← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما" ولم يجئ لفظ التثنية إلا في شعر كقوله: فتخالسا نفسَيْهما بنوافذ ... كنوافذ العُبط التي لا تُرْقَع ولما استقر التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع عند وجود الشرط المذكور، صارت إرادة الجمع به متوقفة على دليل من خارج، ولذلك انعقد الإجماع على ألا يقْطعَ في السرقة إلا يد من السارق ويد من السارقة. ولو قصد قاصد الإخبار عن يَدَيْ كل واحد من رجلين لم يكتف بلفظ الجمع، بل تضم إليه قرينة تزيل توهم غير مقصوده، كقوله: قطعت أيديهما الأربع. وإذا فرق المضاف إليه كان الإفراد مختارًا كقوله تعالى (لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داودَ وعيسى ابن مريم) وفي حديث زيد بن ثابت ﵁: حتى شرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. ولو جيء في مثل هذا بلفظ الجمع أو لفظ التثنية لم يمتنع. وإن لم يكن المضاف جزأي المضاف إليه ولا كجزأيه لم يعدل عن لفظ التثنية غالبًا نحو: قضيت درهميكما، لأن العدول في مثل هذا عن لفظ التثنية إلى لفظ الجمع موقع في اللبس غالبًا، فإنْ أمن اللبسُ جاز العدول إلى الجمع سماعا عند غير الفراء، وقياسًا عنده، ورأيه في هذا أصح، لكونه مأمون اللبس، مع كثرة وروده في الكلام الفصيح، كقول النبي ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄ "ما أخرجكما من بيوتكما" وقوله لعلي وفاطمة ﵄ "إذا أويتما إلى مضاجعكما فسبحا الله تعالى ثلاثا وثلاثين الحديث" وفي حديث آخر "هذه فلانة وفلانة تسألانك عن إنفاقهما على أزواجهما ألهما فيه أجر" وفي حديث علي وحمزة ﵄ "فضرباه بأسيافهما" وأمثال ذلك كثيرة.

стр. 107

ومطابقة ما لهذا الجمع لمعناه دون لفظه كقول الشاعر: قلوبُكما يغشاهما الأمنُ عادةً ... إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر وقال آخر: وساقان كَعْباهما أصْمَعان ... أعاليهما لُكَّتا بالديم وقال آخر: رأوْا جَبَلا هَزَّ الجبالَ إذا التقت ... رُءوس كبيريهن ينتطحان وعلى هذا حمل أبو العباس المبرد قول الشاعر: أقامت على رَبْعَيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما فأعاد الضمير المضاف إليه المصطلى على الأعالي لأنها مثناة في المعنى، وهو توجيه حسن. ومطابقة ما لهذا الجمع للفظه دون معناه كقول الشاعر: خَلِيليَّ لا تهلك نفوسُكما أسى ... فإنْ لها فيما به دُهِيَتْ أسا فقال دهيت لأنه راعى مطابقة جمع اللفظ، ولو راعى مطابقة المعنى لقال: دهيتا، كما قال الآخر، لُكّتا.

стр. 108

ص: ويعاقبُ الإفرادُ التَّثنيةَ في كلِّ اثنين لا يُغْني أحدُهما عن الآخر، وربما تعاقبا مطلقا. وقد يقع افْعلا ونحوُه موقع افْعَل ونحوِه. ش: المراد بكل اثنين لا يغني أحدهما عن الآخر: العينان والأذنان والجفنان والجوربان ونحو ذلك، فيقال: عيناه حسنتان، وعيناه حسنة، وعينه حسنة، وعينه حسنتان. فالأول أكثر لأنه الأصل، ومنه قول الشاعر: وعينان قال اللهُ كُونا فكانتا ... فَعُولانِ بالألباب ما تفعل الخَمر وقال آخر: له أذنان تعرفُ العِتق فيهما ... كسامِعَتي مذعُورة وسطَ ربرب ومن الثاني قول امرئ القيس: لمن زُحلُوفَةٌ زُلُّ ... بها العينان تَنْهَلّ وقال آخر: وكأن في العينين حَبَّ قرَنْفل ... أو سُنبلا كُحِلت به فانهلت وقال آخر:

стр. 109

سأجزيك خذلانا بتقطيعي الصُّوَى ... إليك وخفا زاحفٍ تقطُر الدِّما ومن الثالث قول الشاعر: ألا إن عينا لم تَجُد يوم واسِط ... عليك بجاري دمعها لجمودُ وقال آخر: أظن انهمال الدَّمع ليس بمنته ... عن العينِ حتى يَضمَحِل سوادُها ومن الرابع قول الشاعر: إذا ذَكَرت عيني الزمانَ الذي مضى ... بصحراءِ فلجٍ ظلتا تكفان والمراد بتعاقب الإفراد والتثنية مطلقًا وقوع أحدهما موقع الآخر، وإن لم يكونا مما تقدم الكلام عليه كاليدين والخفين، ولا من المزال عن لفظ التثنية لأجل الإضافة، فمن وقوع المفرد موقع المثنى قوله تعالى (فاتيا فرعونَ فقولا إنا رسولُ ربّ العالمين) وقوله تعالى (عن اليمين وعن الشمال قعيد)، وشبيه به قول حسان ﵁: إنَّ شَرْخ الشباب والشَّعَر الأسْـ ... ـوَد ما لمْ يُعاصَ كان جُنونا

стр. 110

ومن وقوع المثنى موقع المفرد قول الشاعر: إذا ما الغلامُ الأحمق الأم سامَني ... بأطراف أنفيه استمر مقَارعًا وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، وذكرت أيضا له شواهد. وقد يقع الفعل المسند إلى ضمير واحد مخاطب بلفظ المسند إلى ضمير مخاطبين، إذا كان أمرًا أو مضارعًا، والقصد بذلك التوكيد والإشعار بإرادة التكرار، ومن ذلك ما روى من قول الحجاج: يا حَرَسِيّ اضربَا عُنُقَه، ومنه قول الشاعر: فإنْ تَزْجُراني يابنَ عَفّانَ أزْدجر ... وإن تَدَعاني أحْمِ عِرْضا مُمَنَّعا وقال آخر: فقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانا ... بِنَزْع أصولِه واجْتَز شِيحا وجعل بعض العلماء من ذلك قوله تعالى (ألقيا في جهنمَ كلَّ كفارٍ عنيد). ص: وقد تُقَدّرُ تسميةُ جُزْء باسم كُلٍّ فيقعُ الجمعُ موقعَ واحدِه أو مثناه. ش: وقوع الجمع موقع واحده على تقدير تسمية كلِّ جزء من أجزائه باسم

стр. 111

الجمع كقول الشاعر: قال العواذلُ ما لجهلِكَ بعدما ... شابَ المَفارِقُ واكتسين قَتِيرا وقال آخر: ولَقدْ أرُوحُ على التِّجار مُرَجَّلا ... مَذِلاً بمالِي لَيِّنًا أجْيادِي ووقوع الجمع موقع مثناه كقول الشاعر: فالعينُ بعدَهم كأنْ حِدَاقها ... سُمِلَتْ بِشوكٍ فهي عُورٌ تدْمَع أراد بالعين العينين، وبالحِداق الحَدَقتين، وأراد بقوله فهي عور: فهما عوراوان. ومن وقوع الجمع موقع المثنى قول الآخر: أشكُو إلى مَولايَ من مَوْلاتي ... تربط بالحبل أكَيْرِعاتي ومن كلام العرب: رَجُلٌ عظيم المناكب والهادي، وغليظ الحواجب والوجنات، وشديد المرافق، وماش على كراسيعه. فصل: ص: يُجْمَعُ بالألف والتاء قياسا، ذُو تاء التأنيث مطلقا، وعلمُ المؤنث مطلقا، وصفة المذكر الذي لا يعقِل، ومُصَغَّرُه، واسمُ الجنس المؤنث بالألف إن لم يكن فَعْلى فَعْلان أو فَعْلاء أفعل غير منقولين إلى الاسمية حقيقة أو حكما. وما سِوى ذلك مقصور على السماع. ش: ذو تاء التأنيث يعم ذا التاء المبدلة هاءً في الوقف كتمرة، وذا التاء السالمة من ذلك كبنت وأخت، فلا يقال في جمعها إلا بَنات وأخَوات، سمِّي بهما أو لم

стр. 112

يسَمَّ بهما. وكذلك ذَيْت وكيْتَ لو سمي بهما لقيل في جمعهما ذَيات وكيَات، مذكرًا كان المسمى بهما أو مؤنثًا، نص على ذلك سيبويه. وذكرت "مطلقًا" ليدخل في ذلك العلم واسم الجنس والمدلول فيه بالتاء على تأنيث أو مبالغة. وذكرت "مطلقًا" بعد علم المؤنث ليتناول العاري من علامة والمتلبس بعلامة كزينب وسَلَمةَ وسُعدَى وعفراء. وأشرت بصفة المذكر الذي لا يعقل إلى نحو: جبال راسيات، وأيام معدودات. وبمصغر المذكر الذي لا يعقل إلى نحو: دريهم ودريهمات، وكتيب وكتيبات. وأشرت باسم الجنس المؤنث بالألف إلى نحو: بُهْمى وبهميات، وحبلى وحبليات، وصحراء وصحراوات، وقاصعاء وقاصعاوات. واستثنيت فعلى وفعلاء المقابلين لفعلان وأفعل لأنهما لا يجمعان بالألف والتاء كما لم يجمع مذكراهما بالواو والنون. ولا يلزم هذا المنع فيما كان من الصفات على فعلاء ولا مذكر لها على أفعل نحو قولهم: امرأة عجْزاء، وديمة هطلاء، وحُلة شوْكاء، لأن منع الألف والتاء من نحو حمراء تابع لمنع الواو والنون من أحمر، وذلك مفقود في عجزاء وأخواتها، فلا منع من جمعهما بالألف والتاء، على أن الجمع بالألف والتاء مسموع في "خَيفاء" وهي الناقة التي خَيِفتْ أي اتسع جلد ضرعها، وكذا سمع في "دَكَّاء" وهي الأكمة المنبسطة، وكلاهما نظير ما ذكرت من عجزاء وهطلاء وشوكاء في أنهن صفات على فعلاء لا مقابل لها على أفعل، فثبت ما أشرت إليه والحمد لله. ونبهت بقولي "غير منقولين إلى الاسمية حقيقة أو حكمًا" على نحو: حوَّاء، فإن "حواء" علم امرأة منقول من "حواء" أنثى أحْوى، وبطحاء صفة مقابلة في الأصل لأبطح، إلا أنها غلب استعمالها مستغنية عن موصوف، فأشبهت

стр. 113

الأسماء، فجاز أن تعامل في الجمع معاملة صحراء. والمراد "بما سوى ذلك" ما لا علمية فيه ولا علامة من أسماء المؤنث وصفاته فتدخل في ذلك نحو: شمس ونفس، وأتان وعناق، وامرأة صبور، وكف خضيب، وجارية حائض ومعطار، فلا يجمع شيء من هذه الأسماء والصفات ونحوها بالألف والتاء إلا إذا سمع، فيعد من الشواذ عن القياس، ولا يُلْحقُ به غيره. فمن الشاذ: سماء وسماوات، وأرض وأرَضات وعُرُس وعُرُسات وعِير وعِيرات، وشمال وشمالات، وخَوْد وخَوْدات، وثيب وثيبات. وأشذ من هذا الجمع بعض المذكرات الجامدة المجردة كحسام وحسامات، وحمّام وحمامات، وسرادق وسرادقات، وكل هذا شاذ مقصور على السماع.

стр. 114

باب المعرفة والنكرة ص: الاسم معرفة ونكرة. فالمعرفة: مُضْمرٌ، وعلم، ومشار به، ومُنادى، وموصول، ومضاف، وذو أداة. وأعرفُها ضميرُ المتكلم، ثم ضميرُ المخاطب، ثم العلم، ثم ضميرُ الغائب السالمُ من إبهام، ثم المشارُ به، والمنادى، ثم الموصول، وذو الأداة، والمضافُ بحسب المضاف إليه. وقد يَعْرِض للمفوق ما يجعله مساويا أو فائقا. والنكرة ما سوى المعرفة. وليس ذو الإشارة قبل العلم خلافا للكوفيين، ولا ذو الأداة قبل الموصول، ولا مَنْ وما المستفهمُ بهما معرفتين خلافا لابن كَيْسانَ في المسألتين. ش: من تعرض لحَدِّ المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه، لأن من الأسماء ما هو معرفة معنى نكرة لفظا، وعكسه، وما هو في استعمالهم على وجهين. فالأول: نحو قولهم: كان ذلك عاما أول. وأول من أمس، فإن مدلول كل واحد معين لا شياع فيه، ولكنهما لم يستعملا إلا نكرتين. والثاني: نحو قولهم للأسد: أسامة، فإنه يجري في اللفظ مجرى حمزة في منع الصرف، والاستغناء عن الإضافة والألف واللام، وفي وصفه بالمعرفة دون النكرة، واستحسان مجيئه مبتدأ وصاحب حال، وهو في الشياع كأسد. والثالث: كواحد أمِّه وعبد بطنه، فإن بعض العرب يجريهما معرفتين بمقتضى الإضافة، وبعض العرب يجعلهما نكرتين، ويدخل عليهما رب، وينصبهما على الحال، ذكر ذلك أبو علي. ومثلهما في إعطاء حكم المعرفة تارة وحكم النكرة أخرى ذو الألف واللام

стр. 115

الجنسيتين، فإنه من قبل اللفظ معرفة، ومن قبل المعنى لشياعه نكرة، فلذلك يجوز أن يوصف بمعرفة اعتبارا بلفظه وهو الأكثر، ويجوز أن يوصف بنكرة اعتبارا بمعناه نحو: مررتُ بالرجل خيرٍ منك. وعلى ذلك حمل المحققون قوله تعالى (وآيةٌ لهم الليلُ نسلخ منه النهار) فجعلوا "نسلخ" صفة الليل، والجمل لا يوصف بها إلا النكرات. فإذا ثبت كون الاسم المعرفة بهذه المثابة، فأحسنُ ما يُبيَّن به ذكرُ أقسامه مستقصاة، ثم يقال: وما سِوى ذلك فهو نكرة. وأكثرهم يجعل أقسامه خمسة: فيغفلون المعرف بالنداء، ويعبرون بالمبهم عن اسم الإشارة والموصول، ثم يقولون: والمبهم على ضربين: اسم إشارة وموصول، فَيَئول ذلك إلى أن أقسامه ستة. واختلف فيما كان نكرة ثم تعرف بالنداء، فقال قوم: تعريفه بحرف حذف لفظا وبقي معنى، كما بقي معنى الإضافة في نحو قوله تعالى (وكُلاًّ ضربنا له الأمثال) وقال قوم: بل تعريفه بالمواجهة والإشارة إليه، وهذا المعنى مفهوم من ظاهر قول سيبويه. وإذا كانت الإشارة دون مواجهة مُعَرِّفة لاسم الإشارة، فأنْ تكونُ معرّفة ومعها مواجهة أولى وأحرى. وهذا أظهر وأبعد عن التكلف. وأمكنها في التعريف ضمير المتكلم، لأنه يدل على المراد بنفسه، وبمشاهدة مدلوله، وبعدم صلاحيته لغيره، وبتميز صوته. ثم ضمير المخاطب لأنه يدل على المراد بنفسه، وبمواجهة مدلوله. ثم العلم لأنه يدل على المراد به حاضرا وغائبًا على سبيل الاختصاص. ثم ضمير الغائب السالم من إبهام نحو: زيد رأيته. فلو تقدم اسمان وأكثر نحو: قام زيد وعمرو كلمته، لَتطرَّق إليه إبهام ونقص تَمَكُّنهُ في التعريف. ثم المشار به والمنادى وهما متقاربان. ثم الموصول، وهو بحسب صلته

стр. 116

فيكمل تعريفه بكمال وضوحها وينقص بنقصانها. ثم المعرَّفُ بالأداة، والمعرَّف بالإضافة بحسب المضاف إليه. وسيأتي عند ذكر كل واحد منها ما يختص به من بيان وتفصيل. وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويا أو فائقًا، كقولك لرجلين حضراك دون ثالث: لك مَبَرَّةٌ، بل لك، فإنهما لا يعرفان بمجرد هذا اللفظ المعطوف من المعطوف عليه ما لم يُعْضَد اللفظ بمواجهة أو نحوها. بخلاف قوله: للكبير منكما مبرة بل للصغير، أو بالعكس. أو يقول: للذي سبق منكما مبرة بل للذي تأخر، فإنهما لا يرتابان في مراده بالأول والثاني، فقد عرض لذي الأداة والموصول ما جعلهما فائقين في الوضوح لضمير الحاضر. وكذلك يعرض للعلم ما يجعله أعرف من ضمير المتكلم كقول من شُهرَ باسم لا شركة له فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا فلان. ومنه قوله تعالى (أنا يوسف) فالبيان لم يستفد بأنا بل بالعلم بعده. وقد يعرض للموصول مثل الذي عرض للعلم كقول من شُهرَ بفعل لا شركة فيه لمن قال: من أنت؟ أنا الذي فعل كذا. ومن هذا القبيل: سلام الله على من أنْزِل عليه القرآن، وعلى من سجدت له الملائكة، ومن حفر بئر زمزماه. وتمييز النكرة بعد عَدِّ المعارف بأن يقال: وما سوى ذلك نكرة، أجود من تمييزها بدخول رُبَّ والألف واللام، لأن من المعارف ما تدخل عليه الألف واللام كفضل وعباس، ومن النكرات ما لا تدخل عليه رُبَّ ولا الألف واللام كأينَ وكيفَ وعَرِيبٍ ودَيّار. واسم الإشارة عند الكوفيين أعرف من العلم، ولهم في ذلك شبهتان: إحداهما: أن اسم الإشارة ملازم للتعريف غير قابل للتنكير، والعلم بخلاف ذلك، فكان تعريفه دون تعريف اسم الإشارة، والثانية: أن تعريف اسم الإشارة حسي وعقلي، وتعريف العلم عقلي لا غير، وتعريفٌ من جهتين أقوى من تعريف من جهة.

стр. 117

والجواب عن الأولى أن يقال: لزوم الشيء معنى لا يوجب له مزية، فيتعرف بالإضافة مع عدم لزومه لها، ولم يتعرف "غيرك" بها مع لزومه لها، كما ثبت للجميع على الجماء في قولهم: جاءوا الجماءَ الغفيرَ، بحيثُ عدَّ الجميع معرفة غير مؤولة بنكرة مع عدم لزوم الألف واللام، وأول الجماء الغَفير بنكرة مع لزوم الألف واللام. والجواب عن الثانية أن يقال: المعتبر في كون المعرفة معرفة الدلالة المانعة من الشياع، سواء حصل ذلك من جهة واحدة أو من جهتين. والمعتبر في ترجيح التعريف قوة منع الشياع وزيادة الوضوح، ومعلوم أن اسم الإشارة وإن عين المشار إليه حقيقته لا تستحضر به على التزام، ولذلك لا يستغني غالبا عن صفة تكمل دلالته، بخلاف العلم، لا سيما علم لم تعرض فيه شركة، كإسرائيل وطالوت وأُدَد ونِزار ومكة ويثرب. وذهب ابن كيسان إلى أن ذا الأداة أعرف من الموصول، وشبته أن ذا الأداة يوصف بالموصول كقوله تعالى (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) والموصوف به إما مساو وإما دون الموصوف، ولا قائل بالمساواة، فثبت كون الذي أقل تعريفا من الكتاب. والجواب أن نقول: لا نسلم كون الذي في الآية صفة، بل هو بدل أو مقطوع على إضمار فعل ناصب أو مبتدأ، وعلى تقدير كون الذي صفة فالكتاب علم بالغَلَبة، لأن المَعْنيِّين بالخطاب بنو إسرائيل، وقد غلب استعمال الكتاب عندهم مرادا به التوراة، فألحق في عرفهم بالأعلام، فلا يلزم من وصفه بالذي جواز وصف غيره مما لم يلحق بالأعلام. وبالجواب الأول يجاب من أورد نحو قوله تعالى (لا يصْلاها إلا الأشقى* الذي كذَّب وتولى* وسيُجنَّبها الأتقى* الذي يُؤتي ماله يتزكى) وقد تقدمت الإشارة إلى أن الموصول قد تتضح صلته وضوحا تجعله في رتبة العلم، ولا يكون ذلك في ذي

стр. 118

الأداة غالبا إلا إذا عرض له ما عرض "للنَّجم والصَّعِق" من الغلبة الملحقة بالأعلام الخاصة. وقد ألحق ابن كيسان بالمعارف "مَنْ وما" الاستفهاميتين، نظرا إلى أن جوابهما يكون معرفة، والجواب يكون مطابقا للسؤال، فإذا قيل: مَنْ عندَك؟ فجوابه: زيد، ونحوه. وإذا قيل: ما دعاك إلى كذا؟ فجوابه: لقاؤك، أو نحوه. فدل تعريف الجواب على تعريف المجاب. وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن تعريف الجواب غير لازم، إذ لمن قيل له: من عندك؟ أن يقول: رجل من بني فلان. ولمن قيل له: ما دعاك إلى كذا؟ أن يقول: أمرٌ مهم. والثاني: أنّ "مَنْ وما" في السؤالين قائمان مقام: أي إنسان؟ وأي شيء؟ وهما نكرتان، فوجب تنكير ما قام مقامهما. والتمسك بهذا أقوى من التمسك بتعريف الجواب، لأن تطابق شيئين قائم أحدهما مقام الآخر ألزم وآكد من تطابق الجواب والسؤال. وأيضا فالتعريف فرع، فمن ادعاه فعليه الدليل بخلاف ادعاء التنكير.

стр. 119

باب المضمَر ص: وهو الموضوع لتعيين مُسَمّاه مشعرا بتكَلُّمِه أو خطابه أو غَيْبَتِه. ش: المراد بالتعيين جعل المفهوم مُعاينًا للسامع أو في حكم المُعاين، فذكره مخرج للنكرات. وذكر الوضع مخرج للمنادى، والمضاف، وذي الأداة. وذكر الإشعار بالتكلم أو الخطاب أو الغيبة مخرج للعلم، واسم الإشارة، والموصول، لأن كل واحد منها لا يختص بواحدة من الأحوال الثلاث، بل هو صالح لكل واحدة منها على سبيل البدل، بخلاف المضمرات، فإن المشعر منها بإحدى الأحوال الثلاث لا يصلح لغيرها. ص: فمنه واجبُ الخفاء، وهو المرفوعُ بالمضارع ذي الهمزة والنون، وبفعل أمر المخاطب ومضارعِه، واسم فِعْل الأمر مطلقا. ش: الواجب الخفاء هو الذي لا يزال مستكنا، ولا يغني عنه ظاهر ولا مضمر بارز، كالمَنْوِيِّ في نحو: أفْعَلُ، ونَفْعَلُ، وافْعَلْ، وتَفْعَلُ، ونَزالِ، فكل واحد من هذه الأمثلة الخمسة رافع اسم استغنى بمعناه عن لفظه، فإن قصد توكيده جيء بالبارز المطابق وهو: أنا بعد أفعل، ونحن بعد نفعل، وأنت بعد البواقي. وذكرت" مطلقا" بعد اسم فعل الأمر تنبيها على أنه يستوي فيه خطاب الواحد المذكر وغيره، نحو: نزال يا زيد، ويا زيدان، ويا زيدون، ويا هند، ويا هندان، ويا هندات. ولم أذكر مطلقا مع فعل الأمر ومضارعه تنبيها على أن وجوب خفاء مرفوعهما مخصوص بالإفراد والتذكير.

стр. 120

ص: ومنه جائز الخفاء، وهو المرفوعُ بفعل الغائب والغائبة، وما في معناه من اسم فِعْل، وصفة، وظرف، وشبهه. ش: الجائز الخفاء هو الذي يخلفه ظاهر أو مضمر بارز، كقولك: زيدٌ حَسُنَ ففي حسن ضمير منوي مرفوع به، وليس خفاؤه واجبا بل جائزا، لأنه قد يخلفه ظاهر نحو: زيدٌ حَسُنَ وجهُه، ومضمر بارز نحو: زيد ما حَسُنَ إلا هو. وهكذا حكمه مع فعل الغائبة نحو: هند حَسُنَت، وحَسُنَت صورتُها، وما حَسُنَ إلا هي. ومثال المرفوع باسم الفعل المشار إليه: هند هَيْهات، فهَيهات رافعٌ ضميرا عائدا على هند، وليس خفاؤه واجبا وإن كان لا يثنى ولا يجمع، لكن قد يخلفه ظاهر نحو: هند هيهات دارُها. ومثال المرفوع بصفة وظرف وشبهه: زيدٌ حسنٌ، وعمرٌو عندك، أو في الدار، فحَسَنٌ وعندَك وفي الدار قد ارتفع بكل منها ضمير مستكن جائز الخفاء، لأنه قد يخلفه ظاهر أو ضمير بارز نحو: زيدٌ حَسَنٌ وجهُه أو ما حَسَنٌ إلا هو. وعمرٌو عندك مقامُه، أو ما عندك إلا هو. وبِشْرٌ في الدار شخصُه، أو ما فيها إلا هو. ص: ومنه بارزٌ مُتصل، وهو إن عُنِيَ به المَعْنِيٌّ بنفعل "نا" في الإعراب كلِّه. وإن رُفِعَ بفعل ماض "فتاء" تُضَم للمتكلم، وتفتح للمخاطَب، وتكسر للمخاطَبة، وتُوصلَ مضمومةً بميمٍ وألفٍ للمخاطَبَيْن والمخاطَبَتَيْن، وبميم مضمومة ممدودة للمخاطَبين، وبنون مشددة للمخاطبات، وتسكين ممي الجمع إنْ لم يلها ضميرٌ متصل أعرف، وإن وَلِيَها لم يجز التسكين، خلافا ليونس. وإن رُفِع بفعلٍ غيره فهو "نون" مفتوحة للمخاطبات أو الغائبات، و"ألف" لتثنية غير المتكلم، و"واو" للمخاطَبين أو الغائبين و"ياء" للمخاطَبة. وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع، وربما استُغْنِي معه بالضمة عن الواو، وليس الأربع علاماتٍ والفاعلُ مُسْتَكِنٌّ خلافا للمازني فيهنّ، وللأخفش في الياء. ش: البارز ضد المُسْتكن، وهو على ضربين: متصل ومنفصل: فالمتصل ما لا يقع أولا، ولا يَسْتغني عن مباشرة العامل لفظا وخطا، فمنه "نا"

стр. 121

للمتكلم المعظم نفسه، أو المبين كونه مشارَكا بواحد أو أكثر. وإلى هذا أشرت بقولي "نا في الإعراب كله". ومن البارز المتصل المرفوع "تاء" يشترك فيها المتكلم والمخاطب، فَضمُّها مجرَّدةً دليل على نفس المتكلم، وفتحُها مجردةً دليل على المخاطب المذكر، وكسرها مجردة دليل على المخاطبة الواحدة، وضمها متلوةً بما دليل على المخاطَبَيْن والمخاطَبَتَيْن، وضمها متلوة بنون مشددة دليل على المخاطبات، وضمها متلوة بميم ساكنةٍ أو مضمومة باختلاس أو إشباع دليل على ذكور مخاطَبِين، والإشباع هو الأصل، واستعماله أكثر من الاختلاس، وأقل من السكون، ولقلة الاختلاس لم يتعرض له في المتن وإذا ولى الميم ضميرٌ منصوب لزم الإشباع، كقوله تعالى (فقد رأيتموه وأنتم تَنْظُرون) وأجاز يونس السكون نحو "فقد رأيتُمْه" ولا أعلم في ذلك سماعا إلا ما رَوى ابن الأثير في غريب الحديث من قول عثمان ﵁: أراهُمْني الباطل شيطانا. والضمير في قولي "وإن رفع بفعل غيره" عائد إلى الضمير البارز، أي إن رُفِع الضمير البارز المتصل بفعل غير الماضي وقصد به إناث مخاطبات أو غائبات فصورته نون مفتوحة نحو: افعَلْنَ وتفعَلْنَ ويفعَلْنَ. وإن قصد به تثنية المخاطب أو المخاطبة، أو تثنية الغائب أو الغائبة، فصورته ألف نحو: افْعَلا وتَفْعَلان، والزيدان يَفْعَلان، والهندان تفْعَلان. وإن قصد به جمع مذكر مخاطب أو غائب فصورته واو نحو: افْعَلُوا، وتَفْعَلُون، ويَفْعَلُون. وإن قصد به مخاطبة واحدة فصورته ياء نحو: افْعَلِي، وتَفْعَلِين. وتُسنِدُ الماضي في الغيبة إلى ما تُسْنِد إليه المضارع فتقول: زيد فَعَل، وهند فَعَلتْ، والزيدان فَعَلا، والهندان فَعَلتا، والزيدون فَعَلوا، والهندات فَعَلن، وإلى هذا أشرت بقولي "وللغائب مطلقا مع الماضي ماله مع المضارع". ومن الاستغناء معه بالضمة عن الواو قول الشاعر:

стр. 122

يا رُبَّ ذي لُقُح ببابِك فاحشٍ ... هاعٍ إذ ما الناسُ جاعُ وأجْدَبُوا وأنشد السيرافي: لو أن قومي حين أدعوهم حَمَلْ ... على الجبال الصُّمِّ لانهد الجبلْ أراد: حملوا، فحذف الواو واكتفى بالضمة، ثم وقف فسكن، وربما فعل مثل هذا مع فعل الأمر كقوله: إن ابنَ الأحْوَصَ معروف فبلغُهُ ... في ساعِدَيه إذا رام العلا قِصَرُ الأصل فبلغوه. وزعم المازني أن النون والألف والياء المشار إليها حروف تدل على أحوال الفاعل كالتاء من فَعَلتْ، والفاعل مستكن كاستكنانه في: زيد فَعَل، وهند فَعَلَتْ. وما زعمه غير صحيح، وإنما هي أسماء أسند الفعل إليها ودلت على مسمياتها، كدلالة النون والألف من فعلنا، والتاء من فعلتُ وفعلتَ وفعلتِ، ولأن المراد مفهوم بها، والأصل عدم الزيادة. ولأنها لو كانت حروفا تدل على أحوال الفاعل المستكن كالتاء من: هي فعلتْ، لجاز حذفها في نحو: الزيدان قاما، والزيدون قاموا. كما جاز حذف التاء في نحو: فإن الحوادثَ أوْدَى بها ولا أرضَ أبقَل إبقالَها

стр. 123

بل كانت الألف وأخواتها أحق بجواز الحذف لأن معناها أظهر من معنى التأنيث، وذلك أن علامة التأنيث اللاحقة للأسماء لا يوثق بدلالتها على التأنيث إذ قد تلحق المذكرات كثيرا كراوية وعلاّمة وهُمزَة ولمزَة، فدعت الحاجة إلى التاء التي تلحق الفعل، وليس الأمر كذلك في علامتي التثنية والجمع، إذ لا يمكن أن يعتقد فيما اتصلتا به خلوه من مدلولهما، فذكر الفعل على إثر واحدٍ منهما مُغْنٍ عن علامة تلحق الفعل، ولما لم يستغنوا بما يلحق الاسم عما يلحق الفعل علم أن لهم داعيًا إلى التزامه غير كونه حرفا، وليس ذلك إلا كونه اسما مسندًا إليه الفعل، ولذلك لم يجز حذفه بوجه، إذ لو حذف لكان الفعل حديثا عن غير محدثٍ عنه، وذلك محال. ورُوِيَ عن الأخفش أن ياء المخاطبة حرف يدل على تأنيث الفعل، والفاعل مستكن كما هو مستكن في نحو: هند فعلت، وهذا القول مردود أيضًا بما رَدَّ قول المازني. وشيء آخر وهو أن الأخفش جعل "ياء" افعلى كتاء فَعَلَتْ، فيقال له: لو كانت الياء كالتاء لساوتها في الاجتماع مع ألف الاثنين، فكان يقال: افعليا كما يقال: فعلتا، لكنهم امتنعوا من ذلك، فعلم أن مانعهم كونُ ذلك مستلزما اجتماع مرفوعين بفعل واحد، وذلك لا يجوز. ص: ويُسَكَّنُ آخرُ المسنَدِ إلى التاء والنون ونا، ويحذف ما قبله من معتل، وتُنْقَل حركتُه إلى فاء الماضي الثلاثي، وإن كانت فتحةً أُبدِلت بمُجانسةِ المحذوفِ ونقلت، وربما نقل دون إسناد إلى أحد الثلاثة في: زال وكاد، أخْتَيْ كان وعسى، وحركة ما قبل الواو والياء مجانِسةٌ، فإن ماثلها أو كان ألفا حُذِف ووَلِيَ ما قبلَه بحاله. وإن كان الضمير واوا والآخِرُ ياء أو بالعكس، حُذِفَ الآخِرُ، وجعلت الحركةُ المجانِسةُ على ما قبله. ش: المسند إلى "نا والتاء" لا يكون إلا فعلا ماضيًا نحو: فَعَلْنا وفعلْت. والمسند إلى "النون" قد يكون ماضيا ومضارعا وأمرا نحو: فعلْنَ وتفعلْنَ وافْعَلْنَ. وقد تناول ذلك كله قولي "ويُسَكَّنُ آخر المسند إلى التاء والنون ونا". وأن يقال "آخر المَسْنَد" أولى من أن يقال "لام المسند" لأن المسكّن كما لكون لاما كضربْتُ، قد يكون حرفا زائدا كتسلقيْتُ. واختلف في سبب هذا السكون، فقال أكثرهم سببه اجتناب توالي أربع حركات

стр. 124

في شيئين هما كشيء واحد، لأن الفاعل كجزء من الفعل، وهذا السبب إنما هو في الماضي ثم حمل المضارع عليه. وأما الأمر فاستصحب له ما كان يستحقه من سكون، صحيح الآخر كان كاذْهبْن، أو معتلّه كاخشيْن. وهذا التعليل ضعيف من وجهين: أحدهما: أن التسكين عامّ، والعلة قاصرة عن أكثر الأفعال، لأن توالي الحركات إنما كان يوجد في الصحيح من: فَعَل وفَعِل وانْفَعَل وافْتَعل وفعُل، لا في غيرها ومعلوم أن غيرها أكثر، ومراعاة الأكثر أولى من مراعاة الأقل. والثاني: أن توالي أربع حركات ليس مهملا في كلامهم، بل مُسْتخف بالنسبة إلى بعض الأبنية. بدليل: عُلَبِط، وأصله: عُلابط. وعَرَتن وأصله: عَرَنْتن. وجنَدِل، وأصله: جَنادِل عند البصريين "وجَنْدِيل عند الكوفيين، وعلى كل تقدير فقد حذفوا مدة منه ومن علابط، ونونا من عَرَنتن، مع إفضاء ذلك إلى أربع حركات متوالية، فلو كان توالي أربع حركات منفورًا منه طبعًا، ومقصود الإهمال وضعا، لم يتعرضوا إليه دون ضرورة في الأمثلة المذكورة وأشباهها، ولسِدُّوا باب التأنيث بالتاء في نحو: بَركة، ومعدة، ولُمزة، فإنه موقع في توالي أربع حركات في كلمة واحدة، لا سيما كلمة تلازمها التاء كملازمتها هذه الثلاثة الأسماء. ومن العجب اعتذارهم عن تاء التأنيث بأنها في تقدير الانفصال، وأنها بمنزلة كلمة ثانية، مع أنها جزء كلمة مفردة لا يستغنى بها فيحسن السكوت عليها، ولا يستغنى عنها فيقوم غيرها مقامها، بخلاف تاء فعلتُ فإنها جزء كلام تام، وهي قابلة للاستغناء عنها بغيرها نحو: فعل زيد: وما فعل إلا أنا. فظهر بهذا ضعف القول بأن سبب سكون لام "فعلْتَ" خوف توالي أربع حركات. وإنما سببه تمييز الفاعل من المفعول في نحو: أكرمْنا وأكرَمَنا، ثم سلك بالمتصل بالتاء والنون هذا السبيل لمساواتهما لنا في الرفع، والاتصال، وعدم الاعتلال.

стр. 125

وإن كان ما قبل المسكن للسبب المذكور حرف علة ساكنا حذف لالتقاء الساكنين، واقتصر على ذلك في الأمر والمضارع نحو: خفْن ولا تخفن. وصحْن ولا تصحن، وقُلْن ولا تقلنَ. وإن كان حرف العلة في عين ماضٍ ثلاثي حرك ما قبله بحركته إن كانت كسرة أو ضمة نحو: جُدْتُ وخِفْتُ. فإن كانت الحركة فتحة أبدلت كسرة فيما عينه ياء، وضمة فيما عينه واو، ثم فُعِل بالكسرة والضمة المبدلتين ما فعل بالأصليتين نحو: بِعتَ وقُمْت، وإلى هذا أشرت بقولي "وإن كانت فتحة أبدلت بمجانِسة المحذوف ونقلت". وأشرت بقولي "وربما نقل دون إسناد إلى أحد الثلاثة في زال وكاد" إلى قول بعض العرب. ما زيل زيدٌ فاضلا، وكيد زيدٌ يفعل، قال أبو خراش الهذلي: وكيدَتْ ضِباعُ القُفِّ يأكلْنَ جُثَّتِي ... وكِيدَ خِراشٌ يومَ ذلك يَيْتَمُ واحترزت بقولي "أختي كان وعسى" من زال بمعنى ماز وذهب أو تحول، ومن كاد بمعنى احتال وأراد ومكر. ويجمعها أن يقال: التي مضارعها يكيد، فإن مضارع تلك يكاد. وحركة ما قبل الياء والواو مجانسة، أي ضمة قبل الواو، وكسرة قبل الياء، نحو: يفعلُون وتفعلين، فإن ماثلها، أي إن كان آخرُ المسند إلى الواو واوا، وآخر المسند إلى الياء ياء، أو كان ألفًا مطلقًا، حذفت الواو والياء والألف، واتصل بالمسند إليه -واوا كان أو ياء- ما كان متصلا بالمحذوف دون تبديل حركته نحو: أنتم تدعُون، وأنت ترمين، وأنتم تخشَوْن. وإن كان الضمير واوا والآخر ياء، أو بالعكس، أي إن كان المسند إليه واو الضمير وآخر الفعل المسند ياء، أو كان المسند إليه ياء الضمير وآخر الفعل المسند واوا، حذف آخر الفعل، وضم ما قبل المحذوف إن كان المسند إليه واوا نحو: أنتم

стр. 126

تَرْمُون، وكسر ما قبله إن كان المسند إليه ياء نحو: أنت تَعفين وتَرمين، والأصل: ترميُون تعفُوِين، واستثقل ضم الياء المكسور ما قبلها، وكسر الواو المضموم ما قبلها، فخففتا بالتسكين، وخيف انقلابهما فحرك ما قبلهما بما يجانسهما. ص: ويأتي ضميرُ الغائبين كضمير الغائبة كثيرا لتأَوُّلِهم بجماعة، وكضمير الغائب قليلا لتأولهم بواحد يُفْهِم الجمعَ أو لسَدِّ واحد مَسَدَّهم، ويُعاملُ بذلك ضميرُ الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التفضيل كثيرا، ودونه قليلا. ش: إتيان ضمير الغائبين كضمير الغائبة كقوله تعالى (وإذا الرُّسلُ أُقتت) وكقول الراجز: قد علمتْ والدَتِي ما ضَمَّت ... إذا الكماةُ بالكماةِ التفَّت فهذا كثير، بخلاف إتيانه كضمير الغائب فإنه قليل، ومنه قول الشاعر: وإنّي رأيتُ الصّامِرِين متاعَهم ... يموتُ ويَفْنَى فارْضَخِي من وِعائِيا أراد يموتون، فأفرد، كأنه قال: يموت مَنْ ثَمَّ، أو مَنْ ذكرت، وعلى ذلك يحمل قول الآخر: تَعَفَّقَ بالأرْطى لها وأرادها ... رِجالٌ فبذَّتْ نَبْلُهم وكَليبُ أي تعفق بالأرطى رجال، وأرادها جمعهم، فبهذا التوحيد يصعب الانتصار للكسائي بهذا البيت في حذف الفاعل، وللفراء نسبة العمل إلى العاملين، وقد أجاز سيبويه

стр. 127

أن يقال: ضربت وضربني قومَك، أراد: وضربوني، فأفرد على تقدير: وضربني مَنْ ثم، وأنشد أبو الحسن: وبالبدو منا أسرةٌ يحفظوننا ... سراع إلى الداعي عظام كرا كره فأفرد ضمير الأسرة، لأنهم نسب إليهم الحفظ، فصح تأولهم بحصن أو ملجأ، فجاء بالضمير على وفق ذلك، فكأنه قال: أسرة هم بحفظهم إيانا ملجأ عظيم كراكره. ومن كلام العرب: هو أحسن الفِتْيان وأجمله، لأنه بمعنى أحسن فتى، فأفرد الضمير حملا على المعنى. وإلى نحو هذا أشرت بقولي "أو لسَدِّ واحد مسدهم" ومثل هذا قوله تعالى (وإنَّ لكم في الأنعام لعِبرةً نُسْقِيكم مما في بطونه) وقال الراجز: وطابَ ألبانُ اللِّقاح وبَرَد لأنّ النَّعمَ واللبَن يَسُدَّان مسد الأنعام والألبان. ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التفضيل كثيرا، مثال ذلك في ضمير الاثنين قول الشاعر: وميَّةُ أحْسَنُ الثَّقَلَين جيدا ... وسالِفَةً وأحسَنُه قَذالا وقال الآخر:

стр. 128

شرَّ يومَيْها وأغواه لها ... ركبَتْ عَنْزٌ بِحدْجٍ جَمَلا ومثال ذلك في ضمير الإناث (خيرُ النّساء صَوالحُ نساءِ قريش، أحْناه على ولد في صِغَره، وأرْعاه على زوجٍ في ذات يده) كأنه قال ﷺ : أحق هذا الضرب، أو أحنى مَنْ ذكرت. فهذا بعد أفعل التفضيل وهو كثير. ومثال ذلك دون أفعل التفضيل قول الشاعر: أخُو الذَّئبِ يَعْوِي والغُرابِ ومَنْ يكن ... شَرِيكَيْه تَطْمَعْ نفسُه كُلَّ مَطْمَع أي ومن يكن الذئب والغراب شريكه، فأفرد الضمير مؤولا، كأنه قال: ومن يكن هذا النوع، أو ومن يكن مَنْ ذكرت، وإلى هذا أشرت بقولي (ودونه قليلا). ص: ولجمع الغائب غيرِ العاقل ما للغائبة أو الغائباتِ، و"فَعَلَتْ" ونحوُه أولى من "فَعَلْنَ" ونحوِه بأكثر جمعِه وأقله، والعاقلات مطلقا بالعكس. وقد يُوقِعُ "فَعَلْنَ" موقع "فعلوا" طَلبُ التشاكل، كما قد يُسَوِّغُ لكلماتٍ غيرَ مالها من حُكم ووزن. ش: إعطاء جمع الغائب غير العاقل ما للغائبة نحو قوله تعالى (وإذا الكواكبُ انْتَثرت) وإعطاؤه ما للغائبات كقوله تعالى (فأبَيْنَ أن يحملْنَها وأشْفَقْن منها) إلا أن الأكثر في الاستعمال أن يعطى الكثرة ما للغائبة، والقلة ما للغائبات، كقولهم: الجذوع انكسرت، والأجذاع انكسرن. قال تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشرَ شهرًا في كتاب الله يومَ خَلق السموات والأرض

стр. 129

منها أربعةٌ حُرُم، ذلك الدين القَيِّمُ فلا تظلموا فيهن أنفسَكم) فمنها عائد على "اثنا عشر" و"فيهن" على أربعة. وهذا إنما هو في غير العاقلات، وأما العاقلات "ففَعَلن" وشبْهه أولى من "فعلت" وشبهه، كقوله تعالى (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) وكقوله ﷺ "استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهُن عوانٍ بينكم"، ولو قيل في الكلام موضع (فعلن في أنفسهن) فعلت في أنفسها، وموضع (فإنهن عوان) فإنها عوان لجاز، كقوله تعالى (ولهم فيها أزواج مطهرة) فهذا على طهُرتْ، ولو كان على طهرن لقيل مطهرات. ومن استعمال فَعَلتْ في ضمير العاقلات قول الشاعر: وإذا العَذارَى بالدُّخانِ تَلفَّعت ... واستعجلت نَصْب القدروو فملَّت دَرَّتَ بأرزاقِ العُفاة مَغالِقٌ ... بيدَيَّ من قَمَعِ العِشار الجِلَّة وقال آخر: ولوْ أنّ ما في بَطنِه بَيْن نِسوَة ... حَبِلْن وما كانت قَواعِد عُقَّرا وفي بعض الأحاديث المأثورة (اللهم ربَّ السموات وما أظللن، ورب الأرَضَين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضْللنَ) أراد: ومن أضَلوا، لكن إرادة التشاكل حملت على إيقاع النون موقع الواو. كما حملت على الخروج من حكم التصحيح إلى حكم الإعلال في قوله ﷺ "لا دَريت ولا تلَيت" وإنما بابه

стр. 130

تلوت. ومن حكم الإدغام إلى حكم الفك في قوله ﷺ "أيتكن صاحبة الجَمل الأدْبَب تَنْبحها كلاب الحوْأب" وإنما بابه الأدَبّ. وكما حملت على الخروج من وزن الكلمة إلى غيره، كقول العرب: أخذه ما قَدُم وما حدُث، وهَنَاه ومرَأه، وفعلته على ما يسُوءُك وينُوءُك. ولا يقولون في الإفراد إلا: حدَث، وأمرأه، وأناءهُ يُنِيئُه. وهذا ونحوه المراد بقولي (كما قد يسَوِّغ لكلمات غيرَ مالها من حكْم ووزن). ص: ومن البارز المتصل في الجرّ والنصب "ياء" للمتكلم، و"كاف" مفتوحة للمخاطب ومكسورة للمخاطبة، و"ها" للغائبة و"هاء" مضمومة للغائب، وإن ولِيَتْ ياءً ساكنةً أو كسرةً كسَرها غيرُ الحجازيين، وتُشْبَع، حرّكتها بعد مُتحرّك، ويختار الاختلاسُ بعد ساكن مطلقا وفاقا لأبي العباس، وقد تُسَكَّنُ أو تُخْتَلَس الحركة بعد مُتحرّك عند بني عُقَيل وكلابٍ اختيارا، وعند غيرهم اضطرارا، وإن فَصَل المتحركَ في الأصل ساكنٌ حذِفَ جَزْمًا أو وقْفًا جازت فيه الأوجه الثلاثةُ. ش: البارز خلاف المستكن، والمتصل خلاف المنفصل، وإضافة الياء إلى المتكلم لئلا يذهب الوهم إلى ياء المخاطبة. ولما كان سبب وضع الضمائر طلبَ الاختصار ناسب ذلك أن يُشْرَكَ بين الجر والنصب في الضمائر التي منها ياء المتكلم وكاف المخاطب والمخاطبة وها الغائبة وهاء الغائب وما يتفرع من ذلك، وسيأتي الجميعُ مبَيَّنا إن شاء الله تعالى. والمفْتَقَرُ إليه الآن مثُلٌ يستأنس بذكرها، فمثال ذلك في الياء (ربِّي أكْرَمَني) ومثاله في الكاف (ما ودّعك ربُّك) ومثاله في ها الغائبة (وتقْواها* قد أفلح من زكّاها) ومثاله في هاء الغائب (فقال لصاحبه وهو يُحاورُه).

стр. 131

ولغة الحجازيين في هاء الغائب الضم مطلقا، وهو الأصل، فيقولون: ضرته، ومررت بهُ، ونظرت إليهُ. ولغة غيرهم الكسر بعد الكسرة أو الياء الساكنة إتباعا، وبلغة غيرهم قرأ القرّاء إلا حَفْصًا في (وما أنْسانِيهِ إلا الشيطان) و (بما عاهد عليهِ الله) وحمزة في (لأهلِه امْكثوا) في الموضعين، فإنهما قرآن بالضم على لغة الحجازيين. وما ذكر من إشباع حركة الغائب فهو الأصل، إلا أنّ اللافظ بذلك بعد ساكن كالجامع بين ساكنين، فلذلك كثر اختلاس الضمة والكسرة في نحو: منه، وتأتيه، ونَرْجوه. ورجح سيبويه الإشباع إذا لم يكن الساكن حرف لين، ورَدَّ ذلك أبو العباس ويَعْضده السماع الشائع. ومن العرب من يكسر هاء الغائب بعد كسرة مفصولة بساكن، ومنه (أرْجِئه وأخاه) في قراءة ابن ذكوان. وأما اختلاس الضمة والكسرة بعد متحرك فلغة رواها الكسائي عن بني عقيل وبني كلاب، وبهذه اللغة قرأ أبو جعفر "له وبه" وما أشبههما، قال الكسائي: سمعت أعراب عقيل وكلاب يقولون (إن الإنسانَ لربه لكَنود) بالجزم، و "لربه لكنود" بغير تمامن ولهْ مال وله مال. وغير بني عقيل وبني كلاب لا يوجد في كلامهم اختلاس ولا سكون في "له" وشبهه إلا في ضرورة كقول الشاعر وهو الشماخ: لَهُ زَجَل كأنَّهْ صَوْتُ حادٍ ... إذا طلبَ الوسيقةَ أو زميرُ وقال آخر:

стр. 132

وأشربُ الماءَ ما بي نحوَه عَطَش ... إلاّ لأنّ عُيُونَهْ سَيْلُ واديها فإن فَصَل المتحرك في الأصل ساكنٌ حذف جزما أو وقفًا جاز في الهاء التحريك مع الإشباع، والتحريك مع الاختلاس، والتسكين نحو قوله تعالى (وإن تشكروا يَرْضَه لكم) فمن أشبع نظر إلى اللفظ، ولأن الهاء متصلة بحركة، ومن اختلس استصحب ما كان للهاء قبل أن يحذف الألف لأن حذفها عارض، والعارض لا يعْتَد به غالبا. ومن سَكن نظر إلى أن الهاء قد وقعت موقع المحذوف الذي كان حقه، لو لم يكن حرف علة، أن يسَكَّن، فأعطيت الهاء ما يستحقه المحل من السكون. وهذه الأوجه الثلاثة المشار إليها. ص: ويَلي الكاف والهاءَ في التثنية والجمع ما وَلِيَ التاءَ، وربما كسِرت الكاف فيهما بعد ياء ساكنة أو كسرة. وكسْر ميم الجمع بعد الهاء المكسورة باختلاس قبل ساكنٍ وبإشباع دونه أقْيَسُ، وضمُّها قبل ساكنٍ وإسكانها قبل متحرك أشهر، وربما كُسِرَتْ قبل ساكنٍ مطلقا. ش: قد تقدم أن "تاء" الضمير تُوصَلُ مضمومة بميم وألف للمخاطَبَيْن والمخاطَبَتَيْن، وبميم مضمومة ممدودة للمخاطَبِين، وبنون مشددة للمخاطبات. وأنّ تسكين ميم الجمع إنْ لم يلها ضمير متصل أعرف، وإن وَليَها لم يجز التسكين خلافًا ليونس. فإلى جميع ذلك أشرت بقولي "ويلي الكافَ والهاء في التثنية والجمع ما ولى التاء" فكما قيل: فعلتُما، وفعلتُم، وفَعلْتن، يقال: إنّكما معهما، وإنّكم معهم، وإنَّكنّ معهن. ومَنْ كَسَرَ هاءَ المفرد إتْباعا للكسرة والياء الساكنة كَسَر هاء التثنية والجمع، ومن لم يكسر لم يكسر. وبعض العرب يكسر كاف التثنية والجمع بعد كسرة أو

стр. 133

ياء ساكنة إلحاقًا بالهاء نحو: مررتُ بِكِما وبِكِم وبِكِن، ورغبت فيكِما وفيكِم وفيكِنّ قال الشاعر: وإن قال موْلاهم على كلِّ حادثٍ ... من الدَّهرِ رُدُّوا بعضَ أحلامِكِم رَدُّوا كذا روى هذا البيت بكسر كاف أحلامكم على هذه اللغة. وكسر ميم الجمع بعد كسر الهاء أقيس من ضمها، لأن الخروج من الكسر إلى الضم ثقيل، وضمُّها قبل ساكن نحو (بهمُ الأسباب) أشهر، ولذلك قرأ به أكثر القراء، وقد تكسر الميم قبل ساكن وإن لم يكن قبلها كسرةٌ ولا ياءٌ ساكنة، نحو قوله: فَهُمُ بطانَتُهُم وَهم وزراؤهم ... وهمِ القضاةُ ومِنهمِ الحُكّامُ ومثله قول الآخر: ألا أن أصحابَ الكُنَيْفِ قصدتهم ... همِ الناسُ لما أخْصبُوا وتموَّلوا كذا أنشده ابن جني في المحتسب بكسر ميم "همِ القضاة" و"همِ الناس". ص: تَلْحَقُ قبل ياءِ المتكلم إن نُصِبَ بغيرِ صفةٍ، أو جُرَّ بمن أو عَنْ أو قد أو قطْ أو بَجَل أو لَدُن، نونٌ مكسورةٌ للوقاية، وحذفُها مع لَدُن وأخوات ليت جائز، وهو مع بَجَل ولعلّ أعرفُ من الثبوت، ومع ليس وليت ومِن وعَن وقط بالعكس.

стр. 134

وقد تلحق مع اسم الفاعل، وأفعل التفضيل، وهي الباقية في: فَلَيْنى، لا الأولى وفاقا لسيبويه. ش: تقدم في ذكر علامات الفعل أن هذه النون تصحب ياء المتكلم على سبيل اللزوم إذا عمل فيها فعل ماض كأكْرَمَني، أو مضارع كيكرمني، أو أمر كأكرِمْنِي. وينبغي الآن أن تعلم أنّ فعل الأمر أحق بها من غيره، لأنه لو اتصل بياء المتكلم دونها لزم محذوران: أحدهما التباس ياء المتكلم بياء المخاطبة. والثاني: التباس أمر المذكر بأمر المؤنثة. فبهذه النون تُوقِّي هذان المحذوران فسميت نون الوقاية لذلك، لا لأنها وقت الفعل من الكسر، إذ الكسر يلحق الفعل مع ياء المخاطبة لحاقا هو أثبت من لحاق الكسر لأجل ياء المتكلم، لأن ياء المتلكم فضلة فهي في تقدير الانفصال، بخلاف ياء المخاطبة لأنها عمدة، ولأن ياء المتكلم قد تغني عنها الكسرة التي قبلها، ثم يوقف على المكسور بالسكون نحو (فيقول ربي أكرمنْ) وياء المخاطبة لا يعرض لها ذلك. فلما صحبت النون الياء مع فعل الأمر صحبتها مع أخويه ومع اسم الفعل وجوبا، ليدل لحاقها على نصب الياء. ولحقت إنّ وأخواتها جوازا لشبهها بالأفعال. ولو جعل لحاقها مع المضارع أصلا لم يمتنع، لأنها صانتة من خفاء الإعراب وتَوَهُّم صيرورته مبنيا، فاحتُرِز بالنون من ذلك، كما احترز منه حين اتصل بالمضارع ألف الضمير وواوه وياؤه فجيء بالنون بعدهن نائبة عن الضمة، ولم يحتج إلى ذلك في نحو: غلامي، بل اكتفى بتقدير الإعراب لأصالته فيه، فلا يذهب الوهم إلى زواله دون سبب جلي، ثم صارت النون أولى بالياء من غيرها ? إذا عرض سبب كالمحافظة على بقاء سكون- من وأخواتها. وقد يؤيَّدُ اعتبارُ وقاية الفعل من الكسر بأن الكسر الذي وقى الفعل إنما هو كسر يلحق الاسم مثلُه، وهو كسر ما قبل ياء المتكلم، لا كسر ما قبل ياء المخاطبة فإنه خاص بالفعل، فلا حاجة إلى صون الفعل منه، وهذا فرق حسن، لكنه مرتب على ما لا أثر له في المعنى، بخلاف الذي اعتبرته فإنه مرتب على صون من خلل ولبس فكان أولى.

стр. 135

ولما كان للأمر والمضارع المستقبل الأصالة في لحاق النون لم يمنع عدم التصرف من وجوب اتصالها "بِهَبْ" أخت "ظن"، لأمريَّتها، ولا من وجوب اتصالها "بعسى" للزوم استقبال مصحوبها، ولقولهم في التعجب: أعْسِ به، ولفظه لفظ الأمر، وكذا فعل التعجب لم يمنع من وجوب اتصاله بالنون المشار إليها عدمُ تصرفه لعروضه، ولكون أحد مثاليه بلفظ الأمر. ولما عدمت "ليس" التصرف، ولزوم الاستقبال، ولم يكن لها في الأمرية نصيب، كمثل ما كان لعسى وفعل التعجب مع شبه لفظها بلفظ ليت، عوملت معاملة ليت في لحاق النون، فقيل: ليتني، كقول بعض العرب: عليه رجلا ليسنى. ولم يرد ليتي وليسي إلا في نظم قال زيد الخيل: كمُنْيَةِ جابِرٍ إذ قال لَيْتِي ... أصَادفُه ويتلفَ بعضُ مالي وقال الراجز: عددتُ قومي كعَديد الطَّيْس ... إذ ذَهَب القومُ الكرامُ ليسي ولحاق النون مع لدن أكثر من عدم لحاقها، وزعم سيبويه أن عدم لحاقها من الضرورات وليس كذلك، بل هو جائز في الكلام الفصيح، ومن ذلك قراءة نافع (من لدُنِي عُذرا) بتخفيف النون وضم الدال، ولا يجوز أن تكون نون لدني نون الوقاية، ويكون الاسم لدُ، لأن لد متحرك الآخر، والنون في لدن وأخواته إنما جيء بها لتصون أواخرها عن زوال السكون، فلا حظ فيها لما آخره متحرك، وإنما يقال في "لَدُ" مضافا إلى الياء "لِدى" نص على ذلك سيبويه. وقرأ أبو بكر مثل نافع، إلا أنه أشم الدال ضما، وقرأ الباقون بضم الدال وتشديد النون، مُدْغمين نون لدن في نون الوقاية. وكان مقتضى الدليل استواء "ليت" وأخواتها في لحاق النون لشبهها بالأفعال

стр. 136

المتعدية، لكن استثقل لحاقها بأواخر غير ليت لأجل التضعيف، فحسن حذفها تخفيفا، وثبوتها للشبه المذكور، ولم يكن في ليت معارض للشبه فلزمها ثبوتُها في غير ندور. ولما نقص شبه لعل بالفعل من أجل أنها تُعَلِّقُ في الغالب ما قبلها بما بعدها، ومن أجل أنها تجُر على لغة، ضعف وجوب لحاق النون المذكورة بها، فكثر "لَعَلِّي" كقوله تعالى (لعلي أبلغ الأسباب) و (لعلي أرجع إلى الناس) وقلَّ لعلني ومنه قول الشاعر: فقلت أعِيراني القَدُومَ لعلني ... أخُطُّ بها قَبْرا لأبيض ماجد والضمير من قولي "وهو مع بجل ولعل أعرف" عائد إلى الحذف، أي قول العرب: بَجَلي ولعلِّي أعرف من قولهم: لعلني وبجلني، ومعنى "بجل" حسب، وكذلك معنى "قد وقط" ومن قال: بجلي وقدي وقضي بلا نون شبهها بحسب، إلا أن بجل أشبه به لأنه ثلاثي مثله، ولمساواته في اشتقاق فعل منه إذا قيل: أبجله وأحسبه، بمعنى كفاه، فلذلك فاق عدمُ النون مع بجل ثبوتها، بخلاف قد وقط، وفي الحديث "قط قط بعزتك وكرمك" يروى بسكون الطاء وكسرها، مع ياء ودون ياء، وقطني بنون الوقاية، وقطٍ بالتنوين، وبالنون أشهر، قال الراجز: امْتَلأ الحوضُ وقال قَطْنِي ... مَهْلاً رُوَيْدًا قدْ ملَأتَ بطني وقال آخر في قدنى وقدى: قَدْنى مِنْ نصرِ الخُبَيبَيْنِ قدى

стр. 137

وقال الشاعر في الحذف مع عن ومن: أيُّها السائلُ عَنْهم وعني ... لستُ من قيس ولا قيسُ مني وحكى سيبويه: عليكني، وعليك بي. وسمع الفراء بني سليم تقول: مكاني، يريد: انتظرني في مكانك. وإذا أعملت رويد في الياء قلت: رويدني، أي أمهلني. وكذلك تفعل بكل معتد من أسماء الأفعال. ومثال لحاقها الصفة قول الشاعر، أنشده الفراء: وما أدْري وَظني كلُّ ظن ... أمُسْلمُنِي إلى قومِي شَرّاح وأنشد ابن طاهر في تعليقه على كتاب سيبويه: وليس بمُعْيِيني وفي الناس مَمْتَع ... صديقٌ إذا أَعيا عَلَيّ صديقُ وأنشد غيرهما: وليس المُوافِيني ليُرفَدَ خائبا ... فإنّ له أضعافَ ما كان أَمَّلا ومعييني والموافيني يرفعان تَوَهُّم كون نون مسلمني تنوينا، لأن ياء المنقوص المنون لا ترد عند تحريك التنوين لملاقاة ساكن نحو: أغادٍ ابنُك أم رائح؟ وياء معييني الثانية ثابتة في: وليس بمعييني، فعلم أن النون الذي وليه ليس تنوينا وإنما هو نون

стр. 138

الوقاية، ولذلك ثبت مع الألف واللام في الموافيني. وأيضا فإن التنوين إذا اتصل بما معه كشيء واحد حذف تنوينه نحو: وابن زيدَاه، ولا يقال: وابن زيدَناه فتحرك التنوين، بل تحذف، لأن زيادة المندوب للندبة كشيء واحد. وكذا ياء المتكلم مع متلوها كشيء واحد، ولذا كسر ما قبلها كما كسر ما قبل ياء النسب. وأجاز الكوفيون تحريك التنوين لأجل ألف الندبة في نحو: وابن زيدناه. وأيضًا فمقتضى الدليل مصاحبة النون الياء مع الأسماء المعربة لتقيها خفي الإعراب، فلما منعوها ذلك كان كأصل متروك فنبهوا عليه في بعض أسماء الفاعلين كما مضى من: أمسلمني، ومعييني، والموافيني. ومن ذلك قراءة بعض القراء (هل أنتم مُطْلِعُون) بتخفيف الطاء وكسر النون. وفي البخاري أن النبي ﷺ قال لليهود "هل أنتم صادقوني" كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ المعتمد عليها. ولما كان لأفعل التفضيل شبه بالفعل معنى ووزنًا، وخصوصًا بفعل التعجب اتصلت به النون المذكورة في قول النبي ﷺ "غيرُ الدّجّال أخوفني عليكم" والأصل: أخوف مخوفاتي عليكم، فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه، فاتصل أخوف بالياء معمودة بالنون كما فعل بأسماء الفاعلين المذكورة، وأخوف على هذا الوجه مصوغ من فعل المفعول كقولهم: أشْغَلُ من ذات النِّحْيَيْن، وأزْهى من دِيك. وكقوله ﷺ "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون" ويمكن أن يكون من "أخاف" فإنَّ صَوْغَ أفعل التفضيل وفعل التعجب من فِعْلٍ على أفْعَل مطرد عند سيبويه، فيكون المعنى على هذا: غير الدجال أشد إليَّ إخافة عليكم من الدَّجال. ويجوز أن يكون من باب وصف المعاني على سبيل المبالغة بما يوصف به الأعيان، فيقال: شِعْرٌ شاعرٌ، وخَوْفٌ خائفٌ، ومَوْت مائت، وعَجَبٌ عاجب، ثم يصاغ أفعل باعتبار ذلك المعنى فيقال: شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفك، ومنه قوله ﷺ " أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد".

стр. 139

ألا كُلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ ومنه قول الشاعر: يداك يدٌ خيرُها يُرتَجى ... وأخْرَى لأعدائِها غائِظه فأمّا التي خيرُها يُرتجى .. فأجودُ جودًا منَ اللافِظه وأمّا التي يُتَّقى شرُّها ... فَنَفْسُ العدُوِّ بها فائظَه وتقديره الحديث مسلوكا به هذا السبيل: خوفُ غير الدجالِ أخوفُ خَوْفي عليكم، فحذف المضاف إلى غير وأقيم غير مقامه، وحذف المضاف إلى الياء وأقيمت الياء مقامه فاتصل أخوف بالياء معمودة بالنون على ما تقرر. ولما كان للفعل بهذه النون صون ووقاية مما ذكر حوفظ على بقائها مطلقا إذا لَقِيها مثلها ودعت الحاجة إلى حذف، فهي الباقية عند سيبويه في قول الشاعر: تَراه كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكا ... يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي أراد: إذا فلينني، فحذف الأولى وبقيت الثانية. كما أنها هي الباقية في (أفغَير الله تأمروني) وقد تقدم الكلام على ذلك. فصل: ص: من المُضَمَرِ مُنْفَصِل في الرفع، للمتكلم منه أنا، محذوف الألف في وصل عند غير تميم، وقد يقال هَنا، وأنَ وآنَ، ويتلوه في الخطاب "تاء" حرفية كالاسمية لفظا وتصرفا، ولفاعل نفعل "نحن" وللغيبة "هو" و"هي" و"هم" و"هن" ولميم الجمع في الانفصال ما لها في الاتصال. ش: زعم الأكثرون أن ألف "نا" زائدة للوقف كزيادة هاء السكت، وأيدوا

стр. 140

ذلك بأن الهاء تعاقبها، كقول حاتم، هذا فزدى أنه، والصحيح أنا (أنا) بثبوت الألف وقفا ووصلا هو الأصل، وهي لغة بني تميم، وبذلك قرأ نافع قبل همزة قطع (كأنا أحيي) و (إن ترن أنا أقل) وقرأ بها أيضا ابن عامر في قوله تعالى (لكنا هو الله ربي) والأصل: لكن أنا، ثم نقلت حركة الهمزة إلى النون، وأدغمت النون في النون. ولمراعاة الأصل كان نون أنا مفتوحا في لغة من لفظ به دون ألف وجعل الفتحة دليلا عليها، كما أنّ من حذف ألف "أما" في الاستفتاح قال: أمَ والله. ولو كان وضع أنا في الأصل من همزة ونون فحسب لكانت النون ساكنة، لأنها آخر مبني بناء لازما، وقبلها حركة، وما كان هكذا فحقه السكون كمن وعن وأن ولن، ولو حرك على سبيل الشذوذ لم يعبأ بحركته حيث يلزم صونها في الوقف بزيادة ألف أو هاء سكت، فإذا قيل: إن الألف أصل وحذفها عارض، وأبقيت الفتحة دليلا عليها، سلم من مخالفة النظير وتكلف التقدير، لكون "أنا" في تخفيفه بحذف ألفه وبقاء الفتحة دليلا مُذَكِّرا بِرَدِّ ما يوقف عليه، نظير "أما" حين قيل: "أمَ والله، ونظير "ما" الاستفهامية إذا حذف ألفها في الجر فقيل: لِمَ فعلت؟ وفي قول من قال في: أنا فعلت: أنْ فعلت من الشذوذ ما في قول من قال: لِمْ فعلت؟ كما قال الشاعر: يا أسَدِيًّا لِمْ أكلتَه لِمَه ... لو خافك اللهُ عليه حرّمه ومن قال: آنَ فعلت بالمد، فإنه قلب أنا كما قال بعض العرب في رأى راء،

стр. 141

ومنه قول الشاعر: وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائل ... منَ اجْلك هذا هامةُ اليومِ أو غد ولا ينبغي أن يكون آن بالمد من الإشباع، لأن الإشباع لا يكون غالبا إلا في الضرورة. وأما من قال: هَنا فعلت، فمن إبدال الهمزة هاء، وهو كثير، وعكسه قليل. ويلتزم في الخطاب حذف الألف والتسكين، لأن الحاجة إلى تخفيف المركب أشد من الحاجة إلى تخفيف المفرد. وفاعل نفعل هو المتكلم العظيم أو المشارك، وقد تقدم بيان ما لميم الجمع من هيأتها حال التلفظ بها، فأغنى عن إعادته الإحالة عليه. ص: وتسكينُ هاء "هو" و"هي" بعد الواو والفاء والام وثمَّ جائزٌ، وقد تسَكَّنُ بعد همزة الاستفهام، وكافِ الجَرِّ، وتحذف الواو والياء اضطرارا، وتُسَكِنهما قيس وأسد، وتُشَدِّدهما هَمْدان. ش: في هو وهي مخالفة للنظائر من وجهين: أحدهما بناؤهما على حركة بعد حركة، وإنما يكون ذلك فيما بناؤه عارض كالمنادى واسم لا، أو فيما حذف منه حرف كأنا. والثاني سكون أولهما بعد الحروف المذكورة. فأما سبب بنائهما على حركة فقصد امتيازهما من ضمير الغائب المتصل، فإنه في اللفظ هاء مضمومة وواو ساكنة، أو هاء مكسورة وياء ساكنة، فلو سكن آخر هو وهِي لالتبس المنفصل بالمتصل، ولم يبال بذلك قيس وأسد حين قالوا: هُو قائم، وهي قائمة، لأن موضع المنفصل في الغالب يدل عليه فيؤمن التباسه بالمتصل. وإما قلت في الغالب، لأن من المواضع ما يصلح للمتصل والمنفصل نحو: من أعطيته زيد، ومن لم أعطه منه هند، فيجوز أن يراد بالضميرين الاتصال فيكونا مفعولين، وأن يراد بهما الانفصال على لغة قيس وأسد فيكونا مبتدأين، والعائد محذوف،

стр. 142

والأصل: من أعطيته هو زيد، ومن لم أعطها هي هند، ثم حذف العائدان لمفعوليتهما واتصالهما، وأسكن آخر هو وهي فأشبها متصلين. ويجوز أن يكون الأصل: هُوّ وهِيّ كما يقول همدان، ثم خففا وتركت الحركة مشعرة بالأصل. وأما تسكين الهاء ففرارا من مخالفة النظائر، وذلك لأنه ليس في الكلمات ما هو على حرفين متحركين ثانيهما حرف لين غيرهما، فقصد تسكين أحدهما، فكان ثانيهما أولى، إلا أنه لو سُكِّنَ وُقِعَ بتسكينه في التباس المنفصل بالمتصل، فعُدِل إلى تسكين الأول من الحروف المذكورة لأنها كثيرة الاستعمال، وبمنزلة الجزء مما يدخل عليه، أعني الواو والفاء واللام، وألحقت بها ثم. وبمقتضى ذلك قرأ قالون والكسائي ووافقهما أبو عمرو مع غير ثم، ولم يجئ السكون مع الهمزة والكاف إلا في الشعر، فمن ذلك قول الشاعر: فقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتاعا وأرَّقني ... فقلتُ أهْيَ سَرَت أم عادني حُلُم وقال آخر: وقالوا اسْلُ عن سَلْمَى برؤية شبهها ... من النَّيِّرات الزُّهر والعين كالدُّمى وقد علموا ما هُنَّ كهْيَ فكيف لي ... سُلُوٌّ ولا أنفَكُّ صَبّا مُتَيَّما ومثال حذف الواو والياء اضطرارا قول الشاعر: بَيْناهُ في دار صدق قد أقام بها ... حينا يُعَللنا وما نُعَلله وقال آخر في حذف ياء هي: سالمتُ من أجلِ سلمى قومها وهم ... عِدًى ولولاهِ كانوا في الفلا رِمما

стр. 143

ومثال تسكين الواو والياء على لغة قيس قول الشاعر: ورَكْضُكَ لولا هُو لقيتَ الذي لَقُوا ... فأصبحتَ قد جاوزت قومًا أعاديا وقال الآخر: إنَّ سَلمى هي التي لو تراءت ... حَبَّذا هي من خُلَّة لو تُخالى كأنه أراد تخالل، فأبدل لاياء من أحد حرفي التضعيف. ومثال التشديد على لغة هَمْدان قول الشاعر: وإنّ لساني شُهدةٌ يُشتَفى بها ... وهُوَّ على من صبّه الله عَلقَمُ وقال آخر في تشديد ياء هي: والنَّفْس إنْ دُعِيَتْ بالعُنْفِ آبيةٌ ... وهِيَّ ما أُمِرَتْ باللطفِ تَأتمر ص: ومن المُضْمَرات "إيّا" خلافا للزَّجَّاج، وهو في النصب كأنا في الرفع، لكن يليه دليل ما يُراد به من متكلم أو غيره، اسما مضافًا إليه وفاقا للخليل والأخفش والمازني، لا حرفًا خلافًا لسيبويه ومن وافقه، ويقال: إيّاكَ وأيّاك وهِيّاك وهَياك. ش:"إيَّا" ضمير لا ظاهر خلافا للزجاج أبي إسحق، والدليل على أنه ضمير أنه يخلف ضمير النصب المتصل عند تعذره، لتقديم على العامل نحو: إياك أكرمت، أو لإضماره نحو: إياك والأسدَ، أو لانفصاله بحصر أو غيرها نحو: ما أكْرِمُ إلا إياك،

стр. 144

وأكرمتُه وإياك، فَخَلَفَهُ كما يخلف ضمير الرفع المنفصل ضمير الرفع المتصل عند تعذره، فنسبة المنفصلين من المتصلين نسبة واحدة. ولأن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره منفصلٌ، فثبوت ذلك لضمير النصب أولى، إذ لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه، ولأن "إيا" لا تقع دون ندور في موضع رفع، وكل اسم لا يقع في موضع رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى، ومُبايَنَةُ "إيّا" لغير المضمر متيقنة، فتعيَّن كونه مضمرا. ولأن "إيا" لو كان ظاهرا لكان تأخره عن العامل واتصاله به جائزا بل راجحا على انفصاله عنه وتقدمه عليه كحال غيره من المنصوبات الظاهرة. والأمر بخلاف ذلك، فامتنع كونه ظاهرا ولزم كونه ضميرا، لكنه وضع بلفظ واحد، فافتقر إلى وصله بما يبين المراد به من الكاف وأخواتها، وهي ضمائر مجرورة بالإضافة لا حروف. هذا هو مذهب الخليل والأخفش والمازني وهو الصحيح، لأن فيه سلامة من ستة أوجه مخالفة للأصل: أحدها: أن الكاف في "إياك" لو كانت حرفا كما هي في "ذلك" لاستعملت على وجهين: مجردة من لام، وتالية لها، كما استعملت مع "ذا" و"هُنا" ولحاقها مع "إيا" أولى لأنها ترفع توهم الإضافة، فإن ذهاب الوهم إليها مع "إيا" أمكن منه مع "ذا" لأن "إيا" قد يليها غير الكاف، ولذا لم يختلف في حرفية كاف "ذلك" بخلاف كاف "إياك". الثاني: أنها لو كانت حرفا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز تجريدها مع "ذا" كقوله تعالى (فما جزاءُ من يفعلُ ذلك منكم) و (ذلك خير لكم وأطهر). الثالث: أنه لو كانت اللواحق "بإيا" حروفا لم يحتج إلى الياء في "إياي" كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في "أنا". الرابع: أن غير الكاف من لواحق "إيا" مجمع على اسميته مع غير "إيا" مختلف

стр. 145

في اسميته معها، فلا يترك ما أجمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها ليجرى الجميع على سنن واحد. الخامس: أن الأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ واحد، وفي القول باسمية اللواحق سلامة من ذلك، فوجب المصير إليه. السادس: أن هذه اللواحق لو لم تكن أسماءً مجرورةَ المحل لم يلحقها اسم مجرور بالإضافة فيما رواه الخليل من قول العرب: إذا بَلَغَ الرجلُ الستين فإياه وإيا الشَّوابِّ، وروى: فإياه وإيا السَّوْءاتِ. وهذا مستند قوي، لأنه منقول بنقل العدل بعبارتين صحيحتي المعنى، ثم إن هذا الكلام يتضمن وعظا وترغيبا لمن بلغ الستين في ذكر الموت والإعراض عن الفتنة بالنساء الشواب فإنهن يلهينه ويعجز عما يبغينه، ومن رواه بالسِّين والتاء فقد أصاب أيضا، ومعناه النهي عن القبائح، فإن اجتنابها مأمور به عموما، والشيخ باجتنابها أحق لأن صدورها منه أقبح. فإن قيل: هذه الوجوه مؤدية إلى إضافة (إيا) وهي ممتنعة من وجهين: أحدهما: أن "إيا" لو كان مضافا لم تخل إضافته من قصد تخفيف أو تخصيص فقصد التخفيف ممتنع لأنه مخصوص بالأسماء العاملة عمل الأفعال، وإيا ليس منها وقصد التخصيص ممتنع أيضا لأن "إيا" أحد الضمائر، وهي أعرف المعارف، فلا حاجة بها إلى تخصيص. الثاني: أن "إيا" لو كان مضافا لكانت إضافته إضافة شيء إلى نفسه وهي ممتنعة. فالجواب أن يقال: أما إضافة التخفيف فمسلم امتناعها من "إيا" وأما إضافة التخصيص فغير ممتنعة، فإنها تصير المضاف معرفة إن كان قبلها نكرة، وإلا ازداد بها وضوحًا كما يزداد بالصفة كقول الشاعر:
следующие страницы →