ومن حرف المضارعة، مجعولا آخره كآخر المجزوم.
فإن لم تتصل به ألف اثنين، أو واو جمع، أو ياء مخاطبة، فإن كان صحيحا فهو ساكن الآخر، نحو: اذهبْ واضربْ واخرجْ.
وإن كان معتلا فهو محذوف الآخر نحو: اخشَ وارمِ واغزُ.
وإن اتصل به ألف اثنين، أو واو جمع، أو ياء مخاطبة ثبتت في آخره بغير نون نحو: اضربا واضربوا واضربي.
وليس ذلك جزما بل بناءً، لأن دلالة "اضرب" ونحوه على الجزم إما بإضمار اللام، وهو مضارع محذوف منه حرف المضارعة، وإما بتضمين معناها، وهو مثال مأخوذ من لفظ المصدر للدلالة على الحدث، والنسبة تفيد الطلب.
لا جائز أن يكون بالإضمار، لما فيه من كثرة الحذف لغير موجب، فتعين أن يكون بالتضمين، وإذا كانت دلالة اضرب ونحوه على الأمر بتضمن معنى اللام، وجب الحكم عليه بالبناء لوجهين: أحدهما: عدم وجود علة الإعراب فيه، وهي شبه الاسم، فإن المضارع إنما أعرب لشبه بالاسم، إما لجواز قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، وإما في احتمال الإبهام والتخصيص، وقبول لام الابتداء، والجريان على حركات اسم الفاعل وسكناته، وذلك وشبهه مفقود من فعل الأمر، فوجب أن يكون مبنيا كالماضي.
الثاني: أن فعل الأمر لو كان معربا لكان مجزوما، لأنه أبدا ساكن الآخر أو محذوفه، ولو كان مجزوما لكان الجازم له إما اللام وإما غيرها. لا جائز أن يكون مجزوما باللام، لأن المتضمن يمنع من إظهار مثله، لأنه لا فائدة فيه، ولا يصح أن يعمل متضمنه كما لا يعمل الشيء في نفسه. ولا جائز أن يكون مجزوما بغيرها لاستحالة تقديره، فتعين الحكم عليه بالبناء.
стр. 1346
وذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر مجزوم بلام محذوفة وهو مضارع حذف منه حرف المضارعة، لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لوجوب حذف آخر المعتل منه وجه. وهو ضعيف لجواز أن يكون الوجه في حذف آخر المعتل من فعل الأمر هو طلب التخفيف، استثقالا لحرف العلة المتطرف الساكن، ثم التزموا حذفه، كما أجازوا حذف المتحصن بالحركة المقدرة، كقراءة من قرأ: (يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه) و: (ذلك ما كنا نبغ) ولو لم يكن لحذف آخر فعل الأمر المعتل وجه من المناسبة والاستحسان، لكان دعواه أيسر من دعوى حذف لام الأمر وحرف المضارعة.
والمشهور عن الأخفش موافقة سيبويه في الحكم على فعل الأمر بالبناء، وعنه أيضا قول آخر وهو أن فعل الأمر مجزوم بمعنى الأمر، وهو قول بما لا نظير له، من غير دليل عليه.
ص: ومنها "لا" الطلبية، وقد يليها معمول مجزومها، وجزم فعل المتكلم بها أقل من جزمه باللام.
ش: من عوامل الجزم "لا" الطلبية، وهي الدالة على النهي عن الفعل كقوله: (لا تحْزَن) أو الدعاء بترك شخص أو عليه، كقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخِذْنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصْرا).
والثاني كقول الشاعر:
بكى دَوْبَلٌ لا يُرْقِئِ اللهُ دمعَه ... ألا إنما يبكي من الذُّل دوبلُ
وقد يليها معمول مجزومها، كقول الشاعر:
وقالوا أخانا لا تَخَشَّعْ لظالم ... عزيزٍ ولا ذا حق قومِك تَظْلِمِ
стр. 1347
أراد: ولا تظلم ذا حق قومك.
وأكثر ما يجزم بلا فعل المخاطب أو الغائب، وقد يجزم بها فعل المتكلم، وهو أقل من جزمه باللام، ومنه قول الأعشى:
لا أَعْرِفَنْ رَبْرَبا حُورًا مدامعُها ... مُرَدَّفاتٍ على أحْناء أكْوار
وقول الآخر:
إذا ما خَرَجْنا من دِمَشْقَ فلا نَعُدْ ... بها أبدا ما دام فيها الجُراضِمُ
ص: ومنها "لم" و"لمّا" أختها، وتنفرد لم بمصاحبة أدوات الشرط، وجواز انفصال نفيها عن الحال. ولمّا بوجوب اتصال نفيها بالحال، وجواز الاستغناء بها في الاختيار عن المنفي إذ دل عليه دليل. وقد يلي لم معمول مجزومها اضطرارا، وقد لا يجزم بها حملا على لا.
ش: من عوامل الجزم "لم" و"لمّا" أختها.
أما لم فحرف نفي يختص بالمضارع، ويصرفه إلى معنى المضي.
وأما لمّا فعلى ثلاثة أقسام: حرف نفي بمنزلة لم في الاختصاص بالمضارع وصرف معناه إلى المضي، وهي التي تجزم، نحوه: (كلّا لمّا يقضِ ما أمره).
وحرف استثناء بمعنى إلا، ويختص بالفعل المؤول بالمصدر في قولهم: عزمت
стр. 1348
عليك لمّا فعلت. المعنى: لا أسألك إلا فعلك.
وحرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب نحو: لما قام زيد قام عمرو، وسيأتي ذكرها.
وتنفرد لم عن لمّا بأمرين: أحدهما: جواز مصاحبة أدوات الشرط، نحو: (فإن لم يستجيبوا لكم): (فمن لم يستطع) ولا يجوز مثل ذلك في لمّا، كأنهم كرهوها مع الشرط لطولها، وإمكان الاستغناء عنها بلم.
والثاني: جواز انفصال نفيها عن الحال، فتنفي الماضي المنقطع حدثه عن زمن الحال، كما تنفي الماضي المتصل به. مثال الأول قولهم: لم يكن كذا ثم كان. وقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) وقول الراجز.
وكنتَ إذ كنت إلهي وحْدَكا ... لم يكُ شيءٌ يا إلهي قبلكا
ومثال الثاني قول سيبويه: ولما هو كائن لم ينقطع، وقوله تعالى: (ولم أكن بدعائك ربِّ شقيا) ومنه قول الطرماح:
لم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ... ـم رجال يزهون بالإغماض
أي السماحة بترك الحق.
стр. 1349
وتنفرد لمّا بأمرين: أحدهما: وجوب اتصال نفيها بالحال، ومن ثم امتنع أن يقال: لمّا يكن كذا ثم كان. وإنما يقال: لمّا يكن كذا وقد يكون، أو لا يكون. قال:
فإن كنتُ مأكُولا فكنْ خيرَ آكل ... وإلا فأدْرِكْني ولمّا أُمَزَّق
والثاني: جواز الاستغناء في الاختيار بذكرها عن ذكر المنفي بها، إذا دل عليه دليل، كما تقول: ندم زيد ونفعه الندم، وندم غيره ولما، قال الشاعر:
فجئتُ قبورَهم بدْءًا ولمّا ... فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَه
أراد: ولما أكن كذلك. ولا يسلك مثل ذلك بلم إلا في الضرورة، كقول الراجز:
يا رُبّ شيْخ من لُكَيْز ذي عَنَم ... أجْنَح لم يَشْمَطْ وقد كاد ولم
وقد يلي لم معمول مجزومها اضطرارا كقول ذي الرمة:
فأضحتْ مَغانيها قِفارا بلادُها ... كأنْ لم سوى أهلٍ من الوَحْشِ تُؤْهَل
تقديره: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش. وقول الآخر:
فذاك ولمْ إذا نحن امْتَرَيْنا ... تكنْ في الناس يُدْرِكُكَ المراءُ
стр. 1350
والتقدير: ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امترينا.
وقد تلغى: "لم" حملا على "لا" النافية، فيرفع الفعل بعدها، ذكر ذلك جماعة، وأنشد عليه الأخفش وثعلب:
لولا فَوارسُ من نُعْمٍ وأُسْرَتهم ... يوم الصُّلَيْفاءِ لم يُوفُون بالجار
ص: ومنها أدوات الشرط وهي: إنْ، ومَنْ، وما، ومهما، وأي، وأنّى، ومتى وأيّان، وهما ظرفا زمان، وكسر همزة أيان لغة سليم، وتختص في الاستفهام بالمستقبل، بخلاف متى، وربما استفهم بمهما، وجوزي بكيف معنى لا عملا، خلافا للكوفيين.
ومن أدوات الشرط إذما، وحيثما وأين، وهما ظرفا مكان.
وما سوى "إنْ" أسماء متضمنة معناها، فلذلك بنيت إلا "أيًّا" وفي اسمية "إذما" خلاف.
وقد ترد "ما" و"مهما" ظرفي زمان، و"أيّ" بحسب ما تضاف إليه.
ش: من عوامل الجزم أدوت الشرط وهي كلمات وضعت لتدل على التعليق بين جملتين، والحكم بسببية أولاهما ومسببية الثانية. وهذا التعليق نوعان: تعليق ماض على ماض، وتعليق مستقبل على مستقبل.
فالنوع الأول له حرفان: لو، ولولا. وأكثر ما تصحب بناء الماضي نحو: لو قام زيد قام عمرو. وقد تصحب المضارع ولا تجزمه، لأنها لما قل استعمالها مع المضارع لم تقبل أن تؤثر فيه، وتعمل عمل ما لازم المضارع أو غلب استعماله معه.
والنوع الثاني له حروف وأسماء، فالحروف: إنْ، وإذما، وأمّا، ويأتي ذكر أمّا في آخر الباب.
стр. 1351
وأما إنْ فللخلو عن الجزم بوقوع الشرط تحقيقا، أو باعتبار مجازى، وتعمل الجزم، كقولك: إن تقم أقم، لأها تصحب المضارع أكثر مما تصحب الماضي، فلما غلب استعمالها مع المضارع، كانت بمنزلة ما لازمه واختص به، فقبلت أن تؤثر فيه وتعمل، فعملت الجزم لأنه أخف.
وأما "إذما" فأصلها "إذ" ضم إليها "ما" بعدما سلبت معناها الأصلي، وجعل حرف شرط بمعنى إنْ، فجرى مجراها، وعمل عملها قال الشاعر:
وإنكَ إذما تابَ ما أنت آمرٌ ... به تُلْفِ من إياه تأمُرْ آبيا
وأنشد سيبويه للعباس بن مرداس:
إذْ ما أتيتَ على الرسول فقل له ... حقًّا عليك إذا اطمأنَّ المجلسُ
وأنشد الآخر:
إذ ما تريْني اليوم مُزْجًى ظَعائني ... أُصَعِّد سَيْرا في البلاد وأُفْرِعُ
فإنّيَ من قومٍ سِواكم وإنّما ... رجاليَ فَهْمٌ بالحجازِ وأشْجَعُ
وعند المبرد وابن السراج وأبي علي أنّ إذما باق على اسميته، وفي ذلك كلام يأتي ذكره في القول على حيثما.
وأما الأسماء فما تضمن معنى إنْ فيجرى مجراها في التعليق والعمل، وهي
стр. 1352
خمسة أضرب: اسم محض، واسم يشبه الظرف، وظرف زمان، وظرف مكان، وما يستعمل اسما وظرفا.
الضرب الأول: مَنْ وما ومهما. فمن لتعميم أولى العلم، وتكون شرطا فتجزم، كقوله تعالى: (ومَنْ يؤمنْ بالله يهد قلبه).
وما لتعميم الأشياء، وتكون أيضا شرطا فتجزم، كقوله تعالى: (وما تفعلوا من خير يعلمه الله).
ومهما مثل ما وأعم منها، ولا شك في كونها اسما بدليل عود الضمير إليها، كما يعود إلى ما، قال الشاعر:
إذا سُدْتَه سُدْتَ مِطْواعةً ... ومهما وَكَلْت إليه كفاه
فالهاء في كفاه عائدة إلى مهما، فهي اسم، ولكنها في معنى إنْ، فلذلك تجزم الفعل، كقوله تعالى: (وقالوا مهما تأتنا به من آية).
وعند الخليل أن أصلها "ما" فدخلت عليها "ما" الزائدة كما تدخل على "إنْ" و"متى" و"أين" ثم كرهوا التكرير، وأن يقولوا: ماما، فأبدلوا الهاء من الألف.
وقال سيبويه: وقد يجوز أن تكون "مه" كإذ ضم إليها "ما" وإليه ذهب الزجاج.
стр. 1353
وندر مجيء مهما اسم استفهام كقول الشاعر، أنشده أبو علي:
مهما لِيَ الليلةَ مهما ليه ... أوْدَى بنعليّ وسِرْبالَيه
أراد: ما لي الليلة؟ استفهاما على طريق التعجب.
وزعم الشيخ ﵀ أن "ما" و"مهما" في الشرط قد تردان ظرفي زمان فقال: جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل مَنْ في لزوم التجرد عن الظرفية، مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب". وأنشد قول الشاعر:
فما تَكُ يابنَ عبد الله فينا ... فلا ظُلما نخافُ ولا افتقارا
وقال عبد الله بن الزّبير:
فما تَحْيَ لا نَسْأمُ حياةً وإن تمُتْ ... فلا خيرَ في الدنيا ولا العيش أجمعا
وقول حاتم الطائي:
وإنك مهما تُعْط نفسك سُؤْلَها ... وفرجَك نالا مُنْتهى الذُّلِّ أجمعا
ولا أرى في هذه الأبيات حجة، لأنه كما يصح تقدير ما ومهما فيها بظرف زمان، كذلك يصح تقديرهما بالمصدر على معنى: أي كَوْنٍ قصير أو طويل تكن فينا فلا نخاف، وأي حياة هنيئة أو غير مرضية تحي فينا لا نسأم، وأي عطاء قليل أو كثير تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذل. لكن يتعين جعل ما ومهما في الأبيات المذكورة مصدرين، لأن في كونهما ظرفين شذوذا وقولا بما لا يعرفه
стр. 1354
جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين، لأنه لا مانع من أن يكنى بما ومهما عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به ونحوه، إذ لا فرق
الضرب الثاني: أنى وكيف.
فأنى لتعميم الأحوال، وليست ظرفا، لأنه لا زمان ولا مكان، ولكنها تشبه الظرف، لأنها بمعنى: على أي حال، فلما كانت تقدر بالجار والمجرور، والظرف يقدر بهما، كانت بمنزلته.
وقد تأتي أنى بمعنى متى، وبمعنى أين، وتكون استفهاما، وشرطا، وإذا كانت شرطا جزمت، قال الشاعر:
خليليّ أنّى تأتياني تأتيا ... أخا غيرَ ما يُرضيكما لا يُحاول
وقول لبيد:
فأصْبَحْتَ أنَّى تأتِها تَلْتَبِس بها ... كِلا مَرْكَبَيْها تحتَ رجلِك شاجِرُ
يخاطب رجلا وقع في قصة صعبة المخلص، يقول: على أي حال يأتي الخلاص من هذه القصة يلتبس ويختلط بها، كلا مركبيها تحت رجلك شاجر، أي داخل تحت الرجل، وإذا دخل شيء بين شيئين فقد شجرهما.
وأما كيف فاسم لتعميم الأحوال، وتسمى ظرفا، لتأولها بعلى أي حال، والدليل على اسميتها جواز الاكتفاء بها، مع صحة دخولها على الأفعال. وأكثر ما تكون استفهاما، وقد ترد شرطا في المعنى فحسب، فتعلق بين جملتين، ولا تعمل شيئا حملا على الاستفهامية، لأنها أصل، قال الله تعالى: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) وقال تعالى: (بل يداه مبسوطتان ينفق
стр. 1355
كيف يشاء) المعنى: على أي حال يشاء الإنفاق ينفق، فكيف هنا اسم شرط، ولكنها لم تجزم الفعل، كما لم تجزم في الاستفهام.
وأجاز الكوفيون الجزم بها قياسا، وأباه البصريون، قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنعْ أصنعْ، قال: هي مستكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها: على أي حال تكن أكن.
الضرب الثالث: إذا ومتى وأيان، بفتح الهمزة، وبنو سليم يكسرونها، فيقولون: إيان.
فأما إذا فسيأتي ذكرها.
وأما متى وإيان فلتعميم الأزمنة، ولا تفارقان الظرفية، وتردان شرطا فتجزمان، كقول طرفة:
ولستُ بحلّال التِّلاع مخافةً ... ولكنْ متى يَسْتَرفِد القومُ أرْفد
وقول الآخر:
أيّانَ نُؤْمِنْك تأمنْ غيرَنا وإذا ... لم تدرِك الأمنَ منا لم تَزلْ حَذِرا
ويردان استفهاما أيضا، فلا يعملان شيئا، ولا يستفهم بأيان إلا عن زمان مستقبل، وأما متى فيستفهم بها عن زمان مستقبل نحو: (ويقولون متى هو) وعن زمان ماض نحو:
متى كان الخيام بذي طُلُوح
стр. 1356
الضرب الرابع: حيثما وأين، وهما لتعميم الأمكنة، ولا ينفكان عن الظرفية، ويفترقان بأن أين لا تكون إلا شرطا أو استفهاما، وإذا كانت شرطا جزمت، كقول الشاعر:
أينَ تصرفْ بنا العُداة تجدْنا ... نصرفُ العيسَ نحوها للتّلاقي
وقوله تعالى: (أينما تكونوا يدركْكم الموتُ).
وأما حيثما فلا تكون إلا شرطا، وكانت قبل دخول ما اسم مكان خاليا من معنى الشرط، ملازما للتخصيص بالإضافة إلى جملة، ولا يعمل في الأفعال، ثم أخرجوها إلى الجزاء فضمنوها معنى إن، وجعلوها اسم شرط، فلزمهم إتمامها، وحذف ما يُضافُ إليها، وألزموها ما تنبيها على إبطال مذهبها الأول، وجزموا بها الفعل كقول الشاعر:
حيثُما تستقمْ يُقَدِّرْ لك اللـ ... ـهُ نجاحا في غابر الأزمان
ولا يجوز أن تكون منقولة كإذما إلى الحرفية، لأنها لم تزل عما كانت عليه قبلُ من الدلالة على المكان، بخلاف إذما، فإنها كانت قبل دخول ما عليها اسم زمان ماضٍ خاليا من معنى الشرط، فلما دخلت عليها "ما" صارت أداة شرط بمعنى "إنْ" مختصة بالمستقبل، وزال ما كان فيها من معنى الاسم، ولم نعلم نقلها إلى معنى آخر غير الشرط، فحكمنا بحرفيتها، لأن دلالتها على معنى الحرف مُتَيَقَّنة، ودلالتها على معنى الاسم مشكوك فيها، والحكم بمقتضى ما تُيُقِّن أولى.
الضرب الخامس: أيّ، وهي لتعميم أوصاف الشيء، والأوصاف مشتركة،
стр. 1357
فلذا يلزم في أي أن تضاف لفظا أو معنى إلى الموصوف، على حد قولهم: سَحْق عمامة، رفعا لالتباس عموم الأوصاف بجنس، بعمومها لغيره، فتكون بحسب ما تضاف إليه. فإن أضيفت إلى الظرف فهي ظرف، وإن أضيفت إلى غير ذلك فهي بمعنى ما أضيفت إليه، لأن الصفة هي الموصوف في المعنى، وتقع في الشرط وغيره. وإذا كانت شرطية جزمت الفعل نحو: أيَّ يوم تقمْ أقمْ، و: (أيًّا ما تَدْعُوا فله الأسماءُ الحسنى) وبأيٍّ تمررْ أمررْ، وغلامَ أيِّهم تضربْ أضربْ، وأيُّهم يأت فله درهم.
هذه الأسماء المذكورة هي جميع أسماء الشرط، وكلها مبنية لتضمنها معنى إنْ، إلا أيًّا فإنها أعربت، لأنه قد عارض ما فيها من شبه الحرف لزوم الإضافة إلى الأسماء، فحماها ذلك من البناء.
ص: وكلها تقتضي جملتين: أولاهما شرط تصدر بفعل ظاهر أو مضمر مفسر بعد معموله بفعل يشذ كونه مضارعا دون "لم"، ولا يتقدم فيها الاسم مع غير إنْ إلا اضطرارا، وكذلك بعد استفهام بغير الهمزة.
وتسمى الجملة الثانية جزاء وجوابا، وتلزم الفاء في غير الضرورة إن لم يصح تقديره شرطا، وإن صدر بمضارع صالح للشرطية جزم في غير الضرورة، وجوبا إن كان الشرط مضارعا، وجوازا إن كان ماضيا، وإن قرن بالفاء رفع مطلقا.
ش: كل من الأدوات المذكورة يقتضي جملتين، أولاهما ملزومة للثانية، تسمى الأول شرطا، لأن وجود الملزوم علامة على وجود اللازم، والشرط في اللغة العلامة. وتسمى الثانية جزاء وجوابا، لأنه مدعى فيها بأنها لازمة لما جعل شرطا، كما يلزم في العرف الجواب للسؤال، والجزاء للإساءة أو الإحسان،
стр. 1358
فسميت بذلك على الاستعارة والتشبيه.
ولا تكون جملة الشرط إلا مصدرة بفعل متصرف مجزوم بالأداة لفظا أو تقديرا، وهو إما ماض مجرد من حرف النفي، ومن حرف "قد" لفظا أو تقديرا، وإما مضارع مجرد أو منفي بلا أو لم، وأكثر ما يكون ظاهرا، ويجوز أن يضمر إذا دل عليه دليل، كما في: إنْ خيرا فخير وإن شرا فشر، تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرا فجزاؤه شر، على ما تقدم ذكره في باب كان.
وأكثر ما يضمر إذا فسر بعد معموله بفعل مذكور، والغالب كونه ماضيا، أو مضارعا منفيا بلم، نحو: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره) وإن زيد لم يأتني آته. ومجيئه مضارعا بدون لم شاذ، ومنه قول الشاعر:
فإن أنت تفعل فللفاعليـ ... ـن أنت المجيزين تلك الغِمارا
وقوله:
يُثني عليك وأنت أهل ثنائِه ... ولديك إن هو يستزدْك مزيد
ولا يتقدم الاسم الفعل على الإضمار المذكور مع غير إنْ من أدوات الشرط إلا في الضرورة، كقوله:
فمَنْ نحنُ نُؤْمِنْه يَبتْ وهو آمنٌ ... ومن لا نُجِرْه يُمْسِ منا مُفَزَّعا
стр. 1359
وقوله:
صَعْدَةٌ نابتةٌ في حائرِ ... أينما الريحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ
وقوله:
فمتى واغِلٌ يَنُبْهمُ يُحَيُّو ... هُ ويُعْطَفْ عليه كأسُ السّاقي
والاستفهام في هذا الاستعمال كأدوات الشرط، مع كونه غير مختص، فإن كان بالهمزة جاز لكونها أم الباب.
وأصل أدوات الاستفهام أن يتقدم الفعل بعدها اسم مرفوع بالابتداء، أو معمول لفعل مضمر يفسره ما بعد الاسم. وإن كان بهل أو غيرها من أسماء الاستفهام امتنع أن يتقدم بعده الاسم على الفعل إلا في الضرورة، كقوله: أمْ هل كبيرٌ بكى
وامتنع حينئذ كونه مبتدأ، ووجب حمله على فعل مضمر عامل فيه عمل الفعل الظاهر فيما اشتغل به.
وأما الجزاء فيصلح له كل الجمل، فيكون جملة طلبية، وخبرية شرطية (وغير شرطية)، أو جملة اسمية أو فعلية. والأصل كونه جملة يصلح جعلها شرطا، وهي المصدرة بفعل متصرف، ماض مجرد من قد لفظا أو تقديرا، أو من غيرها، أو مضارع مجرد أو منفي بلا أولم. لأن الشرط بإن وأخواتها تعليق حصول ما
стр. 1360
ليس بحاصل على حصول غيره، فاستلزم في جمليته امتناع الثبوت، أو إمكان الحصول، فلا تكون إحداهما اسمية أو طلبية إلا بتأويل. وإذا جاء الجزاء على غير ما هو الأصل فيه وجب اقترانه بالفاء ليعلم ارتباطه بالشرط، وتعلق أداته به، لما لم يكن على وفق ما يقتضيه الشرط، وذلك إذا كان جملة طلبية، كقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبُّون الله فاتبعوني) وكقراءة ابن كثير: (ومن يعملْ من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما) أو شرطية نحو: إن تأتني فإن تحدثْني أكرمْك. أو اسمية نحو: إن تقم فزيد قائم، أو فعلية مصدرة بفعل غير متصرف نحو: (إنْ تَرَنِ أنا أقل منك مالا وولدا، فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك) أو ماض مقرون بقد لفظا نحو: (إنْ يسرق فقد سرق أخ له من قبل) أو تقديرا، وذلك إذا كان العفعل ماضي المعنى، كقوله تعالى: (إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت) أو مقرون بحرف نفي نحو: إن قام زيد فما قام عمرو. أو مضارع مقرون بقد أو حرف تنفيس أو نفي بغير لا أو لم نحو: إن تقم فقد أقوم، أو فسوف أقوم، أو فما أقوم، أو فلن أقوم.
فالفاء في أمثال كل هذا واجبة الذكر، لا يجوز أن تقام الواو وغيرها مقامها، ولا يجوز حذفها إلا في الضرورة كقوله:
مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها ... والشَّرُّ بالشر عند الله مثلان
وقوله:
ومَنْ لا يزلْ ينقادُ للغيِّ والهوى ... سيُلْفى على طول السلامة نادما
стр. 1361
وإذا جاء الجزاء على مقتضى الأصل صالحا للشرطية لم يحتج إلى فاء تربطه بالشرط، فالأولى خلوه منها، ويجوز اقترانه بها.
فإن خلا منها وصدر بمضارع جزم، سواء كان الشرط مضارعا نحو: (ومَنْ يتّق الله يجعل له مخرجا) أو ماضيا كقوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتَها نُوَفّ إليهم أعمالهم فيها) وقول الفرزدق:
دسَّتْ رسولا بأن القوم إن قَدروا ... عليك يَشْفُوا صدورا ذاتَ توغِير
وقد يرفع بكثرة إن كان الشرط ماضيا، أو منفيا بلم، وبقلة إن كان غير ذلك. فالأول كقول زهير:
وإنْ أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
وقول أبي صخر:
وليس المُعَنَّى بالذي لا يَهِيجُه ... إلى الشوق إلا الهاتفاتُ السَّواجِعُ
ولا بالذي إنْ بان عنه حبيبُه ... يقول – ويخفي الصبر – إني لجازعُ
وقول الآخر:
فإن كان لا يُرضيك إلا مَرَدّتي ... إلى قَطَرِيٍّ لا إخالُك راضيا
وقول الآخر:
وإن بَعُدوا لا يأمنون اقترابه ... تَشَوُّفَ أهل الغائب المُتَنَظِّر
стр. 1362
والثاني قول جرير بن عبد الله البجلي:
يا أقرعُ بنَ حابس يا أقرعُ ... إنك إن يصرعْ أخوك تصرعُ
ومثله قول الآخر:
مَنْ يأتِها لا يَضيرُها
وقراءة طلحة بن سليمان: (أينما تكونوا يدركُكُم الموت) ورفعه عند سيبويه على وجهين: على تقدير تقديمه، وكون الجواب محذوفا. وعلى حذف الفاء، لأنه قال: وقد يقولون: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني، وأنشد بيت زهير، ثم قال، فإذا قلت: آتى من أتاني، فأنت بالخيار، إن شئت كانت أتاني صلة، وإن شئت كانت بمنزلتها في إن، ويجوز في الشعر: آتي من يأتني. قال:
فقلتث تحَمّلْ فوق طوقك إنها ... مُطَبَّعَةٌ من يأتِها لا يَضيرُها
كأنه قال: لا يضيرها من يأتها. ولو أريد به حذف الفاء جاز.
ومنع أبو العباس تقدير التقديم، فقال: وأما قوله:
وإن أتاه خليل يومَ مسألة يقول
على القلب، فهو محال، وذلك لأن الجواب حده أن يكون بعد إنْ
стр. 1363
وفعلها الأول، وإنما يعنى بالشيء موضعه إذا كان في غير موضعه، نحو: ضرب غلامَه زيدٌ، لأن حق الغلام أن يكون بعد زيد، وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء، فلو أجاز أن يعنى به التقديم لجاز أن نقول: ضرب غلامُه زيدا، تريد: ضرب زيدا غلامُه.
وإن قرن المضارع الصالح للشرطية بالفاء، وجب رفعه مطلقا، سواء كان الشرط ماضيا أو مضارعا، كقوله تعالى: (ومن عاد فينتقم الله منه) وقوله تعالى: (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) وكقراءة حمزة: (إن تضل إحداهما فتذكرُ إحداهما الأخرى).
وينبغي أن يكون الفعل بعد هذه الفاء خبر مبتدأ محذوف، ولولا ذلك لحكم بزيادة الفاء، وجزم المضارع، لأنها حينئذ في تقدير السقوط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها، فعلم أنها غير زائدة، وأنها داخلة على مبتدأ مقدر، كما تدخل على مبتدأ مظهر.
ص: وجزم الجواب بفعل الشرط، لا بالأداة وحدها، ولا بهما، ولا على الجوار، خلافا لزاعمي ذلك.
ش: اختلف في الجازم لجواب الشرط إذا حذفت منه الفاء، فعند الكوفيين هو مجزوم على الجوار، كخفض "خَرِب" من قولهم: هذا حجرُ ضبٍّ خربٍ، وتبطله أمور كثيرة: أحدها: أن الخفض على الجوار لا يكون واجبا، وجزم الجواب واجب.
الثاني: أن الخفض على الجوار لا يكون إلا بعد مخفوض خفضا ظاهرا لتحصل المشاكلة، وجزم الجواب يكون بعد جزم ظاهر وغير ظاهر.
стр. 1364
الثالث: أن الخفض على الجوار لا يكون إلا مع الاتصال، وجزم الجواب يكون مع الاتصال والانفصال. فعلم أنه ليس مجزوما على الجوار.
فجزمه إما بفعل الشرط، أو بأداته، وإما بهما. لا جائز أن يكون جزمه بالأداة وحدها، لأن الجزم في الفعل نظير الجر في الاسم، وليس في عوامل الجر ما يعمل في شيئين دون إتباع، فوجب أن تكون عوامل الجزم كذلك، تسوية بين النظيرين، ولئلا يلزم ترجيح الأضعف على الأقوى. وأيضا فإن العوامل اللفظية على ضربين: الأول ما يعمل عملا متعددا، والثاني ما يعمل عملا غير متعدد. والعامل عملا متعددا لا بد في عمله من اختلاف إن تغاير معنى معموليه، ليمتاز أحدهما من الآخر، والشرط والجواب متغايران، فلو كان عاملهما واحدا لوجب اختلاف عمليهما وجوب ذلك في الفاعل والمفعول. فالحكم على أداة الشرط بأنها جازمة للجواب مع أنها جزمت الشرط، حكم بما لا نظير له، فوجب منعه.
ولا جائز أيضا أن يكون جزم الجواب بالأداة والشرط معا، لأن كل عامل مركب من شيئين لا يجوز انفصال جزأيه، ولا حذف أحدهما، كإذما وحيثما، بخلاف أداة الشرط وفعله، فإن انفصالهما جائز نحو: إن زيدا تكرمْ يكرمْك، وقد يحذف فعل الشرط دون الأداة كقوله:
فطلِّقْها فلستَ لها بكُفْءٍ ... وإلا يَعْلُ مَفْرِقَك الحُسامُ
فلو كان العمل بهما معا، وجب لهما ما وجب لإذما وحيثما من عدم الإفراد والانفصال.
وإذا بطل جزم الجواب بما سوى فعل الشرط، تعين كونه مجزوما بفعله، لاقتضائه إياه، بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام، وعلى هذا يؤول قول سيبويه: "واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال، ويجزم الجواب بما قبله"
стр. 1365
لأن ترك تأويله يقتضي أن يكون للفاعل والمفعول حظ في جزم الجواب، وذلك لا يصح اتفاقا، وقد دل الدليل على أن جزم الجواب ليس بالأداة والشرط معا، ولا بالأداة وحدها، فلم يبق ما يحمل عليه قول سيبويه إلا فعل الشرط وحده.
وبهذا الجواب يسلم من ترجيح الاسم على الفعل في العمل، مع أصالته فيه، وفرعية الاسم، وذلك أن الاسم قد عمل في جنسه نحو: هذا ضاربٌ زيدا، وفي غير جنسه نحو: من يكرمْني أكرمْه، فلو لم يكن جزم الجواب بفعل الشرط، لزم كون الفعل مقصور العمل على غير جنسه، وذلك انحطاط أصل عن رتبة فرع، فإذا كان جزم الجواب بفعل الشرط، أمن ذلك، فوجب القول به.
فصل: ص: قد يجزم "بإذا" الاستقبالية حملا على "متى" وتهمل "متى" حملا على "إذا" وقد تهمل "إن" حملا على "لو" والأصح امتناع حمل "لو" على "إن" وقد يجزم مسبب عن صلة الذي تشبيها بجواب الشرط.
ش: "إذا" في الكلام على ضربين: ظرف مستقبل، وحرف مفاجأة. فالتي هي حرف مفاجأة مختصة بالجمل الاسمية، ولا عمل لها.
والاستقبالية مختصة بالجمل الفعلية، وتأتي على وجهين: أحدهما: أن تكون خالية من معنى الشرط، نحو: (والليل إذا يغْشى * والنهار إذا تجلَّى).
والثاني: أن تكون متضمنة معنى الشرط، وهو الغالب فيها، نحو: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم) وهي كالخالية من معنى الشرط في عدم استحقاق عمل الجزم، لأن إذا الشرطية مختصة بالتعليق على الشرط المقطوع بوقوعه حقيقة أو حكما، كقولك: آتيك إذا احمرّ البُسْر، وإذا قدم الحاج. ولو قلت: آتيك إن احمر البسر، كان قبيحا، فلما خالفت "إذا" "إنْ" وأخواتها فلم تكن للتعليق على الشرط المشكوك في وقوعه، فارقتها في حكمها، فلم يجزم بها في السعة، بل تضاف إلى الجملة، وإذا وليها المضارع كان مرفوعا، كقوله تعالى: (وهو على جمعهم إذا يشاءُ قدير).
стр. 1366
وأما في الشعر فشاع الجزم بها حملا على متى، قال سيبويه: وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها بإن حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بد لها من جواب، قال قيس بن خطيم:
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلُها ... خُطانا إلى أعدائنا فنُضاربِ
فالقافية مكسورة، وقال الفرزدق:
ترفعُ لي خندفٌ والله يرفعُ لي ... نارا إذا خَمَدتْ نيرانُهم تَقِدِ
وأنشد الفراء:
استغنِ ما أغناك ربُّك بالغِنى ... وإذا تُصِبْك خَصاصةٌ فتَجَمَّلِ
وقال الشاعر:
وإذا نطاوع أمرَ سادتنا ... لا يَثْنِنا بُخلٌ ولا جُبْنُ
قال الشيخ ﵀: وليس قائل هذا مضطرا، لأنه لو رفع "نطاوع" لم يكسر الوزن ولم يزاحفه.
وقد تهمل "متى" فيرفع الفعل بعدها حملا على إذا، وهو غريب، ومنه: "إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقومُ مقامك رقّ".
وقد تهمل "إن" حملا على "لو" كقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك
стр. 1367
تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك".
وأجاز الجزم بلو في الشعر قوم منهم الشجري، واحتج بقول الشاعر:
لو يَشَا طار به ذو مَيْعَةٍ ... لاحقُ الآطال نَهْدٌ ذو خُصَل
قال الشيخ ﵀: وهذا لا حجة فيه، لأن من العرب من يقول: جايجي، وشايشا، بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة يشاء، فقال: يشا، ثم أبدل الألف همزة، كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم. وكما فعل ابن ذكوان في: (تأكل مِنْسَأته) حين قرأ: "مِنْسَاته والأصل: مِنْسَأَته" مِفْعَلَى من نَسَأه، إذا زجره بالعصا، فأبدل الهمزة ألفا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة، فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ. وأما قول الشاعر:
تامَتْ فؤادَك لو يَحْزُنْك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذُهْل بنِ شَيْبانا
فهو من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا، كما قرأ أبو عمرو: (يشعرْكم) و: (ينصرْكم) وكما قرأ بعض السلف: (رُسُلْنا لديهم يكتبون) بسكون اللام.
وأشار بقوله: وقد يجزم مسبب عن صلة الذي تشبيها بجواب الشرط إلى ما أنشد ابن الأعرابي من قول الشاعر:
ولا تَحفِرنْ بئرا تُريد أخابها ... فإنك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ... تُصبْه على رغم عواقبُ ما صنع
стр. 1368
ص: ويجوز نحو: إنْ تفعلْ زيدٌ يفعلْ، وفاقا لسيبويه، ونحو: إن تنطلقْ خيرا تصبْ، خلافا للفراء. وقد تنوب بعد "إن" "إذا" المفاجأة عن الفاء في الجملة الاسمية غير الطلبية.
ش: يجوز في الشرط بإنْ تقديم معموله عليه، وحده باتفاق، وأجاز سيبويه والكسائي نحو: إنْ طعامَنا تأكلْ نكرمْك. وفي الجزاء المجزوم بإنْ تقديم معموله عليه نحو: إنْ تكرمْنا طعامَك نأكلْ، وإنْ تنطلقْ خيرا تصبْ، كما جاز مثله في الشرط، وأنشد الكسائي:
وللخَيْل أيامٌ فمن يصْطَبِرْ لها ... ويعرفْ لها أيامَها الخيرَ تُعقِبِ
ومنع ذلك الفراء، وأوجب في الجزاء إذا تقدم معموله الرفع على القلب أو على تقدير الفاء نحو: إنْ تنطلق خيرا تصب، وجعل الخير في البيت صفة للأيام.
وإن صدر الجزاء باسم يليه فعل مسند إلى ضميره، فالوجه ذكر الفاء ورفع الفعل، نحو: إن تفعل فزيد يفعلُ. وأجاز سيبويه ترك الفاء والجزم، نحو: إن تفعلْ زيدٌ يقلْ ذاك، ووجهه أن يكون الاسم مرفوعا بفعل يفسره الفعل الظاهر، لصحة عمله في محل الاسم السابق لو خلا عن الشاغل، ومنع ذلك الفراء والكسائي.
أما الفراء فمنعه له يتجه على أصله، فإنه لما منع عمل الجواب المجزوم فيما قبله، وجب عليه أن يمنع تفسيره عاملا فيما قبله.
وأما الكسائي فإنه يجيز عمل الجواب المجزوم فيما قبله، فقد كان ينبغي له أن
стр. 1369
يجيز تفسيره عاملا فيما قبله. اللهم إلا أن يكون مذهب الكسائي امتناع إضمار الفعل على شريطة التفسير، إلا عند وجود الموجب لإضماره، أو المرجح أو المسوى، فحينئذ يكون نحو: لو تنطلق زيد يفعل، ممتنعا عند الكسائي، لوجوب كون زيد مبتدأ، وكون الفعل خبره، وامتناع جزم الخبر.
ويقوم مقام الفاء بعد إن الشرطية خاصة إذا المفاجأة (في ربط الجزاء بالشرط، وإنما يكون ذلك إذا كان الجزاء جملة اسمية غير طلبية نحو: إن تقم إذا زيد قائم، لأن إذا المفاجأة) لا تدخل على الجملة الفعلية ولا الطلبية. وإنما قامت مقام الفاء لأنها مثلها في عدم الابتداء بها، وفي إفادة معنى التعقيب، قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله تعالى: (وإن تصبْهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) قال: هذا معلق بالكلام الأول، كما كانت الفاء معلقة بالكلام الأول، وهذا ههنا في موضع قنطوا كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل. ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنها لا تجيء مبتدأة كما لا تجيء الفاء. ثم قال: وزعم اخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيح، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا، فهذا قد استغنى عن الفاء، كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هنا جوابا، كما صارت الفاء جوابا.
فصل: ص: لأداة الشرط صدر الكلام، فإن تقدم عليها شبيه بالجواب معنى، فهو دليل عليه وليس إياه، خلافا للكوفيين والمبرد وأبي زيد، ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر، وإن كان غير ماض مع "مَنْ" أو "ما" أو "أي" وجب لها في السعة حكم "الذي" وكذا إن أضيف إليهن "حين" ويجب ذلك مطلقا لهن إثر "هل" أو "ما" النافية، أو "إنّ" أو
стр. 1370
"كان" أو إحدى أخواتها، أو "لكن" أو "إذا" المفاجأة غير مضمر بعدها مبتدأ.
ش: لإن الشرطية صدر الكلام، فلا يتقدم عليها ما بعدها، ولا يعمل فيها ما قبلها، ولا تكون مع الشرط والجزاء إلا كلاما مستأنفا، أو مبنيا على ذي خبر أو نحوه، كقولك: زيد إن يقم يقم أخوه، وكذا جميع أسماء الشرط، فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء، وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر، خلافا للكسائي في جواز نحو: طعامَك إن آكل يعجبْك، وله وللفراء في جواز: طعامَك إن تذهبْ نأكلْ.
ولو تقدم على الأداة جملة هي الجواب في المعنى، فليست هي نفس الجواب، بل دليلا عليه، وهي كلام منقطع عما بعده، وقد يكون حكمه مطلقا، وقد يكون مقيدا بشرط مقدر، وإلا لزم هذا المعلق عليه تقديمه. وذهب الكوفيون وأبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري إلى أن المتقدم على الشرط نفس الجواب، ويرده أن حرف الشرط دال على معنى في الشرط والجزاء، وهو الملازمة بينهما، فوجب تقديمه عليهما، كما وجب تقديم سائر حروف المعاني على ما فيه معناه.
واحتج أبو زيد على أن المتقدم هو نفس الجواب بمجيئه مقرونا بالفاء كقوله:
فلم أرْقِه إنْ ينجُ منها وإن يمتْ ... فطعنةُ لانِكس ولا بمُغَمّرِ
وليس بشيء، لأن تقدير معطوف عليه خبر من تقديم الجزاء على الشرط، وتصدير حرف العطف.
следующие страницы →