← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتأنيث وتثنية وجمع، ومنه قوله تعالى (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم). وإن اتصلت به اسْتُغْنِيَ بما يلحق الكاف من علامة تأنيث وتثنية وجمع عما يلحق التاء، وألزمت التاء ما يلزمها في خطاب المفرد المذكر، ومنه قوله تعالى (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله). ولو كان الخطاب لاثنين بهذا المعنى لقيل: أرأيتَكما. ولو كان لأنثى لقيل: أرأيتَكِ. ولو كان لإناث لقيل: أرأيتَكنَّ. فيلزم التاء الفتح، ويلزم الكاف التحريك. والكاف في هذا كله حرف خطاب لا موضع له من الإعراب. واستدل سيبويه على ذلك بقول العرب: أريتَكَ فلانا ما حاله. ومنه قوله تعالى (أرأيتَك هذا الذي كرَّمْتَ عليَّ). وزعم الفراء أن موضعه رفع بالفاعلية، وأن التاء حرف خطاب. والقول الأول أولى، لأن التاء لا يستغنى عنها والكاف يستغنى عنها، وما لا يستغنى عنه أولى بالفاعلية مما يستغنى عنه. ولأن التاء محكوم بفاعليتها على غير هذا الفعل بإجماع والكاف بخلاف ذلك، فلا يعدل عما ثبت لهما دون دليل. فلو لم يُرَد بأرأيت معنى أخبرني وجب للتاء والكاف مجتمعَيْن ما يجب لهما منفردين فيقال: أرأيتَكَ قادرًا، وأرأيتِكِ قادرة، وأرأيتكما قادرين، وأرأيتموكم قادرين، وأرأيتنكن قادرات، كما يقال أعلمتك قادرا وأعلمتماكما قادرين، وأعلمتموكم قادرين، وأعلمتك قادرة، وأعلمتماكما قادرتين وأعلمتنكن قادرات. ومثال اتصال الكاف المذكورة بحَيَّهَل، والنَّجاءن ورُوَيْد: حَيَّهلَك،

стр. 247

والنجاءَكَ ورُوَيْدَك، بمعنى: ائت، وأسرع، وأمهل. وروى أيضًا اتصالها ببلى، وأبصر، وكَلاّ، وليس، ونعم، وبئس، وحسِب، أنشد أبو علي: وحِنْتَ وما حَسِبْتُك أن تَحِينا وأجاز أن تكون فيه حرف خطاب، وحمله على ذلك وجود "أنْ" بعدها، فإنه إن يكن الأمر كما قال لزم الإخبار بأن والفعل عن اسم عين، وذلك لا سبيل إليه في موضع يخبر عنه فيه بمصدر صريح نحو: زيد رضًى، فكيف به في موضع بخلاف ذلك. ص: وقد ينوب ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه، وذو القرب عن ذي البعد لحكاية الحال، وقد يتعاقبان مُشارا بهما إلى ما قد ولِياه، وقد يشار بما للواحد إلى الاثنين وإلى الجمع. ش: من نيابة ذي البعد عن ذي القرب لعظمة المشير قوله تعالى (وما تلك بيمينك يا موسى). ومن نيابته عنه لعظمة المشار إليه قوله تعالى (ذلكم الله ربي) ومنه قول امرأة العزيز مُشِيرةً إلى يوسف ﵇ (فذلِكُنّ الذي لُمتُنَّنِي فيه) بعد أن أشارت إليه النسوة بهذا إذ قلن (ما هذا بَشَرًا) والمجلس واحد، إلا أن مَرْأى يوسف عند امرأة العزيز كان أعظمَ من مَرْآه عند النسوة، فأشارة إليه بما يشار به إلى البعيد إجلالا وإعظاما.

стр. 248

ومن نيابة ذي القرب عن ذي البعد لحكاية الحال قوله تعالى (كُلًّا نُمِدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) وقوله تعالى (فوَجد فيها رجلين يَقْتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه). وأما تعاقب ذي القرب وذي البعد على إثر ما الإشارة إليه فكقوله تعالى متصلا بقصة عيسى ﵇ (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) ثم قال (إنّ هذا لهو القَصص الحق) ومنه قوله تعالى (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين) وقوله تعالى (وعندهم قاصرات الطرف أتراب* هذا ما تُوعَدُون ليوم الحساب) ومنه (إن في ذلك لذكرى) و (إن في هذا لبلاغا). والإشارة بما للواحد إلى الاثنين كقوله تعالى (عَوانٌ بين ذلك) أي بين الفارض والبكر، ومنه قول الشاعر: إن الرَّشادَ وإن الغَيَّ في قَرَنٍ ... بكل ذلك يأتيك الجديدان والإشارة بما للواحد إلى الجمع كقول لبيد: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناسِ كيفَ لبيدُ

стр. 249

ومثله قول مسكين الدارمي: وبينا الفتى يرجو أمورا كثيرة ... أتى قدر من دون ذاك مُتاح ص: ويشار إلى المكان "بهُنا" لازمَ الظرفية أو شِبْهها، معطى ما "لذا" من مُصاحبة وتجَرُّد، وكهنالك "ثَمَّ" و"هنّا" بفتح الهاء وكسرها، وقد يقال "هَنَّتْ" موضع "هنّا" وقد تصحبها الكاف. وقد يراد بهنالك وهناك وهَنّا الزمان. وبُني اسمُ الإشارة لتَضمّنِ معناها، أو لشَبَه الحرف وضعا وافتقارا. ش: من قال في الإشارة إلى الشخص القريب "ذا" قال في الإشارة إلى المكان القريب "هُنا" دون تنبيه ولا خطاب، ومن رأى مصاحبة التنبيه فقال: هذا، قال: "ههنا". ومن قال: ذاك، قال: هناك. ومن قال: ذلك، قال: هنالك. ومن سَوَّى: ذاك وذلك، مُلْغيا للتوسط، سَوَّى: هناك وهنالك ومن لم يُسَوِّهما معترفا بالتوسط، لزمه مثل ذلك في: هناك وهنالك: ومن قال: هذاك، جامعا بين التنبيه والخطاب، قال: ههناك. ولا يقال: ههنالك، كما لا يقال: هذا لك. ويشار أيضًا إلى المكان البعيد بثَمَّ، وهَنّا، وهِنّا، كما يشار إليه بهنالك، وقد يقال: هَنّاك وهِنّاك. وقد يقال: هَنَّتْ، موضع هنّا. ومن شواهد هنّا قول الشاعر: كأنّ وَرْسا خالطَ اليَرَنّا ... خالطه مِن هَهُنا وهِنّا ومن شواهد هَنَّتْ قول الآخر: وذكرها هَنّت ولات هنّتِ أراد: هنا، ولات هنا.

стр. 250

وكل هذه الأسماء المشار بها إلى المكان لا تفارق الظرفية إلا بدخول مِنْ أو إلى عليها، وإلى ذلك أشرت بقولي (لازم الظرفية أو شبهها) لأن حرف الجر والمجرور بمنزلة الظرف. وقد يشار بهناك وهنالك وهنا إلى الزمان، فمن الإشارة إليه بهناك قول الأفوه الأودى: وإذا الأمورُ تعاظمت وتَشابهت ... فهناك يعترفون أينَ المَفْزع ومن الإشارة بهنالك قوله تعالى (هناك ابتُلِي المؤمنون وزُلزلوا زلزالا شديدا) ومنه قول الشاعر: إذا هِيَ قامتْ حاسِرًا مُشْمَعِلَّةً ... نَخِيبَ الفُؤادِ رأسُها ما يُقَنَّع وقمتُ إليه باللِّجام مُيسِّرًا ... هنالِك يجزيني الذي كنتُ أصنع ومن الإشارة إلى الزمان بهَنّا قول الشاعر: حَنَّت نَوارِ ولات هَنّا حَنَّت ... وبدا الذي كانت نَوارِ أجَنَّت فهنّا إشارة إلى وقت، وهو منصوب على الظرفية، وحَنت في موضع رفع بالابتداء، والخبر الظرف، وهذا أحد المواضع المخبر فيها عن الفعل مؤولا بالمصدر. وزعم بعض المتأخرين أن "هنا" اسم لات، والتقدير: ليس ذلك الوقت وقت حنت، أي وقت حنان. وليس ما زعم صحيحا لأن هذا الاستعمال مخالف لاستعمال "لات" الملحقة بليس، ولاستعمال "هنا"، فإن "لات" إنما يكون

стр. 251

اسمها لحين محذوفا كقوله تعالى (ولاتَ حين مناص) أي: وليس الحين حين مناص، وهنا بخلاف ذلك، فلا يكون اسم لات. وأيضا فإن "هَنا" لا تفارق الظرفية إلا بدخول "من" أو "إلى" عليها، وارتفاعه على أن يكون اسم لات مناف لذلك، فلا يصح. والضمير من قولي "لتضمنِ معناها" عائد على الإشارة، فإن معناها حقيق بأن يوضع له حرف يدل عليه، كما وضع للتنبيه والاستفتاح وغيرهما من المعاني الزائدة على مدلولات الأسماء والأفعال، فاستغنوا عن وضع حرف إشارة بتضمُن أسماء لمعناها، فلذا يحد اسم الإشارة بأنه: الدال بالوضع على مسمى والإشارة إليه. واستحق البناء لتضمنه معنى من المعاني الحرفية، وإذا كان الاسم يستحق البناء لتضمن معنى حرف لم يستغن به عن وضعه كاسم الاستفهام، فبناء ما تضمن معنى حرف استغنى عنه به كاسم الإشارة أحق وأولى. وهذا السبب يقتضي بناء كل اسم إشارة. ولكن عارضه في ذين وتين شبههما بمثنيات الأسماء المتمكنة، فأعربا، وقد تقدم التنبيه على ذلك وشبهه. وأما الشبه في الافتقار فالمراد به هنا حاجة اسم الإشارة في إبانة مسماه إلى مواجهة أو ما يقوم مقامها مما يتنزل منه منزلة الصلة من الموصول، وهذا أيضا سبب عام. وأما الشبه في الوضع فالمراد به كون "ذا" و"ذي" وأخواتها موضوعة على حرفين. وذلك من وضع الحروف، فاستحقت البناء بذلك، وحملت البواقي عليها لأنها فروع أو كالفروع. وإنما قلت "أو كالفروع" لأن منها "هنا" وأخواتها، وليست فروعا "لذا" و"ذي" ولكنها كالفروع، ولإمكان الاستغناء عنها "بذا" أو "ذي" والمستغنى به أصل للمستغنى عنه.

стр. 252

باب المُعَرَّف بالأداة ص: وهي "أل" لا اللام وحدها، وفاقا للخليل وسيبويه، وقد تخلفها "أم" وليست الهمزة زائدة، خلافا لسيبويه. ش: قد اشتهر عند المتأخرين أن أداة التعريف هي اللام وحدها، وأن المعبِّر عنها "بالألف واللام" تارك لما هو أولى، وكذا المعبر عنها "بأل" حتى قال ابن جني "ذكر عن الخليل أنه كان يسميها "أل" ولم يكن يسميها "الألف واللام" كما لا يقال في قد: القاف والدال. قلت: قد عبر سيبويه عن أداة التعريف "بأل" كما فعل الخليل، فإنه قال في باب: عدة ما يكون عليه الكلم: "وقد جاء على حرفين ما ليس باسم ولا فعل" فذكر: أم وهل ولم ومن وما ولا وأن وكي وبل وقد وأو ويا، ومن ثم قال: "وأل تعرف الاسم كقولك: القوم والرجل" معبرا عنهما بأل، وجعلها من الحروف الجائية على حرفين كأم وأخواتها. وقال في موضع آخر: "وإنما هي حرف بمنزلة قولك قد" ثم قال: "ألا ترى أن الرجل يقول إذا نسي فتذكر، ولم يرد أن يقطع كلامه: ألى، كما يقول "قدى" ثم يقول: "كأل وكأل" وهذا نصه، وهو موافق لما روى عن الخليل، فلولا أنه نسبها إلى الزيادة في موضع آخر لحكمت بموافقته الخليل مطلقا، إلا أن الخليل يحكم بأصالة الهمزة، وأنها مقطوعة في الأصل كهمزة "أم" و"أن" و"أو".

стр. 253

وسيبويه مع حكمه بزيادتها يعتد بها كاعتداده بهمزة "اسمع" ونحوه بحيث لا يعده رباعيا فيعطى مضارعه من ضم الأول ما يعطى مضارعه الرباعي للاعتداد بهمزته وإن كانت همزة وصل زائدة، فكذا لا يعد لام التعريف وحدها مع القول بأن همزتها همزة وصل زائدة. على أن الصحيح عندي، قول الخليل لسلامته من وجوه كثيرة مخالفة للأصل، وموجبة لعدم النظائر: أحدها: تصدير الزيادة فيما لا أهلية فيه للزيادة وهو الحرف. الثاني: وضع كلمة مستحقة للتصدير على حرف واحد ساكن، ولا نظير لذلك. الثالث: افتتاح حرف بهمزة وصل ولا نظير لذلك أيضا. الرابع: لزوم فتح همزة وصل بلا سبب، ولا نظير لذلك أيضًا. واحترزت باللزوم ونفي السبب من همزة "أيمن" في القسم فإنها تفتح وتكسر، وكسرها هو الأصل، ففتحت لئلا ينتقل من كسر إلى ضم دون حاجز حصين، ولم تضم لئلا تتوالي الأمثال المستثقلة. فإن جعِلَ فتحُ همزة حرف التعريف طلب التخفيف لأجل الاستعمال لزم محذور آخر وهو أن التخفيف مصلحة تتعلق باللفظ فلا يترتب الحكم عليها إلا بشرط السلامة من مفسدة تتعلق بالمعنى كخوف اللبس، وهو هنا لازم، لأن همزة الوصل إذا فتحت التبست بهمزة الاستفهام، فيحتاج الناطق بها إلى معاملتها بما يليق بها من إبدال وتسهيل ليمتاز الاستفهام عن الخبر، وذلك يستلزم وقوع البدل حيث لا يقع المبدل منه، لأن همزة الوصل لا تثبت إذا ابتدئ بغيرهان فإذا أبدلت أو سهلت بعد همزة الاستفهام وقع بدلها حيث لا تقع هي، وذلك ترجيح فرع على اصل أفضى إليه القول بأن همزة "أل" همزة وصل زائدة فوجب اطراحه. الخامس: أن المعهود الاستغناء عن همزة الوصل بالحركة المنقولة إلى الساكن نحو: رَزيدا، والأصل: ارْءَ، فنقلت حركة الهمزة إلى الرَّاء، واستغنى عن همزة الوصل، ولم يفعل ذلك بلام التعريف المنقول إليه حركة إلا على شذوذ، بل يبتدأ بالهمزة

стр. 254

على المشهور من قراءة ورش في مثل: الإخوة، وذلك في مثل: رَزيدا، لا يجوز أصلا، فلو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل زائدة له لم يبدأ بها مع النقل، كما لا يبدأ بها الفعل المذكور. السادس: أنه لو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل لم تقطع في: يا ألله، ولا في قولهم: فألله لأفعلنّ، بالقطع تعويضا من حرف الجر، لأن همزة الوصل لا تقطع إلا في اضطرار، وهذا الذي ذكرته قطع في الاختيار، روجع به أصل متروك، ولو لم يكن مراجعة أصل لكان قولهم: فألله لأفعلن، أقرب إلى الإجحاف منه إلى التعويض، إذ في ذلك جمع بين ما أصله أن يثبت، وإثبات ما أصله أن يحذف، فصح أن الهمزة المذكورة كهمزة: أم، وأن، وأو، لكن التزم حذفها تخفيفا إذا لم يبدأ بها ولم تَل همزة استفهام، كما التزم أكثر العرب حذف عين المضارع والأمر من رأي، وحذف فاء الأمر من أخذ وأكل، وهمزة أمّ في: ويْلمّه. واحتج بعض النحويين لسيبويه بأن قال: قد قيل: مررت بالرجل، فتخطى العامل حرف التعريف، فلو كان الأصل "أل" لكان في تقدير الانفصالن وكان يجب أن يقع قبل الجار، كما أن الحروف التي لا تمتزج بالكلمة كذلك، ألا ترى أنك تقول: هل بزيد مررت؟ ولا تقول: بهل زيدٍ مررت؟ فلولا أن حرف التعريف بمنزلة الزاي من زيد ما تخطاه العامل. والجواب: أن تقدير الانفصال لا يترتب على كثرة الحروف، بل على إفادة معنى زائد على المعنى المصحوب ولو كان المشعر به حرفا واحدا كهمزة الاستفهام، فإنها وإن كانت حرفا واحدا في تقدير الانفصال، لكون ما تفيده من المعنى زائدا على مصحوبها، غير ممازج له. وعدم تقدير الانفصال يترتب على إفادة معنى ممازج لمعنى المصحوب كسوف، فإنها وإن كانت على ثلاثة أحرف غير مقدرة الانفصال، لكون ما تفيد من المعنى ممازجا لمعنى الفعل الذي تدخل عليه. فإنها تعينه للاستقبال، وذلك تكميل لدلالته. وهكذا حرف التعريف غير مقدر الانفصال، وإن كان على حرفين، لأن ما أفاده من المعنى تكميل ليعين الاسم مسماه، فتنزل منزلة الجزء من مصحوبه

стр. 255

لفظا كما تنزل منزلة الجزء معنى، إلا أن امتزاج حرف التعريف بالاسم أشد من امتزاج سوف بالفعل لوجهين: أحدهما: أن معنى حرف التعريف لا يختص به بعض مدلول الاسم بخلاف معنى سوف فإنه مختص بأحد جزأي مدلول الفعل. والثاني: أن حرف التعريف يجعل الاسم المقرون به، شبيها بمفرد قصد به التعيين وضعا كالمضمر واسم الإشارة والعلم المرتجل، فلا يقدح في الامتزاج المعنوي كون المتمازجين بحرفين أو أكثر. وسوف وإن مازج معناها معنى مصحوبها لكن لا تجعله شبيها بمفرد قصد به وضعا ما قصد بها وبمصحوبها، لأن ذلك غير موجود. وقد ترتب على هذا امتناع الفصل بين حرف التعريف والمعرف به، ووقوعُه بين سوف والفعل المصاحب لها كقول الشاعر: وما أدري وسوف إخالُ أدري ... أقومٌ آل حِصْنٍ أم نساءُ وفعل ذلك أيضا بقد كقول الشاعر: لقد أرسلُوني في الكواعبِ راعيا ... فقد وأبي راعي الكواعب أفْرِسُ أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي، فسكن الياء وفصل. واحتج قوم على الخليل بأن قالوا: لما كان التنكير مدلولا عليه بحرف واحد وهو التنوين، كان التعريف مدلولا عليه بحرف واحد كذلك وهو اللام، لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره. وهذا ضعيف جدا لأن الضدين قد يتفقان في العبارة مطلقا كصَعُب صُعُوبة فهو صَعْب، وسَهُل سُهُولة فهو سَهْل. وقد يختلفان مطلقا كشَبع شِبَعا فهو شَبْعان، وجاع جُوعا فهو جائِع. وقد يتفقان من وجه ويختلفان من وجه كرَضِيَ رِضًا فهو رَاض، وسخط سُخْطا فهو ساخِط، والاختلاف أولى بهما ليكون سبيلهما في المعنى واللفظ واحد.

стр. 256

وإن سُلِّم حمل الشيء على ضده فيشترط تعذر حمله على نِدِّه، وقد أمكن الحمل عليه، فتعين الجنوح إليه. ونقول: التعريف نظير التأنيث في الفرعية، فاشتركا في استحقاق علامة، والتنكير نظير التذكير في الأصالة، فينبغي أن يشتركا في الخلو من علامة. فإن وضع للتنكير علامة فحقها أن تنقص عن علامة التعريف، تنبيها على أنه أحق بالعلامة لفرعيته وأصالة التنكير، وذلك موجب لكون علامة التعريف حرفين وهو المطلوب. وأيضا فإن التعريف طارئ على التنكير كطُرُوّ التثنية على الإفراد فيُسَوَّى بينهما بجعل علامة لكل واحد منهما حرفين، أحدهما يحذف في حال دون حال. وأيضا لما كانت "مِنْ" ذاتَ حرفين، ومدلولها العموم في نحو: ما فيها مِنْ رجلٍ، وكان حرف التعريف نظيرها في العموم سُوِّي بينهما، فكان حرف التعريف حرفين، تسوية بين النظيرين. ولما كانت اللام تدغم في أربعة عشر حرفا فيصير المعرف بها كأنه من المضاعف العين الذي فاؤه همزة، جعل أهل اليمن ومن داناهم بدلها ميما، لأن الميم لا تدغم إلا في ميم، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك. ص: فإنْ عُهدَ مَدْلول مصحوبها بحضور حِسِّيٍّ أو علمِيٍّ فهي عَهْدية، وإلاَّ فجِنْسيَّة. ش: أشرت بالحُضُور الحسي إلى حضور ما ذُكِرَ كقوله تعالى (كما أرسلنا إلى فِرْعون رسولا * فعصى فرعون الرسول) وإلى حضور ما أُبْصِرَ كقولك لمن سدّد سهما: القرطاسَ والله. وبالحضور العلمي إلى نحو قوله تعالى (اليومَ أكملتُ لكم دينكم) و

стр. 257

(إذ هما في الغار) و (إذ ناداه ربُّه بالوادِ المقدسِ) و (إذْ يبايعونك تحت الشجرة). ثم قلت "وإلا فجنسية" أي إن لا يكن المدلول عليه بمصحوب الأداة معهودا بأحد الحضورين المبينين بالأداة فهي جنسية. ص: فإنْ خَلَفها كلٌّ دون تجَوُّز فهي للشُّمول مطلقا، ويُسْتَثْنى من مصحوبها. وإن أفرد فباعتبار لفظه فيما له من نعت وغيره أوْلى. فإن خلفها تجَوُّزا فهي لشمول خصائص الجنس على سبيل المبالغة. ش: مثال التي يخلفها كلٌّ دون تجوز قوله تعالى (وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا) والمراد بكون الشمول مطلقا عموم الأفراد والخصائص، بخلاف التي يخلفها كل على سبيل التجوز كقولك: زيد الرجل، بمعنى الكامل في الرجولية، الجامع لخصائصها، فإن هذا تجوز لأجل المبالغة. ويستعملون كلًّا بهذا المعنى تابعا وغير تابع فيقولون: زيد كل الرجل، وزيد الرجل كل الرجل، وحكى الفراء عن العرب: أطعمنا شاة كل شاة. والشمول الحقيقي هو الأصل، ولذلك اسْتَغْنى عن قرينة، ولم يسْتَغنِ الثاني عنها. ومثال الاستثناء من مصحوبها قوله تعالى (والعصر* إن الإنسانَ لفي خسْر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلولا أن أداة التعريف اقتضت شمول الحقيقة والإحاطة بأفرادها، لم يستثن الذين آمنوا من المعرف بها وهو الإنسان. والأكثر في نعت مصحوب الإحاطية وخبره موافقةُ اللفظ كقوله تعالى

стр. 258

(والجار ذي القُرْبى والجار الجُنُب) وكقوله تعالى (لا يَصْلاها إلا الأشقى* الذي كذب وتوى* وسيُجَنَّبُها الأتقى* الذي يُؤْتي ماله يَتَزكى). وموافقة المعنى دون اللفظ كقوله تعالى (أو الطفلِ الذين لم يظهروا على عورات النساء) وحكى الأخفش: أهْلَكَ الناسَ الدينارُ الحُمْر والدرهمُ البيضُ. ومن موافقة المعنى دون اللفظ ما هو من الأحد، أي من الناس، أنشد اللحياني: وليس يظلمُني في وَصْل غانية ... إلا كعمرٍو وما عمرٌو من الأحدِ قال اللحياني: ولو قلت: ما هو من الإنسان تريد من الناس أصبت. ص: وقد تعرِضُ زيادتُها في عَلمٍ، وحالٍ، وتمييزٍ، ومضافٍ إليه تمييزٌ. وربما زيدت فلزمت. والبدلية في نحو: ما يحسُنُ بالرجل خيرٍ منك، أولى من النعت والزيادة. وقد تقوم في غير الصلة مقام الضمير. ش: عروض زيادتها في علم كقول الشاعر: وقد جَنَيْتُك أكْمُؤًا وعَساقِلا ... ولقد نهيتك عن بناتِ الأوْبَرِ أراد بنات أوبر، وهو علم لضرب من الكمأة. وقال آخر: أما ودماءٍ مائراتٍ تخالها ... على قُنْةِ العُزَّى والنَّسْر عندَما

стр. 259

أراد نَسْرًا وهم صنم. وعروض زيادتها في الحال كقراءة بعض القراء (ليَخْرُجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ) أي ليخرجن العزيز منها ذليلا. وكقول بعض العرب: ادخلوا الأول فالأول، أي: أولا فأولا. ومنه قول الشاعر: دُمْتَ الحميدَ فما تَنْفَكُ مُنْتَصِرا ... على العِدا في سبيل المجدِ والكرم وعروض زيادتها في التمييز كقول الشاعر: رأيتُك لَمّا أن عرفتَ وجوهنا ... صدَدْت وطبتَ النفسَ يا قيسُ عن عمرو ومنه الحديث: أن امرأة كانت تهراق الدماء، والأصل: تهراق دماؤها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، وصار المسند إليه منصوبا على التمييز، ثم أدخل عليه حرف التعريف زائدًا. وعروض زيادتها على ما أضيف إليه تمييز كقول الشاعر: إلى رُدُحٍ من الشِّيزَى مِلاءٍ ... لبابَ البُرِّ يُلْبَك بالشِّهادِ أراد: لبابَ بُرٍّ وأنشد أبو علي: تُولي الضَّجِيعَ إذا تَنَبَّه مَوْهِنا ... كالأقحُوانِ من الرَشاش المُسْتقى

стр. 260

وزعم أن قائله أراد: من رشاش المستقى، فزاد الألف واللام، ولم يعتد بهما فلذلك أضاف إلى ما هما فيه. وهذا الذي ذهب إليه بعيد، ولكن يوجه البيت على أن قائله أراد: كالأقحوان المستقى من الرشاش المستقى، فحذف من الأول، وأبقى الثاني دليلا عليه، كما فعل من قال: تقولُ ودَقَّتْ صدرها بيمينها ... أبَعْلِيَ هذا بالرَّحى المُتقاعِسُ أراد: بعلي هذا المتقاعس بالرحى المتقاعس، ثم حذف، وهذا التوجيه نظائره كثيرة، ولا نظير لما وجه به أبو علي، فلذلك لم أقل بقوله. وأشرت بقولي "وبما زيدت فلزمت" إلى نحو: اليسع، والآن، والذي. وأشرت بقولي "والبدلية في نحو: ما يحسنُ بالرجل خيرٍ منك، أولى من النعت" إلى قول سيبويه في باب: "مجرى نعت المعرفة عليها" ومن النعت: ما يحسن بالرجل مثلك أو خير منك أن يفعل ذاك. وزعم الخليل أنه إنما جر هذا على نية الألف واللام. ولكنه موضع لا تدخله الألف واللام، كما أن الجَمّاء الغفيرَ على نية إلغاء الألف واللام نحو: "طرا وقاطبة" فحكم الخليل في المقرون بالألف واللام المتبع بمثلك وخير منك بتعريف المنعوت والنعت. وذهب أبو الحسن إلى أنهما نكرتان، وأن الألف واللام زائدتان في نية الاطراح. وعندي أن أسهل مما ذهب إليه الحكم بالبدلية، وتقرير المتبوع والتابع على ظاهرهما. وأشرت بقولي: وقد تقوم في غير الصلة مقام ضمير إلى نحو: مررت برجل حسنٍ الوجهُ، بتنوين حسن ورفع الوجه، على معنى: حسنٍ وجهُه، فالألف واللام

стр. 261

عوض من الضمير، وبهذا التعويض قال الكوفيون وبعض البصريين، وإن كان بعض المتأخرين قد عد هذه المسألة من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين. وأنكر ذلك أبو الحسن علي بن محمد بن علي المعروف بابن خروف وقال: لا ينبغي أن يجعل بينهما خلافٌ، لأن سيبويه قد جعل الألف واللام عوضًا من الضمير في قوله في باب البدل: "ضُرِبَ زيدٌ الظَهرُ والبطنُ" وهو يريد: ظهره وبطنه، ولم يقل الظهر منه ولا البطن منه. قلت: لما كان حرف التعريف بإجماع مغنيا عن الضمير في نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل، جاز أن يغني عنه في غير ذلك لاستوائهما في تعيين الأول، ولذلك لم يختلف في جواز مررت برجل حسنٍ وجهُ أبيه، واختلف في جواز نحو: مررت برجل حسنٍ وجهُ أب، إذ ليس فيه ضمير ولا حرف تعريف، والمنع به أولى، وهو مذهب سيبويه. ومن ورود الألف واللام عوضا من الضمير قوله تعالى (فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيمَ هي المأوى* وأما من خاف مقام ربِّه ونَهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى) ذكر ذلك الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وعزاه إلى جماعة من أئمة النحو، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى (جنات عدن مُفَتّحةً لهم الأبواب) وزعم أبو علي والزمخشري أن الأبواب بدل من ضمير مستكن بمفتحة، وهذا تكلف يوجب أن يكون الأبواب مرتفعًا بمفتحة المذكور، على القول بأن العامل في البدل والمبدل منه واحد، أو بمثله مقدرا، على القول بأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه. وعلى كل حال قد صح أن "مفتحة" صالح للعمل في الأبواب، فلا حاجة إلى تكلف إبدال. وأيضا فالحاجة إلى الضمير في بدل البعض كالحاجة في السبى المرفوع بما جرى على ما هو من سببه، فقد قامت الألف واللام مقام الضمير على كل تقدير.

стр. 262

قال ابن خروف: "وحمل أبو علي وغيره من المتأخرين هذا المرفوع على البدل من ضمير في الصفة، ولا يطرد لهم ذلك في مثل: مررت برجل كريمٍ الأبُ، وحسن وجهُ الأخ، لا سبيل إلى البدل في هذا وأمثاله، فإذا امتنع البدل، فالباب كله على ما ذهب إليه الأئمة". فقد تضمن كلام ابن خروف ﵀ أن الحكم على المرفوع المشار إليه بغير البدلية هو مذهب الأئمة، وكفى بنقله شاهدًا. وقد منع التعويضَ بعضُ المتأخرين وقال: لو كان حرف التعريف عوضًا من الضمير لم يجتمعا، إذ اجتماع العوض والمعوض منه ممتنع، وقد اجتمعا في قول طرفة: رَحيبُ قِطابُ الجيبِ منها رفيقةٌ ... بِجَسِّ النَّدامى بَضَّة المُتَجَرَّدِ والجواب من وجهين: أحدهما: أن نقول: لا نسلم أن حرف التعريف الذي في البيت عوض، بل جيء به لمجرد التعريف، فجمع بينه وبين الضمير إذ لا محذور في ذلك. ونظير هذا أن التاء في جهة، عوض من الواو التي هي فاء، وقد قالوا: وجهة، ولم يُجْعَلْ ذلك جمعا بين العوض والمعوض منه، بل حمل ذلك على أن التاء في وجهة لمجرد التأنيث بخلاف تاء جهة. الثاني: أن نقول: سلمنا كون حرف التعريف الذي في البيت عوضًا، إلا أنه جمع بينه وبين ما عوض منه اضطرارًا، كما جمع الراجز بين ياء النداء والمعوض منها في قوله:

стр. 263

إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّا ... أقولُ يا اللهُمَّ يا اللهُمَّا ومما يقوي كون حرف التعريف عوضا قول الشاعر في صفة صقر: يأوِي إلى قُنَّة خَلقاء راسية ... حُجْنِ المخالِبِ لا يَغْتالُه الشِّبع أراد: حجن مخالبه، ولولا ذلك لقال: أحجن المخالب، كما يقال: رجل أحمر الثياب، وأنشد الكوفيون: أيا ليلةً خُرسَ الدجاجِ سَهِرْتُها ... ببغدادَ ما كادت عن الصُّبح تنجلي أراد: خرسا دجاجُها، ولولا ذلك لقال: خرساء الدجاج، كما يقال: امرأة حمراء الثياب. وإذا صح التعويض فلا يقاس عليه إلا ما سمع له نظير، ولا يقدح في صحته عدم استعماله في صلة وغيرها على سبيل الاطراد، كما لا يقدح في كون تنوين حينئدٍ عوضا من الإضافة امتناعُ ذلك في إذا وغيرها من الملازمات للإضافة. لكن شرط التعويض المشار إليه أن يكون فيما يُسْتقْبح خلوه من الضمير والألف واللام معا، فلا يجعل من ذلك نحو: البُرُّ الكُرُّ بستين، لأنك لو قلت: كُرٌّ بستين، فأخليته من الضمير والألف واللام معا لم يُسْتَقْبَح، بخلاف ما تقدم. فصل: ص: مدلولُ إعراب الاسم ما هو به عمدةٌ، أو به فَضْلةٌ، أو بينهما. فالرفع للعمدة، وهي مبتدأ، أو خبر، أو فاعل، أو نائبه، أو شبيه به لفظا.

стр. 264

وأصلها المبتدأ، أو الفاعل، أو كلاهما أصل. والنصب للفضلة وهي: مفعول مطلق، أو مقيد، أو مستثنى، أو حال، أو تمييز، أو مشبه بالمفعول به. والجر لما بين العمدة والفضلة، وهو المضاف إليه. وأُلْحِقَ من العمدة بالفضلات المنصوبُ في باب: كان، وإنَّ، ولا. ش: العمدة عبارة عما لا يجوز حذفه من أجزاء الكلام إلا بدليل يقوم مقام اللفظ به. والفضلة عبارة عما يسوغ حذفه مطلقا إلا لعارض، وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى. ولما كان المضاف إليه في موضع يكمل العمدة نحو: جاء عبد الله، وفي موضع يكمل الفضلة نحو: أكرمت عبد الله، وفي موضع يقع فضلة نحو: زيد ضارب عمرٍو، حكم عليه بأنه بين العمدة والفضلة. ولما كان الاهتمام بالعمدة أشدَّ من الاهتمام بغيرها جعل إعرابه الرفع، لأن علامته الأصلية ضمة، وهي أظهر الحركات. وإنما قلنا: هي أظهر الحركات لوجهين: أحدهما: أنها من الواو، ومخرجها من الشفتين، وهو مخرج ظاهر، بخلاف الفتحة والكسرة فإنهما من الألف والياء، ومخرجاهما من باطن الفم. والثاني: أن الضمة يمكن الإشارة إليها بالإشمام عند سكون ما هي فيه وقفا وإدغاما بخلاف غيرها. ولما كانت الكسرة تشبه الضمة جعلت علما للمضاف إليه، لأنه قد يكمل العمدة، ولأن الكسرة متوسطة بين الثقل والخفة، فجعلت للمتوسط بين العمدة والفضلة. ولما جعلت الضمة للعمدة، والكسرة للمتوسط بين العمدة والفضلة، تعينت الفتحة للفضلة، وتبع كلَّ واحد من الحركات ما هو بالنيابة عنها، وقد تقدم بيان

стр. 265

ذلك في باب الإعراب. والمراد بالمفعول المطلق: المصدرُ الموكِّد، والمبيِّن للنوع، أو لعدد المرات. والمراد بالمُقَيَّد: المفعول به، والمفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه. ولما تقدَّم أن النصب إعراب الفضلات، وكان ما نصب في باب "كان" وباب "إن" وباب "لا" عمدة، لكونه أحد ركني الإسناد، نبهت على ذلك بقولي "وألحق من العُمَد بالفضلات" إلى آخره.

стр. 266

باب المبتدأ ص: وهو ما عَدِم حقيقة أو حكما عاملا لفظيا من مُخْبَر عنه، أو وصفٍ سابق رافع ما انفصل وأغنى. والابتداء كون ذلك كذلك، وهو يرفع المبتدأ، والمبتدأ الخبرَ، خلافا لمن رفعهما به، أو بتجرُّدِهما للإسناد، أو رفع بالابتداء المبتدأ، وبهما الخبر، أو قال: ترافعا. ش: قد تقدم ما يدل على أن الإخبار عن الشيء يكون باعتبار لفظه، كما يكون باعتبار معناه، وأن المخبر عنه بالاعتبارين يكون اسما، نحو: زيد كاتب، وزيد معرب. ويكون غير اسم نحو (وأن تصوموا خيرٌ لكم) فخير خبر عن "أن تصوموا" باعتبار المعنى. فلو قلت: أنْ وتصوموا، ناصب ومنصوب، لكان إخبارا باعتبار اللفظ، ومن الإخبار باعتبار المعنى والمُخْبَر عنه في اللفظ غير اسم قوله تعالى (سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تُنْذِرهم) أي سواء عليهم الإنذارُ وعدمه. ولذا لم أُصَدِّر حد المبتدأ بالاسم، لأنه بعض ما يكون مبتدأ، بل صَدّرته بما عدم عامِلا لفظيا ليتناول الاسم وغيره. واحترزت بقولي: أو حكما، من المبتدأ المجرور بحرف زائد نحو (هل من خالقٍ غيرُ الله) فإن "خالقا" مبتدأ، ولم يعدم عاملا لفظيا عدما حقيقًا، بل عدما حكميا، لأن "مِنْ" زائدة، فهي ? وإن وجدت لفظا ? معدومة حكما.

стр. 267

وقُيد العامل الذي عدمه المبتدأ بكونه لفظيا، إشعارا بأن للمبتدأ عاملا معنويا، وهو الابتداء. ولما كان ما عدم عاملا لفظيا صالحا لتناول أسماء الأفعال، ولتناول الفعل المضارع العاري من ناصب وجازم، وكان المبتدأ ينقسم إلى مُخْبَر عنه وغير مخبر عنه، ذكرت مخبرا عنه والوصف المقيد، منعا لدخول ما لا يقصد دخوله، وجمعا لنَوْعَيْ المبتدأ. والمراد هنا بالوصف ما كان كضارب أو مضروب من الأسماء المشتقة وما جرى مجراها باطراد. ومن الابتداء بالمشتق: أضاربٌ الزيدان؟ ومامضروبٌ الزيدان. وأذاهبةٌ جاريتاك؟ وأكريمة نساؤكم؟ ومثال الابتداء بما جرى مجرى المشتق باطراد: أقُرَشِيٌّ قومُك؟ وأقرشي أبواك؟ وهذه الأمثلة من أمثلة سيبويه ولو جعل مكان الهمزة منها حرف نفي لم يختلف الحكم، قال سيبويه: ومن قال: ذهب فلانة، قال: أذاهب فلانة؟ وأحاضر القاضي امرأة؟ وقُيِّد الوصف "بسابق" احترازا من نحو: الزيدان قائم أبواهما. وقيدته "برافع" دون إضافة إلى فاعل، لأعم بذلك الوصف الرافع فاعلا، والرافع مفعولا، نحو: ما مضروبٌ العمران. وأشرت بقولي "بتقييد المرفوع بالانفصال" إلى أن المرفوع بالوصف المذكور لا يسد مسد الخبر إذا كان متصلا، بل إذا كان منفصلا، وذكر الانفصال أولى من ذكر الظهور، فإن المنفصل يعم الظاهر والضمير غير المتصل، وكلاهما يسد مسد الخبر إذا ارتفع بالوصف المذكور، إذ لا فارق بين قولك: أضارب الزيدان؟ وما ضارب هما. قال الشاعر: أمُرْتَجِعٌ لي مثلَ أيام حَنَّةٍ ... وأيام ذي قارٍ عليَّ الرَّواجعُ

стр. 268

وقال آخر: أقاطِنٌ قومُ سلمى أم نَوَوْا ظَعَنًا ... إنْ يَظعَنُوا فعجيبٌ عيشُ مَنْ قَطَنا وقال آخر: خَليلَيَّ ما وافٍ بعهدي أنتما ... إذا لم تكونا لِي عَلَى مَنْ أقاطِعُ ومنه في أحد الوجهين: "أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم". واحترزت بكون المرفوع مغنيا من نحو: أقائم أبوه زيد، فإن الفاعل فيه منفصل مرتفع بوصف سابق، إلا أنه غير مُغْن، إذ لا يحسن السكوت عليه، فليس مما نحن فيه، بل "زيد" مبتدأ، وقائم خبر مقدم، وأبوه مرتفع به. ويجوز كون قائم مبتدأ مخبرا عنه بزيدٍ، كما قال سيبويه في: "مررت برجل خير منه أبوه" فخير عنده مبتدأ وأبوه خبر، مع أن الأول نكرة، والثاني معرفة، وسيأتي بيان ذلك وأمثاله إن شاء الله تعالى. والإشارة "بذلك" إلى ما عدم عاملا لفظيا، و"بكذلك" إلى القيود التي قيد بها كل واحد من قسمي المبتدأ. والحاصل أن الابتداء هو تقديم الشيء في اللفظ والنية مجردا مسندا إليه خبر، ومسندا هو إلى ما يسد مسد الخبر. ومذهب سيبويه أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ، صرح بذلك في مواضع كثيرة، منها قوله: "المبتدأ كل اسم ابتدئ به ليبنى عليه

стр. 269

كلام" ثم قال: "فالمبتدأ الأول، والمبني عليه ما بعده، فهو مسند ومسند إليه" ثم قال: "واعلم أن المبتدأ لا بد أن يكون المبني عليه شيئا هو هو، أو يكون في مكان أو زمان، وهذه الثلاثة يذكر كل واحد منها بعد ما يبتدأ به، فأما الذي بني عليه شيء هو هو فإن المبني يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: عبد الله منطلق، ارتفع عبد الله لأنه ذكر ليبنى عليه المنطلق. وارتفع المنطلق لأن المبني على المبتدأ بمنزلته" هذا نصه، وقوله هو الصحيح، لسلامته مما يرد على غيره من موانع الصحة. فأشهر الأقوال المخالفة لقوله أن الابتداء رافع المبتدأ والخبر معا، وهذا لا يصح لأربعة أوجه: أحدها: أن الأفعال أقوى العوامل، وليس فيها ما يعمل رفعين دون إتباع، فالمعنى إذا جعل عاملا كان أضعف العوامل، وكان أحق بألا يعمل رفعين دون إتباع. الثاني: أن المعنى الذي ينسب إليه عمل ويمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه كالتمني والتشبيه أقوى من الابتداء، لأنه لا يمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه، والأقوى لا يعمل إلا في شيء واحد وهو الحال، فالابتداء الذي هو أضعف أحق بألا يعمل إلا في شيء واحد. الثالث: أن الابتداء معنى قائم بالمبتدأ، لأن المبتدأ مشتق منه، والمشتق يتضمن معنى ما اشتق منه، وتقديم الخبر على المبتدأ ما لم يعرض مانع جائز بإجماع من أصحابنا، فلو كان الابتداء عاملا في الخبر لزم من جواز تقديمه على المبتدأ تقديم معمول العامل المعنوي الأضعف، وتقديم معمول العامل المعنوي الأقوى ممتنع، فما ظنك بالأضعف؟ الرابع: أن رفع الخبر عمل وجد بعد معنى الابتداء ولفظ المبتدأ، فكان بمنزلة وجود الجزم بعد معنى الشرط والاسم الذي تضمنه، فكما لا ينسب الجزم لمعنى

стр. 270

الشرط بل للاسم الذي تضمنه، كذلك لا ينسب رفع الخبر للابتداء بل للمبتدأ. وأمثل من قول من قال: الابتداء رفع المبتدأ والخبر معا قول أبي العباس: "الابتداء رفع المبتدأ بنفسه، ورفع الخبر بواسطة المبتدأ" وهو أيضا مردود، لأنه قول يقتضي كون العامل معنى متقويا بلفظ، والمعروف كون العامل لفظا متقويا بلفظ، كتقوي الفعل بواو المصاحبة. أو كون العامل لفظا متقويا بمعن، كتقوي المضاف بمعنى اللام أو بمعنى مِن. فالقول بأن الابتداء عامل مُقَوًّى بالمبتدأ لا نظير له، فوجب رده. وقد جعل بعضهم نظير ذلك إعمال أداة الشرط بنفسها في الجواب بوساطة فعل الشرط، وليس كما زعم، لأن أداة الشرط وفعله لفظان، فإذا قوي أحدهما بالآخر لم يكن بدعا، وأما الابتداء والمبتدأ فمعنى ولفظ، فلو قوي اللفظ بالمعنى لكان قريبا، بخلاف ما يحاولونه من العكس، فإنه بعيد ولا نظير له. وقول من يقول: إنهما مرفوعان بالتجرد للإسناد مردود أيضا بما رد به قول من قال: هما مرفوعان بالابتداء، وفيه رداءة زائدة من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جعل التجرد عاملا، وإنما هو شرط في صحة عمل الابتداء، والابتداء هو العامل عند سيبويه وغيره من المحققين. والثاني: أنه جعل تجردهما واحدا، وليس كذلك، فإن تجرد المبتدأ تجرد الإسناد إلى ما يسد مسد مسند إليه، وتجرد الخبر إنما هو ليسند إلى المبتدأ، فبين التجريدين بَوْن، فكيف يتحدان؟ الثالث: أنه أطلق التجرد ولم يقيده، فلزم من ذلك ألا يكون مبتدأ ولا خبرا

стр. 271

ما جُرّ منهما بحرف زائد نحو: ما فيها من أحد، و: هل أخو عيشٍ لذيذ بدائم. وأما كون المبتدأ والخبر مرفوعا أحدهما بالآخر، فهو قول الكوفيين، وهو مردود أيضا، إذ لو كان الخبر رافعا للمبتدأ كما كان المبتدأ رافعا للخبر لكان لكل منهما في التقدم رتبة أصلية، لأن أصل كل عامل أن يتقدم على معموله، فكان لا يمتنع: صاحبها في الدار، كما لا يمتنع: في داره زيد، وامتناع الأول، وجواز الثاني دليل على أن التقدم لا أصلية للخبر فيه. ص: ولا خبر للوصف المذكور لشدة شبهه بالفعل، ولذا لا يُصَغّر، ولا يُوصَف، ولا يُعَرّف، ولا يُثنى، ولا يجمع، إلا على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة" ولا يجرى ذلك المجرى باستحسان إلا بعد استفهام أو نفي، خلافا للأخفش، وأُجري في ذلك "غير قائم" ونحوه مجرى: ما قائم. ش: قد تقدم أن أحد قسمي المبتدأ وصف يرفع ما يليه، ويسد مرفوعه مسد خبره، وإياه عنيت الآن بقولي: "ولا خبر للوصف المذكور" وبينت أن سبب استغنائه عن الخبر شدة شبهه بالفعل، لأن قولك: أضارب الزيدان؟ بمنزلة: أيضرب الزيدان؟ فكما لا يفتقر: أيضرب الزيدان، إلى مزيد في تمام الجملة، كذلك لا يفتقر ما هو بمنزلته. ولأن المطلوب من الخبر إنما هو تمام الفائدة بوجود مسند ومسند إليه، وذلك حاصل بالوصف المذكور ومرفوعه، فلم يحتج إلى خبر

стр. 272

لا في اللفظ ولا في التقدير، ولهذا خطئ من يعد هذا مع المبتدآت المحذوفة الأخبار، لأن المبتدأ المحذوف الخبر لو قدرت له خبرا لم يلزم من تقديره ذكر ما لا فائدة فيه، وهذا بخلاف ذلك. ولما كان الوصف المذكور منزلا منزلة الفعل لم يجز تصغيره، ولا وصفه، ولا تعريفه، ولا تثنيته، ولا جمعه، لأن ذلك كله من خصائص الأسماء المحضة. ومن قال من العرب: يفعلان الزيدان، ويفعلون الزيدون، قال هنا: أفاعلان الزيدان؟ وأفاعلون الزيدون؟ وكان الوصف مبتدأ، وما بعده فاعل سادٌّ مسد الخبر. وإلى نحو هذه الإشارة أشرت بقولي: "إلا على لغة يتعاقبون فيكم ملائكة" وقد أشرت إلى هذه اللغة في باب الإعراب، وسيأتي ذكرها مستوفى في باب الفاعل إن شاء الله تعالى. وأشرت بقولي: "ولا يجرى ذلك المجرى باستحسان" إلى أن الوصف المشار إليه لا يحسن عند سيبويه الابتداء به على الوجه الذي تقرر إلا بعد استفهام أو نفي، وإن فُعِل به ذلك دون استفهام أو نفي قبح عنده دون منع. هذا مفهوم كلامه في باب الابتداء، ولا معارض له في غيره. ومن زعم أن سيبويه لم يجز جعله مبتدأ إذا لم يل استفهاما أو نفيا فقد قوّله ما لم يقل. وأما أبو الحسن الأخفش فيرى ذلك حسنا، ويدل على صحة استعماله قول الشاعر: خَبيرٌ بنو لِهْبٍ فلاتك مُلْغيا ... مقالةَ لِهْبِيٍّ إذا الطيرُ مَرَّتِ ومنه قول الشاعر: فخيرٌ نحن عند الناس مِنكم ... إذا الدّاعي المُثَوِّبُ قال: يا لا

стр. 273

فخيرٌ مبتدأ، ونحن فاعل، ولا يكون "خير" خبرا مقدما، ونحن مبتدأ، لأنه يلزم في ذلك الفصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل ومِنْ، وهما كمضاف ومضاف إليه، فلا يقع بينهما مبتدأ، كما لا يقع بين مضاف ومضاف إليه، وإذا جعل "نحن" مرتفعا بخير على الفاعلية لم يلزم ذلك، لأن فاعل الشيء كجزء منه. والكوفيون كالأخفش في عدم اشتراط الاستفهام والنفي في الابتداء بالوصف المذكور، إلا أنهم يجعلونه مرفوعا بما بعد وما بعد مرفوعا به، على قاعدتهم، ويوافقونه في التزام إفراده وتجرده من ضمير، ويجيزون أيضا إجراءه مجرى اسم جامد فيطابق ما بعده، ويجيزون أيضا جعله نَعت منوي مطابق للآخر في إفراده وتثنيته وجمعه، ولا بد حينئذ من كون النعت مطابقا، ويسمونه خلفا. ولم أخص من الاستفهام همزة ولا غيرها، ليعلم أن أدوات الاستفهام كلها مستوية في تصحيح الابتداء بالوصف المذكور على الوجه المذكور، فكما يقال: أقائم الزيدان؟ يقال: هل مُعْتَقٌ العبدان؟ وما صانعٌ العُمَرَان؟ ومن خاطبٌ البكران؟ ومتى ذاهب العمران؟ وأين جالس صاحبانا؟ وكيف مصبح ابناك؛ وكم ماكث صديقاك؟ وأيان قادم رفيقاك؟ وكما أطلقت الاستفهام أطلقت النفي، ليتناول كل ناف يصلح لمباشرة الأسماء، وذلك: ما، ولا، وإنْ، وليس، إلا أن ليس يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها، ويرتفع به ما يليه فيسد مسد خبرها، كما سد مسد خبر المبتدأ. وكذلك الحكم بعد "ما" إن جُعِلتْ حجازية، ولم ينتقض النفي. فإن جعلت تميمية، أو انتقض النفي، فالوصف بعدها مبتدأ، والمرفوع به ساد مسد خبر المبتدأ. مثال ذلك بعد ليس: ليس قائم الزيدان، وليس منطلق إلا العمران. ومثال ذلك بعد "ما": ما ذاهب عبداك، وما مقيم إلا أخواك.

стр. 274

وإذا قصد النفي بغير مضافا إلى الوصف فيجعل غير مبتدأ، ويرتفع ما بعد الوصف به كما لو كان بعد نفي صريح، ويسد مسد خبر المبتدأ، وعلى ذلك وجه الزمخشري قول الشاعر: غيرُ مأسوفٍ على زمن ... ينقضي بالهم والحزَن ومثله قول الآخر: غيرُ لاهٍ عِداك فاطّرح الَّلهْـ ... ـوَ ولا تَغْتَرِرْ بعارضِ سِلْم وإلى نحو هذا أشرت بقولي: وأُجْرِيَ في ذلك: غير قائم، مجرى: ما قائم. ص: ويحذف الخبر جوازا لقرينةن ووجوبا بعد لولا الامتناعية غالبا، أو قسم صريح، وبعد واو المصاحبة الصريحة، وقبل حال إن كان المبتدأ أو معموله مصدرا عاملا في مُفَسِّر صاحبها، أو مؤُولا بذلك. ش: من القرائن المجوزة لحذف الخبر الاستفهام عن المُخْبَر عنه، كقولك: زيدٌ، لمن قال: مَنْ عندك؟ أي: زيد عندي. والعطف عليه نحو: زيدٌ قائم وعمرو، أي وعمرو كذلك. فهذا وشبهه من الحذف الجائز، لأن المحذوف فيه لا يزيد ذكره على ما حصل بالقرينة التي دلت عليه، ولم يكن واجبا إذ ليس في محل المحذوف غيره فيسد مسده، كما في المواضع التي حكم فيها بوجوب الحذف. ومن الحذف الجائز الحذف بعد إذا المفاجأة، نحو: خرجت فإذا السبع. والحذف بعد إذا قليل، ولذا لم يرد في القرآن مبتدأ بعد إذا إلا وخبره ثابت غير محذوف. كقوله تعالى: (فإذا هي حيَّةٌ) و (فإذا هي بيضاءُ) و

стр. 275

(فإذا هم جميعٌ) و (فإذا هم قيامٌ). وإنما وجب حذف الخبر بعد لولا الامتناعية لأنه معلوم بمقتضى لولا، إذ هي دالة على الامتناع لوجود، والمدلول على امتناعه هو الجواب، والمدلول على وجوده هو المبتدأ. فإذا قيل: لولا زيدٌ لأكرمت عمرا، لم يشك في أن المراد: وجود زيد مانع من إكرام عمرو، فصح الحذف لتعيّن المحذوف، ووجب لسد الجواب مسده، وحلولِه محله. والمراد هنا بالثبوت الكون المطلق، ولو أريد كون مُقَيّد لا دليل عليه لم يجز الحذف، نحو: لولا زيد سالَمَنا ما سلم، ولولا عمرٌو عندنا لهلك. ومنه قوله ﷺ "لولا قومُك حديثٌ عهدُهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم". فلو أريد كون مقيد مدلول عليه جاز الإثبات والحذف، نحو: لولا أنصار زَيد حموه لمْ ينج، فحموه خبر مفهوم المعنى، فيجوز إثباته وحذفه، ومن هذا القبيل قول المعري في صفة سيف: فلولا الغِمْدُ يُمْسِكه لسالا وهذا الذي ذهبت إليه هو مذهب الرماني والشجري والشلوبين وغفل عنه أكثر الناس. ومن ذكر الخبر بعد لولا قول أبي عطاء السندي:

стр. 276

لولا أبوك ولا بعده عمر ... ألقت إليك مَعَدٌّ بالمَقاليد وأما المبتدأ المقسم به فيجب حذف خبره بشرط كونه قسما صريحا، نحو: لعمرك، وايمن الله. وإنما وجب حذف خبره لأن فيه ما في خبر المبتدأ بعد لولا من كونه معلوما، مع سد الجواب مسده. فلو كان المبتدأ في القسم صالحا لغير القسم، نحو: عهد الله، لم يجب الحذف، فجائز أن يقال: عليّ عهد الله لأفعلن، فيؤتى بالخبر، وجائز أن يقال: عهد الله لأفعلن، فيحذف الخبر، لأن ذكر "لعمرك" و"ايمن الله" مشعر بالقسم قبل ذكر المقسم عليه، بخلاف عهد الله، فإنه لا يشعر حتى يذكر المقسم عليه، ففرق بينهما، وجعل أحدهما واجب الحذف، والآخر جائزه، فلذلك قلت: أو قسم صريح. ومن الحذف الواجب حذف خبر المبتدأ بعد واو المصاحبة الصريحة، كقولك: أنت ورأيت، وكلّ عمل وجزاؤه، وكل ثوب وقيمتُه. وإنما كان الحذف هنا واجبا لأن الواو وما بعدها قاما مقام "مع" وما ينجر بها، مع ظهور المعنى، فكما أنك لو جئت بمع موضع الواو لم تحتج إلى مزيد عليها وعلى ما يليها في حصول الفائدة، وكذلك لا يحتاج إليه في اللفظ مع الواو ومصحوبها، لكن بشرط أن يكون نصًّا في قصد المصاحبة، فينزل اللفظ بهذه الواو ومصحوبها في الاستغناء بهما عن الخبر منزلة "سقيا" وأمثاله في الاستغناء بها عن الأفعال، فكما أن الحذف هناك لازم كان هنا لازما. قال أبو الحسن بن خروف في هذا: ولا يحتاج فيه إلى حذف خبر لتمامه وصحة معناه، وإن قدر "مقرونان" فلبيان المعنى. قلت: يلزم ابنَ خروف أن يكون الأمر كذلك في كل موضع التزم فيه حذف الخبر، ولا نقول بذلك. فالقول ما قاله غيره: أن الخبر محذوف. فلو كان الكلام مع الواو محتملا لقصد المصاحبة ولمطلق العطف لم يجب الحذف، نحو قولك: زيد وعمرو، وأنت تريد: مع عمرو، فإنه غير صالحن فلك أن تأتي

стр. 277

بالخبر فتقول: زيد وعمرو مقترنان، ولك أن تستغني عن الخبر اتكالا على أن السامع يفهم من اقتصارك عليهما معنى الاقتران والاصطحاب. ومن الحذف الواجب حذف الخبر قبل الحال، إذا كان المبتدأ أو معموله عاملا في مفسر صاحبها، أو مؤولا بذلك، نحو: ضربي زيد قائما، وأصله عند أكثر البصريين: ضربي زيدا إذا كان قائما، فالمبتدأ "ضربي" وخبره "إذا" وكان تامة، لأنها لو كانت ناقصة لكان خبرها قائما، ولو كان خبرها لجاز أن يعرف، ولامتنع أن تقع موقعه الجملة الاسمية المقرونة بواو الحال، ولكن العرب التزمت تنكيره، وأوقعت موقعه الجملة الاسمية المقرونة بواو الحال، فعلم أنه حال لا خبر. ومثال وقوع الجملة المذكورة موقعه قول النبي ﵇: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ومثله قول الشاعر: خيرُ اقترابي من المولى حليفَ رِضًى ... وشرُّ بُعْدي منه وهو غضبان ومثال كون المصدر العامل في مفسّر صاحب الحال معمولَ المبتدأ قولك: كلُّ شربي السَّويق مَلْتوتا، وبعضُ ضربك زيدا بريئا. وإلى نحو: أقربُ ما يكون العبد، وخير اقترابي من المولى، أشرت بقولي: "أو مؤولا بذلك" أي بالمصدر المقيد، لأن "ما يكون" مؤولا بالكون، وأقرب الكون كون، وخير الاقتراب اقتراب. واحترزت بأن يكون المصدر المشار إليه عاملا في مفسر صاحب الحال من مصدر لا يكون كذلك، كقولك: ضربي زيدا قائما شديد، فالمبتدأ فيه مصدر عامل في صاحب الحال وفيها، فلم يصح أن تغني عن خبره، لأنه من صلته. وكذا لو جعلت عاملها كان مقدرة مضافا إليها "إذا" أو "إذ" أو "ما" متعلقة

стр. 278

بالمصدر فإن الحال لا يغني عن الخبر، لأنها معمولة لما أضيف إليه معمول المصدر، فالجميع من الصلة، فلا يغني شيء منه عن الخبر. وتناول احترازي أيضا قولهم: "حكمك مُسَمّطا" فإن المبتدأ فيه مصدر مستغن عن خبره بحال استغناء شاذا، لأن صاحب الحال ضمير عائد على المبتدأ الذي هو حكمك، بخلاف: ضربي زيدا قائما، فإن صاحب الحال فيه فاعل كان المقدرة، وهو ضمير عائد على زيد، وزيد معمول المصدر المجعول مبتدأ. وإنما قلت: إن مسمطا حال من ضَمير عائد على المصدر، لأن التقدير: حكمك لك مسمطا، أي مثبتا، فصاحب الحال الضمير المستكن في "لك" وهو عائد على المصدر المجعول مبتدأ، فهذا ونحوه الحذف فيه شاذ غير لازم، ونحو: ضربي زيدا قائما، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، الحذف فيه ملتزم. وليس وجود المفعول في نحو: ضربي زيدا قائما، شرطا، بل يجوز سد الحال مسد خبر المصدر مع كونه من فعل لازم، كقولك: قيامك محسنا، وإحسانك قائما. وهذا النوع أيضا داخل تحت قولي: "إذا كان المبتدأ عاملا في مفسر صاحبها" فإن المضاف عامل في المضاف إليه. ص: والخبر الذي سدت مسده مصدر مضاف إلى صاحبها، لا زمان مضاف إلى فعله، وفاقا للأخفش، ورفعها خبرا بعد أفعل مضافا إلى ما موصولة بكان أو يكون جائز، وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع. ش: فاعل سدّت من قولي: والخبرُ الذي سدّت مَسَدَّه ضمير عائد على الحال التي أغنت عن الخبر في: ضربي زيدا قائما، ونحوه، والغرض من هذا الكلام بيان ما هو أولى الوجوه في هذه المسألة، وينبغي أن يعلم أولا أن فيها ستة أوجه:

стр. 279

أحدها: أن يكون التقدير: ضربي زيدا إذا كان قائما، وهذا هو المشهور عند البصريين. الثاني: أن يكون التقدير: ضربي زيدا ضَرْبُه قائما، وهذا مذهب الأخفش. الثالث: أن يكون فاعل المصدر مغنيا عن الخبر كما أغنى عنه فاعل الوصف في نحو: قائم الزيدان. الرابع: أن تكون الحال مغنية عن الخبر لشبهها بالظرف، كما أغنى بالظرف عنه. الخامس: أن تكون الحال منصوبة بالمصدر، وقد حذف الخبر حذفا لأجل الاستطالة، كما حذف عند أبي علي الخبر في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله، بالكسر، والتقدير عنده: أول ما أقول إني أحمد الله ثابت. وكذلك يكون التقدير في هذه المسألة المشار إليها: ضربي زيدا قائما ثابت. السادس: أن يكون "ضربي" فاعل بثبت مضمرا، ويكون المسوغ لتقديره أولا كالمسوغ لتقديره "ثابت" آخرا. وأجود هذه الأقوال الأول والثاني، إلا أن الثاني أقل حذفا مع صحة المعنى، فكان أولى. وإنما قلت: إن الثاني أقل حذفا، لأنه لم يحذف فيه إلا خبر مضاف إلى مفرد، والأول حذف فيه خبر ثم نائب عن الخبر مع فعل وفاعل، لأن الأصل فيه عند من يراه: ضربي زيدا مستقر إذا كان قائما. وأيضا فإن الثاني حذف فيه خبر عامل بقي معموله، ودلالة المعمول على عامله قوية، والوجه الأول بقي فيه بعد الحذف معمول عامل أضيف إليه نائب عن الخبر الأصلي الذي هو مستقر، فضعفت الدلالة لبعد الأصل، وكثرة الوسائط. وأيضا فإن الحاذف على الوجه الثاني أبين عذرا في الحذف، لأن المحذوف لفظه مماثل للفظ المبتدأ، فيستثقل لذلك ويقوى الباعث على الحذف، وليس في قول القائل: ضربي زيدا ضربه قائما، تعرض لكون زيد وقع به غير الضرب المقارن لقيامه أو لم يقع به، بل تعرض به كما تعرض بقولك ضربته قائما.

стр. 280

وأما الوجه الثالث من الخمسة، وهو أن يغني فاعل المصدر عن الخبر إغناء الفاعل عنه في نحو: أقائم الزيدان، فضعفة بَيِّن، لأنه لو صح لصح الاقتصار على المصدر والفاعل، كما يصح الاقتصار على الوصف وفاعله، فكان يقال: ضربى، فيحسن السكوت عليه، لأن فيه معنى ضربت، كما يحسن السكوت على: أقائم الزيدان؟ لأن فيه معنى: أيقوم الزيدان؟ وفي امتناع ذلك، وجواز هذا، دليل على فساد القول بتساويهما. وأما الوجه الرابع، وهو أن تكون الحال مغنية عن الخبر لشبهها بالظرف فغير صحيح أيضا، لأن الحال إذا أقيمت مقام الخبر لشبهها بالظرف، فإما أن لا يقدر لها عامل أو يقدر، فإن لم يقدر لها عامل لزم من ذلك استغناؤها عما لا يستغنى عنه الظرف، مع أنه أصل بالنسبة إليها، ولو جاز ذلك مع المصدر لجاز مع غيره، فكان يقال: زيد قائما، لأنه بمعنى في حال قيام. وإن قدر لها عامل لم يكن ذلك العامل إلا مثل المقدر للظرف، فكما يقال في قولك: زيد في حال قيام، تقديره: زيد مستقر في حال قيام، كان يقال في: ضربى زيدا قائما، ضربى زيدا مستقر قائما، فيلزم من ذلك الإخبار عن الضرب بما للضارب، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال. وصاحب هذا الوجه الرابع هو ابن كيسان، قال في كتابه: وقد يجعلون الحال خبرا للمصدر كالوقت، فيقولون: ضربك زيدا قائما، وخروجك معنا راكبا، قال: وقد يجعلون الواو خبرا للمصدر، لأنها تكون بمعنى الحال والوقت، كقولك: قيامك والناس قعود، وخروجك والركب يسير. وقال: المصدر يكون خبره الحال كقولك: قيامك محسنا، وإحسانك قائما، يريد: قيامك في إحسانك، وإحسانك في قيامك. وأما الخامس فإنه وجه يلزم أبا على القول به، لأنه أجاز في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله، بالكسر، أن يكون "إني" محكيا بالقول، فيكون من صلته، ويكون خبر المبتدأ الذي هو: أول ما أقول، محذوفا، كأنه قال: أول قولي

стр. 281

هذا الكلام ثابت. فكما جاز أن يحذف الخبر هناك بلا دليل زائد على الحاجة إليه، كذلك يلزمه تجويز حذف الخبر هنا، وتقديره بمثل ما قدَّره هناك، لأن الحاجة إليهما سواء، والمخبر عنه في الصورتين مصدر، لأن أول القول قولي. والصحيح في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله، بالكسر، أن يكون كلاما تاما، فيجعل "أول ما أقول" مبتدأ، و"إني أحمد الله" خبره. كأنه قال: مبتدأ كلامي هذا الكلام. ولا يصح أن يقدر "ثابت" خبرا، لأن ذلك يقتضي ثبوت أول هذا القول، وأول الشيء غير جميعه، فيكون الثابت أول حرف من الجملة، إن نويت حروفها، وأول كلمة منها إن نويت كلماتها، وكلاهما ليس مقصودا، فتعين كونه مردودا. وأيضا فإن تقدير "ثابت" خبرا بعد: إني أحمد الله، وبعد: ضربى زيدا قائما، وأمثالهما، تقدير ما لا دليل عليه، إذ ليس هو بالتقدير أولى من غيره من المقدرات الممكنة، وحذف ما كان في حذفه ذلك ممنوع. وفي رد هذا الوجه الخامس إشعار برد الوجه السادس، لأن مبناه على تقدير ما لا يتعين تقديره، وتقدير ما عدم نظيره. فثبت بمجموع ما ذكرته أن أولى الأوجه الستة بالصواب ما ذهب إليه الأخفش، ويليه الأول، وما سواهما ضعفه بيّن، واطراحه متعين. وأجاز الأخفش في نحو: أخطب ما يكون الأمير قائما، رفع قائم خبر أخطب، فيلزم من ذلك ارتكاب مجازين: أحدهما: إضافة "أخطب" مع أنه من صفات الأعيان إلى "ما يكون" وهو في تأويل الكون. والثاني: الإخبار بقائم مع أنه في الأصل من صفات الأعيان عن "أخطب ما يكون" مع أنه في المعنى كون، لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، والحامل على ذلك قصد المبالغة، وقد فتح بابها بأول الجملة، فعضدت بآخرها مرفوعا. وإلى هذا أشرت بقولي: "ورفعها خبرا بعد أفعل مضافا إلى ما موصولة بكان أو يكون جائز. وقولي: وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع" أشرت به إلى نحو قول القائل: ضربى زيدا قائم، على تقدير: وهو قائم، فحقه أن يمنع مطلقا،

стр. 282

لأنه شبيه بقولك: جاء زيد راكب، على تقدير: وهو راكب، لكن الضرورة أباحت حذف المبتدأ المقرون بالفاء في جواب الشرط وهو أضعف، فإجازة حذف مبتدأ مقرون بواو الحال أولى. ومثال حذف المبتدأ مقرونا بالفاء قول الشاعر: بني ثُعَل لا تَنْكِعُوا العَنْزَ شِرْبها ... بني ثُعَل مَنْ يَنْكَعِ العَنْزَ ظالم أراد فهو ظالم. ص: وليس التالي لولا مرفوعا بها، ولا بفعل مضمر، خلافا للكوفيين، ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور، ولا الواو والحالُ المشار إليهما، خلافا لزاعمي ذلك. ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلا خلافا للفراء، ولا جملة اسمية بلا واو، وفاقا للكسائي، ويجوز إتباع المصدر المذكور، وفاقا له أيضا. ش: قد تقدم أن المرفوع بعد لولا الامتناعية مبتدأ ملتزم حذف خبره، وهو الصحيح، لأنه إذا كان مبتدأ محذوف الخبر كان نظير المقسم به في كونه مبتدأ محذوف الخبر للعلم به وسد الجواب مسده، بل يكون أولى بصحة حذف الخبر، لأن في لولا إشعارا بالوجود المانع من ثبوت معنى الجواب، والوجود الذي يشعر به هو المفاد بالخبر لو نطق به، ففي حذف الخبر بعد لولا من العذر ما في حذف خبر المقسم به وزيادة. وروي عن الفراء أن لولا الامتناعية هي الرافعة للاسم بعدها. وروى غيره من الكوفيين أنه مرفوع بفعل مضمر. والقولان مردودان، لأنهما مستلزمان ما لا نظير له، إذ ليس في الكلام حرف يرفع ولا ينصب، ولا حرف التزم بعده إضمار فعل رافع، ولا يقبل ما يستلزم عدم النظير، مع وجدان ما له نظير. وأيضا فإن المبتدأ أصل المرفوعات على ما بين في فصل إعراب الاسم، فأي

стр. 283

موضع وجد فيه اسم مرفوع محتمل للابتداء وغيره فالابتداء به أولى. وأيضا فإذا حكم بالابتداء على الاسم الواقع بعد لولا كان المحذوف من الجملة مؤخرا، وإذا حكم بفاعليته كان المحذوف منها مقدما، والأواخر بالحذف أولى من الأوائل. وإذا ثبت أن الابتداء به أولى، وأن موضعه لا يصلح للفعل، وجب التحيّل في تخريج ما وقع بخلاف ذلك، كقول الشاعر: ولولا يحسَبون الحلمَ جهلا ... لما عَدِم المسيئون احتمالي أراد: ولولا أن يحسبوا، فحذف أن، ورفع الفعل، والموضع موضع مبتدأ على تقدير أن، كما قالوا: "تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه". وقد تدخل "لو" على "لا" التي بمعنى "لم" فيليها الفعل لزوما، فيتخيل أنها لولا الامتناعية، وليست إياها، ومنه قول الشاعر: لا دَرَّ دَرُّكِ إني قد رَمَيْتُهم ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرى لِمَحْدُود أراد: لو لم أحد، ومجيء "لا" بمعنى "لم" كثير، ومنه قول الراجز: لا هُمَّ إن الحارثَ بن جَبَلَه ... زنا على أبيه ثم قتله ... وأيُّ شيءٍ سَيِّءٍ لا فَعَله

стр. 284

وقد تقدم الكلام على مضمون قولي: "ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور".وكذا تقدم الإعلام بقول ابن خروف في نحو: كلُّ رجلٍ وضيعتُه، لا يحتاج فيه إلى حذف خبر، لتمامه وصحة معناه، وإن قدر: مقرونان، فلبيان المعنى، وهذا الذي ذهب إليه ابن خروف هو مذهب مهجور. وكذا القول بأن الحال المذكورة في نحو: ضربى زيدا قائما، تغني عن الخبر لشبهها بالظرف، هو قول ضعيف، وقد بينت ضعفه من قبل. ومنع الفراء وقوع الحال المذكورة فعلا فرارا من كثرة مخالفة الأصل، وذلك أن الحال إذا سدّت مسدّ الخبر فهو على خلاف الأصل، وإذا وقع الفعل موقع الحال فهو على خلاف الأصل، فلا ينبغي أن يحكم بجوازه، فإنه مخالفة بعد مخالفة. وهذا الذي اعتبره قد دلت العرب على أنه غير معتبر، بوقوع الجملة الاسمية موقع الحال المذكورة، فلو لم تقع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة نقلا، لجاز وقوعها قياسا على وقوع الجملة الاسمية، ومع ذلك فقد سمع من العرب وقوع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة، ومن ذلك قول الشاعر، أنشده سيبويه: ورأيُ عَيْنَيّ الفتى أباكا ... يُعطِي الجزيلَ فعليك ذاكا والمشهور من قول النحويين غير الكسائي أن الحال التي تسد مسد الخبر إذا كانت

стр. 285

جملة اسمية لا تستغنى عن الواو، والذي حملهم على ذلك أن الاستعمال لم يرد بخلافه، فأفتوا بالتزامه، ولم ير الكسائي ذلك ملتزما بعد سدها مسد الخبر، كما لم يكن ملتزما قبله، وبقوله أقول. وقد كان مقتضى الدليل أن حذف الواو هنا أولى، لأنه موضع اختصار، لكن الواقع بخلاف ذلك، وباب القياس مفتوح، ومما حكى ابن كيسان: مسرتك، أخاك قائما أبوه، ثم قال: فإن قلت: مسرتك أخاك قائما أبوه، أو مسرتك أخاك هو قائم، جازت المسألتان عند الكسائي وحده، فإن جئت بالواو قبل "هو" جازت المسألة في كل الأقوال. ومما أجاز الكسائي وحده إتباع المصدر المذكور على وجه لا يقدح في البيان، كقولك: ضربي زيدا الشديدُ قائما، وشربي السَّويق كله ملتوتا. ومن منع احتج بكون الموضع موضِع اختِصار، وأنّ السماع لم يرد فيه إتباع، ومن أجازه تبع القياس، ولم يرد عدم السماع مانعا، لأن الحاجة داعية إلى استعمال ما منعوه في بعض المواضع، فإجازته توسعة، ومنعه تضييق. ص: ويحذف المبتدأ أيضا جوازا لقرينة، ووجوبا كالمُخْبَر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم، أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله، أو بمخصوص في باب نعم، أو بصريح في القسم، وإن ولى معطوفا على مبتدأ يليه فعلٌ لأحدهما واقعٌ على الآخر صحت المسألة، خلافا لمن منع. وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر. ش: ومن حذف المبتدأ جوازا لقرينة حذفه بعد استفهام عن الخبر، كقولك: صحيح، وفي المسجد، وغدا، وعشرون، لمن قال: كيف أنت؟ وأين اعتكافك؟ ومتى سفرك؟ وكم دراهمك؟ ومن ذلك حذفه عند شم طيب، أو سمع صوت، أو رؤية شبح، فيقال: مسك، وقراءة، وإنسان، بإضمار: هذا، ونحوه. ولو كان المذكور من هذه الثلاثة ونحوها معرفة جاز جعله خبرا لمبتدأ محذوف، ومبتدأ لخبر محذوف.
следующие страницы →