← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فيا ربّ ليلى أنتَ في كلِّ موِطِن ... وأنتَ الذي في رحمةِ الله أطمع أراد: وأنت الذي في رحمته، فاستغنى بالظاهر عن الضمير، ومثله: إن جُملَ التي شغفت بجمل .. ففؤادي وإن نأت غيرُ سال ومثله: سعادُ التي أضناكَ حبُّ سعادا ... وإعراضُها عنك استمر وزادا أراد سعاد التي أضناك حبها، فاستغنى بظاهر سعاد عن ضميرها، ومن هذا القبيل: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري. ومثل هذا في الصلة نادر، وإنما يكثر الاستغناء بالظاهر عن المضمر في الإخبار، وله موضع يأتي إن شاء الله تعالى. فصل: ص: "مَنْ وما" في اللفظ مفردان مُذَكَّران، فإن عُنِي بهما غير ذلك فمراعاةُ اللفظ فيما اتصل بهما وبما أشْبَههُما أولى، ما لم يَعْضُد المعنى سابقٌ فيُخْتارُ مراعاتُه، أو يلزم بمراعاة اللفظ لَبْسٌ أو قُبْح فيجب مراعاة المعنى مطلقا، خلافا لابن السَّرَّاج في نحو: مَنْ هي مُحْسِنةٌ أمُّك، فإنْ حُذِفَ "هي" سَهل التذكير. ويُعْتَبَر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيرا، وقد يُعْتَبر اللفظ بعد ذلك. ش: قد تقدم أن "مَنْ" و"ما" يقع كل واحد منهما موقع الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، والكلام الآن في أنهما في اللفظ مفردان مذكران، فإن وافق معناهما لفظهما ... المتكلم واستوى العالم والمتعلم وإذا خالف معناهما لفظهما فلك فيما لهما من ضمير وغيره مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى لكن مراعاة اللفظ فيما اتصل بهما أولى كقوله تعالى (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله) و (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم).

стр. 212

ومراعاة المعنى فيما اتصل بهما جائز، كقوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك) و (ومن الشياطين من يَغُوصون له) ومنه قول امرئ القيس: فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يعفُ رسمُها ... لما نَسَجَتْها من يمين وشمأل أي للذي نسجتها، ومثله قول الآخر: تعشَّ فإن عاهدتَني لا تخونُني ... نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان أي نكن مثل اللذين يصطحبان. هذا إذا لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته كقول الشاعر: وإن من النِّسْوانِ مَنْ هي روضةٌ ... تَهِيجُ الرياضُ قبلها وتَصُوحُ فاعتضد اعتبار المعنى وهو التأنيث بسبق النسوان. والإشارة بقولي "أو بما أشبههما" إلى: كم وكأين. وأشرت بقولي "ما لم يلزم لبس" إلى نحو قولك: أعط من سألتْك لا مَنْ سألك، وأعرض عمن مررت بها، فهذا وأمثاله يجب فيه مراعاة المعنى لئلا يوقع في لبس وفهم غير المراد. وأشرت "بما يلزم منه قبح" إلى نحو: من هي حمراء أمتُك، فإن مراعاة المعنى فيه متعينة، إذ لو استعمل التذكير مراعاة للفظ (مَنْ) فقيل: مَنْ هو أحمر أمتك، لكان في غاية من القبح.

стр. 213

ووافق ابن السراج على منع التذكير في هذا وأمثاله. وأجاز في نحو: مَنْ هي محسنةٌ أمك، أن يقال: من هي محسن أمُّك، أو: منْ محسنٌ أمك. فأما: مَنّ محسن أمك، فغريب، وأما: من هي محسنٌ أمُّك، ففيه من القبح قريب ما في: من هي أحمر أمتك، فوجب اجتنابهما. والذي حمل ابنَ السراج على جواز: من هي محسن أمك، شبه محسن بمرضع ونحوه من الصفات الجارية على الإناث بلفظ خالٍ من علامة، بخلاف أحمر فإن إجراء مثله على مؤنث لم يقع، فلذلك اتفق على منع: من هي أحمر أمتك. واعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ كقوله تعالى (ومِن الناس من يقولُ آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين). فلو عُضِد المعنى بعد اعتبار اللفظ تعين اعتبار المعنى، ولذلك قرأ (ومن يَقنُت منكنّ لله ورسوله وتعمل) بالتأنيث الخمسةُ غير حمزة والكسائي، لأن معنى التأنيث قد اعتضد بسبق (من يقنت منكن) وهو نظير اعتضاد التأنيث في (من هي روضة) لسبق (وإن من النسوان). واعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى كقوله تعالى (ومنْ يؤمن بالله ويعمل صالحا يُدْخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا) ومثله قول الشاعر: لست ممن يَكِعّ أو يستَكِينو ... ن إذا كافَحَتْه خيلُ الأعادي ص: وتقعُ "مَنْ وما" شرطِيَّتين واستفهاميتين، ونكرتين موصوفتين، ويُوصف بما على رأى. ولا تزاد "مَنْ" خلافا للكسائي، ولا تقع على غير من يعقل إلا مُنَزَّلا منزلتَه

стр. 214

أو مُجامِعا له بشُمُولٍ أو اقترانٍ خلافا لقطرب. و"ما" في الغالب لما لا يعقل وحدَه، وله مع من يعقل، ولصفات من يعقل، وللمُبْهَم أمرُه، وأفْرِدَت نكرة، وقد تساويها "مَنْ" عند أبي علي. وقد تقع "الذي" مصدريةن وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق أل. ش: مثال (من وما) في الشرط قوله تعالى (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتِيَ خيرا كثيرا) و (وما يفعلوا من خير فلن يُكْفَروه) ومثالهما في الاستفهام قوله تعالى (ومَنْ أصدقُ من الله حديثا) و (وما تلك بيمينك يا موسى). ومثالهما نكرتين موصوفتين قول الشاعر: ألا رُبَّ من تَغْتَشُّه لك ناصحٌ ... ومُؤتَمنٍ بالغيبِ غيرُ أمين وقال آخر: ربما تكره النفوسُ من الأمـ ... ـر له فَرْجَةٌ كحلِّ العِقال وأجاز الأخفش تنكير (أيّ) ووصفها قياسا على (من وما) نظرا إلى أنها أمكن في الاسمية منهما، فهي أحق منهما بأن تستعمل معرفة ونكرة وموصوفة وغير موصوفة، وقد وصفت في النداء، فوصفها في غيره ليس بِبِدْع، إلا أن السماع بذلك مفقود.

стр. 215

واختُلفَ في (ما) من نحو قولهم: لِأمْر ما جَدَع قصيرٌ أنفه، فالمشهور أنها حرف زائد منبه على وصف مُراد لائق بالمحل، وقال قوم: هي اسم موصوف به. والأول أولى، لأن زيادة ما عوضا عن محذوف ثابت في كلامهم، من ذلك قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت، فزادوا ما عوضا من كان، ومن ذلك قولهم: حيثما تكنْ أكنْ، فزادوا ما عوضا من الإضافة. وليس في كلامهم نكرةٌ موصوفٌ بها جامدةٌ كجمود ما إلا وهي مردفة بمُكَمِّل كقولهم: مررت برجل أيِّ رجل، وأطعمنا شاةً كلّ شاة، وهذا رجلٌ ما شئت من رجل، فالحكم على ما المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية جاء بما لا نظير له، فوجب اجتنابه. وأجاز الكسائي وقوع مَن زائدة مستشهدا بقول الشاعر: يا شاةَ مَنْ قَنَصٍ لمن حَلَّت له ... حَرُمَت عليّ وليتها لم تحرم ولا حجة فيما استشهد به لوجهين: أحدهما: أن الرواية: يا شاة ما قنص، بزيادة ما. والثاني: أن (من) على تقدير صحة الرواية بها يحتمل أن تكون نكرة موصوفة بقنص، على تقدير: يا شاة رجل قنص، أي ذي قنص، والحمل على هذا راجح لأنه تقدير شائع أمثاله بإجماع، إذ ليس فيه إلا حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأمثال ذلك كثيرة. بخلاف ما ذهب إليه الكسائي ﵀ فإنه لم يثبت مثله دون احتمال فوجب اجتنابه. وزعم محمد بن المستنير الملقب قطْرُبًا أن (مَنْ) تقع على ما لا يعقل دون اشتراط ما يصحح ذلك، وجعل من ذلك قوله تعالى (ومَنْ لستم له برازقين) وهذا القول غير مرضي، إذ لا دليل عليه ولا محْوج إليه، وإنما تقع على ما لا يعقل إذا نزل منزلة من يعقل كقوله تعالى (ومَنْ أضلُّ مِمّن يدعو من دون الله مَنْ

стр. 216

لا يستجيب له) فعبر بمن عن الأصنام لتنزلها منزلة من يعقل، ومثله: بكيتُ على سِرْب القَطا إذ مَرَرْنَ بي ... فقلتُ ومثلي بالبكاء جديرُ أسِرْبَ القطا هَل مَنْ يعير جناحَه ... لعلي إلى مَنْ قد هَويتُ أطيرُ وكذا إذا جامع من يعقل بشمول كقوله تعالى (ألم ترَ أن الله يسبح له من في السموات والأرض) وباقتران كقوله تعالى (خلق كلَّ دابّة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين) وكقوله تعالى (أفمَنْ يخلق كمَنْ لا يخلق) ومثله ما حكى الفراء من قول بعض العرب: اشتبه عليَّ الراكب وجمله، فما أدري مَنْ ذا ومن ذا. وما في الغالب لما لا يعقل، واحترزت بقولي (في الغالب) من نحو قوله تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ومن قول العرب: سبحان ما سخَّركن لنا، ومجيئها لما لا يعقل كثير. وله مع من يعقل كقوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة) ولصفات من يعقل كقوله تعالى (فانْكِحوا ما طاب لكم من النساء) وللمبهم أمره كقولك وأنت ترى شبحا تُقَدِّر إنسانيته وعدم إنسانيته أبصرت ما هناك. وكذا لو علمت إنسانيته ولم تدر أذكر هو أم أنثى، ومنه قوله تعالى (إني نذرتُ لك ما في بطني محررًا).

стр. 217

وأردت "بإفرادها نكرة" إخلاؤها من صفة ومن تضمين معنى شرط أو استفهام، وذلك في التعجب نحو: ما أحسن فلانا. وفي باب نعم وبئس كقوله تعالى (فنعماهي) على رأي. وفي نحو قولهم: إني مما أفعل، أي من أمر أن أفعل. وقد تساويها "مَنْ" في وقوعها نكرة غير موصوفة ولا مضمنة شرطًا ولا استفهاما، وهذا مما انفرد به أبو علي الفارسين وحجته في ذلك قول الشاعر: وكيفَ أرْهَبُ أمرا أو أراعُ به ... وقد زكاتُ إلى بِشْرِ بنِ مروان ونِعْمَ مَزْكَأ مَنْ ضاقَتْ مذاهبه ... ونِعْمَ مَنْ هو في سِرٍّ وإعلان فمن الثانية في موضع نصب على التمييز، وفاعل نعم مضمر مُفَسَّر بمَنْ كما فُسِّر بما في نعما، وهو مبتدأ خبره الجملة التي قبله، وفي سر وإعلان متعلق بنعم. والصحيح غير ما ذهب إليه، وبيان ذلك مستوفى في باب نعم وبئس. وحكى أبو علي في الشيرازيات عن أبي الحسن عن يونس وقوع الذي مصدريَّة غير محتاجة إلى عائد، وتأول على ذلك قوله تعالى (ذلك الذي يُبَشِّرُ الله عباده) قال أبو علي: ويقوي هذا أنها جاءت موصوفة غير موصولة، وأنشد الأصمعي: حتى إذا كانا هما اللذَيْن ... مثلَ الجَدِيلَيْن المُحَمْلَجَيْن فنصب مثل الجديلين وجعله صفة للذين. قال أبو علي: ويجيء قوله تعالى (كالذي خاضوا) على قياس، فيكون التقدير: وخضتم كخوضهم، فلا يعود

стр. 218

إلى الذي شيء، لأنها في مثل هذا حرف. قلت: حاصل كلام أبي على أن الذي على ثلاثة أقسام: موصولة، وموصوفة مستغنية بالصفة عن الصلة، ومصدرية محكوم بحرفيتها. وهذا المذهب أيضا هو مذهب الفراء ﵀، وهو الصحيح، وبه أقول. وأجاز الفراء في قوله تعالى (تمامًا على الذي أحسن) أن يكون الذي مصدرية والتقدير: تمامًا على إحسانه، أي على إحسان موسى ﵇. وأجاز أن تكون موصوفة بأحسن على أن أحسن أفعل تفضيل، قال: لأن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ولا تقول: مررت بالذي قائم، لأن خيرًا منك كالمعرفة إذ لم تدخل فيه الألف واللام. وكذا يقولون: مررت بالذي أخيك، وبالذي مثلك، إذا جعلوا صفة الذي معرفة أو نكرة لا تدخله الألف واللام، جعلوها تابعة للذي، أنشد الكسائي: إنّ الزُّبَيْرِيّ الذي مثلَ الجَلَم ... مشى بأسلافك في أهل الحرم قلت: وهذا الذي أنشد الكسائي مثل الذي أنشد الأصمعي: حتى إذا كانا ... البيت وحكى الفراء عن بعض العرب: أبوك بالجارية الذي يكفل، وبالجارية ما يكفل، والمعنى: أبوك بالجارية كفالته، وهذا صريح في ورود الذي مصدرية. ومنه قول عبد الله بن رواحة: فثبَّتَ الله ما أتاك من حسن ... في المُرْسَلين ونَصْرًا كالذي نُصِرُوا أي ونصرا كنصرهم، ومثله قول جرير:

стр. 219

يا أُمَّ عَمْرٍو جزاك الله مغفرة ... ردّي عليَّ فؤادي كالذي كانا ومثله قول ابن أبي ربيعة: لو أنّهم صبروا عنّا فنعرفه ... منهم إذا لصبرنا كالذي صبروا ومثله قول الآخر: دعاني أبو سعد وأهدى نصيحة ... إليّ ومما أن تغر النصائح لأجرر لحيى كلب نبهان كالذي ... دعا القاسطيَّ حَتفُه وهو نازح فصل: ص: وتقع "أيٌّ" شرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة مذكورة غالبا، وحالا لمعرفة، ويلزمها في هذين الوجهين الإضافة لفظا ومعنى إلى ما يماثل الموصوف لفظا ومعنى، أو معنى لا لفظا. وقد يُسْتَغنى في الشرط والاستفهام بمعنى الإضافة إن علم المضاف إليه. وأيّ فيهما بمنزلة كلّ مع النكرة، وبمنزلة بعض مع المعرفة. ولا تقع نكرة موصوفة خلافا للأخفش. وقد يحذف ثالثُها في الاستفهام، وتضاف فيه إلى النكرة بلا شرط، وإلى المعرفةِ بشرطِ إفهام تثنيةٍ أو جمعٍ أو قصدِ أجزاءٍ أو تكريرها عطفا بالواو. ش: من شواهد أي الشرطية قول الشاعر: أيَّ حين تلمّ بي تَلْقَ ما شِئْـ ... ـتَ من الخير فاتخذني خليلا ومن شواهد الاستفهامية قوله تعالى (فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن) وقول

стр. 220

ابن مسعود ﵁ للنبي ﷺ "أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاةُ على وقتها" ومن شواهد الواقعة صفة لنكرة قول الشاعر: دعوت امرأ أيَّ امرئ فأجابني ... وكنتُ وإيّاه ملاذًا وموْئِلا وأشرت بقولي "مذكورة غالبا" إلى ندور قول الفرزدق: إذا حاربَ الحجاجُ أيَّ منافق ... علاه بسيف كلّما هزّ يقطع أراد: منافقا أيَّ منافق. ومن شواهد الواقعة حالا لمعرفة قول الآخر: فأوْمَاتُ إيماءً خفِيًّا لِحَبْترٍ ... فلله عينا حَبْترِ أيّما فتى ولا تستغني في هذين الوجهين عن الإضافة معنى ولفظا إلى نكرة تماثل ما هي له لفظا ومعنى نحو: دعوت امرأ أي امرئ، أو معنى لا لفظا نحو: دعوت امرأ أي فتى. فأما في الشرط والاستفهام فيجوز استغناؤها بمعنى الإضافة عن لفظها إن كان المضاف إليه معلوما كقوله تعالى (أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) فهذا مثال حذف المضاف إليه في الشرط، ومن حذفه في الاستفهام قول ابن مسعود ﵁ "ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أيٌّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله" وهي فيهما مع النكرة بمنزلة كلِّ، ومع المعرفة بمنزلة بعض. ولهذا يقال في التنكير: أيُّ الرجلين أتيا؟ وأيُّ رجال ذهبوا؟ فتثنى الضمير وتجمعه كما تفعل حين تقول:

стр. 221

كل رجلين أتيا، وكل رجال ذهبوا. ويقال في التعريف: أيُّ الرجلين أتى؟ وأيُّ الرجال ذهب؟ وأجاز الأخفش وقوع أي نكرة موصوفة نحو قولك: مررت بأيِّ كريم، ولا حجة له إلا القياس على "ما" و"من" في قول العرب: رغبتُ فيما خيرٍ مما عندك، و: فكفى بنا فضلا على مَنْ غيرِنا والقياس في مثل هذا ضعيف. وأشرت بقولي "وقد يحذف ثالثها في الاستفهام" إلى قول الفرزدق: تنظرت نضرًا والسِّماكين أيْهما ... عليَّ من الغَيْث استهلت مواطره وتناول قولي "وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنية أو جمع" ما أضيف إلى مثنى لفظا ومعنى، وإلى جمع لفظا ومعنى، وإلى مثنى معنى لا لفظا نحو: أيُّ الرجلين أفضل؟ وأيّ الرجال أفضل؟ وأيُّهما أكرم؟ وأيُّهم أكرم؟ فإن كانت المعرفة التي أضيف إليها أي مفردة اللفظ والمعنى لم يضف إليها إلا مقصودا أجزاؤها، نحو: أيُّ ثوبك بلى؟ أو معطوفا عليها بالواو، ومثله قول الشاعر: فلئن لقيتُك خالييْن لتعلمَنْ ... أيِّي وأيُّك فارس الأحزاب فصل: ص: من الموصولات الحرفية "أنْ" الناصبةُ مضارعا، وتوصَلُ بفعل متصرف مطلقا. ومنها "أنّ" وتوصل بمعموليها.

стр. 222

ومنها "كَيْ" وتوصل بمضارع مقرونةً بلام التعليل لفظا أو تقديرا. ومنها "ما" وتوصل بفعل متصرف غيرِ أمر، وتختص بنيابتها عن ظرف زمان، موصولةً في الغالب بفعل ماضي اللفظ، مثبتٍ أو منفيٍّ بلم، [وليست اسما فتفتقر إلى ضمير، خلافا لأبي الحسن وابن السراج،] وتُوصلُ بجملة اسمية على رأي. ومنها "لو" التاليةُ غالبا مُفْهِمَ تمنٍّ، وصلتها كصلة "ما" في غير نيابة، وتغني عن التمني فينتصب بعدها الفعلُ مقرونًا بالفاء]. ش: قد تبين من كلامي في أول هذا الباب أن الموصولات الحرفية هي التي تقوم بصلاتها مقام مصادر، والحاجة الآن داعية إلى تعيينها. فمنها "أنْ" وقيدت "بنصبها المضارع" احترازا من التي أصلها "أنّ" نحو (علم أن سيكون) ومن الزائدة نحو (فلما أن جاء البشير) ومن التفسيرية نحو (فأوْحيْنا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر) ولهن موضع يذكرن فيه، وكذا المصدرية لاستيفاء القول فيها موضع آخر. والذي دعت الحاجة إليه هنا كيفية وصلها وبيان ما توصل به، فذكر أنها توصل بفعل متصرف مطلقا، ليتناول ذلك الفعل المضارع المتصرف نحو: أريد أن تفعل، والماضي المتصرف نحو، عجبت من أن أتيت، والأمر المتصرف نحو: أرسلت إليه بأن افعلْ، وقرنت أن بالباء بعد: أرسلت، لئلا يوهم تجردها من الباء أنها التفسيرية. وعلم بذكر "التصرف" قيدا لما توصل به أنْ، أنها لا توصل بما لا تصرف له من مضارع كينبغي في الأشهر، ولا ماض كعسى، ولا أمر كهَلُمَّ في لغة بني تميم.

стр. 223

وإذا ثبت هذا فاعلم أن الواقعة في قوله تعالى (وأنْ عسى أنْ يكون قد اقترب أجلهم) (وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى) مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، والجملة بعدها خبرها. ومثال وصل "كي" مقرونة بلام التعليل لفظا، جئت لكي أراك. ومثالها مقرونة بها تقديرا: جئت كي أراك. ولا يتعين كون "كي" مصدرية إلا وهي مقرونة باللام لفظا، وأما إذا لم تقارنها اللام لفظا فيحتمل أن تكون مصدرية، واللام مقدرة كما تقدر مع "أن" في: جئت أنْ أراك. ويحتمل أن تكون حرف جر بمعنى اللام، ويكون الفعل بعدها منصوبا بأن مقدرة، فإذا لفظ باللام لم تكن بمعناها لئلا يلزم دخول حرف جر على حرف جر وأما قول الشاعر: فقالت أكلَّ الناسِ أصبحتَ مانحًا ... لسانَك كيما أن تَغُرّ وتخدعا فكي فيه حرفُ جرٍ لا حرفٌ مصدري، لئلا يلزم دخول حرف مصدري على حرف مصدري، وأجاز الفراء ذلك وجعل أحدهما مؤكدا للآخر، وأيّدَ مذهبه في ذلك بقول الشاعر: أردتُ لكيما أن تطيرَ بِقرْبَتي ... فتتركها شَنًّا ببيداء بَلْقَع فجمع بين اللام وكي وأن، فهذا لا محيص فيه من أحد أمرين مُسْتَغْرَبَيْن: إمّا أن تكون كي مصدرية فيلزم اجتماعها مع أنْ وهما حرفان مصدريان، وإمّا أن تكون حرف جر فيلزم اجتماعها مع اللام وهما حرفا جر. إلا أن اجتماع حرفين مصدريين أسهل

стр. 224

من اجتماع حرفي جر، لأن للحرف المصدري شبها للأسماء بوقوعه مواقعها، وتوكيد اسم بمثله جائز ولو كان موصولا كقراءة زيد بن علي ﵄ (خلقكم والذين مَنّ قبلكم) وكقول معاوية ﵁: إنّ الذين الألى أدخلتهم نفر ... .لولا بَوادِرُ إبْراق وإرْعاد وكذا توكيد ما له شبه بالأسماء من الحروف، بخلاف ما لا شبه له بها كحروف الجر. ويجوز جعل: مَنّ في الآية، والألى في البيت خبرَ مبتدأ مضمر، هو وخبره صلة الذين. وأشرت بالتنبيه على أن "كي" لا تخلو من لام التعليل إلى أنها لا تتصرف تصرف "أنْ" فإنَّ أنْ يبتدأ بها، وتكون فاعلة ومفعولة ومضافًا إليها ومجرورة بأكثر حروف الجر. وكي لا تقع إلا مجرورة باللام، أو مقدرًا معها اللام. وأما "ما" المصدرية فتوصل بفعل متصرف غير أمر، وأكثر ما يكون ماضيًا كقوله تعالى (وضاقت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت) وكقول الشاعر: يَسُرُّ المرءَ ما ذهب الليالي ... وكان ذهابُهنّ له ذهابا وتقع هي وصلتها موقع ظرف الزمان كقولك: جُدْ ما دُمْتَ واجدا، أي مدة دوامك واجدا، ولا يشاركها في هذا الاستعمال غيرها. وقد أجاز الزمخشري مشاركة "أنْ" إياها في ذلك، وجعل من ذلك قوله تعالى (ألمْ تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه أن آتاه الله الملك) والذي ذهب إليه غير جائز عندي؛ لأن استعمال أن في موضع التعليل مجمع عليه، وهو لائق في هذا الموضع فلا يعدل عنه. واستعمالها في موضع التوقيت لا يعترف به أكثر

стр. 225

النحويين، ولا ينبغي أن يعترف به، لأن كلّ موضع ادُّعي فيه ذلك صالح للتعليل، فالقول به موقع في لبس. وأجاز الزمخشري أيضًا في قوله تعالى (ودية مُسَلَّمَةٌ إلى أهله إلا أنْ يصدقوا) ما أجاز في (أن آتاه الله) وأن يكون حالا، كأنه قيل: مسلمة إليهم إلا حين يتصدقون على القاتل بالعفو، أو متصدقين بالعفو. وليس كما قال، بل التقدير: مسلمة إليهم إلا بأن يصدقوا بالعفو، وهذا التقدير موافق للمعنى والاستعمال المجمع على مثله، إذ ليس فيه إلا حذف حرف جر داخل على أن، وهو مطرد، بخلاف الوجهين اللذين ادعاهما الزمخشري. وقد استشهد بعضهم على وقوع أنْ وصلتها موقع ظرف الزمان بقول الشاعر: فقلتُ لها لا تَنْكِحِيه فإنه ... لأول سَهْمٍ أنْ يلاقِيَ مَجْمَعا وزعم المستشهد به أن معناه: لأول سهم زمان ملاقاته مجمعا، ولا حجة فيه لإمكان أن يكون التقدير: فإنه لأول سهم بأن يلاقى مَجْمَعًا، أي سبب ملاقاته مجمعًا، وهذا التقدير موافق للمعنى، مع الاتفاق على كثرة نظائره، فهو أولى. وإذا وقعت "ما" المصدرية موضع الظرف لم توصل في الغالب إلا بفعل ماضي اللفظ مثبت أو منفي بلم كقول الشاعر: ولن يلبث الجُهّالُ أنْ يَتَهَضَّمُوا ... أخا الحِلم ما لم يَسْتَعِنْ بجهول وقد توصل بمضارع خال من النفي بلم كقول الشاعر: نُطوِّف ما نُطَوِّف ثم يأوي ... ذوو الأموال منا والعديمُ

стр. 226

إلى حُفَر أسافِلُهن جُوفٌ ... وأعلاهن صُفَّاحٌ مُقيمُ وقد توصل بجملة اسمية كقول الشاعر: واصِلْ خليلَك ما التوصلُ ممكنٌ ... فَلأنتَ أو هو عن قريبٍ ذاهب وقال آخر: فعسْهُم أبا حسَّانَ ما أنت عائِسُ وقد توصل بمضارعٍ المصدريةُ غير الظرفية كقول الشاعر: وللمنية أسباب تُقَرِّبُها ... كما تقرب للوحْشية الذُّرُع وقد توصل بجملة اسمية كقول الشاعر: أحلامُكم لسقام الجهل شافيةٌ ... كما دماؤُكُم تشفى من الكَلَب وكذا قول الآخر: أعَلاقةً أمَّ الوُليدِ بعدما ... .أفنانُ رأسِكَ كالثِّغام المُخْلِس والحكم على "ما" هذه بالمصدرية أولى من جعلها كافة، لأنها إذا كانت مصدرية كانت هي وصلتها في موضع جر بالكاف في البيت الأول، وبإضافة الظرف في البيت الثاني، ولم يصرف شيء عما هو له ثابت، بخلاف الحكم بأن (ما) كافة.

стр. 227

وأيضًا فإن النظر يقتضي أن تكون (ما) مصدرية لكثرة استعمالها، وعملها غير مقصورة على الوصل بالفعل، بخلاف أنْ وكي، ولا تستحق ذلك (لو) المصدرية لقلة استعمالها، فإن الحاجة إلى اختلاف المصحوب في صلة وغيرها دون كثرة استعمال غير ماسة. وأيضًا فمن مواقع ما المصدرية النيابة عن وقت واقع ظرفا، والوقت الواقع ظرفًا يضاف إلى جملة اسمية كما يضاف إلى جملة فعلية، فإذا وصلت ما بكلتا الجملتين حين وقوعها موقع ذلك الوقت سلك بها سبيل ما وقعت موقعه، فكان الحكم بجواز وصلها بجملة اسمية راجحا على الحكم بمنعه، هذا على تقدير عدم ذلك مسموعًا، فكيف وقد ظفرت به في البيتين السابق ذكرهما: أعني: واصلْ خليلك، و: فعسهم أبا حسان. وإذا ثبت وصل ما المصدرية النائبة عن الظرف بجملة اسمية، لم يستبعد وصلها بها إذا لم تكن نائبة عن ظرف. وأما "لو" المصدرية فعلامتها أن تصلح في موضعها "أن"، وأكثر وقوعها بعد ما يدل على تمنٍّ كقوله تعالى (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) وقد تكون غير مسبوقة بتمنٍّ كقول قَتيلة أخت ضرار: ما كان ضَرَّك لو مننتَ وربما ... مَنْ الفتى وهو المَغيظُ المُحْنَق وقال آخر: لقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى ... بليت وقد أنَى لي لو أبيد وقال آخر: وربّما فاتَ قومًا جلُّ أمرِهم ... من التأنِّي وكان الحزمَ لو عَجِلوا

стр. 228

ولا توصل إلا بفعل متصرف ماض أو مضارع، وهذا المراد بقولي: "وصلتها كصلة ما في غير نيابة" وأكثر النحويين لا يذكرون "لو" في الحروف المصدرية، وممن ذكرها الفراء وأبو علي، ومن المتأخرين التبريزي وأبو البقاء. وقال أبو علي في التذكرة، وقد حكى قراءة بعض القراء (وَدُّوا لو تدهن فيدهنوا) بنصب فيدهنوا، حمله على المعنى كأنه قال: ودوا أنْ تدهن فيدهنوا كما حمل (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر) على: أو ليس بقادر. وأشرت بقولي "وتغني عن التمني فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء" إلى نحو قول الشاعر: سَرَيْنا إليهم في جموع كأنها ... جبالُ شَرَوْرَى لو نُعانُ فَنَنْهَدا فلك في نصب ننهد أن نقول: نصب لأنه جواب تَمن إنشائي كجواب ليت لأن الأصل: وددنا لو نعان، بحذف فعل التمني لدلالة لو عليه، فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه، فكان لها جواب كجواب ليت، وهذا عندي هو المختار. ولك أن تقول: ليس هذا من باب الجواب بالفاء بل من باب العطف على المصدر. لأن "لو" والفعل في تأويل مصدر، والمصدر قد يعطف عليه الفعل فينصب بإضمار أن، كقول الشاعر: لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويْتَه ... تَقَضِّي لُبانات ويسأمَ سائم

стр. 229

ومنه قراءة السبعة إلا نافعًا (إلا وَحْيا أو من وراء حجاب أو يرسلَ) بالنصب عطفا على "وحْيا". وذهب أبو علي في "لو" التي بعدها: نعان، وشبْهها إلى أنها بمعنى الأمر وأن النصب بعدها كالنصب بعد الأمر، قال في التذكرة بعد كلامه على قراءة من قرأ "فيدهنوا" بالنصب: يجوز أن تكون "لو" هذه أجريت مجرى (لو) التي بمعنى الأمر في قوله: (لو نعان فنَنهد) أي: أعنا يا الله (فننهد). وقال أيضا في قوله تعالى (فلو أنّ لنا كَرَّة فنكون من المؤمنين) أي: أحدِثْ لنا كرة فنكون. هذا نص كلامه في التذكرة. وأما الزمخشري فإنه قال: وقد يجيءُ (لو) في معنى التمني كقولك: لو تأتيني فتحدثني، كما تقول: ليتك تأتيني فتحدثني، فإن أراد بهذا الكلام ما أردته أنا فهو صحيح، وإن أراد أن (لو) حرف موضوع للتمني كليت فغير صحيح، لأن ذلك يستلزم منع الجمع بينها وبين فعل التمني كما لا يجمع بينه وبين ليت. وذلك أن حروف المعاني مقصودها النيابة عن أفعال على سبيل الإنشاء، فالجمع بينها وبين تلك الأفعال ممتنع لامتناع الجمع بين نائب ومنوب عنه، ولهذا امتنع الجمع بين لعلَّ وأترجى، وبين إلا وأستثني، فلو كانت (لو)) موضوعة للتمني كليت لساوتها في امتناع ذكر فعل التمني معها، فكان قول القائل: تمنيت لو تفعل، غير جائز، كما أن قولك: تمنيت ليتك تفعل غير جائز، والأمر بخلاف ذلك، فصح ما قلته والحمد لله. فإن قيل: كيف دخلت "لو" المصدرية على أنّ في نحو (فلو أن لنا كرة)؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن لو داخلة على (ثبت) مقدرا رافعا لأنَّ، فلا يلزم من ذلك مباشرة حرف مصدري لحرف مصدري. الثاني: أن يكون هذا من باب التوكيد اللفظي، وهو من أحسنه، لأنه توكيد كلمة بما يوافقها معنى دون لفظ، وهو أجود من التوكيد بإعادة اللفظ بعينه، ومنه

стр. 230

توكيد السبل بالفجاج في قوله تعالى (لتَسْلكوا منها سبلا فجاجا) ومنه توكيد الذين بمَنْ في قراءة زيد بن علي (والذين مَنْ قبلكم) ولتفضيل هذا النوع من التوكيد على إعادة اللفظ بعينه كان قولك: زيد كمثل عمرو، شائعا مستحسنا في النثر والنظم، بخلاف: زيد ككعمروا، فإنه مخصوص بالضرورة كقوله: ككما يُؤَثْفين، وقد اجتمعت أنْ ولو المصدرية في قول علي ﵁ مخاطبا لعامله: ما كان عليك أن لو صمت لله أياما، وتصدقت بطائفة من طعامك محتسبا. فصل: ص: الموصول والصلة كجزأي اسم، فلهما ما لهما من ترتيب، ومَنْع فصل بأجنبي إلا ما شَذَّ، فلا يُتْبَع الموصولُ، ولا يُخْبَرُ عنه، ولا يُسْتثنى منه قبل تمام صلته أو تقدير تمامها. وقد تَرِدُ صلةٌ بعد موصولين أو أكثر مُشتَركا فيها، أو مَدْلولا بها على ما حذف إلا أل. وقد يُحْذَفُ ما عُلِم من موصولٍ غير الألف واللام، ومن صلة غيرهما. ولا تُحْذَفُ صلةُ حرفٍ إلاّ ومعمولُها باق، ولا موصولٌ حرْفيّ إلا "أنْ". وقد يلي معمولُ الصّلة الموصول إن لم يكن حرفا، أو الألف واللام. ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوفٍ دَلُّ عليه صلتُها، ويندر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقا، ومعها غير مجرورة بمن. ش: للموصول مع الصلة شبَه بشطري الاسم، وأشبَه الأسماء بهما المركبُ تركيب مَزْج كبعلبك، فإن المفرد مباين لهما بعدم التركيب، والمضاف والجملة

стр. 231

مباينان لهما بتأثير صدرهما في عجزيهما، والمركب تركيب مزج خال من تلك المباينات، فكان شبهه أولى بالاعتبار. والضمير من قولي (فلهما) عائد إلى الموصول والصلة، ومن قولي (ما لهما) عائد على جزأي الاسم، أي للموصول من التقدم ما لصدر الاسم المشار إليه، وللصلة من التأخر ما لعجزه، فهذا هو المراد بالترتيب، لأن الصلة لا يتقدم بعض أجزائها على بعض، كما لا يتقدم بعض أجزاء العجز على بعض، بل يجوز في الجملة الموصول بها من تقديم وتأخير ما يجوز فيها قبل كونها صلة، ما لم يعرض في الوصل مانع من بعض ما كان جائزا، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وكما وجب الترتيب وجب منع الفصل بأجنبي إلا ما شذ، ولا يدخل في الأجنبي القسم لأنه يؤكد الجملة الموصول بها، كقول النبي ﷺ "وأبنوهم بمَنْ والله ما علمت عليهم من سوء قط" ولا جملة الاعتراض كقول الشاعر: ماذا ولا عَتْبَ في المقدور رُمْتَ أما ... يَكْفيك بالنُّجْحِ أم خُسْرٌ وتضليل ففصل بين (ذا) و (رمت) بلا عتب في المقدور، لأن فيه توكيدا وتشديدا لمضمون الجملة الموصول بها. والجملة الحالية أولى ألا تعدَّ أجنبية كقول الشاعر: إنّ الذي وهو مُثْرٍ لا يَجود حَر ... بفاقةٍ تعتريه بعد إثراء فقوله: وهو مثر، جملةٌ حاليةٌ العاملُ فيها فعل الصلة وهو يجود، وما عَمِلَ فيه فعل الصلة فهو من الصلة، فلا يكون أجنبيا. ومما لا ينبغي أن يُعَدّ أجنبيا النداء الذي يليه مخاطَبٌ كقول الشاعر: وأنتَ الذي يا سعد بُؤْتَ بمَشْهَد ... كريم وأثوابِ المكارم والحمد

стр. 232

فلو لم يَله مخاطب عُدَّ أجنبيا ولم يجز إلا في ضرورة كقوله: تَعشَّ فإن عاهَدْتني لا تخونُني ... نكن مثل مَنْ يا ذئب يصطحبان ومن الفصل الذي يعد شاذا لكونه أجنبيا محضا قوله: وأبْغَضُ مَنْ وضعْت إليّ فيه ... لسانِيَ مَعشَرٌ عنهم أذُوذُ ففصل بين "فيه" و"لساني" وبين ما يتعلقان به وهو وضعت "بإليّ" وهو أجنبي، لأنه متعلق بما قبل الموصول وهو "أبغض" والأصل أن يقال: وأبغض من وضعت فيه لساني إليّ معشرٌ. ومثال ورود الصلة مشتركا فيها قول الشاعر: صِلِ الذي والتي مِنّا بآصرة ... وإن نأتْ عن مدى مرماهما الرحمُ ومثال ورودها مدلولا بها على ما حذف قوله: وعند الذي واللات عُدنك إحنة ... عليك فلا يغررك كيدُ العوائد ومثله قول الآخر: من اللواتي والتي واللاتي ... يزعمن أني كبرت لِداتي وإذا كان الموصول "الألف واللام" لم يجز حذفه ولا حذف صلته. وإذا كان حرفا مصدريا لم يجز حذفه أيضا، إلا إذا كان "أنْ" فإنها فاقت أخواتها بكثرة الاستعمال، فأوثِرَتْ بجواز الحذف، لأن الشعور بها عند حذفها ممكن، بخلاف أخواتها، وهي في حذفها على ضربين: أحدهما أن تحذف ويبقى عملها، والثاني أن تحذف ولا يبقى لها عمل: فأما الحذف الباقي معه عملها فيذكر إن شاء الله في باب إعراب الفعل.

стр. 233

وأما الثاني وهو الذي لا يبقى معه عملها فمنه قوله تعالى (ومن آياته يريكم البرق) فيريكم صلة (لأن) حذفت وبقي (يريكم) مرفوعا، وهذا هو القياس، لأن الحرف عامل ضعيف، فإذا حذف بطل عمله، ومن ذلك أيضا قول الشاعر: فجاءت به وهو في غربة ... فلولا تُجاذبُه قد غلب أراد: فلولا أن تجاذبه، ومثله قول الفرزدق: ألا إنّ هذا الموتَ أضحى مسَلَّطا ... وكلُّ امرئ لا بُدَّ يُرْمى مُقاتله وقال ذو الرمَّة: وحُقَّ لِمَنْ أبو موسى أبوه ... يُؤَفقُّه الذي نَصَب الجِبالا ومثله قول الآخر: أو ليس من عجب أسائلكم ... ما خطبُ عاذِلتي وما خطبي أراد أن أسائلكم، وقال الفرزدق: بحقِّ امرئٍ بين الأقارع بيتُه ... وصعْصَعَةَ البحرِ الجزيل المواهب يكون سبوقا للكرام إلى العلا ... إذا اتصل المقياس بين الحلائب المقياس الغاية والحلائب المسابقة ومثله: وقالوا ما تشاءُ فقلت ألهُو ... إلى الإصباح آثِرَ ذي أثير

стр. 234

أراد أن ألْهُوَ. ومن كلام بعض العرب: أذهبُ إلى البيت خيرٌ لي، وتزورني خيرٌ لك، وتسمعُ بالمعيدي خيرٌ لا أن تراه. وإذا كان الموصول اسما أجاز الكوفيون حذفه إذا علم، وبقولهم في ذلك أقول، وإن كان خلاف قول البصريين إلا الأخفش، لأن ذلك ثابت بالقياس والسماع، فالقياس على "أنْ" فإنَّ حذفها مكتفًى بصلتها جائز بإجماع مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه، لأن صلة الاسم مشتملة على عائد يعود عليه ويميل المذهب إليه، وفي ذلك مزيد على ما يحصل بالصلة. وصلة الحرف لا مزيد فيها على ما يحصل بها، فكان الموصول الأسمى أولى بجواز الحذف من الموصول الحرفي. وأيضًا فإن الموصول الاسمي كالمضاف، وصلته كالمضاف إليه، وحذف المضاف إذا علم جائز، فكذلك ما أشبهه. وأما السماع فمنه قول حسان: فوالله ما نِلتُم ولا نِيلَ منكم ... بمُعْتَدلٍ وَفْقٍ ولا متقارِبِ أراد: ما الذي نلتم وما نيل منكم. ومنه قول بعض الطائيين: ما الذي دَأبُهُ احتياط وحزم ... وهواه أطاع يستويان أراد: والذي هواه أطاع، وأقوى الحجج قوله تعالى (وقُولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) أي: وبالذي أنزل إليكم، ليكون مثل (آمِنُوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزلَ من قبل). ومثال حذف صلة الاسم للعلم بها قول الشاعر:

стр. 235

أبِيدوا الألى شَبُّوا لَظى الحرب وادرَءُوا ... شذاها عن اللائي فَهُنّ لكم إما فحذف صلة اللائي للعلم بها، وهذا من الاستدلال بالمتقدم، وهو كثير في ذا الباب وغيره. ومثله قول الشاعر: أُصيب به فَرْعا سُلَيْمٍ كلاهما ... وعزّ علينا أن يُصابا وعَزَّما أي وعزَّ ما أصيبا به. ومن الاستدلال في هذا بالمتأخر قول الشاعر: نحنُ الألى فاجْمَعْ جمو ... عَك ثم وَجِّههم إلينا فحذف صلة الألى لدلالة ما بعده فكأنه قال: نحن الألى عرفت عدم مبالاتهم بأعدائهم، وفهم هذا بقوله: فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا. ومثال حذف صلة الحرف باقيا معمولُها قول العرب: لا أفعل ذلك ما أنَّ حِراء مكانه، وما أن في السماء نجما، أي ما ثبت أن حراء مكانه، وما ثبت أن في السماء نجما فحذفوا الفعل الموصول به وأبقوا فاعله، وهو أنّ وما عملت فيه. ومن ذلك قولهم: أمّا أنت منطلقا، أي: لأن كنت، فحذفوا كان وهي صلة أنْ، وأبقوْا اسمها وهو أنت، وخبرها وهو المنصوب، وجعلوا ما عوضا من كان. ومن ذلك أيضا قول العرب: كلُّ شيء مَهَهٌ ما النساءَ وذكرَهن، أرادوا: ما عدا النساءَ وذكرهن، فحذفوا صلة "ما" وهو "عدا" وأبقَوْا المنصوب به والمعطوف عليه. وقد يلي الموصولَ معمولُ الصلة نحو قولك في: جاء الذي أعطى أبوه زيدا درهما:

стр. 236

جاء الذي زيدا درهما أعطى أبوه، فجاء هذا في صلة الذي، إذ لا ضرر في جوازه، بخلاف صلة الحرف وصلة "الألف واللام" فإن معمولها لا يتقدم عليها. فأمّا الحرف فلأن امتزاجه بصلته أشدُّ من امتزاج الاسم بصلته، لأن اسميته منتفية بدونها، فلو تقدم معموله كان تقدمه بمنزلة وقوع كلمة بين جزأي مصدر، وليس كذلك تقدم معمول صلة الاسم غير الألف واللام، لأن له تماما بدونها، ولذلك جعل إعرابه إن كان معربا قبلها، والإعراب الاسمي قبل تمام المعرب. ولما له من التمام بدونها جاز أن يستغنى عنها وعن معمولها إذا علمت، بخلاف الموصول الحرفي، فأما "الألف واللام" فامتزاجها بالصفة التي توصل بها أشد من امتزاج أنْ بالفعل الذي توصل به، لأن "أن" قد تفصل من الفعل بلا النافية كقوله تعالى (وحسبوا أن لا تكون فتنة) ولا تفصل الألف واللام من الصفة بلا ولا غيرها، لأنها أشبهت أداة التعريف، فعوملت معاملتها لفظا. ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوف تدل عليه صلتها كقوله تعالى (وكانوا فيه من الزاهدين) و (إني لعملكم من القالين) و (إني لك من الناصحين) أي: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وإني قال لعملكم من القالين، وإني ناصح لك من الناصحين. ويكثر هذا الحذف قبل الألف واللام داخلا عليه من التبعيضية، لأن في ذلك إشعارا بأن المحذوف بعض المذكورين بعد، فتقوى الدلالة عليه. ويقل إذا لم تدخل مِنْ على الألف واللام، ومنه قول الشاعر: تقول ودَقتْ صدرَها بيمينها ... أبَعْلِيَ هذا بالرَّحَى المتقاعسُ أراد: بعلي هذا كائنا بالرحى، ومتقاعسا بالرحا.

стр. 237

وكذلك يقل الحذف قبل غير الألف واللام، وُجِدَت مِنْ أو لم تُوجَد، ومثال ذلك مع وجود مِنْ قول الشاعر: لا تظلموا مِسْورا فإنه لكُمُ ... من الذين وَفوْا في السرِّ والعَلَن ومثاله مع كون الموصول لم يجر بمن قول الشاعر: وأهْجُو مَنْ هجاني مِنْ سِواهم ... وأُعْرِضُ منهم عمَّن هجاني أراد: وأعرض عمن هجاني منهم عمن هجاني منهم، على سبيل التوكيد، ثم حُذِف (منهم) من المُؤَكِّد، وحُذِف ما سواهما من المُؤكَّد، ومثال هذا والذي قبله لا يجوز إلا في الضرورة بخلاف ما تقدم.

стр. 238

باب اسم الإشارة ص: وهو في القُرب مفردا مذكرا "ذا" ثم "ذاك" ثم "ذلك" و"آلك". وللمؤنثة "تي" و"تا" و"تِهْ" و"ذي" و"ذِهْ" وتُكسَرُ الهاءان باختلاس وبإشباع. و"ذاتُ" ثم "تِيكَ" و"تَيْكَ" و"ذِيكَ" ثم "تِلك" و"تَلكَ" و"تَيْلِكَ" و"تالِكَ". ش: للنحويين في أسماء الإشارة مذهبان: أحدهما: أن لها مرتبتين، قريبة وبعيدة كالمنادى. والثاني: أن لها ثلاث مراتب، قريبة وبعيدة ومتوسطة، وهذا هو المشهور، وإن كان الأول أولى بالصواب، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى. وقد سردتها على وفق المشهور لأنه السابق إلى أكثر الأذهان، فما عطفته بالواو فهو لغة فيما عطف عليه وفي مرتبته، وما عطفته بثم فهو في المرتبة التي تلي. والحاصل أن المشار إليه في المرتبة الأولى إن كان مفردًا ولم يقصد معه تثنية فله في التذكير لفظ واحد وهو "ذا". وله في التأنيث عشرة ألفاظ، خمسة بتاء وخمسة بذال والتي بالتاء: تي، وتا، وتِهْ بسكون أو كسر مختلس أو كسر مشبع. والتي بالذال: ذي، وذات، وذِهْ بسكون أو كسر مختلس أو كسر مشبع. وإن كان المشار إليه المفرد في المرتبة الثانية، ولم يقصد معه تثنية فله في التذكير لفظ واحد وهو "ذاك" وله في التأنيث ثلاثة ألفاظ وهي: تيك وتَيْك وذِيك. وإن كان المشار إليه المفرد في المرتبة الثالثة فله في التذكير لفظان وهما: ذلك وآلك. وله في التأنيث أربعة ألفاظ وهي: تِلك وتَلك، وتِيلِك وتالِك، كلها مروية عن العرب إلا أن بعضها أشهر من بعض. ص: وتلي الذّالَ والتاءَ في التثنية علامتها مجوّزا تشديد نُونِها، وتليها الكاف وحدها في غير القرب، وقد يقال "ذانِيكَ" وفي الجمع مطلقا أولاء، وقد ينون،

стр. 239

ثم أولئك، وقد يقصران، ثم أولالِك على رأيٍ، وعلى رأيٍ أولاءِ، ثم أولاك، ثم أولئك وأولالِكَ. وقد يقال: هُلاءِ، وأولاءُ، وقد تُشْبَعُ الضمةُ قبل اللام، وقد يقال: هَوْلاءِ وألاَّك. ش: لما أنهيت القول في مفرد المشار إليه، شرعت في مثناه وجمعه باعتبار المراتب، وأشرت بقولي "وتلي الذالَ والتاءَ في التثنية علامتُها" إلى أن ألفي "ذاوتا" تحذفان في التثنية، وتتصل بالذال من "ذا" وبالتاء من" تا" ألف في الرفع، وياء في الجر والنصب، بعدهما نون مكسورة، كما يفعل بالأسماء المتمكنة إذا ثنيت، إلا أن هذه التثنية مخالفة لتثنية الأسماء المتمكنة بأمرين: أحدهما: حذف الألف التي كانت آخر المفرد لزوما، ومثل ذلك لا يفعل باسم متمكن إلا شذوذا. والثاني: أن نون هذه التثنية يجوز تشديدها، ونون تثنية الاسم المتمكن لا يجوز تشديدها، وقد مضى الكلام على مثل ذلك في باب الموصولات. والهاء من قولي "وتليها الكاف" عائدة على نونها. وقلت "وحدها في غير القرب" ليعلم أن اللام تجتمع مع الكاف في التثنية كما اجتمعت في الإفراد، وأنّ لِمُثَنَّى المشار إليه في البعد ما له في التوسط، لأنهم استثقلوا اللام بعد النون. وزعم قوم أن من قا ل "ذانِّك" بتشديد النون قصد تثنية "ذلك". ويبطل هذا القولَ جوازُ التشديد في نون "ذين وتين" بل التشديد جابر لما فات من بقاء

стр. 240

الألف التي حقها ألا تحذف كما لا تحذف ألف المقصور. ويؤيد صحة هذا الاعتبار جواز تشديد نون "اللذين واللتين" ليكون جابرا لما فات من بقاء ياء "الذي والتي" كما تبقى ياء المنقوص حين يثنى. وإذا جمع اسم الإشارة وهو في المرتبة الأولى قيل فيه "أُولاءِ" مطلقا، أي في التذكير والتأنيث، عاقلا كان المشار إليه أو غير عاقل. وحكى قطرب أن "أولاءٍ" بالتنوين لغة، وتسمية هذا تنوينا مجاز، لأنه غير مناسب لواحد من أقسام التنوين. والجيد أن يقال: أن صاحب هذه اللغة زاد بعد همزة "أولاء" نونا، كما زيد بعد فاء "ضيف" نون، إلا أن "ضيفا" معرب، فلما زيد آخرَه نونٌ صار حرف إعراب فتحرك، و"أولاء" مبني فلما زيد آخره نون سكن إذ لا موجب لتحركه، فإنه آخر مبني بحركة. وإذا كان جمع المشار إليه مجاوزا للمرتبة الأولى قيل فيه "أولئك" ثم "أولالك" على رأي قوم. وعلى رأي آخرين أن جمع المشار إليه في المرتبة الثالثة "أولئك وأولا لك" معا، وله في المرتبة المتوسطة "أولاك"، بالقصر. وقد حكى الفراء أن المدفى "أولاء وأولئك" لغة الحارثيين، وأن القصر فيهما لغة التميميين. وهذا هو المأخوذ به، لأن مستنده رواية، ومستند غيره رأي، والرواية أولى من الرأي. و"هُلاءِ" في "أولاء" من باب إبدال الهمزة هاء، وهو باب واسع. وأما "أولاءُ" بضم الهمزتين، و"وأولاءِ" و"أولئك" بإشباع الضمة فلغتان عربيتان ذكرهما قطرب.

стр. 241

وذكر أبو علي الشلوبين أن من العرب من يقول (هَوْلاءِ) وأنشد: تَجَلَّد لا يَقُلْ هَوْلاءِ هذا ... بَكَى لمَّا بَكَى حَذَرًا عليك وقال أبو علي أيضًا: حكى اللغويون (أولّاك) بالقَصْر والتشديد، وأنشد: مِنْ بين أولّاك إلى أولّاكا وقرأ ابن كثير في شاذ: (فذانِيك) بتخفيف النون وزيادة ياء. ص: ومن لم يرَ التوسط جعل المجرَّد للقرب، وغيرَه للبعد، وزعم الفرَّاء أنّ تركَ اللام لغة تميم. ش: المراد بالمجرد ما ليس معه كاف الخطاب، سواء كان معه التثنية أو لم تكن معه، وقد تقدم أن للنحويين في اسم الإشارة مذهبين: أحدهما أن له مرتبتين بعيدة وقريبة. والثاني: أن له ثلاث مراتب. والأول هو الصحيح، وهو الظاهر من كلام المتقدمين، ويدل على صحته أربعة أوجه: أحدها: أن النَّحويين مجمعون على أن المنادى ليس له إلا مرتبتان مرتبة للقرب تستعمل فيها الهمزة، ومرتبة للبعد وما هو في حكمه تستعمل فيها بقية الحروف. والمشار إليه شبيه بالمنادى، فليقتصر فيه على مرتبتين إلحاقا للنظير بالنظير. والثاني: أن المرجوع إليه في مثل هذا النقل لا العقل، وقد روى الفراء أن بني تميم يقولون: ذاك وتيك، بلا لام، حيث يقول الحجازيون: ذلك وتلك، باللام، وأن الحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام، وأن التميميين ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام، فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له

стр. 242

إلا مرتبتان: إحداهما للقرب، والأخرى لأدنى البعد وأقصاه. الثالث: أن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا لمجرد من اللام والكاف معًا، أو لمصاحب لهما معًا. أعني غير المثنى والمجموع، فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها لكان القرآن العزيز غير جامع لوجوه الإشارة، وهذا مردود بقوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء). الرابع: أن التعبير "بذلك" عن مضمون كلام على إثر انقضائه شائع في القرآن وغيره ولا واسطة بين النطقين، كقوله تعالى (ذكل ما كنا نبغي) و (ذلك ليعلم أني لم أخُنْه) و (ذلك تأويلُ ما لم تسطع عليه صبرا) و (ذلكم حكم الله). الخامس: أنه لو كانت مراتب الإشارة ثلاثًا لم يكتف في باقي التثنية والجمع بلفظين، لأن في ذلك رجوعًا عن سبيل الإفراد، وفي اكتفائهم بقولهم "هذان وذانك" و"هؤلاء وأولئك" دليل على أن "ذاك وذلك" مستويان، وأن ليس للإشارة إلا مرتبتان. ولا التفات إلى قول من قال: إن تشديد نون ذانك دليل على البعد، وتخفيفها دليل على القرب، لأنه قد سبق الإعلام بأن التشديد عوض مما حذف من الواحد، لأنه يستعمل مع التجريد من الكاف كما يستعمل مع التلبس بها.

стр. 243

وكذلك لا يلتفت إلى قول من زعم أن "أولا لك" للبعد دون "أولئك" لقلة "أولا لك" وكثرة الحاجة إلى جمع "ذلك" لأنه يلزم منه خلو القرآن من إشارة إلى جماعة بعُداء، وذلك باطل بمواضع كثيرة من القرآن، فثبت ما أردناه والحمد لله. ص: وتصحَبُ هاءُ التنبيه المجرّد كثيرا، والمفردَ المقرونَ بالكاف دون اللام قليلا. وفَصْلها من المجرد "بأنا" وأخواتِه كثيرٌ، وبغيرها قليل، وقد تعاد بعد الفصل توكيدا. والكافُ حرف خطاب يُبَيِّن أحوال المُخاطَب بما يُبَيِّنُها إذا كان اسما. وقد يغني ذلك عن ذلكم، وربما استغني عن الميم بإشباع ضمة الكاف. ش: قد تقدم أن المراد بالمجرد ما لم تتصل به كاف الخطاب فيدخل في ذلك "ذا وذان وذي وأخواتها". و"تان وأولا وأولاء" فيقال: هذا، وهذان، وهذي إلى العاشرة، وهاتان وهؤلا وهؤلاء. ولا تلحق المقرون بكاف الخطاب إلا مجردًا من اللام، وعدم لحاقها إياه أكثر من لحاقها. ومن لحاقها إياه قول طرفة: رأيتُ بني غَبْراءَ لا يُنْكِرونني ... ولا أهلُ هذاكَ الطرافِ الممدد ومثله قول الآخر: ياما أُمَيْلح غِزلانا شَدَنْ لنا ... من هؤُليّائِكُن الضّالِ والسَّمُر ولا تلحق المقرون باللام فلا يقال هذالك، كرهوا كثرة الزوائد ولا تلحق أيضًا المقرون بالكاف في التثنية والجمع فلا يقال: هذانك، ولا هؤلائك لأن واحدهما ذاك وذلك، فحمل على ذلك مثناه وجمعه لأنهما فرعاه

стр. 244

وحمل عليهما مثنى ذاك وجمعه لتساويهما لفظًا ومعنى. وفصل هاء التثنية من اسم الإشارة المجرد بأنا وأخواته كقولك: هأنذا، وها نحن أولاء، إلى: هاهنّ أولاء. ومنه قول السائل عن وقت الصلاة: "هأنذا يا رسول الله" وقوله تعالى (ها أنتم أولاء تحبونهم) ومثل الفصل بغير ذلك قول الشاعر: ها إنّ ذي عِذْرَة إن لا تكنْ نَفَعت ... فإن صاحبَها مُشارك النَّكد وأنشد سيبويه: ونحنُ اقْتسمنا المالَ نصفين بيننا ... فقلتُ لهم هذا لها ها وذا لِيا قال سيبويه: كأنه أراد أن يقول: وهذا لي، فصير الواو بين "ها" و"ذا" وزعم الخليل أن مثل ذلك: أي ها الله ذا. وقال سيبويه: وقد تكون "ها" في: ها أنت ذا، غير مقدمة، ولكنها تكون للتنبيه بمنزلتها في "هذا" يدلك على ذلك قوله تعالى "ها أنتم هؤلاء" فلو كانت "ها" المتقدمة مصاحبة أولاء لم تعد مع أولاء. وإلى نحو "ها أنتم هؤلاء" أشرت بقولي "وقد تعاد بعد الفصل". والكاف حرف خطاب كتاء أنت، تدل على أحوال المخاطب في حرفيتها بما تدل في اسميتها، فيقال: ذاكَ وذاك وذاكم وذاكنّ، كما يقال: رأيتكَ ورأيتك ورأيتكما ورأيتكم ورأيتكنّ، فيستوي اللفظ بالحرفية والاسمية، كما استوى اللفظ بتاء أنت وتاء فعلت.

стр. 245

وقد يقال في خطاب جماعة الذكور كما يقال في خطاب الواحد، كقوله تعالى (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) و (ذلك خير لكم وأطهر) فأغنى ذلك عن ذلكم، ولم يُغن أنت عن أنتم. وذلك أن "الذال والألف" قد يستغنى بهما عن الكاف عند تقدير القرب أو قصد الحكاية كقوله تعالى (هذا ما توعدون ليوم الحساب) و (هذا من شيعته وهذا من عدوه) و (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) فجاز الاستغناء بالكاف عن مصحوبها، ولا يستغنى بالهمزة والنون عن التاء، فلم يجز الاستغناء بالتاء عن الميم. وأشرت بقولي "وربما استغنى عن الميم بإشباع ضمة الكاف" إلى ما أنشده بعض الكوفيين من قول الراجز: وإنما الهالك ثم التالكُ ... ذو حَيْرة ضاقت به المسالكُ ... كيف يكون النوْك إلا ذلكُ أراد: ذلكم فأشبع الضمة واستغنى عن الميم بالواو الناشئة عن الإشباع. ص: وتتَّصل "بأَرأَيت" موافقة "أخْبِرْني" هذه الكاف، مُغْنيًا لحاقُ علامات الفروع بها عن لحاقها بالتاء، وليس الإسنادُ إليها مُزالا عن التاء خلافا للفرّاء، وتتصل أيضا بحيَّهل، والنَّجاء، ورُوَيد، أسماء أفعال. وربما اتصلت بِبَلى، وأبْصَرَ، وكَلاّ، وليس، ونعْم، وبِئْس، وحسبت. ش: إذا أريد "بأرأيت" معنى "أخْبرني" جاز أن تتصل به كاف الخطاب وألا تتصل به، فإن لم تتصل به وجب للتاء ما يجب لها مع سائر الأفعال من تذكير

стр. 246

وتأنيث وتثنية وجمع، ومنه قوله تعالى (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم). وإن اتصلت به اسْتُغْنِيَ بما يلحق الكاف من علامة تأنيث وتثنية وجمع عما يلحق التاء، وألزمت التاء ما يلزمها في خطاب المفرد المذكر، ومنه قوله تعالى (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله). ولو كان الخطاب لاثنين بهذا المعنى لقيل: أرأيتَكما. ولو كان لأنثى لقيل: أرأيتَكِ. ولو كان لإناث لقيل: أرأيتَكنَّ. فيلزم التاء الفتح، ويلزم الكاف التحريك. والكاف في هذا كله حرف خطاب لا موضع له من الإعراب. واستدل سيبويه على ذلك بقول العرب: أريتَكَ فلانا ما حاله. ومنه قوله تعالى (أرأيتَك هذا الذي كرَّمْتَ عليَّ). وزعم الفراء أن موضعه رفع بالفاعلية، وأن التاء حرف خطاب. والقول الأول أولى، لأن التاء لا يستغنى عنها والكاف يستغنى عنها، وما لا يستغنى عنه أولى بالفاعلية مما يستغنى عنه. ولأن التاء محكوم بفاعليتها على غير هذا الفعل بإجماع والكاف بخلاف ذلك، فلا يعدل عما ثبت لهما دون دليل. فلو لم يُرَد بأرأيت معنى أخبرني وجب للتاء والكاف مجتمعَيْن ما يجب لهما منفردين فيقال: أرأيتَكَ قادرًا، وأرأيتِكِ قادرة، وأرأيتكما قادرين، وأرأيتموكم قادرين، وأرأيتنكن قادرات، كما يقال أعلمتك قادرا وأعلمتماكما قادرين، وأعلمتموكم قادرين، وأعلمتك قادرة، وأعلمتماكما قادرتين وأعلمتنكن قادرات. ومثال اتصال الكاف المذكورة بحَيَّهَل، والنَّجاءن ورُوَيْد: حَيَّهلَك،

стр. 247

والنجاءَكَ ورُوَيْدَك، بمعنى: ائت، وأسرع، وأمهل. وروى أيضًا اتصالها ببلى، وأبصر، وكَلاّ، وليس، ونعم، وبئس، وحسِب، أنشد أبو علي: وحِنْتَ وما حَسِبْتُك أن تَحِينا وأجاز أن تكون فيه حرف خطاب، وحمله على ذلك وجود "أنْ" بعدها، فإنه إن يكن الأمر كما قال لزم الإخبار بأن والفعل عن اسم عين، وذلك لا سبيل إليه في موضع يخبر عنه فيه بمصدر صريح نحو: زيد رضًى، فكيف به في موضع بخلاف ذلك. ص: وقد ينوب ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه، وذو القرب عن ذي البعد لحكاية الحال، وقد يتعاقبان مُشارا بهما إلى ما قد ولِياه، وقد يشار بما للواحد إلى الاثنين وإلى الجمع. ش: من نيابة ذي البعد عن ذي القرب لعظمة المشير قوله تعالى (وما تلك بيمينك يا موسى). ومن نيابته عنه لعظمة المشار إليه قوله تعالى (ذلكم الله ربي) ومنه قول امرأة العزيز مُشِيرةً إلى يوسف ﵇ (فذلِكُنّ الذي لُمتُنَّنِي فيه) بعد أن أشارت إليه النسوة بهذا إذ قلن (ما هذا بَشَرًا) والمجلس واحد، إلا أن مَرْأى يوسف عند امرأة العزيز كان أعظمَ من مَرْآه عند النسوة، فأشارة إليه بما يشار به إلى البعيد إجلالا وإعظاما.

стр. 248

ومن نيابة ذي القرب عن ذي البعد لحكاية الحال قوله تعالى (كُلًّا نُمِدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) وقوله تعالى (فوَجد فيها رجلين يَقْتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه). وأما تعاقب ذي القرب وذي البعد على إثر ما الإشارة إليه فكقوله تعالى متصلا بقصة عيسى ﵇ (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) ثم قال (إنّ هذا لهو القَصص الحق) ومنه قوله تعالى (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين) وقوله تعالى (وعندهم قاصرات الطرف أتراب* هذا ما تُوعَدُون ليوم الحساب) ومنه (إن في ذلك لذكرى) و (إن في هذا لبلاغا). والإشارة بما للواحد إلى الاثنين كقوله تعالى (عَوانٌ بين ذلك) أي بين الفارض والبكر، ومنه قول الشاعر: إن الرَّشادَ وإن الغَيَّ في قَرَنٍ ... بكل ذلك يأتيك الجديدان والإشارة بما للواحد إلى الجمع كقول لبيد: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناسِ كيفَ لبيدُ

стр. 249

ومثله قول مسكين الدارمي: وبينا الفتى يرجو أمورا كثيرة ... أتى قدر من دون ذاك مُتاح ص: ويشار إلى المكان "بهُنا" لازمَ الظرفية أو شِبْهها، معطى ما "لذا" من مُصاحبة وتجَرُّد، وكهنالك "ثَمَّ" و"هنّا" بفتح الهاء وكسرها، وقد يقال "هَنَّتْ" موضع "هنّا" وقد تصحبها الكاف. وقد يراد بهنالك وهناك وهَنّا الزمان. وبُني اسمُ الإشارة لتَضمّنِ معناها، أو لشَبَه الحرف وضعا وافتقارا. ش: من قال في الإشارة إلى الشخص القريب "ذا" قال في الإشارة إلى المكان القريب "هُنا" دون تنبيه ولا خطاب، ومن رأى مصاحبة التنبيه فقال: هذا، قال: "ههنا". ومن قال: ذاك، قال: هناك. ومن قال: ذلك، قال: هنالك. ومن سَوَّى: ذاك وذلك، مُلْغيا للتوسط، سَوَّى: هناك وهنالك ومن لم يُسَوِّهما معترفا بالتوسط، لزمه مثل ذلك في: هناك وهنالك: ومن قال: هذاك، جامعا بين التنبيه والخطاب، قال: ههناك. ولا يقال: ههنالك، كما لا يقال: هذا لك. ويشار أيضًا إلى المكان البعيد بثَمَّ، وهَنّا، وهِنّا، كما يشار إليه بهنالك، وقد يقال: هَنّاك وهِنّاك. وقد يقال: هَنَّتْ، موضع هنّا. ومن شواهد هنّا قول الشاعر: كأنّ وَرْسا خالطَ اليَرَنّا ... خالطه مِن هَهُنا وهِنّا ومن شواهد هَنَّتْ قول الآخر: وذكرها هَنّت ولات هنّتِ أراد: هنا، ولات هنا.

стр. 250

وكل هذه الأسماء المشار بها إلى المكان لا تفارق الظرفية إلا بدخول مِنْ أو إلى عليها، وإلى ذلك أشرت بقولي (لازم الظرفية أو شبهها) لأن حرف الجر والمجرور بمنزلة الظرف. وقد يشار بهناك وهنالك وهنا إلى الزمان، فمن الإشارة إليه بهناك قول الأفوه الأودى: وإذا الأمورُ تعاظمت وتَشابهت ... فهناك يعترفون أينَ المَفْزع ومن الإشارة بهنالك قوله تعالى (هناك ابتُلِي المؤمنون وزُلزلوا زلزالا شديدا) ومنه قول الشاعر: إذا هِيَ قامتْ حاسِرًا مُشْمَعِلَّةً ... نَخِيبَ الفُؤادِ رأسُها ما يُقَنَّع وقمتُ إليه باللِّجام مُيسِّرًا ... هنالِك يجزيني الذي كنتُ أصنع ومن الإشارة إلى الزمان بهَنّا قول الشاعر: حَنَّت نَوارِ ولات هَنّا حَنَّت ... وبدا الذي كانت نَوارِ أجَنَّت فهنّا إشارة إلى وقت، وهو منصوب على الظرفية، وحَنت في موضع رفع بالابتداء، والخبر الظرف، وهذا أحد المواضع المخبر فيها عن الفعل مؤولا بالمصدر. وزعم بعض المتأخرين أن "هنا" اسم لات، والتقدير: ليس ذلك الوقت وقت حنت، أي وقت حنان. وليس ما زعم صحيحا لأن هذا الاستعمال مخالف لاستعمال "لات" الملحقة بليس، ولاستعمال "هنا"، فإن "لات" إنما يكون
следующие страницы →