Полный текст (1 399 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ومنه قول الشاعر:
وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائل ... منَ اجْلك هذا هامةُ اليومِ أو غد
ولا ينبغي أن يكون آن بالمد من الإشباع، لأن الإشباع لا يكون غالبا إلا في الضرورة.
وأما من قال: هَنا فعلت، فمن إبدال الهمزة هاء، وهو كثير، وعكسه قليل.
ويلتزم في الخطاب حذف الألف والتسكين، لأن الحاجة إلى تخفيف المركب أشد من الحاجة إلى تخفيف المفرد. وفاعل نفعل هو المتكلم العظيم أو المشارك، وقد تقدم بيان ما لميم الجمع من هيأتها حال التلفظ بها، فأغنى عن إعادته الإحالة عليه.
ص: وتسكينُ هاء "هو" و"هي" بعد الواو والفاء والام وثمَّ جائزٌ، وقد تسَكَّنُ بعد همزة الاستفهام، وكافِ الجَرِّ، وتحذف الواو والياء اضطرارا، وتُسَكِنهما قيس وأسد، وتُشَدِّدهما هَمْدان.
ش: في هو وهي مخالفة للنظائر من وجهين: أحدهما بناؤهما على حركة بعد حركة، وإنما يكون ذلك فيما بناؤه عارض كالمنادى واسم لا، أو فيما حذف منه حرف كأنا. والثاني سكون أولهما بعد الحروف المذكورة.
فأما سبب بنائهما على حركة فقصد امتيازهما من ضمير الغائب المتصل، فإنه في اللفظ هاء مضمومة وواو ساكنة، أو هاء مكسورة وياء ساكنة، فلو سكن آخر هو وهِي لالتبس المنفصل بالمتصل، ولم يبال بذلك قيس وأسد حين قالوا: هُو قائم، وهي قائمة، لأن موضع المنفصل في الغالب يدل عليه فيؤمن التباسه بالمتصل. وإما قلت في الغالب، لأن من المواضع ما يصلح للمتصل والمنفصل نحو: من أعطيته زيد، ومن لم أعطه منه هند، فيجوز أن يراد بالضميرين الاتصال فيكونا مفعولين، وأن يراد بهما الانفصال على لغة قيس وأسد فيكونا مبتدأين، والعائد محذوف،
стр. 142
والأصل: من أعطيته هو زيد، ومن لم أعطها هي هند، ثم حذف العائدان لمفعوليتهما واتصالهما، وأسكن آخر هو وهي فأشبها متصلين.
ويجوز أن يكون الأصل: هُوّ وهِيّ كما يقول همدان، ثم خففا وتركت الحركة مشعرة بالأصل.
وأما تسكين الهاء ففرارا من مخالفة النظائر، وذلك لأنه ليس في الكلمات ما هو على حرفين متحركين ثانيهما حرف لين غيرهما، فقصد تسكين أحدهما، فكان ثانيهما أولى، إلا أنه لو سُكِّنَ وُقِعَ بتسكينه في التباس المنفصل بالمتصل، فعُدِل إلى تسكين الأول من الحروف المذكورة لأنها كثيرة الاستعمال، وبمنزلة الجزء مما يدخل عليه، أعني الواو والفاء واللام، وألحقت بها ثم. وبمقتضى ذلك قرأ قالون والكسائي ووافقهما أبو عمرو مع غير ثم، ولم يجئ السكون مع الهمزة والكاف إلا في الشعر، فمن ذلك قول الشاعر:
فقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتاعا وأرَّقني ... فقلتُ أهْيَ سَرَت أم عادني حُلُم
وقال آخر:
وقالوا اسْلُ عن سَلْمَى برؤية شبهها ... من النَّيِّرات الزُّهر والعين كالدُّمى
وقد علموا ما هُنَّ كهْيَ فكيف لي ... سُلُوٌّ ولا أنفَكُّ صَبّا مُتَيَّما
ومثال حذف الواو والياء اضطرارا قول الشاعر:
بَيْناهُ في دار صدق قد أقام بها ... حينا يُعَللنا وما نُعَلله
وقال آخر في حذف ياء هي:
سالمتُ من أجلِ سلمى قومها وهم ... عِدًى ولولاهِ كانوا في الفلا رِمما
стр. 143
ومثال تسكين الواو والياء على لغة قيس قول الشاعر:
ورَكْضُكَ لولا هُو لقيتَ الذي لَقُوا ... فأصبحتَ قد جاوزت قومًا أعاديا
وقال الآخر:
إنَّ سَلمى هي التي لو تراءت ... حَبَّذا هي من خُلَّة لو تُخالى
كأنه أراد تخالل، فأبدل لاياء من أحد حرفي التضعيف.
ومثال التشديد على لغة هَمْدان قول الشاعر:
وإنّ لساني شُهدةٌ يُشتَفى بها ... وهُوَّ على من صبّه الله عَلقَمُ
وقال آخر في تشديد ياء هي:
والنَّفْس إنْ دُعِيَتْ بالعُنْفِ آبيةٌ ... وهِيَّ ما أُمِرَتْ باللطفِ تَأتمر
ص: ومن المُضْمَرات "إيّا" خلافا للزَّجَّاج، وهو في النصب كأنا في الرفع، لكن يليه دليل ما يُراد به من متكلم أو غيره، اسما مضافًا إليه وفاقا للخليل والأخفش والمازني، لا حرفًا خلافًا لسيبويه ومن وافقه، ويقال: إيّاكَ وأيّاك وهِيّاك وهَياك.
ش:"إيَّا" ضمير لا ظاهر خلافا للزجاج أبي إسحق، والدليل على أنه ضمير أنه يخلف ضمير النصب المتصل عند تعذره، لتقديم على العامل نحو: إياك أكرمت، أو لإضماره نحو: إياك والأسدَ، أو لانفصاله بحصر أو غيرها نحو: ما أكْرِمُ إلا إياك،
стр. 144
وأكرمتُه وإياك، فَخَلَفَهُ كما يخلف ضمير الرفع المنفصل ضمير الرفع المتصل عند تعذره، فنسبة المنفصلين من المتصلين نسبة واحدة. ولأن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره منفصلٌ، فثبوت ذلك لضمير النصب أولى، إذ لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه، ولأن "إيا" لا تقع دون ندور في موضع رفع، وكل اسم لا يقع في موضع رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى، ومُبايَنَةُ "إيّا" لغير المضمر متيقنة، فتعيَّن كونه مضمرا.
ولأن "إيا" لو كان ظاهرا لكان تأخره عن العامل واتصاله به جائزا بل راجحا على انفصاله عنه وتقدمه عليه كحال غيره من المنصوبات الظاهرة. والأمر بخلاف ذلك، فامتنع كونه ظاهرا ولزم كونه ضميرا، لكنه وضع بلفظ واحد، فافتقر إلى وصله بما يبين المراد به من الكاف وأخواتها، وهي ضمائر مجرورة بالإضافة لا حروف. هذا هو مذهب الخليل والأخفش والمازني وهو الصحيح، لأن فيه سلامة من ستة أوجه مخالفة للأصل:
أحدها: أن الكاف في "إياك" لو كانت حرفا كما هي في "ذلك" لاستعملت على وجهين: مجردة من لام، وتالية لها، كما استعملت مع "ذا" و"هُنا" ولحاقها مع "إيا" أولى لأنها ترفع توهم الإضافة، فإن ذهاب الوهم إليها مع "إيا" أمكن منه مع "ذا" لأن "إيا" قد يليها غير الكاف، ولذا لم يختلف في حرفية كاف "ذلك" بخلاف كاف "إياك".
الثاني: أنها لو كانت حرفا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز تجريدها مع "ذا" كقوله تعالى (فما جزاءُ من يفعلُ ذلك منكم) و (ذلك خير لكم وأطهر).
الثالث: أنه لو كانت اللواحق "بإيا" حروفا لم يحتج إلى الياء في "إياي" كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في "أنا".
الرابع: أن غير الكاف من لواحق "إيا" مجمع على اسميته مع غير "إيا" مختلف
стр. 145
في اسميته معها، فلا يترك ما أجمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها ليجرى الجميع على سنن واحد.
الخامس: أن الأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ واحد، وفي القول باسمية اللواحق سلامة من ذلك، فوجب المصير إليه.
السادس: أن هذه اللواحق لو لم تكن أسماءً مجرورةَ المحل لم يلحقها اسم مجرور بالإضافة فيما رواه الخليل من قول العرب: إذا بَلَغَ الرجلُ الستين فإياه وإيا الشَّوابِّ، وروى: فإياه وإيا السَّوْءاتِ. وهذا مستند قوي، لأنه منقول بنقل العدل بعبارتين صحيحتي المعنى، ثم إن هذا الكلام يتضمن وعظا وترغيبا لمن بلغ الستين في ذكر الموت والإعراض عن الفتنة بالنساء الشواب فإنهن يلهينه ويعجز عما يبغينه، ومن رواه بالسِّين والتاء فقد أصاب أيضا، ومعناه النهي عن القبائح، فإن اجتنابها مأمور به عموما، والشيخ باجتنابها أحق لأن صدورها منه أقبح.
فإن قيل: هذه الوجوه مؤدية إلى إضافة (إيا) وهي ممتنعة من وجهين:
أحدهما: أن "إيا" لو كان مضافا لم تخل إضافته من قصد تخفيف أو تخصيص فقصد التخفيف ممتنع لأنه مخصوص بالأسماء العاملة عمل الأفعال، وإيا ليس منها وقصد التخصيص ممتنع أيضا لأن "إيا" أحد الضمائر، وهي أعرف المعارف، فلا حاجة بها إلى تخصيص.
الثاني: أن "إيا" لو كان مضافا لكانت إضافته إضافة شيء إلى نفسه وهي ممتنعة.
فالجواب أن يقال: أما إضافة التخفيف فمسلم امتناعها من "إيا" وأما إضافة التخصيص فغير ممتنعة، فإنها تصير المضاف معرفة إن كان قبلها نكرة، وإلا ازداد بها وضوحًا كما يزداد بالصفة كقول الشاعر:
стр. 146
علا زيدُنا يومَ النَّقا رأسَ زيدِكم ... بأبيضَ ماضِي الشَّفْرَتَيْنِ يَمانِي
فإضافة زيد هنا أوجبت له من الزيادة الوضوح مثل ما يوجب وصفه إذا قيل: علا زيد الذي منا زيدا الذي منكم، فكما قبل زيادة الوضوح بالصفة قبل زيادة الوضوح بالإضافة من غير حاجة إلى انتزاع تعريفه. وقد يضاف عَلَمٌ لا اشتراك فيه على تقدير وقوع الاشتراك المحْوجِ إلى زيادة الوضوح، كقول وَرقَةَ بنِ نَوْفَل:
وَلُوجا في الذي كَرِهت قريشٌ ... ولو عَجَّت بمكتها عَجيجا
فإذا جازت إضافة مكة ونحوها مما لا اشتراك فيه، فإضافة ما فيه من الاشتراك أولى بالجواز كإيَّا، فإنه قَبْلَ ذكر ما يليه صالح أن يراد به واحد من اثني عشر معنى، فالإضافة إذا له صالحة، وحقيقته بها واضحة. وكان انفرادها بالإضافة دون غيرها من الضمائر كانفراد "أي" بها دون سائر الموصولات. ورفعوا تَوَهُّم حرفية ما يضاف إليه بإضافتها إلى الظاهر في قولهم: فإياه وإيا الشَّواب. والاحتجاج بهذا للخليل على سيبويه شبيه باحتجاج سيبويه على يونس بقول الشاعر:
دَعَوْتُ لما نابَني مِسْوَرا ... فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَر
لأن يونس يرى أن ياء "لَبَّيْك" ليست للتثنية، بل هي كياء "لَدَيْك" فاحتج سيبويه بثبوت ياء لَبَّى مع الظاهر، ولو كانت كياء لَدَى لم تثبت إلا مع المضمر كما أن ياء "لدى" لا تثبت إلا مع المضمر، وأما إلزامهم بإضافته أيضا إضافة الشيء إلى نفسه فنلتزمها معتذرين بما اعتذر عنها في نحو: جاء زيد نفسه، وأشباه ذلك.
والكلام على ما في إياك من اللغات غني عن التفسير، إذ ليس فيه إلا النقل، وأعرف لغاته تخفيف الياء.
فصل: ص: يتعينُ انفصالُ الضمير إنْ حُصر بإنما، أو رُفِع بمصدر مضاف إلى المنصوب، أو صفةٍ جَرَتْ على غير صاحبها، أو أُضْمِرَ العاملُ، أو أخِّر،
стр. 147
أو كان حرف نفي، أو فَصله مَتْبُوعٌ، أو وَلِيَ واوَ المصاحبة، أو إلاّ، أو إمّا، أو اللامَ الفارقةَ، أو نَصَبَه عاملٌ في مضْمَر قبله غير مرفوع إن اتفقا رُتْبَة، وربما اتصلا غائبين، إن لم يشتبها لفظا.
وإن اختلفا رُتْبةً جاز الأمران.
ووجبَ في غير نُدُورِ تقديم الأسبق رتبةً مع الاتصال، خلافا لكثير من القدماء، وشذ "الاّكِ" فلا يقاس عليه.
ش: يتعين انفصال الضمير لحصره بإنما كقوله:
أنا الفارسُ الحامي الذِّمار وإنما ... يُدافِع عن أحْسابه أنا أو مثلي
ومن ذلك قول الشاعر:
كأنّا يومَ قُرَّا ... إنّما نَقْتُل إيانا
وقد وَهم الزمخشري في قوله:
إنما نقتل إيانا
فظن أنه من وُقوع المنفصل موقع المتصل، وليس كذلك، لأنه لو أوقع هنا المتصل فقال: إنما نقتلنا، لجمع بين ضميرين متصلين أحدهما فاعل والآخر مفعول مع اتحاد المسمى، وذلك مما يختص به الأفعال القلبية: وغَرَّ الزمخشري ذكرُ سيبويه هذا البيتَ في باب: ما يجوز في الشعر من إيّا ولا يجوز في الكلام ثم قال: (فمن ذلك قول حُمَيد الأرقط:
стр. 148
إليك حتى بَلَغَت إياكا
فهذا ونحوه مخصوص بالشعر، لأنه لولا انكسار الوزن لقال: (حتى بلغتك) ثم ذكر البيت الذي أوله: كأنا، لا لأن ما فيه لا يجوز إلا في الشعر، بل لأن "إيانا" مُوقَعٌ فيه موقع أنفسنا، فبينه وبين الأول مناسَبة من قِبَل أن "إيا" في الموضعين واقعٌ موقعا غيرُه به أولى، لكن في الثاني من معنى الحصر المستفاد بإنما ما جعله مساويًا للمقرون بإلا، فحسُنَ وقوع "إيا" فيه كما يحسن بعد إلا، وهذا مطرد "فمن اعتقد شذوذه فقد وهم".
ومثال الانفصال لكون الضمير مرفوعا بمصدر مضاف إلى المنصوب قول الشاعر:
بَنَصرِكم نحن كنْتُم ظافرين وقد ... أغْرى العِدا بكم اسْتِسْلامُكم فَشَلا
ومثال انفصاله لكونه مرفوعا بصفة جرت على غير صاحبها قوله:
غَيْلانُ ميَّةَ مَشْغُوفٌ بها هَوَ مُذْ ... بَدَتْ له فحِجاه بان أو كَربا
ومثال انفصاله لإضمار العامل قوله:
فإنْ أنتَ لم ينْفَعْكَ عِلمُك فانْتَسِب ... لعلّك تهديك القرونُ الأوائِل
ومثال انفصاله لتأخير العامل قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين).
ومثال انفصاله لكون العامل حرف نفي قوله تعالى (وما أنتم بمعجزين)
стр. 149
وقول الشاعر:
إنْ هو مُسْتَوْلِيا على أحدٍ ... إلا على أضْعَفِ المجانين
ومثال المفصول بالمتبوع قوله تعالى (لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) وقول الشاعر:
مُبَرَّأ من عُيوبِ الناس كلِّهم ... فاللهُ يرعى أبا حَرْب وإيّانا
ومثال المفصول بواو المصاحبة قول الشاعر:
فآلَيْتُ لا أنفَكُّ أحْذُو قصيدة ... تكونُ وإيّاها بها مثلا بعدى
ومثال المفصول بإلا قوله تعالى (أمر ألا تعبدوا إلا إياه).
ومثال المفصول بإما قول الشاعر:
بكَ أو بي اسْتعانَ فليلِ إمّا ... أنا أو أنت ما ابتغى المستعينُ
وقال الأخفش في كتاب المسائل بعد أن مثل بإن كان زيد لصالحا: فإن جئت في هذا القياس بفعل لا يحتاج إلى مفعول أوقعت اللام على الفاعل فقلت: إن قام لزيد، وإن كان الاسم مضمرا قلت: إن قعد لأنا، لأنك إذا لم تصل إلى التاء جعلتها أنا إذا عَنى بها المتكلم نفسه، وأنت إذا عَنى غيره، وكذلك: إن قام لنحن. هذا نصه. وإليه أشرت بقولي "أو ولى واو المصاحبة، أو إلا، أو إما، أو اللام الفارقة" ومن هذا النوع قول الشاعر.
стр. 150
إنْ وجدتُ الصديقَ حقًا لإيّا ... ك فَمُرْني فلن أزال مُطِيعا
فوافق في الرتبة: علمتك إياك، أي أنت في علمي الآن كما كنت قبلُ.
والمراد بالموافقة في الرتبة كونهما لمتكلم كعلمتني إياي، أو لمخاطب كعلمتك إياك، أو لغائب كزيد علمته إياه، أو لغائبين كقولك: مال زيد أعطيته إياه، فانفصال ثاني الحاضرين متعين أبدًا، لأنه لا يكون إلا مثل الأول لفظا ومتحدا به معنى فاستثقل اتصالهما، ولأن اتصالهما يوهم التكرار.
وانفصال ثاني الغائبين متعين أيضا إن كان هو الأول في المعنى نحو: زيد علمته إياه. أو شبيها بما هو الأول في المعنى نحو: مال زيد أعطيته إياه.
فإن غاير الأولَ لفظا جاز اتصاله على ضعف، فمن ذلك ما رَوى الكسائي من قول بعض العرب: هم أحسنُ الناسِ وجوها وأنْضَرهموها، ومنه قول مَغلس بن لقيط:
وقد جَعَلَتْ نفسي تطيب لِضَغْمَة ... لضَغْمِهماها يقرعُ العظمَ نابُها
ومثال جواز الأمرين لاختلاف الرتبة: الدرهم أعطيتكه، وأعطيتك إياه.
فمع الانفصال لك أن تقدم الأسبق رتبة وأن تؤخره، نحو: أعطيته إياك. ومع الاتصال ليس لك إلا تقديمه سماعا على العرب، فلو قلت: أعطيتهوك أو نحوه لم يجز عند سيبويه وفاقا للمسموع واقتصارا عليه. وأجازه غيره قياسا، قال سيبويه:
فإن بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال: أعطاكني، أو بدأ بالغائب قبل المخاطب فقال: أعطاهوك، فهذا قبيح لا تتكلم به العرب، ولكن النحويين قاسوه.
стр. 151
قلت: ولا يعضد قول من أجاز القياس في ذلك قولُ العرب: عليكني، لكون الكاف فيه متقدمة على الياء، لأن الكاف في عَليك فاعل في المعنى، فيتنزَّل تقدمها على الياء منزلة تقدم التاء في قولك: أكرمتني، فلا يجوز أن يجرى مُجْراها "كاف" ليس لها حظ في الفاعلية نحو" كاف" أعطاك، ولكن يعضد قولَ من أجاز القياس في ذلك ما روى ابن الأنباري في غريبه من قول عثمان ﵁: أراهُمني الباطل شيطانا، فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم المتصل.
وأشرت بقولي "وشذ إلاكِ" إلى قول الشاعر:
وما نُبالي إذا ما كُنتِ جارتَنا ... ألا يُجاورَنا إلاَّكِ دَيّارُ
والأكثرون على أن الاتصال فيه لم يستبح إلا للضرورة، لأن حق الضمير الواقع بعد إلا الانفصال اعتبارًا بأن إلا غير عاملة، ومن حكم على إلا بأنها عاملة لم يعدّ هذا من الضرورات، بل جعله مُراجعة لأصل متروك، ويعتذر عن مثل: قاموا إلا إياك، بكون الاستعمال استمر بالانفصال، والأولى به الاتصال، وهذا متعلق بالاستثناء، فأخّرْت استيفاء الكلام فيه إلى بابه حتى نأتيه إن شاء الله تعالى.
وأما ما أجاز ابنُ الأنباري من أن يقال: حتاك، فلا مسموع له، إلا إن جعِلتْ حتى جارة وذلك أيضا مفتقر إلى نقل عن العرب، لأن العرب استغنت في المضمر بإلى عن حتى، كما استغنت بمثل عن كاف التشبيه، وقد يرد دخول الكاف على ضمير الغائب، ولم يرد دخول حتى على ضمير أصلا.
ص: ويُخْتارُ اتصال نحو "هاء" أعطيتكه، وانفصال الآخر من نحو: فِرَاقيها ومَنْعُكها وخِلْتُكَه. وكهاء أعطيتكه هاء نحو: كُنته، وخَلَف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدا درهمًا، في باب الإخبار. ونحو: ضَمِنَتْ إياهم الأرضُ، ويَزيدُهم حُبًّا إليَّ هُم، من الضرورات.
ش: لما ذكرت ما يجوز فيه الاتصال والانفصالن وكان بعضُه مختارَ الاتصال،
стр. 152
وبعضه مختار الانفصال، أخذت في بيان ذلك فكل ضمير تراه كهاء أعطيتكه، في كونه ثاني منصوبين بفعل غير قلبي، فهو جائز الاتصال والانفصال، واتصاله أجود، ولذلك لم يأت في القرآن إلا متصلا كقوله تعالى (إذ يُريكهمُ اللهُ في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم) وظاهر كلام سيبويه أن الاتصال لازم، ويدل على عدم لزومه قول النبي ﷺ "فإن الله مَلّككم إياهم، ولو شاء ملكهم إياكم".
وأشرت "بالآخر من نحو (ومنعكها) إلى ما كان من الضمائر منصوبا بمصدر مضاف إلى ضمير قبله وهو فاعل أو مفعول أول، أو باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول.
فالمنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير هو فاعل كقول الشاعر:
لَئِن كان حُبِّيكِ لي كاذبًا ... فقد كان حُبِّيكِ حقّا يقينا
ومثله قول الآخر:
تَعَزَّيْتُ عنها حِقْبَةً فتركتُها ... وكان فِراقيها أمرَّ من الصبر
والمنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير هو مفعول أوَّل كقوله:
فلا تَطْمَعْ أبيتَ اللعنَ فيها ... ومَنعُكها بشيء يُسْتَطاع
وإلى ذا البيت والأول الذي قبله أشرت بقولي "من نحو: فِراقيِها، ومنعكها".
والمنصوب باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول كقول الشاعر:
لا تَرْجُ أو تَخْشَ غيرَ الله إنَّ أذًى ... واقيكه اللهُ لا يَنْفَكّ مأمونا
стр. 153
وإنما المختار في هذه الثلاثة وأمثالِها الانفصال، ولكنه تُرِك واستعمل الاتصال، لأن الوزن لم يتأت إلا به.
وإذا كان الضمير كهاء "خِلتكه" في كونه ثاني مفعولي أحد أفعال القلوب، فالانفصال به أولى، لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر، بخلاف هاء كنته فإنه خبر مبتدأ في الأصل، ولكنه شبيه بهاء ضربته في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل، فكأن الفعل مباشر له، فكان مقتضى هذا ألا ينفصل كما لا ينفصل هاء ضربته، إلا أنه أجيز الانفصال به مرجوحا لا راجحا خلافا لسيبويه ومن تبعه. ودليلنا على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن المشار إليه ضمير منصوب بفعل لا حاجز له إلا ما هو كجزء منه، فأشبه مفعولا لم يحجزه من الفعل إلا الفاعل، فوجب له من الاتصال ما وجب للمفعول الأول، فإن لم يساوه في وجوب الاتصال فلا أقل من كون اتصاله راجحا.
الوجه الثاني: أن الوجهين مسموعان فاشتركا في الجواز، إلا أن الاتصال ثابت في النظم والنثر، والانفصال لم يثبت في غير استثناء إلا في النظم، فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال، ومن الوارد من ذلك في النظم دون ضرورة قول الشاعر:
كم ليث اغترَّ بي ذا أشْبُلٍ غَرَثَت ... فكأنني أعْظمُ الليثين إقداما
فقال فكأنني مع تمكنه أن يقول: فكنته أعظم الليثين إقداما، جعل أعظم بدلا من الضمير، كما قالوا: اللهم صل عليه الرءوفِ الرحيم. ومن الوارد منه في النثر قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ "إياكِ أن تكونيها يا حميراء" وقوله ﷺ لعمر ﵁ في ابن صياد "إن يكُنْه فلن تُسَلّط عليهن وإن لا يكنه فلا خير لك
стр. 154
في قتله" ومن ذلك قول بعض العرب: عليه رجلا ليسني. وقال سيبويه: بلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني، وكذلك كأنني. هذا نَصُّه، ولم يحك في الانفصال نثرا إلا قولهم في الاستثناء: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك، وهذا يتعين انفصاله في غير الضرورة، لأن ليس ولا يكون فيه واقعان موقع إلا، فعومل الضمير بعدهما معاملته بعدها، فلا يقاس على ذلك ما ليس مثله، والاتصال في قوله:
إذْ ذَهَب القومُ الكرامُ ليسي
من الضرورات، لأنه استثناء، ولو لم يكن استثناء لكان الاتصال أولى من الانفصال كما تقرر.
ومن انفصال ثاني مفعولي أفعال القلوب قول الشاعر:
أخي حَسِبْتُكَ إياه وقد مُلِئَت ... أرجاءُ صدرِك بالأضْغانِ والإحَنِ
ومن وروده متصلا قوله:
بُلِّغْتُ صنعَ امرِئٍ بَرٍّ إخالكه ... إذ لم تزلْ لاكتساب الحمدِ مُبْتَدِرا
ومثال الإخبار عن ثاني مفعولي أعطيت زيدا درهما: الذي أعطيته زيدا درهمٌ، هذا على أن تخبر بالضمير الذي هو خلف عن المخبر عنه متصلا، وإن جئت به منفصلا مراعاة للترتيب الأصلي قلت: الذي أعطيت زيدا إياه درهم. والاتصال رأي أبي عثمان المازني، وباختياره أقول، لأن الاتصال هو الأصل، فإذا أمكنَ بلا محذور فلا عدول عنه عند مراعاة الأولى، فلو كان بدل الدرهم مفعولا لا يعلم كونه ثانيًا إلا بالتأخير نحو: أعطيت زيدا عمرا، فأخبر عنه، تعين انفصاله، لأن وصله بالفعل يوهم كونه أولا، فلو عضد بهذا قول غير المازني لاعتضد، فيقال: إذا تعين
стр. 155
الانفصال في بعض صور الإخبار فيلتزم في جميعها، ليجري الباب على سنن واحد كما فعل في غيره.
والإشارة بنحو: ضمنت إياهم الأرض، إلى قول الشاعر وهو الفرزدق:
إني حَلَفْتُ ولم أحْلِفْ على فَنَدٍ ... فناءَ بيتٍ من السَّاعين معمور
بالباعثِ الوارثِ الأموات قد ضمِنت ... إياهم الأرضُ في دهرِ الدَّهارير
فأوقع الضمير المنفصل بغير سبب موقع المتصل، فلولا ضرورة إقامة الوزن لكان خطأ. وكذا قول الآخر:
وما أصاحِبُ من قومٍ فأذكرهم ... إلا يزيدهم حُبًّا إليّ هُمُ
فهم الأخير فاعل يزيد، وظن بعضهم أن هذا جائز في غير الشعر، لأن قائله لو قال: يزيدونهم، لصلح، فيجعل المتصل وهو الواو فاعلا، والمنفصل توكيدًا، وهذا وهم، لأن لك ضميرين متصلين لمسمى واحد أحدهما فاعل والآخر مفعول وذلك لا يكون في غير فعل قلبي.
ص: الأصلُ تقديمُ مُفَسِّر ضميرِ الغائب، ولا يكون غيرَ الأقرب إلا بدليل، وهو إما مُصَرَّحٌ بلفظه، أو مُسْتَغنى عنه بحضور مدلوله حِسًا أو علْمًا، أو بِذِكْرِ ما هو له جزءٌ أو كلٌّ أو نظير، أو مُصاحِبٌ بوجهٍ ما.
ش: لما كان ضميرُ الحاضر مُفسَّرًا لمشاهدة تقارنه، ولم يكن لضمير الغائب مشاهدة تقارنه، جعلوا تقديم مُفَسِّره خلفًا عما فاته من مُقارنةِ المشاهدة، ومقتضى هذا القصد تقديم الشعور بالمفسِّر كما يتقدم الشعور بذاتٍ يصلح أن يُعَبَّر عنها بضمير حاضر. واللائق بالمفسِّر لكونه جزءَ المفَسَّر في تكميل وضوحه أن يتصل به، فلذلك
стр. 156
إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا جُعل للأقرب، ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج.
وعَوْدُ هو من قولي: "وهو إما مصرح بلفظه" على المُفسَّر، أي المفسِّر إما مصرح بلفظ كزيد لقيته، وإما مستغنى عن لفظه بحضور معناه في الحس كقوله تعالى (هي راودتني عن نفسي) و (يا أبَتِ استأجره) أو بحضور معناه في العِلْم كقوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدْر) أو بذكر ما صاحب الضمير كقول الشاعر:
أماوِيّ ما يُغْني الثَّراءُ عن الفتى ... إذا حشْرَجت يوما وضاق بها الصَّدْرُ
فذكر الفتى مُغْنٍ عن ذكر النفس لأنها جزؤه، فعاد إليها فاعل حشرجت والضمير المجرور بالباء، ومن هذا قولهم: من كَذَب كان شرًّا له، فأُضْمِر في كان ضمير الكذب لأنه جزء مدلول كَذَب، ومثله قوله تعالى (اعدلوا هو أقربُ للتقوى) فهو عائد إلى العدل، لأنه جزء مدلول اعدلوا، ومن هذا أيضًا قول الشاعر:
وإذا سُئِلت الخيرَ فاعلم أنها ... حُسْنى تُخَصُّ بها من الرحمن
فأعاد الضمير على المسألة لأنها جزء من مدلول سئلت، ومن هذا أيضًا قول الشاعر:
إذا نُهِيَ السَّفيه جَرَى إليه ... وخالفَ والسَّفِيهُ إلى خلاف
стр. 157
فالهاء من إليه عائدة على السَّفه، فإنه جزء مدلول السفيه.
ويستغنى أيضا عن ذكر صاحب الضمير بكونه كُلاًّ وكون المذكور جزءا، فإن الجزء يدل على الكل، كما يدل الكل على الجزء، ومن ذلك قوله تعالى (ولا ينفقونها في سبيل الله) فإن الذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغنى ذكرهما عن ذكر الجميع حتى كأنه قيل: والذين يكنزون أصناف ما يُكْنز ولا ينفقونها، ومن ذلك أيضا قول الشاعر:
ولو حلفت بين الصَّفا أمُّ مَعْمَر ... ومروتها بالله بَرَّتْ يمينُها
فأعاد الضمير إلى مكة لأن الصفا جزء منها، وذكر الجزء مُغْنٍ عن ذكر الكل في بعض الكلام. ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى (كلُّ من عليها فانٍ) فيكون الضمير للدنيا وإن لم يجرد ذكرها في هذه السورة، لأن ما جرى ذكره بعضها، والبعض يدل.
وقد يستغنى عن ذكر صاحب الضمير بذكر ما لصاحبه بوجه ما كالاستغناء بمستلزِم عن مستلزَم، فمن ذلك قوله تعالى (فمن عُفِي له من أخيه شيء فاتِّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) فعُفي يستلزم عافِيًا فأغنى ذلك عن ذكره، وأعيد الهاء من إليه عليه. ومثال هذا أيضًا قول الشاعر:
فإنَّك والتأبينَ عُرْوَة بعد ما ... دعاكَ وأيدينا إليه شوارعُ
لكا لرَّجُل الحادي وقد تَلَع الضُّحى ... وطيرُ المنايا فوقهن أوَاقع
فالحادي يستلزم إبلا مَحْدُوّة، فأغنى ذلك عن ذكرهن، وأعاد ضمير فوقهن عليهن، ومثل هذا قوله تعالى (حتى توارت بالحجاب) ففاعل توارت ضمير
стр. 158
الشمس ولم تذكر، لكن أغنى عن ذكرها ذكر العشي وأوله وقت الزوال، فذكره يستلزم معنى الشمس فكأنها مذكورة، ويجوز أن يكون فاعل توارت ضمير الصافنات.
وقد يستغنى عن ذكر صاحب الضمير بذكر ما يصاحبه ذكْرًا أو استحضارا، كذكر الخير وحده متلوا بضمير اثنين مقصود بهما المذكور وضده، كقول الشاعر:
وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أمرا ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يليني
وقد يعاد الضمير على المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور وعدم صلاحيته له كقوله تعالى (إنا جعلنا في أعناقِهم أغلالا فهي إلى الأذقان) فهي عائد على الأيدي لأنها تصاحب الأعناق في الأغلال، فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها، ومثله قوله تعالى (وما يُعَمَّرُ من مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ من عمره) أي من عمر غير المعمَّر، فأعيد الضمير على غير المعمر، لأن ذكر المعمَّر مُذَكّر به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني.
ص: ويقدم الضمير المكمل معمول فعل على مُفَسِّرٍ صريح كثيرا إن كان المعمول مُؤخّر الرتبة، وقليلا إن كان مُقَدَّمهان وشاركه صاحب الضمير في عامله.
стр. 159
ش: مثال ما يقدم كثيرا اضرب غلامَه زيدٌ، وغلامَه ضربَ زيدٌ، وضربَ غلامَ أخيه زيدٌ، وغلامَ أخيه ضربَ زيدٌ، وما أراد أخذ زيدٌ، وضربَ جاريةً يحبُّها زيدٌ، وهذه الأمثلة وأشباهها مندرجة تحت قولي: المكمل معمول فعل، لأن المضاف إليه يكمل المضاف، ومعمول الصلة يكمل الموصول، كما يكمل "ما" بفاعل "أراد" الممثل به، ومعمول الصفة مكمل للموصوف كما تكمل جارية بفاعل يحبها.
ومثل: ضرب غلامه زيدٌ، قوله تعالى (فأوْجَس في نفسه خيفةً موسى).
ومثل: غلامَه ضرب زيدٌ، قول العرب: في بيته يُؤْتَى الحكم، وشَتَّى تَئُوبُ الحَلبَةُ، فإن بيته في موضع نصب بيؤتى والهاء عائدة على الحكم، وقد تقدما على العامل والمفسر، وشتّى حال من الحَلبَة وفيه ضمير عائد عليهم وقد تقدما على العامل والمفسِّر. والكوفيون لا يجيزون مثل هذا. وسماعه عن فصحاء العرب، وهو حجة عليهم.
ومثال: غلامَ أخيه ضربَ زيدٌ قول الشاعر:
شرَّ يَوْمَيْها وأغواه لها ... ركبتْ عَنْزٌ بِحِدْجٍ جَمَلا
لأن شر يوميها ظرف لركبت.
ومثل: ما أراد أخذ زيد، قول رجل من العرب:
ما شاء أنشأ ربِّي والذي هو لم ... يشأ فلستَ تراه ناشئا أبدا
ومثال الضمير الذي يتقدم قليلا قول حسان يرثي مطعم بن عدي جد نافع بن جبير:
стр. 160
ولو أن مَجْدًا أخْلَدَ الدهرَ واحدا ... من الناس أبقى مجدُه الدهرَ مُطْعِما
وقال غيره:
كَسا حِلْمُه ذا الحِلْمِ أثوابَ سُؤْدَدٍ ... ورَقَّى نداه ذا الندى في ذُرا المجد
وقال:
لما رأى طالِبُوه مُصْعَبا ذُعِرُوا ... وكاد لو ساعد المقْدُورُ ينتصر
وقال:
لقد جاز من يعني به الحمدُ إن أبَى ... مكافأة الباغين والسفهاء
وأنشد أبو الفتح بن جني:
ألا ليتَ شعري هل يَلُومَنَّ قومُه ... زُهَيْرًا على ما جَرَّ من كل جانب
وأنشد أيضا:
جَزَى بنوه أبا الغِيلان عن كِبَر ... وحُسْنِ فعل كما يُجْزى سِنِمَّارُ
والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامُه زيدا، أسهل من جواز: ضربوني وضربت الزيْدِين،، ونحو: ضربته زيدا، على إبدال زيد من الهاء. وقد أجاز الأولَ البصريون، وأُجيز الثاني بإجماع، حكاه ابن كيسان، وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامُه زيدا من تقديم ضمير على مُفَسِّر مُؤَخر الرتبة، لأن مفسِّر واو ضربوني معمولُ معطوفٍ على عاملها، والمعطوف ومعمولهُ أمكن في استحقاق التأخير من المفعول بالنسبة إلى الفاعل، لأن تقدم المفعول على الفاعل
стр. 161
يجوز في الاختيار كثيرا، وقد يجب، وتقدم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت الزيدين أن يحكم بأولية جواز: ضربَ غلامُه زيدا، لما ذكرناه. وكذلك يلزم من أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفسِّر له غيره نحو: ضربته زيدا، واللهم صل عليه الرءوف الرحيم، لأن البدل تابع، والتابع مؤخر بالرتبة، ومؤخر في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك إذا لم يلزم تأخيره.
ومما حكم بجوازه لشبهه بما نحن بصدده أن يقال: ضَرَبَتْ جاريةٌ يُحبُّها زيدا، فيتقدم "يحبها" وهو مسند إلى ضمير يعود إلى زيد وإن كان متأخرا لفظا ورتبة، لأن يحبها مكمل لجارية إذ هو صفتها، فجاز تأخر مفسِّر ضميرها، كما جاز تأخر مفسر ضمير المضاف إليه نحو: ضرب غلامُه زيدا.
ولو لم يشارك صاحب الضمير المكمل به في عامله لم يجز التقديم نحو: ضربَ غلامُها جارَ هند، لأن "هند" مؤخر الرتبة من وجهين، ولا تعلق لها بضرب، بخلاف ضرب غلامُها هندًا.
فمن مثل هذا احترزت بقولي: وشاركه صاحب الضمير في عامله، فإن صاحب الضمير في: ضربَ غلامُه زيدا قد شارك المكمل به الضمير في عامله، وصاحب الضمير في: ضرب غلامُها جارَ هند غير مشارك في العامل.
ص: ويتقدم أيضا غيرَ مَنْويّ التأخير إن جُرَّ بِرُبَّ، أو رُفِعَ بِنِعْم أو شبهها أو بأول المتنازعين، أو أبدل منه المفسِّر، أو جُعِل خَبَرَه، أو كان المسَمَّى ضميرَ الشأنِ عند البصريين، وضمير المجهول عند الكوفيين.
ش: مثال المتقدم المجرور برب قولُ الشاعر أنشده أبو العباس أحمد بن يحيى:
واهٍ رَأبت وشيكا صَدْع أعظمِه ... ورُبّه عَطِبًا أنقذتُ من عَطَبه
стр. 162
ومثال المتقدم المرفوع بنعم قول الشاعر:
نِعمَ امْرَأ هَرِمٌ لم تَعْرُ نائبة ... إلا وكان لمُرْتاع بها وَزَرا
ومثال المتقدم المرفوع بأول المتنازعين قول الشاعر:
جَفَوْني ولم أجْفُ الأخلاءَ إنني ... لغير جميلٍ من خَليلي مُهْمل
ومثال المفسَّر ببدل: اللهم صل عليه الرءوفِ الرحيم، حكاه الكسائي.
ومثال المفسَّر بخبره (إن هي إلا حياتنا الدنيا) قال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به غلا بما يُتْلى به، وأصله، إن الحياة إلا حياتنا، ثم وضع هي موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليها ويبينها. ومنه: هي النفس تحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت، وهذا من جيد كلامه.
وفي تنظيره بهي النفس وهي العرب ضعف، لإمكان جعل النفس والعرب بدلين.
ومثال ضمير الشأن (قل هو الله أحد) ولكل واحد منها موضع يستوفى فيه ما يحتاج إليه من البيان إن شاء الله تعالى.
ص: ولا يُفسَّر إلا بجملةٍ خبرية مُصَرَّج بجزأيها خلافا للكوفيين في نحو: ظننته قائما زيدٌ، وإنّه ضُرِب أو قام.
ش: إذا قصد المتكلم أن يستعظم السامع حديثه فقبل الأخذ فيه افتتحه بالضمير المسمى ضمير الشأن عند البصريين وضمير المجهول عند الكوفيين، وهو بمنزلة ضمير غائب تقدم ذكره، فلذلك استتر مرفوعا بكان أو كاد أو إحدى أخواتهما، ولا يجوز عند البصريين حذف بعض الجملة التي تفسره، لأنها مؤكدة به، ومدلول به على فخامة مدلولها، واختصارها مناف لذلك فلا يجوز، كما لا يجوز ترخيم
стр. 163
المندوب، ولا حذف حرف النداء قبله.
فبهذا يعلم أن ما أجازه الكوفيون من: إنه ضرب، وإنه قام، ونحوهما غير مستقيم ولا سليم، لافتتاحه بمزيد الاعتناء بالمحدث عنه، واختتامه بحذف ما لا بد منه.
وأما تجويزهم نحو: ظننته قائما زيد، على أن تكون الهاء ضمير الشأن، فمردود أيضا؛ لأن سامعه يسبق إلى فهمه كون زيد مبتدأ مؤخرا، وكون ظننت ومفعوليها خبرا مقدم، وذلك مفوت للغرض الذي لأجله جيء بضمير الشأن، لأن من شرطه عدم صلاحية الضمير لغير ذلك، حتى يحصل به من فخامة الأمر ما قصده المتكلم.
ص: وإفرادُه لازمٌ، وكذا تذكيرُه، ما لم يله مؤنث، أو مذكر شُبِّه به مؤنث، أو فعلٌ بعلامة تأنيث فيرجَّح تأنيثه باعتبار القصة، على تذكيره باعتبار الشأن. ويبرز مبتدأ، واسم ما، ومنصوبا في بابي إنّ وظنّ، ويَسْتَكِنُّ في بابَيْ كان وكاد.
ش: لا يجوز أن يكون ضمير الشأن مثنى ولا مجموعا، لأنه كناية عن الشأن في التذكير وعن القصة في التأنيث، وهما مفردان فوجب إفراد ما هو كناية عنهما، فيقال: إنه أخواك منطلقان، وإنها جاريتاك حسنتان، وإنه إخوتك صالحون، وإنها إماؤك مُطيعات، ولا يؤنث إلا إذا وليه مؤنث كقوله تعالى (فإذا هي شاخصةٌ أبصارُ الذين كفروا) أو مذكر شُبِّه به مؤنث نحو: إنها قمرٌ جاريتك، أو فعل بعلامة تأنيث مسندا إلى مؤنث كقوله تعالى (فإنها لا تعمى الأبصار) وقول الشاعر:
على أنها تَعْفُو الكلومُ وإنما ... نُوكلُ بالأدنى وإنَ جَلْ ما يمضي
فهذا وأمثاله التأنيث فيه أجود من التذكير، لأن مع التأنيث مشاكلة تحسن اللفظ
стр. 164
مع كون المعنى لا يختلف، إذ القصة والشأن بمعنى واحد، والتذكير مع ذلك جائز، كما قال أبو طالب:
وإنْ لا يكنْ لحمٌ غَرِيض فإنه ... تُكَبُّ على أفواهِهن الغرائرُ
وكما قال غيره:
نَخَلَت له نَفْسِي النصيحةَ إنَّه ... عند الشدائد تذهبُ الأحقادُ
فلو كان المؤنث الذي في الجملة بعد مذكر لم يُشبَّه به مؤنث فضلة أو كالفضلة لم يُكْتَرث بتأنيثه فيؤنث لأجله الضمير، بل حكمه حينئذ التذكير، كقول الشاعر:
ألا إنّه من يلغ عاقِبة الهوى ... مطيع دواعيه يبؤ بهوان
وكذلك لا يكترث بتأنيث ما هو كفضله، كقوله تعالى (إنّه من يأتِ ربَّه مُجرِما فإن له جهنم) فذكّر تعالى الضمير مع اشتمال الجملة على جهنم وهي مؤنثة، لأنها في حكم الفضلة، إذ المعنى: من يأت ربه مجرما فجزاؤه جهنم.
وكذلك لا يُكْتَرَثُ بتأنيث ما ولِي الضمير من مؤنثٍ شبِّه به مذكر نحو: إنه شمس وجهك.
ولا بتأنيث فاعل فعل وَلِي الضمير بلا علامة تأنيث نحو: إنه قام جاريتك.
стр. 165
وبروزه مبتدأ كقوله تعالى (قل هو الله أحد).
وبروزه اسم ما كقول الشاعر:
وما هو مَنْ يَأسُو الكُلُومَ ويُتَّقَى ... به نائباتُ الدهر كالدَّائم البخل
وبروزه في باب إن كقوله تعالى (وإنه لما قام عبد الله يدعوه).
وفي باب ظن كقول الشاعر:
علمتُه الحقُّ لا يخفى على أحد ... فكُنْ مُحِقًّا تنل ما شئتَ من ظَفَر
واستكنانه في باب كان كقول الشاعر:
إذا مِتُّ كان الناسُ صنفان شامتٌ ... وآخرُ مثْن بالذي كنت أصنع
واستكنانه في باب كاد كقوله تعالى (كاد يزيغُ قلوب فريق منهم) في قراءة حمزة وحفص.
ص: ويُبْنى المُضْمَرُ لشبهه بالحرف وضعا وافتقارا وجُمودا، أو للاستغناء باختلاف صِيَغِه لاختلاف المعاني.
وأعلاها اختصاصا ما للمُتكلم، وأدناها ما للغائب، ويُغَلَّبُ الأخص في الاجتماع.
ش: المراد بشبه الحرف وضعا كون بعض المضمرات على حرف واحد كتاء فعلت، وكاف حدثتك. وعلى حرفين كنا، فبناء ما هو كذا واجب لخروجه عن وضع الأسماء المختصة والتحاقه بوضع الحروف، وحملت البواقي على هذه، لأن هذه أصول أو كالأصول، وليجري الباب على سنن واحد.
стр. 166
والمراد بالافتقار كون المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميم من مشاهدة أو ما يقوم مقامها، فأشبه بذلك الحرف لأنه في الغالب لا يفهم معناه بنفسه بل مع ضميم.
والمراد بالجمود عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى بالتصغير، وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات، وبأن يبنى منه مفعلة دالا على الكثرة كما فعل بالمتمكن من الأسماء، وإن لم يكن مشتقا، كمسْبعة لموضع كثرة السباع، ومَذْأبة لموضع كثرة الذئاب.
والمراد باختلاف صيغه لاختلاف المعاني أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة فله تاء مضمومة في الرفع، وفي غيره ياء. وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث، فأغنى ذلك عن إعرابه، لأن الامتياز حاصل بدونه.
وتغليب الأخص عند الاجتماع بأن يقال: أنا وأنت فعلنا، وأنت وهو فعلتما، ولا يغلب غير الأخص فيقال في الأولى: فعلتما، ولا في الثاني فعلا.
فصل: ص: من المضمرات المسمَّى عند البصريين فَصْلا وعند الكوفيين عمادا، ويقع بلفظ المرفوع المنفصل، مطابقًا لمعرفةٍ قبلُ، باقي الابتداء أو منسوخه، ذي خبرٍ بعدُ، معرفة أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللام عليه. وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين، وربما وقع بين حال وصاحبها، وربما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضرٍ قائمٍ مقامَ مُضاف.
ش: الضمير المسمى فصلا وعمادا كهو من قولك: حسبت زيدا هو الكريم، فسمي فصلاً للفصل به بين شيئين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولانفصال السامع عن توهم الخبر تابعًا. وسمي عمادًا لأنه معتمد عليه في تقرير المراد ومزيد البيان.
وذكر التابع أولى من ذكر النعت، لأن الضمير المشار إليه قد يقع بعد ما لا ينعت، وقبل ما لا ينعت به. ولا بد من مطابقةٍ لما قبله في حضوره وغيبته وتذكيره وتأنيثه، وإفراده وتثنيته وجمعه. ولا يكون ما قبله عند غير الأخفش إلا مبتدأ أو ما كان مبتدأ، ثم دخل عليه بعض نواسخ الابتداء. وقد تناول هذا قولي "باقي الابتداء أو منسوخه".
وقلت "مطابقًا لمعرفة قبلُ وذي خبر بعدُ" ليعلم أنه لو قدم الخبر لاستغنى عنه.
стр. 167
ولا يكون ما بعده إلا معرفة أو مضارعًا لها في عدم قبول حرف التعريف، كحسبتك أنت مثله أو خيرًا منه. ولو أوقع قبل نكرة تقبل حرف التعريف لم يجز.
والإشارة بوقوعه بين نكرتين كمعرفتين إلى نحو: ما أظن أحدًا هو خيرا منك، فإن أحدًا بما فيه من العموم شبيه بالمعرف بالألف واللام الجنسية، وخيرًا منك شبيه بمعرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه. وقد حكى سيبويه أن أهل المدينة يجيزون وقوع الفصل بين نكرتين كهاتين. وروى عن يونس أن أبا عمرو رآه لحنا. ولم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا ولا بدلا لنكرة.
وحكى الأخفش أن بعض العرب يأتي بالفصل بين الحال وصاحبها فيقول: ضربت زيدًا هو ضاحكا، وعلى هذه اللغة قرأ بعضهم (هؤلاءُ بناتي هنَّ أطهرَ لكم) بنصب أطهر.
وأشرت بقولي "وربما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر" إلى قول الشاعر:
وكائِنْ بالأباطِح من صديقٍ ... يراني إنْ أُصِبْتُ هو المصابا
تقديره عند أكثرهم: يرى مصابي إن أصبتُ هو المصاب، فحذف المضاف إلى الياء وأقامه في اللفظ مقامه، وطابق الفصل المحذوف لا الثابت. ويجوز أن يكون هو توكيدا لضمير الفاعل.
ص: ولا يتقدَّمُ مع الخبر المُقَدَّم خلافا للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصح، وإنما تتعين فصليته إذا وليه منصوبٌ وقُرِنَ باللام، أو وَلِي ظاهرا، وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب.
ش: لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعًا لزم من ذلك الاستغناء عنه إذا قدم الخبر، لأن تقدمه يمنع من توهمه تابعًا، إذ التابع لا يتقدم على المتبوع، فلو قدم المفعول الثاني: في حسبت زيدًا هو خيرًا منك، لترك الفصل لعدم الحاجة
стр. 168
إليه مع كونه في محله، فلأن يترك ولا يجاء به بعد الخبر المقدم أحق وأولى. فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائي ﵀ من ذلك.
ولا موضع له من الإعراب، خلافًا لقوم يجعلونه توكيدًا لما قبله، قال سيبويه: لو كان كذلك لجاز: مررت بعبد الله هو نفسه، ثم قال: "ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنا لنحن الصالحين، فالعرب تنصب هذا، والنحويون أجمعون، ولا يكون هو ونحن صفة وفيهما اللام" يعني بالصفة التوكيد. ثم قال سيبويه "فصارت هو وأخواتها هنا بمنزلة ما إذا كانت لغوا، في أنها لا تغير ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر". فكلام سيبويه مشعر بأن الفصل لا موضع له من الإعراب، ويؤيد ذلك عدم تغيره لتغيِّر ما قبله كقولك: زيدٌ هو الفاضلُ، وعلمت زيدًا هو الفاضلَ، فلو كان له موضع من الإعراب لقلت: علمت زيدا إياه الفاضل، كما تقول: ما أكرمني إلا أنت، وما أكرمت إلا إياي.
والحاصل أن الضمير المشار إليه إذا وقع بين مخبر عنه وخبر متأخر، فإن كان الخبر نكرة لا تشبه المعرفة كشبه مثلك وخير منك امتنعت الفصلية، فإن كان معرفة أو شبهها ورفعته احتمل أن يكون الضمير فصلا وأن يكون مبتدأ، فإن نصبته وقرن الضمير باللام المفتوحة تعينت الفصلية ظاهرا كان ذو الخبر أو ضميرا. وإن نصبت الخبر ولم يقرن الضمير باللام تعينت الفصلية إن كان المخبر عنه ظاهرًا، وجاز التوكيد والفصلية إن كان المخبر عنه ضميرا.
ومن العرب من يجعل الضمير المشار إليه مبتدأ ويرفع ما بعده بمقتضى الخبرية مطلقا، قال سيبويه: بلغنا أن رؤبة كان يقول: أظن زيدًا هو خيرٌ منك، وحدثنا عيسى أنَّ ناسًا كثيرًا من العرب يقولون (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون) وأنشد:
تبكي على لُبْنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنتَ أقْدر
стр. 169
باب الاسم العلم
ص: وهو المخصوصُ مطلقًا غَلَبةً أو تعليقا بمسمًّى غير مقدَّرِ الشياع، أو الشائع الجاري مجراه.
ش: المخصوص مخرج لاسم الجنس فإنه شائع غير مخصوص.
وقولنا "مطلقا" مخرج للمضمرات، فإن كل واحد منها مخصوص باعتبار، غير مخصوص باعتبار، وذلك أن لفظ "أنا" وضع ليخص به المتكلم نفسه، ولكل متكلم منه نصيب حين يقصد نفسه، فهو مخصوص باعتبار كونه لا يتناول غير الناطق به، وغير مخصوص باعتبار صلاحيته لكل مخبر عن نفسه. وكذا اسم الإشارة، فإن لفظة "ذا" وضع ليُخَصَّ به مشارٌ إليه مفردٌ مذكرٌ قريب. فهو مخصوص باعتبار الحال والمحل، غير مخصوص باعتبار صلاحيته لكل ما اتصف بالحال وحصل في المحل.
وقولنا "تعليقا أو غلبة" بيان لصنفَيْ الأعلام، لا إخراج لشيءٍ خِيف دخولُه، ولا إدخال لشيء خيف خروجه، لأنّ ما سواهما مغن لكن بإجمال. والمراد بالتعليق تخصيص الشيء بالاسم قصدا، كتسمية المولود له ابنٌ زيدا. والمراد بالغلبة تخصيص أحد المشتركين أو المشتركات في شائع اتفاقا، كتخصيص عبد الله بابن عمر، ويثرب بالمدينة، ومصنف سيبويه بالكتاب.
وقونا "غير مقدر الشياع" مخرج للشمس والقمر ونحوهما، فإنها مخصوصان بالفعل شائعان بالقوة.
وقولنا "أو الشائع الجاري مجراه" أي الجاري مجرى المخصوص. والإشارة به إلى العلم الجنسي كأسامة للأسد، وذؤالة للذئب، وشبوة للعقرب، فإنها أعلام في اللفظ إذ لا تضاف، ولا يلحقها حرف التعريف، وتوصفُ بالمعرفة دون النكرة، وتجيء مبتدأ بلا شرط، وصاحب حال، ولا يصرف منها ذو سبب زائد على العلمية كثعالة للثعلب، وكيسان للغدر.
وهي باعتبار المعنى شائعة غير مخصوصة، إلا أنها تستعمل استعمال ذي الألف
стр. 170
واللام المعهود، فيقال: هذا أسامة مفترسا، كما يقال: هذا الأسد منظورا إليه. ويقال: أسامة شرٌّ من ذؤالة، فتقصد بهما الشمول، كما تقصد إذا قيل: الأسد شر من الذئب.
ص: وما استعمل قبل العلمية لغيرها، فمنقول منه، وما سواه مرتجل، وهو إما مقيس وإما شاذٌّ، بفكِّ ما يدْغَم، أو فتح ما يُكْسَر أو كسر ما يُفْتَح، أو بتصحيح ما يُعَلّ، أو إعلال ما يصحَّح، وما عَرِي من إضافة وإسناد ومزج مفرد، وما لم يَعْرَ مُرَكّب، فذو الإسناد جملة وغير جملة، وذو الإضافة كنْيةٌ وغيرُ كنْيَة، وذو المزج إن خُتِمَ بغير وَيْه أُعْرِب غير منصرف، وقد يضاف، وإن ختمَ بويه كسِر، وقد يعرب غيرَ منصرف، وربما أضيفَ صدر ذي الإسناد إلى عجُزه إن كان ظاهرا.
ش: قولنا "وما استعمل قبل العلمية لغيرها" يتناول ما كان قبل النقل مصدرا كسَعْد وفَضْل، وما كان اسم فاعل كحارث وغالب، وما كان اسم مفعول كمسعود ومنصور، وما كان صفة مشبهة كحسن وسعيد، وما كان فعلا ماضيا كشَمَّرَ وكعْسَب، وما كان فعلا مضارعا كتغلب ويشكر، وما كان جملة من فعل وفاعل ظاهر أومضمر بارز أو مستتر كبَرَق نحرُه وأطْرقا في قول الشاعر:
على أطْرِقا بالياتِ الخيا ... م إلاّ الثَّمام وإلا العِصِيّ
وكقول الراجز:
نُبِّئْتَ أخوالي بني يزيدُ ... ظُلْمًا علينا لهم فَدِيد
ولم يرد عن العرب علم منقول من مبتدأ وخبر، ولا منقول من فعل أمر دون إسناد إلا إصْمِت اسما للفلاة الخالية، فإن من العلماء من زعم أنه منقول عن الأمر بالصمت، وذلك عندي غير صحيح لوجهين: أحدهما: أن الأمر بالصمت إما أن يكون من: أصْمَت، وإما أن يكون من: صَمَت، فالذي من أصْمت مفتوح
стр. 171
الهمزة، والذي من صمت مضمومها ومضموم الميم، وإصمت بخلاف ذلك والمنقول لا يغيَّر.
والثاني: أنه قد قيل: إصمتة، بهاء التأنيث، ولو كان فعل أمر لم تلحقه هاء التأنيث.
وإذا انتقى كونه منقولا من فعل أمر، ولم يثبت له استعمال في غير العلمية، تعين كونه مرتجلا.
وزاد بعضهم في المنقول منقولا من صوت، وعَنى بذلك: بَبَّة، والصحيح أن بَبَّة منقول من قولهم للصبي السمين ببَّةٌ، وقد تَبَب، فهو: بَبٌّ وبَبة إذا سمن.
وما سوى المنقول مرتجل، فإن سُلِك به سبيل نظيره من النكرات فهو مقيس، وإن عدِل به عن سبيل نظيره فهو شاذ بأحد الأوجه التي ذكرت. والشذوذ بفك كمَحْبب، فإنه من مفعل من الحب، فالقياس يقتضي أن يكون مَحَبّا بالإدغام، لأن ذلك حكم كل مفعل مما عينه ولامه صحيحان من مخرج واحد.
والشذوذ بفتح ما يكسر كموهَب فإنه مفعل من وهب، فالقياس يقتضي أن يكون موهِبا بالكسر، لأن ذلك حكم كل مفعل مما فاؤه واو ولامه صحيحة.
والشذوذ بكسر ما يفتح كمَعْدِي كرب، فإن القياس يقتضي أن يكون مَعْدَى، لأن نظيره من النكرات المعتلة اللام يلزمه الفتح كمَرمَى ومَسْعَى ومَوْلى ومأوى ومثْوَى.
ومن الشذوذ بكسر ما حقه الفتح ما حكاه قطرب أن صَيْقِل بكسر القاف اسم امرأة من نساء العرب، فالقياس يقتضي أن يكون بفتح القاف، لأن نظيره من النكرات الصحيحة العين يلزمه الفتح كهَيْثَم وضَيْغَم وصَيْرَف.
والشذوذ بتصحيح ما يعل كمَدْين ومَكْوَزَة، فإن القياس يقتضي إعلالهما بقلب الياء والواو ألفا كما فُعِل بنظائرهما، كمَنال ومَهابة ومفازة.
والشذوذ بإعلال ما حقه التصحيح كداران وماهان، فإن القياس يقتضي تصحيحهما وأن يقال فيهما: دَوران ومَوَهان، كما يقال في نظائرهما من النكرات
стр. 172
كالجَوَلان والطوَفان والدَّوَران.
وإذا لم يكن في العلم إضافة ولا إسناد ولا مزج فهو مفرد.
والمراد بالمزج التركيب بتنزيل عجز المركب منزلة تاء التأنيث، فإن لم يكن عجزه ويه فهو معرب غير منصرف كحضرموت. وقد يضاف صدره إلى عجزه فيقال: هذا حَضْرُمَوْتٍ. وإن كان عجزه ويه بني على الكسر فقيل: هذا سيبويهِ، ورأيت سيبويهِ، ومررت بسيبويهِ. وبعض العرب يعربه ويمنعه من الصرف.
وإذا كان المركب جملة وثاني جزأيها ظاهر فمن العرب من يضيف أول الجزأين إلى الثاني فيقول: جاء برقُ نحرِه.
ص: ومن العَلم اللّقَبُ، ويتلو غالبا اسمَ ما لقب به بإتباع، أو قطعٍ مطلقا، وبإضافة أيضًا إن كانا مفردَيْن.
ش: إذا كان للشخص اسم ولقب وجمع بينهما دون إسناد أحدهما إلى الآخر قدم الاسم، وجعل اللقب عطف بيان أو بدلا، أو قطع بنصب على إضمار أعني، أو برفع على إضمار مبتدأ. فهذه الأوجه الثلاثة جائزة فيهما على كل حال، مُركبين كانا كعبد الله أنف الناقة، أو مركبا ومفردا كعبد الله قفة، وزيد عائذ الكلب، أو مفردين كسعيد كرز. وهذا معنى قولي "بإتباع أو قطع مطلقا، وبإضافة أيضا إن كانا مفردين" فالمفردان يشاركان في الإتباع والقطع، وينفردان بالإضافة كسعيد كرز، ولم يذكر سيبويه فيهما إلا الإضافة، لأنها على خلاف الأصل، فبين استعمال العرب لها، إذ لا مستند لها إلا السماع، بخلاف الإتباع والقطع فإنهما على الأصل. وإنما كانت الإضافة على خلاف الأصل، لأن الاسم واللقب مدلولهما واحد، فيلزم من إضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه، فيحتاج إلى تأويل الأول بالمسمى والثاني بالاسم، ليكون تقدير قول القائل: جاء سعيد كرزٍ، جاء مسمى هذا اللقب، فيخلص من إضافة الشيء إلى نفسه، والإتباع والقطع لا يحوجان
стр. 173
إلى تأول، ولا يوقعان في مخالفة الأصل، فاستغنى سيبويه عن التنبيه عليهما.
وإنما يؤول الأول بالمسمى لأنه المعرض للإسناد إليه، والمسند إليه في الحقيقة إنما هو المسمى. وهذا أيضا موجب لتقديم الاسم على اللقب، لأن اللقب في الغالب منقول من اسم غير إنسان كبطة وقفة وكرز، فلو قدم لتوهم السامع أن المراد مسماه الأصلي، وذلك مأمون بتأخيره، فلم يعدل عنه إلا فيما ندر من الكلام، كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
أبْلِغْ هُذَيْلا وأبْلِغْ من يُبْلِّغُها ... عني حديثا وبعضُ القول تكذيب
بأنَّ ذا الكلب عمرًا خيرَهم حَسَبا ... ببطن شِرْيان يعوي حولَه الذِّيبُ
قدمت اللقب على الاسم.
ص: ويلزم ذا الغَلَبة، باقيا على حاله، ما عُرِف به قَبْلُ دائما إن كان مضافا، وغالبًا إن كان ذا أداة. ومثله ما قارنت الأداةُ نقله أو ارتجاله. وفي المنقول من مُجَرَّدٍ صالح لها مَلْمُوحٍ به الأصل وجهان.
ش: ذو الغلبة من الأعلام هو كل اسم اشتهر به بعض ماله معناه اشتهارا تاما، وهو على ضربين: مضاف كابن عمر وابن رألان، وذو أداة كالأعشى والنابغة. فحق ابن عمر وابن رَألان أن يكون كل واحد منهما عند إطلاقه صالحا لكل أحد من أبناء أبيه، إلا أن الاستعمال جعل عبد الله مختصا بابن عمر. وجابرا مختصا بابن رألان، حتى إذا قصد غيرُهما لم يفهم إلا بقرينة. وكذلك الأعشى والنابغة حقهما إذا أطلقا أن يصلحا لكل ذي عشى ونبوغ، إلا أن الاستعمال صرفهما عن الشياع وجعلهما مختصين. وإن عرض لشيء من هذا القبيل اشتراك اغتفر كما يغتفر في الأعلام المُعَلَّقةِ، إما ردًّا للتنكير لحاجة تعرض، كقول الشاعر:
стр. 174
لا هَيْثَمَ الليلة للمطي
وكقول الآخر: إن لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم
ومثله قول الشاعر:
إذا دَبَرانا منك يوما لقِيتُه ... أُؤمِّل أن ألقاك غَدْوًا بأسْعُد
وإما اتكالا على تكميل الوضوح بنعت أو ما يقوم مقامه، كزيد القرشي، والأعشى الهمداني.
وقد يقدر زوال اختصاصه فيجرد ويضاف ليصير مختصا، كقولهم: أعشى تغلب، وأعشى قيس، ونابغة بني ذبيان، ونابغة بني جعدة، ومثله قول الشاعر:
الا أبْلِغْ بني خَلَفٍ رسولا ... أحقًا أنَّ أخطلكم هجاني
وكقول الآخر:
فلو بلغت عَوَّا السِّماكِ قبيلةٌ ... لزادت عليها نهشل وتَعَلَّت
стр. 175
ولذلك يقدر زوال اختصاص المضاف إليه ابن فيتغير حال المضاف كقولك: مَنْ ابن عمر كابن الفاروق، أو ابن خليفة الصديق. وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي "باقيا على حاله" فإن هذه العوارض وما أشبهها غيرت العلم ذا الغلبة عن حاله في المعنى، فجاز أن يتغير حاله لفظا.
وأشرت أيضا إلى تغيير الحال بقصد النداء فيعرى عن الأداة، كقول النبي ﷺ "إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان" وكقول الشاعر:
يا أقْرَعُ بنَ حابِسٍ يا أقْرَعُ ... إنّك إنْ يُصْرَع أخوك تُصْرَعُ
والمراد بقولي "دائما" أن إضافة المضاف من هذا القبيل دائمة غير زائلة ما لم تتغير حاله.
وأما المعرف بالأداة فقد يجرد منها وإن لم تتغير حاله، وذلك قليل، ومنه ما حكى سيبويه من قول بعض العرب: هذا يوم اثنين مباركا فيه. وحكى ابن الأعرابي أن من العرب من يقول: هذا عيوقٌ طالعا، والعيوق من الأعلام التي علميتها بالغلبة. وزعم ابن الأعرابي أن ذلك جائز في سائر النجوم، ومنه قول الشاعر:
تَنَظّرتُ نَصْرا والسِّماكين أيْهما ... عليّ من الغيث استهلت مواطره
ويشارك ذا الغلبة المصاحبُ للأداة فيما نسب إليه ما قارنت الأداة نقله كالنضر والنعمان، أو ارتجاله كالسموأل واليسع. فلا يجرد هذان النوعان إلا لنداء أو غيره من العوارض التي يجرد لها "الأعشى" ونحوه من الأعلام الغالبة، بل هذان النوعان أحق بعدم التجرد، لأن الأداة فيهما مقصودة في التسمية قصد همزة أحمد وياء يشكر وتاء تغلب، بخلاف الأداة في الأعشى فإنها مزيدة للتعريف، ثم عرض بعد زيادتها شهرة وغلبة أغنتا عنها، إلا أن الغلبة مسبوقة بوجودها وحاصلة بمصاحبتها، فلم
стр. 176
تنتزع ما دام التعريف مقصودًا، كما لا تنتزع المقارنة للنقل والارتجال.
ومن الأعلام التي قارن وضعَها وجودُ الألف واللام الله تعالى المنفرد به، وليس أصله الإله كما زعم الأكثرون، بل هو علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لمعنى الأسماء الحسنى كلها ما علم منها وما لم يعلم، ولذلك يقال: كل اسم سوى الله من الأسماء الكريمة هو من أسماء الله، ولا ينعكس، ولو لم يُرَدّ على من زعم أن أصل الله الإله إلا بكونه مدعيًا ما لا دليل عليه لكان ذلك كافيًا، لأن الله والإله مختلفان في اللفظ والمعنى: أما في اللفظ فلأن أحدهما في الظاهر الذي لا عدول عنه دون دليل مُعْتَلُّ العين، والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام، فهما من مادتين، ورَدُّهما إلى أصل واحد تحكم وزيغ عن سبيل التصريف. وأما اختلافهما في المعنى فلأن الله خاص بربنا ﵎ في الجاهلية والإسلام، والإله ليس كذلك، ولهذا يستحضر بذكر الله مدلولات جميع الأسماء، ولا يستحضر بالإله إلا ما يستحضر بالمعبود، وهذا بيّن من قول بعض الأنصار ﵃:
باسم الإله وبه بَدينا ... ولو عبدنا غيرَه شَقِينا
ثم مراد من زعم أن أصل الله الإله لا يخلو من أحد أمرين: أحدهما أن تكون الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام في اللام. والثاني: أن تكون الهمزة نقلت حركتها إلى اللام الأولى، وحذفت هي على مقتضى النقل القياسي.
فالأول باطل لأن حاصله ادّعاء حذف فاء بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من كلمة ثلاثية اللفظ، فذكر الفاء تنبيه على أن حذفها أشد استبعادا من حذف العين واللام، لأن الأواخر وما اتصل بها أحق بالتغيير من الأوائل. وقولي "بلا سبب" تنبيه على أن الفاء قد تحذف بسبب، كحذف واو عدة، فإنه مصدر يعد، فحمل المصدر على الفعل في الحذف طلبا للتشاكل. وقولي "ولا مشابهة ذي سبب" تنبيه على رِقَة بمعنى وَرِق، فحذفت فاؤه لا لسبب كما في عدة، بل لشبهه بعدة وزنا واعتلالا، ولولا أن رِقَة بمعنى وَرِق لتعين إلحاقه بالثنائي المحذوف اللام كشفة ولثة،
стр. 177
وهذا مع تحقق محذوف ككون الاسم ثنائيا لفظا كحرٍ، أو ثلاثيا مقطوعا بزيادة بعضه كلثة، وما نحن بسبيله ليس ثنائيا لفظا، ولا ثلاثيا مقطوعا بزيادة بعضه ولا مظنونا، فكان حذف فائه أشد استبعادا.
فإن قيل: قد حذفت الفاء بلا سبب في الناس، فإن أصله أناس، فلنحكم بذلك فيما نحن بسبيله. قلنا: لو صحَّ كون الناس مُفَرَّعا على أناس لم يجز أن يحمل عليه غيره، لأن الحمل عليه زيادة في الشذوذ، وتكثُّرٌ من مخالفة الأصل دون سبب يلجئ إلى ذلك، فكيف والصحيح أنّ ناسا وأناسا لفظان بمعنى واحد من مادتين مختلفتين، إحداهما أنس، والأخرى نوس. كما أن ألوقة ولُوقة من مادتين مختلفتين، وهما اسمان لتمر معجون بزبد أو سمن. وكما أن أوقية ووقية بمعنى واحد وأحدهما من أوق، والآخر من وقى، وأمثال ذلك كثيرة.
وأما ادّعاء نقل حركة همزة الإله إلى اللام فأحق بالبطلان لأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجوه:
أحدها: نقل حركة همزة في كلمتين على سبيل اللزوم، ولا نظير لذلك.
الثاني: نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها، وذلك يوجب اجتماع مثلين متحركين، وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن، لأن اجتنابه في اللام آكد، إذ هو ملتزم في: أوعَدَ وبابه، بخلاف النقل فإنه لم يلتزم إلا في أفعال الرؤية، مع أن من العرب من لا يلتزمه وهم تيم اللات، قال:
أُرِي عَيْنَيَّ ما لم تَرْأياه ... كلانا عَالمٌ بالتُّرَّهات
الثالث من وجوه: مخالفة الأصل من تسكين المنقول إليه الحركة، وذلك يوجب كون النقل عملا كلا عمل، لأن المنقول إليه كان ساكنا ثم حرك بحركة
стр. 178
الهمزة إبقاء عليها وصونا لها من محض الحذف، وإذا سكن فات ذكل، وعاد الحرف إلى ما كان عليه قبل النقل، فكأن النقل لم يكن، ومع هذا ففاعل هذا التسكين بعد النقل بمنزلة من نقل في يَئس فقال ييس، ثم سكن فقال: يَيْس، فلا يخفى ما في هذا من القبح مع كونه في كلمة واحدة، والمدعى في الله من كلمتين، فهو أمكن في الاستقباح، وأحق بالإصلاح.
الرابع: إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة، وذلك بمعزل عن القياس، لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت فإدغام ما قبلها فيما بعدها كإدغام أحد المنفصلين في الآخر، وقد اعتبر أبو عمرو بن العلاء في الإدغام الكبير الفصل بمحذوف واجب الحذف نحو (ومن يبتغ غير الإسلام) فلم يدغم الغين في الغين فلأن يعتبر الفصل بمحذوف غير واجب الحذف أحق وأولى. ولأجل الاعتداد بالمحذوف تحقيقًا جاز أن يقال في مثل: اغْدَودَن من وأل ووَل، بتصدير واوين، وأصله: أو أوأل، ثم نقلت حركتا الهمزتين إلى الواوين واعتبر بتصديرهما دون قلب أولاهما همزة لانفصالهما بالهمزة تقديرا. ومثل هذا المدعى في الله قد ندر في لكن أنا إذا قيل فيه: لكنا، إلا أن هذا ليس ملتزمًا.
ثم إن الذي زعم أن أصل الله الإله يقول: إن الألف واللام عوض من الهمزة، ولو كان كذلك لم يجمع بينهما في الحذف في قولهم: لاهِ أبوك، يريدون لله أبوك، إذ لا يحذف عوض ومعوض منه في حال واحدة. وقالوا أيضًا: لَهْي أبوك، يريدون: لله أبوك، فحذفوا لام الجر والألف واللام، وقدموا الهاء وسكنوها، فصارت الألف ياء، وعلم بذلك أن الألف كانت منقلبة عنها لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما وليت ساكنا عادت إلى أصلها، وفتحتها فتحة بناء، وسبب البناء تضمن معنى حرف التعريف، هذا قول أبي علي، وهو عندي قول ضعيف، لأن الألف واللام في الله زائدة مع التسمية، مستغنى عن معناها بالعلميّة، فإذا حذفت لم يبق لها معنى يتضمن.
والذي أراه أن لَهْي مبني لتضمن معنى حرف التعجب، وإن لم يكن للتعجب
стр. 179
حرف موضوع، كما قال الجمهور في اسم الإشارة إنه مبني لتضمن معنى حرف الإشارة، ومرادهم بذلك أن الإشارة معنى من المعاني النسبية الحقيقة بأن يوضع لها حروف، فاستغنى باسم الإشارة عن وضع حرف الإشارة، فلذلك قيل في حد اسم الإشارة: إنه الاسم الموضوع لمسمى وإشارة إليه. فكما بني اسم الإشارة لتضمن معنى الإشارة بنى لَهْي لتضمن معنى التعجب، إذ لا يقع لهَى في غير تعجب، كما لا يقع اسم الإشارة في غير إشارة. وهذا مع بنائه في موضع جر باللام المحذوفة، واللام والمجرور بها في موضع رفع بمقتضى الخبرية، وأبوك مرفوع بالابتداء.
وإذا كان العلم منقولا من صفة أو مصدر أو اسم عين، وكان عند التسمية به مجردا من أداة التعريف جاز استعماله علمًا أن يلمح به الأصل فتدخل عليه الأداة، ولا يلمح فيستدام تجريده. وأكثر دخولها على المنقول من صفة كحسن وعباس وحارث، ويلي ذلك دخولها على منقول من مصدر كفضل وقيس، ويليه دخولها على منقول من اسم عين كليث وخِرْنق. وإلى هذا التفصيل أشرت بقولي: "وفي المنقول من مجرد صالح لها ملموح به الأصل وجهان" واحترزت بصالح لها من المنقول من فعل نحو: يزيد ويشكر فإنه لا تدخل عليه الأداة إلا لضرورة أو عروض تنكير.
ص: وقد يُنَكَّر العلم تحقيقا أو تقديرًا فَيُجْرى مُجْرَى نكرة، ويُسْلَب التعيين بالتثنية والجمع، فَيْجْبَر بحرف التعريف إلا في نحو: جُمادَيَيْنِ، وعَمايتين، وعَرَفات.
ش: كقولك: رأيت زيدًا من الزيدين، وما مِنْ زيد كزيد بن ثابت، وقضيةٌ ولا أبا حسن لها، وكقول نَوْف البِكالِيّ: ليس موسى بني إسرائيل، وإنما موسى آخر.
وتنكيره تقديرا مثل قول أبي سفيان: لا قريش بعد اليوم، وكقول بعض العرب: لا بصرة لكم، وكقول الشاعر:
стр. 180
أزْمان سَلْمَى لا يرى مثلها الرّاءُون ... في شام ولا في عِراقْ
وكقول الآخر:
إذا دَبَرانًا منك يوما لَقِيته ... أُؤمل أن ألقاك غَدْوا بأسْعُد
وإذا ثنى العلم أو جمع تنكر كقول الشاعر:
رأيت سُعُودا من شعوبٍ كثيرة ... فلم أرَ سعدًا مثل سعدِ بن مالك
فإن قصد تعريفه بعد تثنيته أو جمعه عرف بالأداة كقول الشاعر:
وقَبلي مات الخالدان كلاهما ... عميدُ بني حَجْوان وابن المُضَلَّل
وكقول الآخر:
أخالِدَ قد عَلِقْتُكِ بعد هندٍ ... فشيّبني الخوالدُ والهنود
فإن اشترك في العلم ما لا يفترق لم يحتج إلى الأداة في تثنية ولا جمع كجُمادَيين في الشهرين المعروفين، وعَمايتين في جبلين، وعرفات لمواقف الحج، واحدها عرفة، كقول الشاعر في جماديين:
حتى إذا رجبٌ تَولّى وانقضى ... وجُمادَيان وجاء شهرٌ مقبل
وقل آخر في عمايتين:
следующие страницы →