← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 1366–1399 · переход к 1371.

стр. 1366

وأما في الشعر فشاع الجزم بها حملا على متى، قال سيبويه: وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها بإن حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بد لها من جواب، قال قيس بن خطيم: إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وصلُها ... خُطانا إلى أعدائنا فنُضاربِ فالقافية مكسورة، وقال الفرزدق: ترفعُ لي خندفٌ والله يرفعُ لي ... نارا إذا خَمَدتْ نيرانُهم تَقِدِ وأنشد الفراء: استغنِ ما أغناك ربُّك بالغِنى ... وإذا تُصِبْك خَصاصةٌ فتَجَمَّلِ وقال الشاعر: وإذا نطاوع أمرَ سادتنا ... لا يَثْنِنا بُخلٌ ولا جُبْنُ قال الشيخ ﵀: وليس قائل هذا مضطرا، لأنه لو رفع "نطاوع" لم يكسر الوزن ولم يزاحفه. وقد تهمل "متى" فيرفع الفعل بعدها حملا على إذا، وهو غريب، ومنه: "إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقومُ مقامك رقّ". وقد تهمل "إن" حملا على "لو" كقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك

стр. 1367

تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك". وأجاز الجزم بلو في الشعر قوم منهم الشجري، واحتج بقول الشاعر: لو يَشَا طار به ذو مَيْعَةٍ ... لاحقُ الآطال نَهْدٌ ذو خُصَل قال الشيخ ﵀: وهذا لا حجة فيه، لأن من العرب من يقول: جايجي، وشايشا، بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة يشاء، فقال: يشا، ثم أبدل الألف همزة، كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم. وكما فعل ابن ذكوان في: (تأكل مِنْسَأته) حين قرأ: "مِنْسَاته والأصل: مِنْسَأَته" مِفْعَلَى من نَسَأه، إذا زجره بالعصا، فأبدل الهمزة ألفا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة، فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ. وأما قول الشاعر: تامَتْ فؤادَك لو يَحْزُنْك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذُهْل بنِ شَيْبانا فهو من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا، كما قرأ أبو عمرو: (يشعرْكم) و: (ينصرْكم) وكما قرأ بعض السلف: (رُسُلْنا لديهم يكتبون) بسكون اللام. وأشار بقوله: وقد يجزم مسبب عن صلة الذي تشبيها بجواب الشرط إلى ما أنشد ابن الأعرابي من قول الشاعر: ولا تَحفِرنْ بئرا تُريد أخابها ... فإنك فيها أنت من دونه تقع كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ... تُصبْه على رغم عواقبُ ما صنع

стр. 1368

ص: ويجوز نحو: إنْ تفعلْ زيدٌ يفعلْ، وفاقا لسيبويه، ونحو: إن تنطلقْ خيرا تصبْ، خلافا للفراء. وقد تنوب بعد "إن" "إذا" المفاجأة عن الفاء في الجملة الاسمية غير الطلبية. ش: يجوز في الشرط بإنْ تقديم معموله عليه، وحده باتفاق، وأجاز سيبويه والكسائي نحو: إنْ طعامَنا تأكلْ نكرمْك. وفي الجزاء المجزوم بإنْ تقديم معموله عليه نحو: إنْ تكرمْنا طعامَك نأكلْ، وإنْ تنطلقْ خيرا تصبْ، كما جاز مثله في الشرط، وأنشد الكسائي: وللخَيْل أيامٌ فمن يصْطَبِرْ لها ... ويعرفْ لها أيامَها الخيرَ تُعقِبِ ومنع ذلك الفراء، وأوجب في الجزاء إذا تقدم معموله الرفع على القلب أو على تقدير الفاء نحو: إنْ تنطلق خيرا تصب، وجعل الخير في البيت صفة للأيام. وإن صدر الجزاء باسم يليه فعل مسند إلى ضميره، فالوجه ذكر الفاء ورفع الفعل، نحو: إن تفعل فزيد يفعلُ. وأجاز سيبويه ترك الفاء والجزم، نحو: إن تفعلْ زيدٌ يقلْ ذاك، ووجهه أن يكون الاسم مرفوعا بفعل يفسره الفعل الظاهر، لصحة عمله في محل الاسم السابق لو خلا عن الشاغل، ومنع ذلك الفراء والكسائي. أما الفراء فمنعه له يتجه على أصله، فإنه لما منع عمل الجواب المجزوم فيما قبله، وجب عليه أن يمنع تفسيره عاملا فيما قبله. وأما الكسائي فإنه يجيز عمل الجواب المجزوم فيما قبله، فقد كان ينبغي له أن

стр. 1369

يجيز تفسيره عاملا فيما قبله. اللهم إلا أن يكون مذهب الكسائي امتناع إضمار الفعل على شريطة التفسير، إلا عند وجود الموجب لإضماره، أو المرجح أو المسوى، فحينئذ يكون نحو: لو تنطلق زيد يفعل، ممتنعا عند الكسائي، لوجوب كون زيد مبتدأ، وكون الفعل خبره، وامتناع جزم الخبر. ويقوم مقام الفاء بعد إن الشرطية خاصة إذا المفاجأة (في ربط الجزاء بالشرط، وإنما يكون ذلك إذا كان الجزاء جملة اسمية غير طلبية نحو: إن تقم إذا زيد قائم، لأن إذا المفاجأة) لا تدخل على الجملة الفعلية ولا الطلبية. وإنما قامت مقام الفاء لأنها مثلها في عدم الابتداء بها، وفي إفادة معنى التعقيب، قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله تعالى: (وإن تصبْهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) قال: هذا معلق بالكلام الأول، كما كانت الفاء معلقة بالكلام الأول، وهذا ههنا في موضع قنطوا كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل. ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنها لا تجيء مبتدأة كما لا تجيء الفاء. ثم قال: وزعم اخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيح، ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا، فهذا قد استغنى عن الفاء، كما استغنت الفاء عن غيرها، فصارت إذا هنا جوابا، كما صارت الفاء جوابا. فصل: ص: لأداة الشرط صدر الكلام، فإن تقدم عليها شبيه بالجواب معنى، فهو دليل عليه وليس إياه، خلافا للكوفيين والمبرد وأبي زيد، ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر، وإن كان غير ماض مع "مَنْ" أو "ما" أو "أي" وجب لها في السعة حكم "الذي" وكذا إن أضيف إليهن "حين" ويجب ذلك مطلقا لهن إثر "هل" أو "ما" النافية، أو "إنّ" أو

стр. 1370

"كان" أو إحدى أخواتها، أو "لكن" أو "إذا" المفاجأة غير مضمر بعدها مبتدأ. ش: لإن الشرطية صدر الكلام، فلا يتقدم عليها ما بعدها، ولا يعمل فيها ما قبلها، ولا تكون مع الشرط والجزاء إلا كلاما مستأنفا، أو مبنيا على ذي خبر أو نحوه، كقولك: زيد إن يقم يقم أخوه، وكذا جميع أسماء الشرط، فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء، وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر، خلافا للكسائي في جواز نحو: طعامَك إن آكل يعجبْك، وله وللفراء في جواز: طعامَك إن تذهبْ نأكلْ. ولو تقدم على الأداة جملة هي الجواب في المعنى، فليست هي نفس الجواب، بل دليلا عليه، وهي كلام منقطع عما بعده، وقد يكون حكمه مطلقا، وقد يكون مقيدا بشرط مقدر، وإلا لزم هذا المعلق عليه تقديمه. وذهب الكوفيون وأبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري إلى أن المتقدم على الشرط نفس الجواب، ويرده أن حرف الشرط دال على معنى في الشرط والجزاء، وهو الملازمة بينهما، فوجب تقديمه عليهما، كما وجب تقديم سائر حروف المعاني على ما فيه معناه. واحتج أبو زيد على أن المتقدم هو نفس الجواب بمجيئه مقرونا بالفاء كقوله: فلم أرْقِه إنْ ينجُ منها وإن يمتْ ... فطعنةُ لانِكس ولا بمُغَمّرِ وليس بشيء، لأن تقدير معطوف عليه خبر من تقديم الجزاء على الشرط، وتصدير حرف العطف.

стр. 1371

ولا يجوز أن يتقدم دليل الجواب على الشرط في السعة إلا إذا كان ماضيا، نحو: آتيك إن أتيتني، ولا يجوز: آتيك إن تأتني إلا في الشعر، كما في قوله: فلم أرقه إن ينج منها قال سيبويه: "وقبُح في الكلام أن تعمل إنْ أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمها في اللفظ، ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله، فهكذا جرى هذا في كلامهم". وإذا تقدم دليل الجواب وكان الشرط غير ماض مع "من" أو "ما" أو "أي" وجب لها في السعة حكم الذي، وإن كان المعنى على المجازاة فلا يجزم، ويكون ما بعدها صلة، وما قبلها عاملا فيها، وذلك قولك: آتي من يأتيني، وأقول ما تقولُ، وأعطيك أيَّها تشاءُ، فترفع، لأنه لما امتنع في السعة تأخير أداة الجزاء إذا جزمت ما بعدها، حملوا هذه الأسماء على الذي، لأنه لا قبح فيه، ولم يحملوها على الجزاء إلا في الشعر، وقد تقدم عند ذكر فاء الجواب حكاية كلام سيبويه في هذه المسألة، فلا حاجة إلى إعادته. ويجب حكم الذي أيضا لمَنْ أو ما أو أي إذا وقعت صفة لا تقع إنْ موضعها، وذلك في صور: إحداها: أن يضاف إليها حين، كقولك: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وإنما كرهوا الجزاء ههنا لأنه ليس من مواضعه، لأن أسماء الأحيان لا تضاف إلى الجمل الشرطية، ألا ترى أنه لا يقال: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، فلما كان قبيحا في إنْ قبح في سائر أخواتها، ولم يرد إلا في الشعر، كقول لبيد: على حين مَنْ تَثْبُتْ عليه ذُنوبُه ... يَجِد فقدها إذْ في المقام تَدابُر

стр. 1372

والوجه حمله على ضمير الشأن، والمعنى: على حين الشأن من تثبت عليه ذنوبه يجد فقدها، كما تقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته، (لأن الجملة الشرطية يصح أن تكون خبرا، ولا يصح أن تكون مضافا إليها. الثانية: أن تقع بعد هل، كقولك: هل من يأتينا نأتيه)، فليس لك في نحو هذا إلا الرفع، لأن من موصولة، ولا يجوز جعلها شرطية، لأن هل لا يستفهم بها عن الشرطية، فلا يقال: هل إن أقم تقم، ولو كان الاستفهام بالهمزة جاز الجزم وكون من شرطية، لأنه توسع في الهمزة، فاستفهم بها عن الجمل الشرطية، كما يستفهم بها عن غير ذلك، كقولك: أئن تأتني آتك، فلما حسن دخولها على إن حسن دخولها على أخواتها، فيقال: أمن يأتنا نأته، ولم يجز مثله في هل. الثالثة: أن تقع بعد ما النافية كقولك: ما من يأتينا نأتيه، وما أيها تشاء أعطيك، فترفع ما بعد الاسم لأنه موصول، ولا يجوز الجزم وجعل الاسم شرطيا، لأن ما لا تنفي الجملة الشرطية، فلا يقال: ما إن تأتنا نأتك، فلما لم يجز ذلك في إن، لم يجز في سواها، ولو كان النفي بلا لم يجب لما ذكر حكم الذي، فيجوز جعله شرطيا فيجزم ما بعده كقولك: لا من يأتك تعطه، ولا من تعطه يأتك، لأنهم لما توسعوا في "لا" فقدموا العامل عليها، نفوا بها المفرد والجملة، ونفوا بها الجملة الشرطية أيضا، كقولك: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن بعدنا عنك عرضت علينا، قال ابن مقبل: وقِدْرٍ ككفِّ القِرْد لا مُسْتعيرُها ... يُعارُ ولا مَنْ يأتِها يتدسم الرابعة: أن تقع بعد إنّ أو إحدى أخواتها، كقولك: إنّ من يأتيني آتيه، وليت ما أقولُ تقولُ، فترفع، لأنك لما أعملت إنّ وليت في "من" وجب أن تكون موصولة، لأن الشرطية لا يعمل فيها لفظ قبلها، إلا أن يكون حرف جر،

стр. 1373

نحو: بمن تمررْ أمررْ، وعلى أيِّها تركبْ أركبْ، لأنه مُعَدٍّ لفعل الشرط إلى الاسم، فصار مع الفعل بمنزلة فعل وصل إلى الاسم بغير حرف جر. فلما لم يعمل في الأسماء الشرطية لفظ قبلها غير حرف الجر، وجب فيما وقع منها بعد إنّ أو إحدى أخواتها أن تكون موصولة، لأن هذه الحروف لا تدخل على إنْ الشرطية، لأنها مختصة بالأسماء، ولا تدخل على ما تضمن معنى إنْ إلا في الشعر، ولا يكون ذلك إلا على حذف الاسم، قال الأعشى: إنّ من لامَ في بني بنْتِ حسّا ... ن ألُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطوب وقال أمية بن أبي الصلت: ولكنّ مَنْ لا يلْقَ أمرا ينوبُه ... بعُدَّته ينزلْ به وهو أعزلُ قال سيبويه: فزعم الخليل أنه إنما جاز حيث أضمر الهاء، وأراد: إنّه ولكنّه. الخامسة: أن تقع بعد كان أو إحدى أخواتها، كقولك: كان من يأتيني آتيه، (وليس من يأتيني آتيه)، فترفع بعد كان وليس، كما ترفع بعد إن وأخواتها، ويجوز الجزم على أن تضمر في كان ضمير الشأن فتقول: كان من يأتني آته، وليس من يأتنا نحدثْه، لأنك جعلت الجملة خبرا، فجاز على حد قولك: كنت من يأتنا نأته، ولست من يأتني أحدثه. السادسة: أن تقع بعد لكنْ المخففة غير مضمر بعدها مبتدأ، كقولك: ما أنا ببخيل، ولكن من يأتيني أعطيه، فترفع، لأنك لمّا لم تضمر قبل من مبتدأ وجب أن تكون موصولة، لأن لكن لا تدخل على الجملة الشرطية، ولك أن

стр. 1374

تجزم على جعل من شرطية، وإضمار مبتدأ قبلها، كما أضمر بعد لكن في غير ذلك، نحو: ما زيد عاقلا ولكن أحمق، فتقول: ما أنا ببخيل ولكن ما يأتني أعطه، كما قال: ولكنْ متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أرْفِد تقديره: ولكن أنا متى، ولا يجوز في "متى" ولا غيرها من الظروف أن توصل بالفعل كما توصل من وما وأي، ولا تقع في شيء من الصور المذكورة إلا على تقدير مبتدأ قبلها. السابعة: أن تقع بعد إذا المفاجأة غير مضمر بعدها مبتدأ، كقولك: مررت به فإذا من يأتيه أعطيه، بالرفع، لأنك لم تضمر قبل من مبتدأ، فتعين أن تكون موصولة، لأن إذا المفاجأة لا تدخل على الشرط والجزاء، ولك أن تضمر قبل من مبتدأ وتجزم، قال سيبويه: وإن شئت جزمت، لأن الإضمار يحسن ههنا، ألا ترى أنك تقول، مررت به فإذا أجملُ الناس، ومررت به فإذا أيُّما رجل، فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت: مررت به فإذا هو من يأته يعطه، فإن لم تضمر وجعلت إذا تلى من، فهي بمنزلة إذ لا يجوز فيها الجزم. وإذا كان الشرط والجزاء فعلين جاز أن يكونا مضارعين، وأن يكونا ماضيين، وأن يكون الشرط ماضيا والجواب مضارعا، وأن يكون الشرط مضارعا والجواب ماضيا. والأكثر أن يكونا مضارعين، لأنه الأصل ومنه: (وإن تُبْدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبْكم به الله). ويليه في الكثرة أن يكونا ماضيين وضعا أوبمصاحبة لم، أحدهما أو كلاهما، لأنه وإن كان أبعد عن الأصل من كون أحدهما مضارعا، فهو أدخل في المشاكلة، وذلك نحو: (وإن عُدْتم عُدنا) ونحو: إن قمت لم أقم، وإن لم تقم قمت،

стр. 1375

وإن لم تقم لم أقعد. وأما كون الشرط ماضيا والجواب مضارعا فقليل بالنسبة، ومن أمثلته قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتَها نُوَفِّ إليهم أعمالهم فيها). وأقل منه كون الشرط مضارعا والجواب ماضيا، لأن الشرط الماضي لا يلتبس بغيره، لأنه مقرون بأداة الشرط، والجواب الماضي قد يلتبس بغيره لعدم ظهور الجزم فيه، ومما جاء منه قول الشاعر: من يَكِدْني بسيِّءٍ كنتُ منه ... كالشَّجا بين حلقِه والوريد وقوله: إن تَصْرِمونا صَرَمْناكم وإن تَصلوا ... ملأتُمُ أنفسَ الأعداء إرهابا وقوله: إن يَسْمِعوا سَيِّئا طاروا به فرحا ... مِنِّي وما سمعوا من صالح دفنوا وأكثر النحويين يخصون هذا الاستعمال بالضرورة، قال شيخنا ﵀: ولا أرى ذلك، لأن النبي ﷺ قال: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له من ذنبه ما تقدم" ولأن قائل البيت متمكن من أن يقول بدل كنت: أك منه. وقائل الثاني متمكن من أن يقول بدل وصلناكم: نواصلكم. وبدل وإن تصلوا ملأتم: وإن تصلوا تملئوا. وقائل البيت الثالث متمكن من أن يقول بدل إن

стр. 1376

يسمعوا: إن سمعوا. فلما لم يقولوا ذلك مع إمكانه، وسهولة تعاطيه، علم أنهم غير مضطرين. وقد صرح بجواز ذلك الفراء رحمه الله تعالى، وجعل منه قوله تعالى: (إن نشأ نُنَزِّلْ عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) لأن ظلت بلفظ الماضي، وقد عطفت على ننزل، وحق المعطوف أن يصلح لحلوله محل المعطوف عليه. ص: ولا يكون الشرط غير مستقبل المعنى بلفظ كان أو غيرها إلا مُؤولا، وقد يكون الجواب ماضي اللفظ والمعنى مقرونا بالفاء مع قد ظاهرة أو مقدرة. ولا ترد إن بمعنى إذ، خلافا للكوفيين. ش: إن الشرطية وأخواتها مختصة بالمستقبل، فلا يكون شرطها ولا جزاؤه بمعنى الماضي، ولا بمعنى الحال، وما أوهم ذلك أوِّل، فإذا جاء في موضع الشرط أو الجزاء ما هو حال أو ماض بلفظ كان أو غيرها حمل على أنه متعلق بفعل مستقبل هو الشرط أو الجزاء في الحقيقة، ولكنه حذف اختصارا أو استغناء عنه بانصراف الكلام إلى معناه، وذلك قولك: إن أحسنت إليّ أمس فقد أحسنت إليك اليوم، والمعنى: إن تبين إحسانك أمس تبين إحساني اليوم. وذهب أبو العباس المبرد إلى أنه يجوز بلا تأويل كون الشرط ماضي المعنى بلفظ كان دون غيرها، فإنه قال: وما يسأل عنه في هذا الباب قولك: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم. فقد صار ما بعد إن يقع في معنى الماضي. قيل للسائل: ليس ذا من قبيل إن، ولكن لقوة كان، وأنها أصل الأفعال وعبارتها، جاز أن تغلبْ إنْ فتقول: إن كنت أعطيتني فسوف أكافئك، فلا يكون ذلك إلا ماضيا، وكقوله تعالى: (إن كنتُ قلتُه فقد علمتَه) والدليل على أنه كما

стр. 1377

قلت وأنه لقوة كان، أنه ليس من الأفعال ما يقع بعد إن غير كان إلا ومعناه الاستقبال، لا تقول: إن جئتني أمس أكرمتك اليوم، ولم يُصَوّب ما ذهب إليه المبرد في هذه المسألة، وقد رده عليه ابن السراج فقال: "والذي قاله أبو العباس لست أقوله، ولا يجوز أن تكون إن تخ لو من الفعل المستقبل لأن هذا نقض لأصول الكلام، وما وضعت له" قال: والتأويل عندي في قولهم: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم، أي إن تكن كنت ممن زارني أمس أكرمتك اليوم، فدلت كنت على تكن، وكذلك قوله تعالى: (إن كنت قلته فقد علمته) أي: إن أكن كنت، أو إن أقل كنت قلته، أو أقر بهذا الكلام. وقد حكى عن المازني ما يقارب هذا". وقوله: "وقد يكون الجواب ماضي اللفظ والمعنى، مقرونا بالفاء مع قد ظاهرة أو مقدرة" أشار به إلى نحو قوله تعالى: (إن يسرقْ فقد سرق أخ له من قبل) وقوله تعالى: (إن كان قميصه قدّ من قُبُل فصدقت) تقديره: فقد صدقت، وهو عندي محمول على التأويل المذكور، ولا يستقيم أن يكون على غيره، لتقدم الشرط على الجزاء، واستحالة تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن. ولا ترد إنْ بمعنى إذ. فصل: ص: لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه، واستلزامه لتاليه، واستعمالها في المضي غالبا، فلذا لم يجزم بها إلا اضطرارا، وزعم اطراد ذلك على لغة.

стр. 1378

ش: من حروف المعاني لو، وهي في الكلام على ضربين: موصولة وشرطية. فالموصولة هي التي تأتي مع الفعل في تأويل مصدر كما في قوله تعالى: (يودُّ أحدهم لو يُعَمّر) وقد تقدم ذكرها. وأما الشرطية فهي لتعليق ما امتنع لامتناع شرطه، فتقتضي جملتين ماضيتين، الأولى منهما مستلزمة للثانية لأنها شرط، والثانية جوابه. وتقتضي أيضا امتناع الشرط، لأنه لو ثبت لثبت جوابه، وكان الإخبار بذلك إعلاما بإيجاب لإيجاب، لا بتعليق ما امتنع لامتناع شرطه، فيخرج لو عن معناها. ولا تقتضي امتناع الجواب في نفس الأمر، ولا ثبوته لأنه لازم والشرط ملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم، بل إن كان مساويا للشرط امتنع بامتناعه، كما في نحو: لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. وإن كان أعم من الشرط لم يلزم أن يكون ممتنعا في نفس الأمر لامتناع شرطه، لجواز كونه لازما لأمر ثابت، فيكون أيضا هو ثابتا لثبوت ملزومه، كما في قولك: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه، فإن تركه السؤال محكوم بكونه مستلزما للعطاء، وبكونه ممتنعا، والعطاء محكوم بثبوته على كل حال، والمعنى أن إعطاءه حاصل مع ترك السؤال، فكيف مع السؤال، كما في قول عمر ﵁: نعم العبد صُهَيب، لو لم يخف الله لم يعصه". فإن عدم الخوف محكوم بكونه مستلزما لعدم المعصية، وبكونه ممتنعا، وعدم المعصية محكوم بثبوته، لأنه إذا كان ثابتا على تقدير عدم ثبوت الخوف، فالحكم بثبوته على تقدير ثبوت الخوف أولى. وكما في قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمُدُّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) لأن عدم النفاد ثابت على تقدير كون ما في

стр. 1379

الأرض من شجرة أقلاما مدادها البحر وسبعة أمثاله، وعلى تقدير عدم ذلك. وقد ظهر من هذا أن "لو" حرف شرط في الماضي، وأنها تقتضي نفي تاليها، واستلزم ثبوته ثبوت تاليه، لأنهما شرط وجواب. ولا تقتضي نفي الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته. وقال أكثر النحويين: لو حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره. أي على امتناع الثاني لامتناع الأول. وكان شيخنا ﵀ يرى أنه تفسير للو بأخص من معناها، لأنه يقتضي كون جوابها ممتنعا غير ثابت على وجه، وذلك فيها غير ثابت، بدليل مجيء جوابها ثابتا في نحو ما تقدم من الأمثلة. ولا شك أن ما قاله الشيخ في تفسير لو أحسن وأدل على معنى لو مما قال النحويون، غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح واف بشرح معنى لو، وهو الذي قصد سيبويه ﵀ من قوله: لما كان سيقع لوقوع غيره، يعني أنها تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو ما قال غيره. ولنرجع إلى بيان صحته فنقول: قولهم: لو تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، يستقيم على وجهين: الأول: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع الشرط، غير ثابت لثبوت غيره، بناء على مفهوم الشرط في عرف اللغة، لا في حكم العقل، فإنك إذا قلت: إن قام زيد قام عمرو، فهو دال في عرفهم على أنه إذا لم يقم زيد لم يقم عمرو، لأن الأصل فيما علق على شيء ألا يكون معلقا على غيره، فجرى العرف على هذا الأصل، ولذلك فهموا عدم جواز القصر في السفر عند عدم الخوف في قوله تعالى: (فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاة إن خفتم) وعلى هذا إذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، فقد دلت "لو" على أن المجيء مستلزم للإكرام، وعلى أنه ممتنع، فيفهم منه أن الإكرام ممتنع أيضا، غير ثابت بوجه، كما يفهم من نفي شرط إن نفي جوابه. والوجه الثاني: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون

стр. 1380

ثابتا لثبوت غيره، لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها، واستلزامه لتاليه، فقد دلت على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه (متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم، مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت أمر آخر، فيصح إذن أن يقال: لو حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، لأنه) لا يقتضي كونها تدل على امتناع الجواب على كل تقدير، بل على امتناعه بامتناع الشرط المذكور، مع احتمال كونه ثابتا لثبوت أمر آخر، وغير ثابت، لأن امتناع شيء لامتناع علة، لا ينافي ثبوته لثبوت علة أخرى، ولا انتفاءه لانتفاء جميع علله. وعند أكثر المحققين أن "لو" لا تستعمل في غير المضي غالبا، وليس بلازم، لأنها قد تأتي للشرط في المستقبل بمنزلة إنْ، واحتجوا بنحو قول الشاعر: ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رَمْسَيْنا من الأرض سبسبُ لظل صدى صوتي ولو كنت رِمّة ... لصوت صدى ليلى يَهَشُّ ويطرب وقال الآخر: ولو أن ليلى الأخيليةَ سلمت ... عليّ ودوني جَنْدَل وصفائحُ لسلمتُ تسليمَ البشاشة أوزَقا ... إليها صدًى من جانب القبر صائحُ وقوله تعالى: (وليَخْشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذريَّة ضعافا خافوا عليهم) وليس بحجة، لأن غاية ما فيه أن ما جعل شرطا للو مستقبل في نفسه، أو مقيد بمستقبل، وذلك لا ينافي امتناعه فيما مضى لامتناع غيره، ولا يحوج إلى إخراج لو عما عهد من معناها إلى غيره. ولما كانت لو للشرط في الماضي كان دخولها في المضارع على خلاف الأصل، فلم تجزمه في سعة الكلام، كما تجزمه إنْ، وإن كانت مثلها في الاختصاص بالفعل.

стр. 1381

وحكى الشجري أن بعضهم يرى الجزم بها لغة، والمعروف أنه لا يجزم بها إلا في الضرورة، كقوله: تامَتْ فؤادَك لو يَحزُنْك ما صنعت ... إحدى نساءِ بني ذُهل بن شيبانا وقول الآخر: لو يشا طار به ذو مَيْعةٍ ... لاحقُ الآطالِ نَهدٌ ذو خُصَل وذهب الشيخ ﵀ في شرح الكافية إلى منع الجزم بلو في السعة والضرورة، وقال عن تسكين النون من: يحزنْك: فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا، كما قرأ أبو عمرو: (ينصرْكم) و: (يأمرْكم) و: (يشعرْكم) وكما قرأ بعض السلف: (ورُسُلْنا لديهم يكتبون) بتسكين اللام. وعن تسكين الهمزة من: "لو يشا" وهذا لا حُجة فيه، لأن من العرب من يقول: جايجي، وشايشا، بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة يشاء، فقال: يشاء، ثم أبدل الألف همزة، كما قيل في: عالم وخاتم: عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان في: (تأكل منسأته) حين قرأ: منساته، بهمزة ساكنة، والأصل: مِنسأته، مفْعلة، مَن نسأه زجره بالعصا، ولذلك سميت منسأة، فأبدل الهمزة ألفا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة، فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ. ص: وإن وليها اسم فهو معمولُ فعل مضمر مُفَسَّر بظاهر بعد الاسم، وربما وليها اسمان مرفوعان، وإن وليها "أنّ" لم يلزم كون خبرها فعلا، خلافا لزاعم ذلك.

стр. 1382

ش: لو مختصة بالأفعال، فلا تباشر الجمل الاسمية، ولكن يليها الاسم مرفوعا ومنصوبا، فإن وليها المرفوع، فإن كان غير أنّ وصلتها، فهو مرفوع بفعل مضمر مُفَسَّر بظاهر بعد الاسم، نحو: لو ذاتُ سوارٍ لطمتني، ولو زيد قام أبوه قمت. وإن كانت أنّ وصلتها كما في قولك: لو أنك جئتني لأكرمتك، فهو عند سيبويه في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وقد شذ ابتداء أن بعد لو، كما نصب غدوة بعد لدن. وعند الأخفش في موضع رفع بثبت مضمرا، كما هو كذلك بعد ما النائبة عن الظرف، كقولهم: ما أفعله ما أن حراء مكانه، ولا أكلمه ما أن في السماء نجما. وإن ولى "لو" اسم منصوب، فقد يكون منصوبا بما بعده، كما في قولك: لو زيدا ضربت لأكرمتك. وقد يكون منصوبا بفعل مضمر مُفَسَّر بظاهر بعد الاسم، أو غير مفسر. فالأول نحو: لو زيدا رأيته أكرمك، ولو عمرا كلمت أخاه لأعطاك. والثاني قولهم: اضرب ولو زيدا، وألا شرابَ ولو ماء. ويندر المجيء باسمين مرفوعين بعد لو في قول الشاعر: لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغصّان بالماء اعتِصاري وحمله أبو علي على أن حلقي فاعل لفعل مضمر يفسره شَرِق، وشرق خبر مبتدأ محذوف مدلول عليه بالفاعل، والتقدير: لو شرِقَ بغير الماء حلقي هو

стр. 1383

شرق. وحمله شيخنا ﵀ على أن حلقي مبتدأ، وشرق خبره، وبغير الماء متعلق بالخبر، وقد ابتدأ الكلام بعد لو، (لأنها) لما لم تعمل لم يسلك بها سبيل إنْ في الاختصاص بالفعل أبدا، فنبه على ذلك بمباشرتها أنّ كثيرا، وبمباشرة غيرها قليلا. ومحمله عندي على أن يكون قوله: حلقي شرق، مبتدأ وخبرا في موضع نصب بكان الشانية مضمرة تقديره: لو كان الأمر والشأن حلقي شرق بغير الماء، كنت كالغصان، وكان بالماء اعتصاري. وزعم الزمخشري أن الخبر بعد لو أن ملتزم مجيئه فعلا، ليكون ذلك عوضا عن ظهور الفعل المقدر بين لو وأنّ، ومنع صحة قولك: لو أن زيدا حاضري لأكرمتك. قال الشيخ ﵀: وما منعه شائع في كلام العرب، كقوله تعالى: (ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلامٌ) وكقول الراجز: لو أن حيًّا مُدْرِكُ النجاح ... أدركه مُلاعِبُ الرِّماح وكقول الآخر: ولو أنّ حيًّا فائتُ الموتِ فاته ... أخو الحرب فوق القارِحِ العَدَوان وقول الآخر: ولو أنّ ما أبْقَيتِ مني مُعَلّق ... بعُودٍ ثُمامٍ ما تأوَّدَ عودُها

стр. 1384

وقول الآخر: ولو أنّها عُصفورةٌ لحسِبتها ... مُسَوَّمةً تدعو عُبَيْدا وأزْنَما ص: وجوابها في الغالب فعل مجزوم بلم، أو ماض منفي بما، أو مُثبت مقرون غالبا بلام مفتوحة لا تحذف غالبا إلا في صلة، وقد تصحب ما النافية. ش: انفردت "لو" بلزوم كون جوابها في الغالب فعلا مضارعا مجزوما بلم، نحو: لو قام زيد لم أقم. أو ماضيا مثبتا أو منفيا بما، فإن كان مثبتا، فالأكثر أن تصحبه لام مفتوحة نحو: (ولو عَلِمَ اللهُ فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتَوَلَّوْا) وقد تخلو منها كما في قوله تعالى: (لو شئتَ أهلكتهم من قبلُ وإياي) وقوله تعالى: (ولْيَخْشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذُرِّيَّةً ضعافا خافوا عليهم). وإن كان منفيا بما فالأكثر خلوه من اللام، كما في قوله تعالى: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) وقد تصحبه كما في قولك: لو كان كذا لما كان كذا. وقوله: غالبا، احتراز من مجيء جواب لو جملة اسمية مصدرة باللام، كقوله تعالى: (ولو أنهم آمنُوا واتَّقَوْا لمثُوبةٌ من عند الله خيرٌ لو) وبالفاء كما أنشده الشيخ ﵀ من قول الشاعر: قالت سلامةُ لم تكن لك عادةٌ ... أن تَتْرُكَ الأعداء حتى تُعْذَرا لو كان قَتْلى يا سلامُ فراحةٌ ... لكنْ فَرَرْتُ مخافةً أن أوسرا

стр. 1385

فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب للو، وجاز أن تجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيها بإن. ويجوز عندي أن يكون ما بعد الفاء معطوفا على فاعل كان، وجواب لو محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثَبَتُّ، كما حذف في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: (إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به) وكما حذف هو والشرط في قول الشاعر: إنْ يكنْ طبُّكِ الدلالَ فلو في ... سالف الدهرِ والسنينَ الخوالي قال أبو الحسن: يريد فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا. فصل: ص: إذا وَلِيَ " لمّا " فعلٌ ماض لفظا ومعنى فهو ظرف بمعنى "إذ" فيه معنى الشرط، أو حرفٌ يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، وجوابها فعل ماض لفظا ومعنى، أو جملة اسمية مع إذا المفاجأة أو الفاء، وربما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وقد يكون مضارعا. ش: من حروف المعاني "لمّا" وهي في الكلام على ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون نافية جازمة، تقلب المضارع إلى المضي، وقد تقدم ذكرها. والثاني: أن تكون بمعنى إلا في قسم، أو بعد نفي دون قسم، وتليها الأسماء والأفعال إلا الماضي لا يكون بعدها إلا مستقبل المعنى. فمن مجيئها في القسم قوله: عزمت عليك لمّا ضربت سوطا أو سوطين، وقول الراجز: قالتْ له بالله ياذا البُرْدَيْن ... لمّا غَنِثْتَ نَفَسا أو اثنَيْنْ ومن مجيئها بعد النفي الخالي من القسم قراءة عاصم وحمزة: (وإنْ كلٌّ لما

стр. 1386

جميعٌ لدينا مُحْضَرون): (وإنْ كلّ ذلك لمّا متاعُ الحياةِ الدنيا) أي ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. والثالث: أن تدل على وجوب شيء لوجوب غيره، ولا يلزمها إلا فعل ماض لفظا ومعنى، وهي حرف يقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب عند سيبويه، وظرف بمعنى "إذ" فيه معنى الشرط عند أبي علي. قال شيخنا ﵀: والصحيح قول سيبويه، واستدل بقوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) فإن المراد أنهم هلكوا بسبب ظلمهم، لا أنهم أهلكوا حين ظلمهم، لأن الهلاك متأخر عنه، وربما ينوى. قال سيبويه: إن اسميتها مشكوك فيها، وحرفيتها ظاهرة، لأنها دالة على معنى الشرط، فتقتضي فيما مضى وجوبا لوجوب، كما تقتضي "لو" امتناعا لامتناع، والحكم بالظاهر راجح. قال الشيخ: ويقوى قول أبي علي أنها قد جاءت لمجرد الوقت في قول الراجز: إنّي لأرجو مُحْرِزًا أن يَنْفَعا ... إيّايَ لمّا صرتُ شَيخا قَلِعا وجواب لما فعل ماض لفظا ومعنى، نحو: (فلما أنْ جاء البشير ألقاه) أو جملة اسمية مع إذا المفاجأة، كقوله تعالى: (فلما أحسُّوا بأسنا إذا هم منها يركُضون) أو مع الفاء كقوله تعالى: (فلمّا نجّاهم إلى البر فمنهم

стр. 1387

مُقْتَصِد) وربما كان ماضيا مقرونا بالفاء كقول الشاعر: فلما رأى الرحمن أنْ ليس فيكم ... رَشيدٌ ولا ناهٍ أخاه عن الغَدْر فصَبّ عليكم تَغْلِب ابنةَ وائلٍ ... فكانوا عليكم مثل راغِيةِ البَكْرِ

стр. 1388

باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك ص: يستفهم بكيف عن الحال قبل ما يستغنى به، وعن الخبر قبل ما لا يستغنى به. ومعناها: على أي حال؟ فلذا تسمى ظرفا، وربما صحبتها "على" ولجوابها وللبدل منها النصب في الأول، والرفع في الثاني إن عدمت نواسخ الابتداء، وإلا فالنصب، ولا يجازى بها قياسا خلافا للكوفيين. ش: من الأسماء المبنية كيف، وتدل على اسميتها أمور: أحدها: انتفاء أن تكون حرفا، للاكتفاء بها مع الاسم المفرد، نحو: كيف أنت؟ وانتفاء أن تكون فعلا، لدخولها على الأفعال واتصالها بها، نحو: (كيف فعل ربك) والفعل لا يدخل على الفعل إلا مفصولا عنه في النية بضمير الفاعل المستكن، كما في قولك: إن تقم أقم. فلما انتفى أن تكون حرفا، وأن تكون فعلا تعين أن تكون اسما. الثاني: جواز إبدال الاسم منها، كما في قولك: كيف زيد؟ أفارغ أم مشغول؟ وكيف سرت؟ أراكبا أم ماشيا؟ فلولا أن كيف اسم لما أبدل منها الاسم. الثالث: دخول حرف الجر عليها في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ وهي اسم مبني لشبهها بالحرف في المعنى، لتضمنها معنى همزة الاستفهام، بدليل وجوب اقتران الهمزة بالبدل منها، نحو: كيف زيد؟ أصحيح أم سقيم؟

стр. 1389

وبنيت على حركة فرارا من التقاء الساكنين، وكانت الحركة فتحة لأنها أخف، والنطق بها بعد الياء الساكنة أسهل. ومعنى كيف الاستفهام عن وصف منكور لموصوف بعده مذكور، فلذلك لا يبدل منها، ولا يجاب إلا بصفة نكرة، فيجب أن تكون عامة لجميع أحوال الموصوف حتى يصح أن يجاب بعضها. ولذلك تسمى اسم استفهام عن الحال. قيل: معناها على أي حال، فتسمى ظرفا، لأنها في تأويل جار ومجرور، كما أن الظرف في تأويل جار ومجرور. ولا شك في صحة تقدير: على أي حال مكان كيف، وأن قولك: كيف زيد؟ في معنى: على أي حال زيد؟ ولكن ليس لأن كيف موضوعة لذلك المعنى، بل لأن معناها راجع إليه بنوع من اللزوم، ويدل على ذلك أمران: أحدهما: أنه كما يصح تقدير: على أي حال مكان كيف، كذلك يصح تقدير وصف مجرد من حرف جر مكانها، فيجوز أن يأتي بدل "كيف" من نحو: كيف أنت؟ أقائم أم غير قائم؟ وشبهه، فتقول: أقائم أنت أم غير قائم؟ فتفيد بذلك ما تفيده: كيف أنت؟ فيجب أن تكون حقيقة في الاستفهام عن الحال، لأن كونها ظرفا مستلزم لكثرة التضمين، ولتقدير الاستقرار، وكلاهما على خلاف الأصل. الثاني: أن البدل من كيف إما منصوب، نحو: كيف سرت؟ أراكبا أم ماشيا؟ وإما مرفوع، نحو: كيف زيد؟ أصحيح أم سقيم؟ ولو كانت ظرفا لما كان البدل منها إلا مجرورا مثل ما تضمنته، فكان يجب أن يقال: كيف سرت؟ أعلى ركوب أم على مشي، وكيف زيد؟ أعلى صحة أم على سقم؟ كما يجب أن يقال: أين كنت؟ أفي الدار أم في المسجد؟ فلما لم يجب أن يقال ذلك، بل أبدلوا منها بدون حرف جر، علم أنها ليست ظرفا. ولكيف صدر الكلام كغيرها من أدوات الاستفهام، ولا تخرج في الاستعمال عن أن تكون في موضع نصب على الحال، أو خبر مبتدأ في الحال أو الأصل، إلا ما شذ من نحو جرها بعلى في قول بعضهم: على كيف تبيع الأحْمَرَيْن؟ فإذا وقعت كيف قبل تام مستغن عنها كانت في موضع نصب على الحال، لأنها في

стр. 1390

تأويل صفة نكرة متقدمة على موصوفها، والصفة المتقدمة على الموصوف لا يجوز أن تكون نعتا له، لأن النعت تابع، فلا يتقدم على المتبوع، بل يجب فيها أحد أمرين: إما أن تجعل حالا من الموصوف، وإما أن تقام مقامه، ويجعل هو بدلا منها، فلم يجز في كيف أن تقام مقام الموصوف، لأنها في تأويل صفة نكرة، والصفة النكرة يقبح فيها ذلك. فوجب أن تكون حالا، ولذلك يبدل منها، ويجاب بالنصب، تقول: كيف سار زيد؟ أراكبا أم ماشيا؟ فيقال: ماشيا أو راكبا. ويقال: كيف جئت؟ فتقول: مسرعا، بالنصب لا غير، لأن البدل من الحال حال، والحال لا تكون إلا منصوبة. وإذا وقعت كيف قبل ما لا يتم كلاما، كانت خبرا مقدما، وما بعدها مخبر عنه، لأنه لا يجوز أن تكون ملغاة، لأنه قد حصلت بها الفائدة، وتم بها الكلام، ولا يجوز أن تكون هي المخبر عنه، وما بعدها الخبر، لأنها في تأويل صفة نكرة، فيقبح جعلها اسما مخبرا عنه بما بعده، فوجب أن تكون خبرا مقدما في موضع رفع، إن عدمت نواسخ الابتداء، ولذلك يبدل منها ويجاب بالرفع، نحو: كيف زيد؟ أفارغ أم مشغول؟ وإن وجدت نواسخ الابتداء فهي في موضع نصب خبرا قبل كان أو إحدى أخواتها، (ومفعولا ثانيا قبل ظن أو إحدى أخواتها)، ولذلك يبدل منها ويجاب بالنصب نحو: كيف كان زيد؟ أصحيحا أم سقيما؟ وكيف رأيت عمرا، أشاعرا أم فقيها؟ وقد تقدم الكلام على المجازاة بها، فلا حاجة إلى إعادته. فصل: ص: تكون "قد" اسما لكفى، فتستعمل استعمال أسماء الأفعال، وترادف "حسبا" فتوافقها في الإضافة إلى غير ياء المتكلم، وتكون حرفا فتدخل على فعل ماض متوقع لا يشبه الحرف لتقريبه من الحال، وعلى مضارع مجرد من جازم وناصب وحرف تنفيس لتقليل معناه، وعليهما للتحقيق، ولا تفصل من أحدهما بغير قسم، وقد يغني عنه دليل فيوقف عليها. ش: تكون قد في الكلام اسما وحرفا، فإذا كانت اسما فهي على ضربين: أحدهما: اسم فعل ماض بمعنى كفى، فتستعمل استعمال أسماء الأفعال، فيتم بها

стр. 1391

الكلام مع الفاعل، ولا يبرز معها ضميره، وتنصب المفعول، كقولك: قدْ زيدا درهمان، والدرهمان قد زيدا، ولا يجوز "قدا"، كما يجوز: كفيا، لأن قد اسم فعل. والثاني: أن تكون بمعنى حسب، أي "كاف" فتوافقها في الإضافة إلى المفعول، وفي لزوم استعمال أحد جزأي الابتداء، كقولك: قدْ زيدٍ درهمٌ، كما تقول: حَسْبُ زيدٍ درهمٌ، فقد في هذا اسم لمرادفتها لما ثبتت اسميته معنى واستعمالا، وهي مبتدأ، ودرهم الخبر، ولكنها مبنية على السكون لوضعها على حرفين، وشبهها بقد الحرفية، فلم يظهر فيها الرفع. وقوله: فتوافقها في الإضافة إلى غير ياء المتكلم معناه أن "قد" تضاف إلى كل ما تضاف إليه حسب، إلا أن حسبا تضاف إلى ياء المتكلم مجردة عن نون الوقاية كقوله: فحسْبِيَ مِنْ ذي عندهم ما كَفانيا "وقد" تضاف إلى الياء مجردة، ومع نون الوقاية، كما سبق الاستشهاد عليه في باب المضمر، نحو قول الشاعر: إذا قال قَدْني قال بالله حَلْفَة وقول الراجز: قَدْنِيَ مِنْ نصرِ الخُبَيْبين قَدِي

стр. 1392

وإذا كانت حرفا فهي على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون حرف تقريب، فتدخل على فعل ماض متصرف متوقع، أي منتظر، لتقريبه من الحال. الثاني: أن تكون حرف تقليل، فتدخل على المضارع المجرد من جازم وناصب وحرف تنفيس لتقليل وقوعه، كقولك: البخيل قد يعطى، والجواد قد يمنع. الثالث: أن تكون حرف تحقيق، فتدخل على كل من بناء المضارع والماضي لتقرير معناه، ونفي الشك عنه، فدخولها على الماضي كثير كقوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وقوله تعالى: (ولقد نادانا نوح): (ولقد عهدنا إلى آدم) ومن دخولها على المضارع قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء): (قد يعلم الله المُعَوِّقين منكم) وقول الشاعر: قد أترك القِرْن مُصْفَرًّا أناملُه ... كأنَّ أثوابه مُجَّت بفِرْصاد وهو في علم البيان من التقليل على طريق التهكم. ولا يفصل بين قد والفعل إلا بالقسم، كقول الشاعر: أخالد قد والله أُوطِئْتَ عُشْوة ... وما العاشقُ المظلومُ فينا بسارق أقرّ بما لم يأته المرءُ إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق وقول الآخر: لقد أرسلوني في الكواعب راعيا ... فقد وأبِي راعي الكواعِبِ أُفْرِسُ

стр. 1393

أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي، ويجوز أن يكون (أضاف الأب إلى راعي) وهو يعني نفسه. وقد يغني عن الفعل بعدها دليل فيحذف، كما حذف بعد لمّا، ويوقف عليها، كقولك: أزفَ الشُّخوصُ وكأن قد. قال النابغة: أزِف التَّرُحُّل غير أن ركابنا ... لَمّا تَزُل برحالنا وكأنْ قد أي: وكأن قد زالت. ص: وترادفها هل، وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، وما لم يطلب به تعيين، ويكثر قيام "مَنْ" مقرونة بالواو مقام النافي فيجاء غالبا بإلا قصدا للإيجاب، وقد يقصد بأيّ نفي، فيعطف على ما في حيزها بولا. ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التصدير، فدخلت على الواو والفاء وثم، ولم يدخلن عليها، ولم تُعَد بعد أم، بخلاف هل وسائر أخواتها، ويجوز ألا تعاد هل لشبهها بالهمزة في الحرفية، وأن تعاد لشبهها بأخواتها في عدم الأصالة، وقد تدخل عليها الهمزة فتتعين مُرادفةُ قد، وربما أبدلت هاؤها همزة. ش: هل حرف استفهام، تجيء مع الماضي بمعنى قد، كقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) قال المفسرون: المعنى: قد أتى على الإنسان حين من الدهر. وللاستفهام حرفان: الهمزة وهل. فالهمزة يستفهم بها عن التصديق، كقوله: أزيد قائم؟ وأقام عمرو؟ عن التصور لطلب التعيين، كقولك: أزيد قام؟ وأعمرا كلمت؟ وتدخل على النفي لتقرير أو توبيخ أو تمن أو نحو ذلك، كما سبق التنبيه عليه في باب: لا لنفي الجنس.

стр. 1394

وأما هل فيستفهم بها عن التصديق الموجب لا غير، ولذلك قبح: هل زيد قام؟ وهل عمرا ضربت؟. وامتنع: هل زيد قائم أو عمرو؟. وإلى كون هل للاستفهام الموجب الإشارة بقوله: وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، ولم يطلب فيه تعيين. وكثيرا ما يعدى الاستفهام عن أصله فيؤتى به في مقام الإنكار والجحد، فيجرى مجرى النفي. فمما جاء من ذلك بالهمزة قوله تعالى: (أهم يَقْسِمون رحمة ربك) وبهل في قوله تعالى: (وهل نجازي إلا الكفور) وبمتى كقولهم في مقام الجَحْد: متى قلت هذا؟ وبأين نحو ما حكى الكسائي: أين كنت لتنجو مني. أي ما كنت لتنجو مني. وبكيف كقراءة عبد الله. (كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله) وقد جاء ذلك بمَنْ مقرونة بالواو وبعدها إلا في الغالب لقصد الإيجاب، كقوله تعالى: (ومَن يرغبُ عن ملَّة إبراهيم إلا مَنْ سَفِه نفسه) المعنى: وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه. ومثله: (ومَن يقنطُ من رحمة ربه إلا الضالون). وقد يجيء نفي بأيّ فيعطف على ما في حيزها بولا، كقول الشاعر: فاذهب فأيُّ فتى في الناس أحْرَزَه ... عن حَتْفه ظُلَمٌ دُعْجٌ ولا جَبَل واعلم أن أصل أدوات الاستفهام الهمزة لأنها تأتي في الإيجاب والنفي، ويستفهم بها عن التصور وعن التصديق، ولكونها أصل أدوات الاستفهام،

стр. 1395

والاستفهام له صدر الكلام، استأثرت عن أخواتها بتمام التصدير، فدخلت على العواطف من الواو والفاء وثم، ولم يدخلن عليها، فلا يقال: قد قام زيد، فأقام أخوه؟ كما يقال: فهل قام أخوه؟ وإنما يقال: قد قام زيد، أفقام أخوه؟ كما قال تعالى: (أو لم يهدِ للذين يرثون الأرض): (أفلم يَيْئَس الذين آمنوا): (أثُمّ إذا ما وقع آمنتم به) وهو عند سيبويه على التقديم والتأخير، إيثار الهمزة الاستفهام بتمام التصدير. وفي امتناع دخول العواطف عليها مع مساواتها لهل في صحة عطف ما هي فيه على ما قبله، شاهد على صدق قول سيبويه. وقد حمل الزمخشري بعض ما جاء من ذلك في القرآن الكريم على إضمار المعطوف عليه، فقال في قوله تعالى: (أو كُلّما عاهدوا عهدا) و: (أفكلما جاءكم رسول) (تقديره: أكفروا وكلما عاهدوا، وأكفرتم فكلما جاءكم رسول)، وهو إضمار لا دليل عليه، ولا يفتقر تصحيح الكلام إليه. ولاسئثار الهمزة بتمام التصدير لم تعد بعد أم المتصلة ولا المنقطعة، تقول: أدبس في الإناء أم عسل؟ وأزيد خارج أم عمرو مقيم؟ وليس لك أن تعيد الهمزة بعد أم، كما تعيد الجار للتوكيد في نحو: أبزيد مررت أم بعمرو، لأنها لما لم تقع للتأسيس بعد العاطف كانت عن وقوعها للتوكيد بعده أبعد. وأما هل فيجوز فيها مع أم المنقطعة ألا تعاد، استغناء بدلالة العاطف على التشريك، نحو: هل قام زيد أم خرج عمرو، ويجوز أن تعاد توكيدا، لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها نحو: هل قام زيد أم هل خرج عمرو؟ وقال الله

стр. 1396

تعالى: (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلماتُ والنورُ، أم جعلوا لله شركاء) فجمع بين الاستعمالين. فإن قلت: كيف صح الجمع بين هل وأم المنقطعة، والنحويون يقولون: إنها تفيد الاستفهام والإضراب معا؟ قلت يتجه ذلك على أن تكون "أم" دالة على الإضراب الوضع، وعلى الاستفهام إذا لم يذكر بعدها بالالتزام العرفي، فإنها لا تدخل إلا على جملة استفهامية، فصار لفظها مشعرا بالاستفهام، فيجوز إظهاره بعدها على الأصل، ويجوز إضماره استغناء بدلالة أم. فأما قوله: "ويجوز في هل ألا تعاد لشبههما بالهمزة في الحرفية، وأن تعاد لشبهها بأخواتها بعدم الأصالة" فكلام غير محقق، فإن عدم إعادة "هل" بعد "أم" مثل عدم إعادة الهمزة في كونه على وفق الدليل، فلا فائدة في قياس جواز أحدهما على جواز الآخر، وإعادة هل بعد أم ليست مثل إعادة أخواتها في أسماء الاستفهام، فإن هل تعاد توكيدا كما سبق، وغيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه، وإذا لم يقصد معناه لم يذكر، تقول: متى قام زيد؟ أم متى خرج عمرو؟ إذا أضربت عن الاستفهام عن وقت قيام زيد، إلى الاستفهام عن وقت خروج عمرو أو نحو ذلك. وقد تدخل الهمزة على هل فتتعين أن تكون المرادفة لقد، كقول الشاعر: سائِلْ فوارسَ يَرْبُوع بِشَدَّتنا ... أهَلْ رأوْنا بقاع القُفِّ ذي الأكَم وقد تبدل هاؤها همزة، فيقال: أل قام زيد؟ مكان هل قام زيد؟ فصل: ص: حروف التحضيض "هلّا" و"ألا" و"لولا" و"لو ما"

стр. 1397

ولا يليهن غالبا إلا فعل ظاهر، أو معمول فعل مضمر مدلول عليه بلفظ أو معنى، وقلما يخلو مصحوبها من توبيخ، وإذا خلا منه فقد يغني عنهن "لو" و "ألا". وتدل أيضا "لولا" و"لوما" على امتناع لوجوب فيختصان بالأسماء، ويقتضيان جوابا كجواب "لو"، وقد يلي الفعل "لولا" غير مفهمة تحضيضا، فتؤول "بلو لم" أو تجعل المختصة بالأسماء، والفعل صلة لأن مقدرة. ش: التحضيض مبالغة في الحض على الشيء، وهو طلبه والحث على فعله، وحروفه: هلا، وألا، ولولا، ولوما، يدخلن على الفعل للتوبيخ في ضمن التنديم إن كان ماضيا، وفي ضمن التقاضي إن كان مستقبلا، وكأنهن مأخوذات من "هل" المنقولة إلى التمني في نحو قوله تعالى: (فهل لنا من شُفَعاء) مبدلة هاؤها همزة على لغة. ومن "لو" المنقولة إلى التمني أيضا في نحو: لو تأتيني فتحدثَني، بالنصب، لما فيها من تقدير غير الواقع واقعا، ثم ركبا مع لا وما المزيدتين تنبيها على نقلهما إلى التحضيض، فإذا قلت: هلّا فعلت: فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم. وإذا (قلت: هلا تفعل)، فكأنك قلت: ليتك تفعل، متولدا منه معنى التقاضي والحث. ولحروف التحضيض صدور الكلام، وهي مختصة بالأفعال، وإنما يليها في الغالب فعل ظاهر متصل، نحو: هلا تضرب زيدا، أو مفصول بمفعول نحو: هلا زيدا ضربت، وإما بمعمول فعل مضمر على شريطة التفسير كقولك: هلا زيدا ضربته،

стр. 1398

أو مدلول عليه بمذكور قبل، كقول الشاعر: تَعُدُّون عَقْرَ النِّيبِ أفضلَ مجدِكم ... بني ضَوْطَرَى لولا الكميَّ المُقَنَّعا المعنى: لولا تعدون عقر الكمى، فحذف الفعل والمضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، اعتمادا على دلالة الكلام. وقد تلي حروفَ التحضيض جملة اسمية، كقول الشاعر: ونُبِّئتُ ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إليّ فهلّا نَفْسُ ليلى شَفيعُها وهو شاذ نادر، ويمكن تخريجه على إضمار كان الشانية، وجعل الجملة المذكورة خبرها، والتقدير: فهلا كان الأمر والشأن نفس ليلى شفيعها. وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ، فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: (فلولا نَفَر من كل فرقة منهم طائفةٌ) وقوله تعالى: (لولا أخَّرْتَني إلى أجل قريب فأصَّدَّق) ويجوز أن تغني عنهن حينئذ "لو" المنقولة إلى التمني، كما تقدم في نحو: لو تأتيني فتحدثني. و"ألا" المخففة من المثقلة، كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا. وتدل أيضا "لولا" و"لوما" على امتناع الشيء لوجود غيره، فيختصان بالأسماء، ويقتضيان جوابا كجواب "لو" فيكون فعلا مجزوما بلم، أو ماضيا منفيا أو مثبتا مقرونا في الغالب بلام مفتوحة. وقد يلي الفعل "لولا" غير مفهمة تحضيضا كقوله: لا دَرّ دَرُّكِ إني قد رميتُ به ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرى لمحْدُود

стр. 1399

والوجه فيه أن تكون "لو" هي التي لامتناع الشيء لامتناع غيره، ولا بعدها حرف نفي مع الماضي بمعنى لم يفعل، كما في قول الراجز: وأيُّ شيءٍ سَيِّء لا فعله أي لم يفعله، والتقدير: لو لم أحد لرميت به. ويجوز أن تكون "لو" مع "لا" هي التي لامتناع الشيء لوجود غيره، وقد وليها الفعل على أنه صلة لأن مضمرة، والمعنى: لولا أحد لرميت. فصل: ص: "ها" و"يا" حرفا تنبيه، وأكثر استعمال "ها" مع ضمير رفع منفصل، أو اسم إشارة. وأكثر ما يلي "يا" نداء أو أمر أو تمن أو تقليل، وقد يعزى التنبيه إلى "ألا" و"أما" وهما للاستفتاح مطلقا، وكثر "ألا" قبل النداء، و"أما" قبل القسم، وتبدل همزتها هاء أو عينا، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثلاث. هذا آخر ما ألف من كلام ابن المصنف رحمة الله عليه، من تكميل شرح التسهيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.