Полный текст (1 399 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وهذا منتهى القول في المؤكد بالنون بالنسبة إلى بنائه وإعرابه دون تعرض إلى ما سوى ذلك من أسباب توكيده بها.
وسائر أسباب بنائه ما ذهب إليه سيبويه من أنه مبني حملا على الماضي المتصل بها، لأن أصل كل واحد منهما البناء على السكون، فأخرج عنه المضارع إلى الإعراب للمناسبة المتقدم ذكرها، وأخرج عنه الماضي إلى الفتح تفضيلا على الأمر لشبهه بالمضارع لوقوعه صفة وصلة وحالا وشرطا ومسندا بعد كان وإن وظن وأخواتها، بخلاف الأمر، فاشتركا في العود إلى الأصل بالنون، كما اشتركا في الخروج عنه بالمناسبتين المذكورتين.
وقيل إنما بني المتصل بنون الإناث لتركيبه معها، لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد معنى وحكمًا، فإذا انضم إلى ذلك أن يكون مستحقًّا للاتصال لكونه على حرف واحد تأكد امتزاجه وجعله مع ما اتصل به شيئًا واحدًا. فمقتضى هذا أن يبنى المتصل بألف الضمير أو واوه أو يائه، لكن منع من ذلك شبهه بالاسم المثنى والمجموع على حده، كما منع من بناء "أي" مع ما فيها من تضمن معنى الحرف شبهها ببعض وكل معنى واستعمالا.
وقيل إنما بني المتصل بنون الإناث لنقصان شبهه بالاسم لأنها لا تلحق الأسماء، وما لحقته من الأفعال إن باين الاسم ازدادت بها مباينته، وإن شابهه نقصت بها مشابهته.
ص: ويَمْنَعُ إعرابَ الاسم مُشابهةُ الحرفِ بلا مُعارِض، والسَّلامةُ منها تَمَكُّن، وأنواعُ الإعراب رفعٌ ونصب وجر وجزم.
ش: الحرف أمكن في عدم الإعراب من الفعل، لأن من الأفعال ما يعرب وليس من الحروف ما يعرب. وما لا يعرب من الأفعال شبيه بما يعرب: أما الماضي فلمشاركته المضارع في وقوعه مواقعه المذكورة، وفي كونهما مخرجين على الأصل،
стр. 37
مردودين بنون الإناث إليه، ولشبهه بالمعرب لم يجز أن تلحقه هاء السكت وقفا، إذ لا يلحق متحركا بحركة إعرابية ولا شبيهة بإعرابية، كاسم لا التبرئة، والمنادى المضموم.
وأما الأمر فشَبَهُهُ بالمجزوم بَيِّن، لأنه يجرى مجراه في تسكين آخره إن كان صحيحًا، وفي حذفه إن كان معتلا، ولا يعامل هذه المعاملة غيره من المبنيات المعتلة، بل يكتفي بسكون آخره كالذي والتي. وإذا ثبت أن المبني من الأفعال يُشَبّه بالمعرب، ضعف جعل مناسبته سببًا لبناء بعض الأسماء، فهذا بيان ضعف القول بأن أسماء الأفعال بنيت لمناسبة الأفعال التي هي واقعة موقعها كنَزالِ وهَيْهات، فإنهما بمعنى أنزِل وبَعُد واقعان موقعهما، ويزيده ضعفًا أيضًا أن مثل هذه المناسبة موجودة في المصادر الواقعة دعاء، كسقْيًا له، فإنه بمعنى سقاه "الله" وفي الواقعة أمرًا كقوله تعالى (فضرب الرقاب) فإنه بمعنى اضربوا الرقاب، وهما معربان بإجماع.
وأيضًا فمن أسماء الأفعال ما هو بمعنى المضارع وواقع موقعه، كأفٍّ وأوّه بمعنى أتضجر وأتوجع، فلو كان بناء نَزالِ وهيهات لوقوعهما موقع مبنيين، لكان أفّ وأوّه معربي لوقوعهما موقع مضارعين، فثبت بهذا وبما قبله أن بناء أسماء الأفعال ليس لمناسبتها الأفعال بل لمناسبتها الحروف لأنها شبيهة بالحروف الناسخة للابتداء في لزوم معنى الفعل والاختصاص بالاسم، وكونها عاملة غير معمولة، وسنذكر في مواضع الأسماء المبنية ما لكل منها من وجوه شبه الحرف.
ومما يشكل أمره من الأسماء المبنية ما بني قبل التركيب كحروف التهجي المسرودة، وهي أيضًا غير خالية من شبه الحرف، لأنها كلها غير عاملة في شيء ولا معمولة لشيء، فأشبهت الحروف المهملة كهل ولو ولولا. وامتنع بعض النحويين من الحكم عليها بالبناء وقال: لو كانت مبنية لم تسكن أواخرها وصلا بعد ساكن نحو: سين قاف، إذ ليس في المبنيات ما يكون كذلك. ولا يلزم أصلا من عدم الإعراب لفظًا عدمه حكمًا، ولو لزم ذلك لم يقل في الإفراد: فتى ونحوه،
стр. 38
لأن سبب الإعلال في مثله فتح ما قبل آخره، مع تحركه أو تقدير تحركه، ولكان الموقوف عليه مبنيا، وكذا المحكي والمتبع، وهذا القول غير بعيد من الصواب.
والإشارة بقولنا "بلا معارض" إلى نحو "أي" فإنها في جميع أحوالها تناسب الحروف، إلا أن هذه المناسبة تعارضها مخالفة "أي" لسائر الموصولات ولأدوات الاستفهام والشرط بإضافتها، وكونها بمعنى بعض إن أضيفت إلى معرفة، وبمعنى كل إن أضيفت إلى نكرة، فعارضت مناسبة أي للمعرب مناسبتها للحرف، فغلبت مناسبة المعرب لأنها داعية إلى ما هو مستحق للاسم بالأصالة، وليثبت بذلك مزية ما له جابر على ما لا جابر له، ولأن إلغاء شبه الحرف في أي لما فيها من شبه التمكن، كإلغاء عُجمة لِجامٍ ونحوه لما فيه من شبه الاسم العربي بقبول الألف واللام والإضافة.
وقولنا "والسلامة منها تَمَكُّن" أي سلامة الاسم من مناسبة الحرف المؤثرة تمكن، أي تَثَبُّت في مقام الأصالة.
فالاسم ضربان: متمكن وهو المعرب، وغير متمكن وهو المبني.
والمتمكن ضربان: أمكن وهو المنصرف، وغير أمكن وهو ما لا ينصرف.
ولما كان المضارع شريك الاسم في الإعراب، وكان الكلام في الإعراب عموما، لم يستغن عن ذكر الأنواع الأربعة، وقدم الرفع والنصب للاشتراك فيهما، وقدم الرفع لأن الكلام قد يستغنى به عن غيره، وقدم الجر لأنه خاص بما هو أصل، وأخر الجزم لأنه خاص بما هو فرع.
ص: وخُصَّ الجرُّ بالاسم لأن عامله لا يستقل، فيحمل غيره عليه، بخلاف الرفع والنصب، وخُصَّ الجزم بالفعل لكونه فيه كالعوض من الجر.
ش: لما كان الاسم في الإعراب أصلا للفعل، كانت عوامله أصلا لعوامله فقبل رافع الاسم وناصبه أن يُفرَّع عليهما، لاستقلالهما بالعمل وعدم تعلقهما بعامل آخر، بخلاف عامل الجر فإنه غير مستقل، لافتقاره إلى ما يتعلق به من فعل أو ما يقوم مقامه، فموضع المجرور نصب بما يتعلق به الجار، ولذلك إذا حذف الجار نصب معموله، وإذا عطف على المجرور جاز نصب المعطوف، وربما اختير النصب.
فشارك المضارع الاسم في الرفع والنصب لقوة عامليهما بالاستقلال، وإمكان التفريع
стр. 39
عليهما، وضعف عامل الجر لعدم استقلاله عن تفريع غيره عليه، فانفرد به الاسم، وجعل جزم الفعل عوضا مما فاته من المشاركة في الجر فانفرد به ليكون كل واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب بتعادل، وذلك أن الجزم راجح باستغناء عامله عن تعلق بغيره، والجر راجح بكونه ثبوتا، بخلاف الجزم فإنه بحذف حركة أو حرف فتعادلا بذلك.
ص: والإعرابُ بالحركة والسكون أصلٌ، وينوب عنهما الحرفُ والحذفُ، فارفع بضمة، وانصب بفتحة، وجرّ بكسرة، واجزم بسكون، إلا في موضع النيابة.
ش: أي إعراب غير المجزوم بحركة أصلٌ لإعرابه بحرف، وإعراب المجزوم بسكون أصل لإعرابه بحذف.
والدليل على أن الحركة أصل للحرف أنها لا يصار إلى غيرها إلا عند تعذرها، ولذلك اشترك الاسم والفعل في الرفع بضمة، والنصب بفتحة، ولم يشتركا في الإعراب بحرف، وإنما كانت أصالة الإعراب في غير الجزم للحركة لأنها أخف من الحرف وأبين، أما رجحانها في الخفة فظاهر، وأما كونها أبين فلأنها لا تخفى زيادتها على بنية الكلمة لسقوطها وإدراك مفهوم الكلمة بدونها، بخلاف الحرف فإن سقوطه في الغالب مخل بمفهوم الكلمة، ولذلك اختلف في المعرب بحرف هل هو قائم مقام الحركة، أو الحركة مقدرة فيه أو فيما قبله؟
وإنما كان السكون في الجزم أصلا لأن بنية الفعل لا تنقص به، بخلاف حذف آخره، ولذلك قد يستغنى عن حذفه بتقديره ظاهر الحركة قبل الجزم كألم يأتيك.
стр. 40
ص: وتنوب الفتحة عن الكسرة في جر ما لا ينصرف ، إلا أن يُضاف أو يَصْحب الألفَ واللام أو بدَلَها.
ش: الذي لا ينصرف من الأسماء ما امتنع تنوينه لسببين كأحمد وإبراهيم وعمران وعمر وطلحة ومعد يكرب، وأحمر وسكران وثلاث، أو لسبب بمنزلة سببين كصحراء، ومساجد، فهذا النوع إذا جُرّ نابت الفتحة فيه عن الكسرة، لأنه لو جر بالكسرة مع عدم التنوين لتُوُهِّم أنه مضاف إلى ياء المتكلم، وقد حذفت لدلالة الكسرة عليها، أو مبني، لأن الكسرة لا تكون إعرابية إلا مع تنوين أو ما يعاقبه من الإضافة والألف واللام، ولذلك إذا أضيف أو دخل عليه الألف واللام جر بالكسرة لزوال التوهم.
وقد تناول قولنا "أو يصحب الألف واللام" المعَرِّفةَ والزائدة والموصولة فإنهن متساويات في إيجاب جر ما لا ينصرف بالكسرة، بخلاف أن يقال حرف التعريف.
فالمعرِّفة كقوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ) والزائدة كقول الشاعر:
رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيد مُباركا ... شديدًا بأعباءِ الخلافةِ كاهِلُه
والموصولة كقول الآخر:
وما أنت باليقظانِ ناظِرُه إذا ... رَضيتَ بما يُنْسيكَ ذِكْرَ العَواقب
والهاء من قولنا "أو بدلها" عائدة إلى اللام، وأشير بذلك إلى لغة من يجعل اللام ميما، فإن حكمها في ذلك حكم اللام، كقول بعضهم:
стр. 41
أإنْ شِمتَ من نجد بُريْقَا تألّقا ... تُكابدُ ليلَ مأرْمَد اعتاد أولقا
أراد: ليل الأرمد، فجرّ أرمد بكسرة مع الميم كما يجر بها مع اللام.
ص: والكسرةُ عن الفتحة في نصب أولاتِ، والجمع بالألف والتاء الزائدتين، وإن سُمِّيَ به فكذاك، والأعرفُ حينئذ بقاء تنوينه، وقد يجعل كأرطاةَ علما.
ش: أولو وأولات بمعنى ذوي وذوات، إلا أن هذين جمعان لأن مفرديهما من لفظيهما بخلاف أولو وأولات، فلذلك لم يغن عن ذكرهما ذكر جمعي التصحيح، بل أفردا بالذكر تنبيها على أن إعرابهما كإعراب جمعي التصحيح، وقيدت الألف والتاء بالزيادة احترازا من نحو قضاةٍ وأبيات، فإن كلا منهما يصدق عليه أنه جمع بألف وتاء، لكن ألف قضاة منقلبة عن أصل لا زائدة، وتاء أبيات أصل. ولم يتعرض لتأنيث الواحد ولا لسلامة نظمه لأن هذا الجمع قد يكون للمذكر كحمّامات ودريْهمات وأشهر معلومات. وسنبين المطرد من ذلك وغير المطرد، وقد يكون بغير سلامة النظم كتمرات وغرفات وكسرات.
وقولنا: "وإن سمي به فكذلك" أي وإن سمي بهذا النوع الذي تنوب فيه الكسرة عن الفتحة فله بعد التسمية به من ثبوت التنوين ونيابة الكسرة عن الفتحة ما كان له قبل التسمية به، لأنه سُلك بمسلمات ونحوه سبيل مسلمين ونحوه، فقوبل بالتنوين النون، وبالكسرة الياء، ولولا قصد هذه المقابلة لساوى عرفات عرفة في منع التنوين والكسرة، لتساويهما في التعريف والتأنيث مع زيادة ثقل عرفات بعلامة الجمعية، ومن العرب من يكتفي بعد التسمية بتقابل الكسرة والياء ويسقط التنوين فيقول:
هذه عرفاتُ، ورأيت عرفاتِ، ومررت بعرفاتِ. ومنهم من يقول: رأيت عرفاتَ، ومررت بعرفاتَ، فيلحق لفظه بلفظ ما لا ينصرف. وإلى هذه اللغة الإشارة بقولنا "وقد يجعل كأرْطاةَ علما" أي يجعل كواحد زيد في آخره ألف وتاء كأرطاة وسِعلاة وبهماة.
стр. 42
ص: وتنوب الواو عن الضمة، والألف عن الفتحة، والياء عن الكسرة فيما أضيف إلى غير ياء المتكلم من أب وأخ وحم غير مماثل قَرْوًا وقَرْءًا وخَطَأ، وفمٍ بلا ميم، وفي ذي بمعنى صاحب، والتزام نقص هَنٍ أعرف من إلحاقه بهنّ.
ش: في إعراب هذه الأسماء خلاف:
فمن النحويين من زعم أن إعرابها مع الإضافة كإعرابها مجردة، وأن حروف المد بعد الحركات ناشئة عن إشباع الحركات، والحركات قبلها هي الإعراب.
ومنهم من يجعل إعرابها بالحركات والحروف معا.
ومنهم من زعم أن الحركات التي قبل حروف المد منقولة منها، فسلمت الواو في الرفع لوجود التجانس، وانقلبت في غيره بمقتضى الإعلال.
ومنهم من جعل إعرابها منويا في حروف المد، وما قبلها حركات إتباع مدلول بها على الإعراب المنوي، وسيأتي الكلام على هذا الوجه.
ومنهم من جعل إعرابها بحروف المد على سبيل النيابة عن الحركات، وهذا أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف، لأن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلا، وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة.
ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف، لأن الحرف المختلف البيان صالح للدلالة، أصلا كان أو زائدًا، مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة، وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حده، لأنهما فرعان على الواحد، وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سبق مثله في الآحاد أمن مِنَ استبعاد، ولم يحد عن المعتاد.
فهذه خمسة أقوال، أضعفها الثالث، لأن فيه مخالفة النظائر من ثلاثة أوجه: أحدها النقل في غير وقف إلى متحرك، والثاني جعل حرف الإعراب غير آخر، والثالث التباس فتحة الإعراب بالفتحة التي تستحقها البنية.
وهذا الوجه وارد على القول الثاني مع ما فيه من نسبة دلالة واحدة إلى شيئين. والأول أيضا ضعيف لا، هـ يلزم منه وجوب ما لا يجوز إلا في الضرورة أو الندرة.
стр. 43
والحم أبو زوج المرأة وغيره من أقاربه، هذا هو المشهور، وقد يطلق على أقارب الزوجة. وأشير بعدم مماثلة قروا وقرءًا وخطأ إلى ثلاث لغات يكون فيها معربًا بالحركات في حال إفراده وإضافته فيقال: هذا حَمْوٌ وحَمْوُك، وحَمْءٌ وحَمؤُكَ، وحَمَأ وحَمَؤُك، فيعامل معاملة قَرْوٍ وقَرءٍ وخَطأٍ وأشباهها.
وقيل "وفم بلا ميم" ليعم صور الاستعمال كلها، بخلاف قول من يقول: فوك، فإنه يوهم كون الحكم مقصورا على المضاف إلى الضمير.
وقيل لفظ "ذي بمعنى صاحب" لئلا يذهب الوهم إلى ذي المشاربه إلى مؤنث.
ولما كان "ذو" لا يضاف إلى ياء المتكلم بخلاف ما ذكر قبله لم يجز أن يعطف على المجرور بمن، بل عطف على المجرور بفي وهو "ما" فلذلك أعيدت "في" فقيل "وفي ذي بمعنى صاحب" حرصًا على البيان.
وقد جرت عادة أكثر النحويين أن يذكروا الهن مع هذه الأسماء فيوهم ذلك مساواته لهن في الاستعمال، وليس كذلك، بل المشهور فيه إجراؤه مجْرَى يدٍ في ملازمة النقص إفرادا وإضافة، وفي إعرابه بالحركات، كما روى أن النبي ﷺ قال: "من تَعَزَّى بعزاء الجاهلية فأعضُّوه بهن أبيه ولا تَكْنُوا" وقال علي ﵁: من يَطُل هنُ أبيه ينتطق به. ومن ذلك قول الشاعر:
رُحتِ وفي رجليكِ ما فيهما ... وقد بدا هنْك من المِئزَر
أراد: قد بدا هنُك، فشبه بعضد فسكن النون كما تسكن الضاد.
ومن العرب من يقول: هذا هنوك، ورأيت هناك، ومررت بهنيك، وهو قليل، فمن لم ينبه على قلته فليس بمصيب، وإن حظى من الفضائل بأوفر نصيب.
стр. 44
ص: وقد تشدد نونه، وخاء أخ، وباء أب، وقد يقال أخْوٌ، وقد يقصر حَمٌ وهما، أو يلزمهما النقص كيد ودم، وربما قصرا أو ضُعِّفَ دم.
ش: ذكر الأزهري أن تشديد خاء أخ وباء أب لغة، وأنه يقال: استأببت فلانًا بباءين، أي اتخذته أبًا، وقال سُحيم عبد بني الحسحاس في تشديد نون هن:
ألا ليتَ شِعْرِي هل أبيتن ليلة ... وهَنِّي جاذٍ بين لِهْمزمَتى هند
وقال رجل من طيء في أخْو:
ما المرءُ أخْوَك إن لم تُلْفِه وَزَرًا ... عند الكريهة مِعْوانًا على النُّوب
وأنشد الفراء:
لِأخْويْنِ كانا أحسنَ الناسِ شيمَةً ... وأنفعه في حاجةٍ لي أريدُها
وقد يقصر حم وهما، أي الأب والأخ فيقال: هذا أباك، ومررت بأباك، وكذا الأخ والحم، وفي المثل: مُكرَهٌ أخاك لا بطلٌ، ويروى بالواو، وقال الشاعر:
أخاك الذي إنْ تَدْعُه لِمُلمَّةٍ ... يُجبْك لما تبغى ويكفيك من يبغى
وإن تَجْفُه يوما فليس بمكافئًا ... فيَطْمَعَ ذو التزوير والوشى أن يصغى
وقال الراجز:
إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
стр. 45
واستعمال الحم مقصورًا مشهور على قلته، قالوا للمرأة حماة.
والتزام نقص الثلاثة قليل، ومنه قول الراجز:
بأبه اقتدى عَدِيٌّ في الكَرَم ... ومَنْ يُشابه أبَه فما ظَلَم
وعلى هذه اللغة قيل في التثنية: أبان، قال الشاعر:
بما عُنِيتَ به من سُودَدٍ ونَدَى ... يحيى أباك رَهِينَيْ ميتة وبلى
ومثله:
ولستَ وإنْ أعيَا أباك مَجادة ... إذا لم تَرُمْ ما أسْلَفاه بماجد
ولما جرى ذكر يد ودم أشير غلى ما سمع فيهما من القصر كقول الراجز:
يا رُبَّ سارٍ باتَ ما تَوَسَّدا ... إلا ذراعَ العَنْسِ أو كفّ اليَدَا
وكقول الشاعر:
كأَطُوم فقدت بُرْغُزَها ... أعْقَبَتْها الغُبْسُ منه عَدَما
غَفَلتْ ثم أتَتْ تطلُبه ... فإذا هي بعظام ودما
ومثل تضعيف الدم قول الشاعر:
стр. 46
أهانَ دَمَّك فرْغًا بعد عزته ... يا عَمْرُو بَغْيُك إصرارا على الحَسَد
فقد شُفِيتَ شفاءً لا انقضاء له ... وسَعْدُ مُرْدِيك موفورٌ على الأَبَد
وقال آخر: والدمُ يجري بينهما كالجدول
ص: وقد تثلثُ فاء فم منقوصًا أو مقصورا، أو يضعّف مفتوح الفاء أو مضمومها، أو تَتْبَعُ فاؤه حرف إعرابه في الحركة كما فُعِل بفاء مَرْءٍ وعيني امرِئ، وابْنِم، ونحوُها فوك وأخواتُه على الأصح، وربما قيل "فا" دون إضافة صريحة نصبا، ولا يختص بالضرورة نحو:
يصبح ظمآنَ وفي البحر فمُه
خلافا لأبي علي.
ش: في الفم تسع لغات: فتح الفاء وكسرها وضمها مع تخفيف الميم والنقص، وفتحها وضمها مع تشديد الميم، وفتحها وكسرها وضمها مع التخفيف والقصر، وأنشد الفراء:
يا حَبَّذا عينا سُلَيمى والفَما
стр. 47
وحكى ابن الأعرابي في تثنيته فموان وفميان، وهذا يدل على أن الفرزدق ليس مضطرا في قوله:
هما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهما
بل هو مختار لأنه قد ثبت القصر في الإفراد، وثبت بنقل ابن الأعرابي ﵀ أن العرب قالت في تثنيته: فموان وفميان، وأطلق القول. فعلم أن ذلك غير مختص بنظم دون نثر.
وحكى اللحياني أنه يقال: فمّ وأفمام، فعلم بهذا النقل أن التشديد لغة صحيحة لثبوت الجمع على وفقها، فليس بمصيب من زعم أنّ التشديد لم يستعمل في غير ضرورة، بل الصحيح أن للفم ثلاث مواد: إحداها فَ مَ ى، والثانية ف م ووالثالثة ف م م، ومادة رابعة من ف وهـ، وكلها أصول متوافقة في المعنى، لا أن أصلها فَوه كما زعم الأكثرون، لأن ذلك مدَّعًى لا دليل عليه، مع ما فيه من الجمع بين البدل والمبدل منه في غير ضرورة، مع تصرف وتوسع، كما ثبت من اللغات المأثورة بالروايات المشهورة.
واللغة التاسعة النقص وإتباع الفاء الميم في الحركة الإعرابية وغيرها.
ولما أشير إلى هذه اللغة بُيِّنَ ما وافق الفمَ فيها فقيل: كما فعل بفاء مرء وعيني امرئ وابنم. ففي مرء لغتان: إحداهما فتح الميم مطلقا، وهي لغة القرآن، والثانية إتباعها الهمزة في حركات الإعراب.
وفي امرئ وابنم أيضًا لغتان: إحداهما فتح راء امرأ ونون ابنم مطلقًا، والثانية إتباعهما الهمزة والميم في حركات الإعراب، وهذه أفصح اللغتين.
ونحوهما فوك وأخواته عند سيبويه وأبي علي، وهو مذهب قوي من جهة القياس، لأن الأصل في الإعراب أن يكون بالحركات ظاهرة أو مقدرة، فإذا أمكن التقدير على وجه يوجد معه النظير فلا عدول عنه، وقد أمكن ذلك في هذه الأسماء فوجب
стр. 48
المصير إليه، واقتصر القول عليه. وإذا كان التقدير مرعيا في المقصور نحو: جاء الفتى، وفي المحكي كقولك: من زيدا؟ لقائل: رأيت زيدا، وفي المتبع كقراءة بعضهم (الحمد لله) وكقولهم: واغلام زيداه، مع عدم ظاهر تابع للمقدر، فهو عند وجود ذلك أحق بالرعاية وأولى، وهذا هو حال الأسماء الستة على القول المشار إليه.
ولهذا القول أيضا مرجح آخر وهو أن من الأسماء الستة ما يعرض استعماله دون عامل فيكون بالواو كقولك: أبو جاد هواز، فلو كانت الواو من الأسماء المذكورة قائمة مقام ضمة الإعراب لساوتها في التوقف على عامل، وفي عدم ذلك دليل على أن الأمر بخلاف ذلك.
وهذا الرد أيضا وارد على ادعاء أن الإعراب في الأسماء المذكورة هو الحروف مع الحركات، أو الحركات دون الحروف، لأن ذلك كله غير متوقف على عامل في المثال المذكور وما أشبهه. وإذا بطلت تلك الأقوال صح ما اختاره سيبويه وتعين المصير إليه، ومثل هذا قول الشاعر:
وداهيةٍ من دواهي المَنُو ... نِ يَرْهَبُها الناسُ لا فَالها
فأقحم اللام ونوى الإضافة، وكقولهم: لا أبالك.
وزعم الفارسي أن قوله:
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
من الضرورات، بناء على أن الميم حقها ألا تثبت في غير الشعر، وهذا من تحكماته العارية من الدليل، والصحيح أن ذلك جائز في النثر والنظم، وفي الحديث
стр. 49
الصحيح "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
ومثال قولهم "فا" دون إضافة صريحة قول الراجز:
خالط من سَلْمَى خَياشْيم وَفا
أراد خياشيمها وفاها، فحذف المضاف إليه ونوى الثبوت، وأبقى المضاف على الحال التي كان عليها.
ص: وتنوب النون عن الضمة في فعل اتصل به ألفُ اثنين، أو واو جمع، أو ياء مخاطبة، مكسورةً بعد الألف غالبا، مفتوحةً بعد أختيها، وليست دليل الإعراب خلافًا للأخفش.
ش: قد علم بما تقدم أيُّ فعلٍ هو المعرب، فلم يحتج هنا إلى تقييد بمضارعة بل أطلق القول لأمن اللبس، ويتناول قولنا "ألف اثنين أو واو جمع" كونهما ضميرين نحو: أنتما تذهبان، وأنتم تذهبون. وكونهما علامتي تثنية الفاعل وجمعه كقوله ﷺ "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار" فالنون الواقعة بعد الألف بحاليها، وبعد الواو بحاليها نائبة عن الضمة الإعرابية وكذلك النون المتصلة بياء المخاطبة نحو: أنت تفعلين. وقد كان ينبغي أن يستغنى بتقدير الإعراب قبل الحروف الثلاثة عن هذه النون، كما استغنى بتقديره قبل ياء المتكلم في نحو: غلامي، لكن سهل الاستغناء بالتقدير في نحو: غلامي، كونُ الاسم أصيلَ الإعراب فلا يذهب الوهم إلى بنائه دون سبب قوي، بخلاف الفعل، فإن أصله البناء فلم يستغن فيه متصلا بهذه الحروف بتقدير الإعراب لئلا يذهب الوهم إلى مراجعة الأصل، كما راجعه
стр. 50
مع نون الإناث، بل جيء بعد هذه الحروف بالنون المذكورة قائمة بثبوتها مقام الضمة، وبسقوطها مقام الفتحة والسكون، حملا للنصب على الجزم في الفعل لأن الجزم في الفعل نظير الجر في الاسم، وقد حملوا النصب على الجر في المثنى وجمعي التصحيح نحو: مررت بالزيدين والهندات، ورأيت الزيدين والهندات، فحمل أيضًا النصب على الجزم في نحو: لم يذهبا ولن يذهبا، ولم يذهبوا ولن يذهبوا، ولم تذهبي ولن تذهبي.
وأشير بكسرة هذه النون بعد الألف غالبًا إلى فتح بعض العرب إياها كقراءة بعض القراء (أتعدانني أن أخرج).
وزعم الأخفش أن هذه النون دليل إعراب مقدر قبل الثلاثة الأحرف، وهو قول ضعيف، لأن الإعراب مجتلب للدلالة على ما يحدث بالعامل، والنون وافية بذلك، فادعاء إعراب غيرها مدلول عليه بها مردود، لعدم الحاجة إليه، والدلالة عليه.
ص: وتحذف جزما ونصبا، ولنون التوكيد، وقد تحذف لنون الوقاية، أو تدغم فيها، ونَدَر حذفها مفردة في الرفع نظما ونثرا.
ش: قد تقدم الكلام على حذف النون جزمًا ونصبًا، وعلى حذفها لأجل نون التوكيد، عند الكلام على المؤكد بها متى يكون مبنيًّا ومتى يكون معربًا، وأما اجتماعها مع نون الوقاية فعلى ثلاثة أوجه:
أحدها الفك نحو (أتعدانني أن أخرَج).
والثاني الإدغام نحو "أتعدانِّي" وهي قراءة هشام عن ابن عامر.
والثالث الحذف نحو (أين شركائي الذين كنتم تشاقُّون فيهم) قرأ بها نافع.
стр. 51
وقرأ غيره "تشاقُّونَ" وقرأ ابن عامر (أفغيرَ الله تأمرونني) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون بالإدغام.
وفي المحذوف خلاف، فأكثر المتأخرين على أن المحذوفة في التخفيف نون الوقاية وأن الباقية نون الرفع. ومذهب سيبويه والأخفش عكس ذلك، وهو الصحيح لوجوه: أحدها أن نون الرفع قد تحذف دون سبب، مع عدم ملاقاتها لنون الوقاية، ولا تحذف نون الوقاية المتصلة بفعل محض غير مرفوع بالنون، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه.
وأيضا فإن نون الرفع نائبة عن الضمة، وقد حذفت الضمة تخفيفًا في الفعل نحو قوله تعالى (إن الله يأمرْكم) و (وما يُشعرْكم) في قراءة للسوسي.
وفي الاسم كقراءة بعض السلف (ورُسلْنا لديهم يكتبون) بسكون اللام و (وبُعولتْهن أحق) بسكون التاء، فحذف النون النائبة عنها تخفيفًا أولى، وليؤمن بذلك تفضيل الفرع على الأصل.
وأيضا فإن حذف نون الرفع يؤمن معه حذف نون الوقاية إذ لا يعرض لها سبب آخر يدعو إلى حذفها، وحذف نون الوقاية أولا لا يؤمن معه حذف نون الرفع عند الجزم والنصب، وحذفُ ما يؤمَن بحذفه حذفٌ أولى من حذف ما لا يؤمن بحذفه حذف.
وأيضًا لو حذفت نون الوقاية لاحتيج إلى كسر نون الرفع بعد الواو والياء، وإذا حذفت نون الرفع لم يحتج إلى تغيير ثان، وتغيير يؤمن معه تغيير أولى من تغيير لا يؤمن معه تغيير.
ومثال حذفها مفردة في الرفع نظما قول الراجز:
стр. 52
أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدلُكِي ... وَجهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْك الذكي
وقال أبو طالب:
فإن يَكُ قومٌ سَرَّهم ما صنعتم ... سَيَحتَلِبُوها لاقِحًا غير باهِل
ومن حذفها في الرفع نثرًا قراءة أبي عمرو من بعض طُرُقه (قالوا ساحران تظّاهرا) بتشديد الظاء، وقول النبي ﷺ "والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا".
ص: وما جِيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكاية، أو إتباعا، أو نقلا، أو تخلّصا من سكونين فهو بناء. وأنواعه: ضم وفتح وكسر ووقف.
ش: شبه الإعراب يعم البناء اللازم والعارض، والوارد منه بسكون كمن وقُمْ ولمْ، وبفتحة كأين وذهبَ وسوف، وبكسرة كأمس وجيرِ، وبضمة كنحنُ ومنذُ. وبنائب عن ضمة كيا زيدون ويا زيدان، وبنائب عن فتحة كلا رجلين، وبنائب عن سكون كاخش وافعلا.
ويعم الحكاية نحو: مَنْ زيدٍ؟ لقائل: مررت بزيدٍ، ومنون؟ لقائل: جاء رجالٌ.
ويعم الإتباع (كالحمدِ لله) و (للملائكةُ اسجدوا) والأولى قراءة
стр. 53
زيد بن علي، والثانية قراءة أبي جعفر المدني.
والنقل نحو (ألم تعلمَ أن الله) وهي قراءة لورش.
والتخلص من سكونين (من يشأِ الله يضلله) ولكلٍّ موضعٌ يُبَيّنُ فيه إن شاء الله تعالى.
стр. 54
باب إعراب المعتل الآخر
ص: يظهر الإعراب بالحركة والسكون، أو يقدر في حرفه وهو آخر المعرب، فإن كان ألفا قدر فيه غير الجزم، وإن كان واوا أو ياء يشبهانه قدر فيهما الرفع، وفي الياء الجر.
ش: ظهور الإعراب بالحركة كيجيءُ زيدٌ، وإن زيدًا لن يجيءَ إلى عمرٍو. وظهوره بالسكون نحو: لم يفعلْ.
ولما كان الألف صالحًا لكونه آخر اسم وآخر فعل، ولم يكن الكلام في إعراب أحدهما دون الآخر قيل "قدر فيه غير الجزم" أي الرفع والنصب والجر نحو: تعطَى المنى، ولن تلقى أذى من فتى، ولا يقدر فيها جزم بل يظهر بحذفها.
ومشبه الألف من الياءات الخفيفة بعد كسرة، ومن الواوات الخفيفة بعد ضمة، ولا تقع الواو الخفيفة بعد ضمة حرف إعراب في غير الأفعال إلا في الأسماء الستة حال رفعها، فلذلك عزى تقدير الرفع للياء والواو، ولم يعز تقدير الجر من مشبهي الألف إلا للياء.
ص: وينوب حذف الثلاثة عن السكون إلا في الضرورة، فيقدر لأجلها جزمها، ويظهر لأجلها جر الياء ورفعها ورفع الواو، ويقدر لأجلها كثيرا وفي السعة قليلا نصبها، ورفع الحرف الصحيح وجره، وربما قدر جزم الياء في السعة.
ش: الثلاثة التي ينوب حذفها عن السكون هي الألف والياء والواو اللذان يشبهانه، نحو: من يهدِ الله يخشَه ويرجُه، فحذفت للجزم ياء يهدي، وألف يخشى، وواو يرجو، ويكتفى بتقدير طرآن للسكون مسبوقا بحركة في الضرورة كقول الراجز:
стр. 55
إذا العجوز غضبتْ فطَلِّق ... ولا تَرضَّاها ولا تَمَلَّقِ
وكقول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقتْ لَبُونُ بني زياد
وكقول الآخر:
هجوتَ زبّان ثم جئت معتذرا ... من هَجْوِ زبانَ لم تهجو ولم تَدَع
ويظهر لأجل الضرورة جر الياء، ورفعها، فظهور جرها كقوله:
فيوما يُوافين الهوى غيرَ ماضي ... وطورا ترى منهن غولا تَغَوَّلُ
وكقول أبي طالب:
كذبتم وبيت الله نُبْزِي محمدا ... ولم تُخْتَضَب سُمْر العوالي بالدم
وظهور رفع الياء كقول جرير:
стр. 56
وعرقُ الفرزدق شرُّ العُرُوق ... خبيثُ الثّرى كابى الأزنُد
وظهور رفع الواو كقول رجل من طيئ:
إذا قلتُ علَّ القلبَ يَسْلُوا قُيِّضَتْ ... هواجِسُ لا تَنْفَكُّ تُغْرِيه بالوجد
ويقدر لأجل الضرورة كثيرًا نصب الياء والواو، كقول الراجز:
كأن أيديهنّ في القاعِ القَرِق ... أيْدِي جَوارٍ يتعاطَيْنَ الوَرِق
وكقول زهير:
ومَنْ يَعْصِ أطرافَ الزِّجاج فإنّه ... يطيعُ العَوالي رُكِّبَتْ كلّ لَهْذَم
وكقول ابنه كعب:
أرجُو وآمُلُ أن تدنُو مؤدَّنُها ... وما إخالُ لدينا منك تَنْوِيلُ
ومن ورود ذلك في السعة قراءة جعفر بن محمد ﵁ (من أوْسط ما تطعمون أهاليكم) بسكون الياء، وقراءة غيره (إلاّ أن يعْفُونَ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) بسكون الواو.
стр. 57
وتقدير رفع الصحيح كقراءة مسلمة بن محارب (وبُعُولتْهُن أحق بردهن) بسكون التاء، وحكى أبو زيد الأنصاري (ورُسلْنا لديهم يكتبون) بسكون اللام.
وحكى أبو عمرو أن لغة بني تميم تسكين المرفوع من يعلمْهم ونحوه.
وتقدير جر الحرف الصحيح كقراءة أبي عمرو (فتوبوا إلى بارئْكم) وقرأ حمزة (ومَكْرَ السيء).
ومثال تقدير جزم الياء في السعة قراءة قنبل (إنه من يتقي ويصبرْ).
стр. 58
باب إعراب المثنى والمجموع على حده
ص: التثنيةُ جَعْلُ الاسم القابل دليلَ اثنين، متفقين في اللفظ غالبا، وفي المعنى على رأي، بزيادة ألف في آخره رفعا، وياء مفتوح ما قبلها جرا ونصبا، تليهما نون مكسورة، وفتحها لغة، وقد تضم، وتسقط للإضافة أو للضرورة أو لتقصير صلة، ولزوم الألف لغة حارثية.
ش: "جعل الاسم" أولى من جعل الواحد، لأن المجعول مثنى يكون واحدا كرجل ورجلين، ويكون جمعًا كجِمال وجِمالين، ويكون اسم جمع كرَكب ورَكَبين.
وليس المراد بالجعل وضع الواضع، فيدخل في الحد نحو: زكا من الموضوع لاثنين. بل الجعل تصرف الناطق بالاسم على ذلك الوجه.
وقيد (بالزيادة) لئلا يدخل المصدر المجعول لاثنين خبرًا أووصفًا نحو: هذان رضا، ومررت برجلين رضا.
وقيد الاسم (بالقابل) تنبيها على أن من الأسماء غير قابل للتثنية، كالمثنى والمجموع على حده للزوم الثقل بجمعه وتثنيته، والذي لا نظير له في الآحاد، وأسماء العدد غير مائة وألف.
ولما كان من المثنى ما مفرداه متفقا اللفظ وهو المقيس كرجلين، وما مفرداه مختلفا اللفظ وهو محفوظ كالقمرين في الشمس والقمر، نَبَّهت على ذلك بقولي (متفقين في اللفظ غالبا)، وبقولي (وفي المعنى على رأي) على خلاف في المختلفي المعنى كعين ناظرة وعين نابعة، وأكثر المتأخرين على منع تثنية هذا النوع وجمعه، والأصح الجواز، لأن أصل التثنية والجمع العطف، وهو في القبيلين جائز باتفاق، والعدول
стр. 59
عنه اختصار، وقد أوثر استعماله في أحدهما فليجز في الآخر قياسًا، وإن خيف لبس أزيل بعد العدول عن العطف بما أزيل قبله، إذ لا فرق بين قولنا: رأيت ضاربا ضربا وضاربا ضربة، وبين قولنا: رأيت ضاربين ضربًا وضربة.
وقال بعضهم: اختصار التثنية كاختصار الخبر، فكما جاز: زيد ضارب وعمرو، فحذف خبر عمرو اكتفاء بخبر زيد لتوافقهما معنى، كذلك جاز أن تقول: جاء الضاربان في المتوافقين معنى، وكما لم يجز أن يقال: زيد ضارب وعمرو، فتحذف خبر عمرو إذا خالف خبر زيد معنى وإن وافق لفظا، كذلك لا يجوز أن يقال: زيد وعمرو ضاربان مع مخالفة المعنى.
والجواب من وجوه: أحدها: أن حذف الخبر المخالف معنى لم يجز لأنه حذف بلا عوض في اللفظ ولا دليل على معناه، وأحد مفردي المثنى معوض عنه بعلامة التثنية، ومقدور على الدلالة عليه بقرينة.
الثاني: أن ذكر عمرو في المثال المذكور يوقع في محذورين: أحدهما توهم المحذوف مماثلا للمذكور، والآخر توهم إلغاء ذكر عمرو، والمثنى لا يتوهم فيه إلغاء.
الثالث: أن التخالف في اللفظ لا بد معه من تخالف المعنى ولم يمنع من التثنية، فأن لا يمنع منها التخالف في المعنى مع عدم التخالف في اللفظ أحق وأولى. وممن صرح بجواز ذلك ابن الأنباري واحتج بقوله ﷺ "الأيدي ثلاث فيد الله تعالى العليا، ويد المعطي، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة" ويؤيد ذلك قوله تعالى "نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) ومما يؤيد ذلك قول أبي علي القالي: من كلام العرب: خِفَّة الظهر أحد اليسارين، والعُزْبة أحد السِّباءَيْن، واللبن أحد اللحمين، والحِمْيةُ إحدى الموتتين. وقولهم: القَلم أحد السِّنانين، والخال أحد الأبوين. ومن ذلك قول بعض الطائيين:
стр. 60
كم ليثٍ اغترّ بي ذا أشْبُلٍ غَرَثت ... فكأنني أعظْمُ الليثين إقداما
ومثله:
وكائن سفكْنا نفسَ نفس عزيزة ... فلم يُقْضَ للنفسينِ من سافِك ثأر
ويمكن أن يكون منه قول الشاعر:
يداك كَفَتْ إحداهما كلّ بائس ... وإحداهما كفّت أذى كلّ معتد
ويؤيد ذلك قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون) فإن الواو إما عائدة على المعطوف وهذا ممتنع لأنه من الاستدلال بالثاني على الأول كقول الشاعر:
نحنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلف
وهو ضعيف، وإنما الجيد الاستدلال بالأول على الثاني كقوله تعالى (والحافظين فروجهم والحافظات) وصون القرآن عن الوجوه الضعيفة واجب، ولو سلم استعمال هذا الوجه مع ضعفه لمنع من استعماله هنا تخالف المستدل به والمستدل عليه في المعنى، وذلك لا يجوز بإجماع. فتعين عود الواو إلى المعطوف والمعطوف عليه، وكون الصلاة معبرا بها عن حقيقتين مختلفتين، وهو المطلوب.
ومثال فتح نون المثنى قول حميد بن ثور:
стр. 61
وَقَعْنَ بجوفِ الماء ثم تَصوَّبَتْ ... بهن قَلَوْلاةُ الغُدُو ضَرُوب
على أحْوَذيَّينَ استَقَلَّت عشيةً ... فما هي إلا لَمحَةٌ وتغِيبُ
أنشده الفراء بالفتح، وليس موضع ضرورة، وحكى أبو علي عن أبي عمرو الشيباني: هما خليلانُ، وقال: ضم نون التثنية لغة. وسقوطها للإضافة كثير، وللضرورة في قوله:
هما خُطَّتا إما إسارٌ ومِنّة ... وإما دمٌ والقتل بالحر أجدرُ
وأنشد ثعلب:
لنا أَعْنُز لُبْن ثلاث فبعضها ... لأولادها ثِنتا وما بيننا عَنز
وقال:
لها مَتْنَتان خَظاتا كما ... أكبَّ على ساعديْه النمر
وسقوطها لتقصير صلة كقول الشاعر:
خليلَيَّ ما إن أنتما الصّادقا هوى ... إذا خِفتما فيه عَذُولا وواشيا
وكقول الآخر:
أبَنِي كُلَيْب إن عَمَّيَّ اللَّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
ولغة بني الحارث بن كعب إلزام المثنى وما جرى مجراه الألف في كل حال. وبهذه اللغة قرأ نافع وابن عامر والكوفيون إلا حفصا قوله تعالى (إن هذان
стр. 62
لساحران) ووافق في ذلك الحارثيين بنو الهجَيْم وبنو العنبر، ومنه قول الشاعر:
تزَودَ منّا بين أذناه ضربةً ... دعنه إلى هابى التراب عقيم
وقال آخر:
وأطرق إطراقَ الشُّجاع ولو رَأى ... مساغا لناباه الشُّجاعُ لصمَّما
وأنشد أبو زيد:
طارُوا عَلاهن فشُلْ علاها ... واشْدُد بِمَثْنَى حَقَب حَقْواها ... ناجِيَةٌ وناجيا أباها
ص: وما أُعْرِب إعراب المثنى مُخالفا لمعناه، أو غيرَ صالح للتجريد وعطف مثله عليه فمُلحَقٌ به، وكلا وكلتا مضافين إلى مضمر، ومطلقا على لغة كنانة.
ش: من المعرب إعراب المثنى وليس بمثنى ما يراد به التكثير كقوله تعالى (ثم ارجع البصر كرتين) بمعنى كرات، لأن بعده (ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) أي مزْدَجرا وهو كليل، ولا يكون ازدجار وكلال بكرتين فحسب،
стр. 63
بل بكرات. ومنه قولهم: سبحان الله وحنانيه، وقول الراجز:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْن مَرتين
قال الفراء: أراد: ومَهْمه بعد مهمه. وهذا النوع قد يغني عنه التجريد وعطف مثله عليه، وهو مع ذلك غير مثنى لأنه يدل على أكثر من اثنين. ومثال الاستغناء عنه بتجريده وعطف مثله عليه قول الشاعر:
لو عُدَّ قبرٌ وقبر كنتَ أكرمهم ... ميتا وأبعدَهم عن منزلِ الذّام
وكقول جرير:
إنا أتيناك نرجو منك نافلةً ... من رَمْلٍ يَبرين إن الخير مطلوب
تجري بنا نُجُبٌ أفنى عَرائِكها ... خمسٌ وخمسٌ وتأويبٌ وتأويب
وكقول الآخر:
إن النجاةَ إذا ما كنت ذا بَصَر ... من جانب الغَيِّ إبعادٌ وإبعاد
وقد يغني في هذا النوع التكرير عن العطف كقوله تعالى (كلاّ إذا دكت الأرض دكا دكا* وجاء ربك والملك صفًّا صفا) أي: أي دكا بعد دك، وصفا بعد صف.
ومن المعرب كمثنى وهو في المعنى جمع قوله تعالى (فأصلحوا بين
стр. 64
أخويكم) وقوله ﷺ "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" ومنه قول الشاعر:
تُلقَى الإوزُّون في أكْنافِ دارَتِها ... تمشي وبين يديْها البُرُّ مَنْثُور
أراد بين أيديها.
ومن المعرب إعراب المثنى ما هو مفرد ولا يصلح للتجريد وعطف مثله عليه وهو على ضربين: اسم جنس ككلبتي الحداد، وعلم كالبحرين والدونكين وكنانين وهي أسماء مواضع، قال الشاعر:
يكادان بين الدَّوْنَكَيْن وألْوَة ... وذات القَتاد السُّمر ينسلخان
وقال آخر:
دعتنا بكهفٍ من كنانين دعوة ... على عجل والركبُ دهماء رائح
ومن المعرب إعراب المثنى ما يصلح للتجريد ولا يختلف معناه كحوْل وحَوال فتجريدهما كقوله تعالى (فلما أضاءت ما حوله).
وكقول الشاعر:
أهَدَمُوا بيتَك لا أبالكا ... وزعموا أنّك لا أخالكا ... وأنا أمْشِي الدَّألَى حَوالكا
стр. 65
وتلبسهما بعلم التثنية كقول الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فَتأبَيَه ... ماءٌ رَواءٌ ونَصِيٌّ حَوْلَيْه
وكقول النبي ﵇ "اللهم حوالينا ولا علينا" ونزر هذا الاستعمال في متمحض الإفراد كقوله:
على جَرْداءَ يقطعُ أبْهَراها ... حِزامُ السَّرْجِ في خيل سراع
الأبهر عرق معروف فثناه مجازا، وكذا قيل في قول الشاعر:
تربع وَعْسَ الأخْرَمَيْن وأرْبَلت ... له بعد ما ضاقت جِواء المَكامِن
أراد الأخْرم، وهو موضع، فثناه مجازا، وأنشد ابن سيده في المحكم:
فجَعَلْنَ مَدْفَع عاقِلين أيامِنا ... وجعلن أمْعَز رامتَيْن شِمالا
وقال: أراد عاقلا وهو جبل. وأجاز الفراء أن يكون من هذا القبيل قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربّه جنّتان).
стр. 66
ومما ينبغي أن يكون ملحقا بالمثنى نحو: القمرين في الشمس والقمر، فإنه غير صالح للتجريد وعطف مثله عليه، بل للتجريد وعطف مباينه عليه. فإن قيل فيه مثنى فبمقتضى اللغة لا الاصطلاح، كما يقال لاسم الجمع جمع.
ومن المعرب إعراب المثنى وليس مثنى في الاصطلاح لعدم الصلاحية للتجريد اثنان واثنتان، والمذْروان وهما طرفا الألية وطرفا القوس وجانبا الرأس، ولا يستعمل مفردهما. ومثله: جاء فلان يضرب أصْدَرَيْهِ، إذا جاء فارغا. ومن هذا القبيل قولهم لعمرو ومعاوية ابني شرحبيل بن عمرو بن الجون: الجَونان.
وقال أعرابي: جَنَّبك الله الأمرَّيْن وكفاك شَرَّ الأجْوَفَيْن، وأذاقك البرْديْن، أراد: الفقر والعُرْي، والبطن والفرج، والغنى والعافية. ومن هذا قولهم لما هو في وسط شيء: هو في ظهريْه وظهْرانيه، ولقيته بين الظهرين والظهرانيْن، أي في اليومين أو الثلاثة.
وأما كلا وكلتا فمفردا اللفظ مثنيا المعنى، واعتبار اللفظ في خبرهما وضميرهما أكثر من اعتبار المعنى قال الله تعالى (كلتا الجنتين آتت أكُلَها) ولو اعتبر المعنى لقال "آتتا" وقد جمع الشاعر الاعتبارين في قوله:
كلاهما حينَ جدّ الجريُ بينهما ... قد أقلَعا وكلا أنْفَيْهما رابى
ولكونه مفرد اللفظ مثنى المعنى أعرب إعراب المفرد في موضع، وإعراب المثنى في موضع، إلا أن آخره معتل فلم يلق به من إعراب المفرد إلا المقدر، فجعل ذلك له مضافا إلى ظاهر، ليتخلص من اجتماع إعرابي تثنية في شيئين كشيء واحد، وجعل الآخر له مضافا إلى مضمرن لأن المحذور فيه مأمون، وقد أجرته كنانة مجرى المثنى مع الظاهر أيضا فيقولون: جاء كلا أخوَيك، ومررت بكليْ أخويك، ورأيت كِلَيْ أخويك، وهذه اللغة التي رواها الفراء معزوةً إلى كنانة تبين صحة قول من
стр. 67
جعل كلا من المعرب بحرف لا بحركة مقدرة، فإن القائل إن "كلا" معرب بحركة مقدرة يزعم أن انقلاب ألفه ياء مع الضمير هو كانقلاب ألف لدى وإلى وعلى، ولو كان الأمر كما قال لامتنع انقلاب ألفها مع الظاهر في لغة كنانة، كما يمتنع عندهم وعند غيرهم انقلاب ألف لدى وعلى وإلى مع الظاهر، على أن مناسبة كلا للمثنى أقوى من مناسبتها للدى وعلى وإلى، ومراعاة أقوى المناسبتين أولى من مراعاة أضعفهما، وأيضا فإنّ تغير ألف كلا حادث عند تغيير عامل، وتغير ألف لدى وإلى وعلى حادث بغير تغير عامل، فتباينا، وامتنع أن يلحق أحدهما بالآخر.
وكلتا في المؤنث ككلا في المذكر.
ص: ولا يُغْني العطف عن التثنية دون شذوذ أو اضطرار إلا مع قصد التكثير أو فَصْلٍ ظاهرٍ أو مُقَدَّرٍ.
ش: استعمال التثنية بدلا من العطف تخفيف يشبه الإعلال الملتزم، فكما لا يرجع التصحيح في مثال: أعان واستعان إلا في شذوذ واضطرار كقول الراجز:
كأنّ بينَ فَكِّها والفَكِّ ... فارةَ مِسْكٍ ذُبحَتْ في سُكِّ
أراد بين فكيها، فجاء بالأصل المتروك، إما شذوذًا بحيث لو كان في غير شعر لم يمتنع، وإما لضرورة إقامة الوزن. ومثله قول الآخر:
كأن بين خلفها والخلف ... كشَّة أفعى في يبيس قُفٍّ
وأما استعمال العطف في موضع الجمع فلا سبيل إليه لأنه أشق من استعماله في موضع التثنية بأضعاف كثيرة. ولأنّ الجمع ليس محدودا فتذكر آحاده معطوفا بعضها
стр. 68
على بعض كما فعل بالمثنى. فلو كان الجمع مدلولا عليه ببعض ألفاظ العدد جاز استعمال العطف موضعه كقول الشاعر:
ولقد شربتُ ثمانيا وثمانيا ... وثمانِ عَشْرَةَ واثنتين وأربعا
وكقول الآخر:
وردن اثنتين واثنتين وأربعا ... يبادرنَ تغليسا ثمال المداهن
وقد تقدم بيان الاستغناء بالعطف عن التثنية المقصود بها التكثير، وأما الاستغناء به لفصل ظاهر فقولك: مررت بزيد الكريم وزيد البخيل، ولو ثنيت وأخرت الصفتين مفترقتين لجاز.
وأما الاستغناء به بفصل مقدر فكقول الحجاج، وقد نعي له في يوم واحد محمدٌ أخوه ومحمد ابنه: سبحان الله، محمد ومحمد في يوم. وإياهما قصد الفرزدق بقوله:
إن الرَّزِيَّة لا رَزِيَّة مثلُها ... فقدان مثل محمد ومحمد
ص: والجمعُ جعلُ الاسم القابل دليل ما فوق الاثنين – كما سبق- بتغيير ظاهر أو مقدر وهو التكسير، أو بزيادة في الآخر مقدرٍ انفصالها لغير تعويض وهو التصحيح.
ش: قد تقدم بيان المراد بالجعل وأن المعنى به تجديد الناطق حالة للاسم لم يوضع عليها ابتداء، فبذلك تخرج أسماء الجموع ونحوها.
ونبه "بالقابل" على أن من الأسماء ما لا يجمع، كما أن منها ما لا يثنى.
стр. 69
وأشير بكون مدلوله فوق اثنين إلى أن أقل الجمع ثلاثة، فإن استعمل لفظ الجمع في أقل منه فليس جمعا بل هو مثنى أو مفرد استعير له لفظ الجمع نحو (فقد صغتْ قلوبكما) و (ونحن الوارثون).
والباء من قولنا "بتغيير" متعلقة بدليل ما فوق اثنين؛ فلا تتناول تغيير نحو مصطفين ومصطفيات فإن مفرديهما مصطفى ومصطفاة، وقد غيرا إذا جمعا بحذف وقلب، إلا أن تغييرهما ليس هو المشعر بالجمعية، بل المشعر بها الزيادة اللاحقة، إذ لو قدر انفرادهما ولا حذف ولا قلب لم تجهل الجمعية ولو قدر العكس لجهلت الجمعية، بخلاف تغيير رجل حين قيل فيه رجال، فإن الجمعية لا تدرك إلا به.
والتغيير الظاهر إما بزيادة كصِنْو وصنوان، أو بحذف كتُخَمة وتُخَم، أو بتبديل شكل كأَسَد وأُسْد، أو بزيادة وتبديل شكل كرجل ورجال، أو بنقص وتبديل شكل كقضيب وقُضُب، أو بزيادة ونقص وتبديل شكل كغلام وغلمان.
والتغيير المقدر كفُلْك فإنه يقع على الواحد وعلى الجمع فإذا كان واحدا فهو كقُفل، وإذا كان جمعا فهو كبُدْن فيقدر زوال الضمة الكائنة في الواحد وتبدلها بضمة مشعرة بالجمع، هذا مذهب سيبويه، ودعاه إلى ذلك أنهم قالوا في تثنيته فلكان، فعلم بذلك أنهم لم يقصدوا به ما قصد بجُنُب ونحوه مما أشرك فيه بين الواحد وغيره حين قالوا: هذا جُنُب، وهذان جُنب، وهؤلاء جُنب. فالفارق عنده بين ما يقدر تغييره وبين ما لا يقدر تغييره مما لفظه في الإفراد والجمع واحد وجدان التثنية وعدمها.
والإشارة بقولنا "كما سبق" إلى اتفاق اللفظ واتفاق المعنى على نحو مامر في التثنية، ونظير قولهم في الشمس والقمر: القمران قولهم: الخبيبون، يريد خبيبًا وأصحابه، وخُبَيْب لقب عبد الله بن الزبير ﵄، قال الراجز:
стр. 70
قَدْنى من نصر الخُبَيْبَيْنِ قَدِى
يروى بكسر الباء على ما ذكرته، وبفتحها على أن يكون المراد خبيبًا وأخاه مصعبًا.
واحترز بكون الزيادة في جمع التصحيح مقدرًا انفصالها من زيادة نحو: صنوان، فإنها كزيادة زَيْدين في سلامة النظم معها، إلا أن زيادة زيدين مقدرة الانفصال لوجهين: أحدهما أن نونه تسقط للإضافة، والثاني أنه لو سمي به ونسب إليه لحذفت المدة والنون، وزيادتا صنوان ونحوه بخلاف ذلك.
وقولنا "لغير تعويض" احتراز من "سنين" ونحوه فإنه جمع تكسير جرى في الإعراب مجرى التصحيح، ومعنى التعويض فيه أن واحده منقوص يستحق أن يجبر بتكسير، كما جبر "يَدٌ" و"دَمٌ" حين قيل فيهما: يُدِيّ ودُمِيّ ودِماء، فزيدت آخره زيادتا جمع التصحيح عوضا من الجبر الفائت، لأنهما يجعلانه شبيها بفعول لو كسر عليه.
ولكون هذا النوع مكسّرا في الحكم غير فاؤه غالبًا فقيل في سَنة: سِنون بكسر السين، وقد روي ضمها.
ص: وإن كان لمذكر فالمَزيدُ في الرفع واو بعد ضمة، وفي النصب والجر ياءٌ بعد كسرة، تليهما نونٌ مفتوحة، تُكْسَر ضرورةً، وتسقط للإضافة، أو للضرورة، أو لتقصير صلة، وربما سقطت اختيارا قبل لام ساكنة غالبا.
ش: "إن كان لمذكر" أي إن كان جمع التصحيح لمذكر فالمزيد الذي يلحق آخره دلالة على جمعيته في الرفع واو بعد ضمة نحو: جاء الزيدون. وفي الجر والنصب ياء بعد كسرة نحو: مررت بالزيدين، ورأيت الزيدين، ولا يخرج عن ذلك جمع المقصور نحو (وأنتم الأعلَوْن) و (إنهم عندنا لمن المصْطَفَيْن) لأن قبل
стр. 71
الواو والياء ضمة وكسرة مقدرتين في الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، كتقدير الضمة والكسرة الإعرابيتين في قولك: أسْنى الحُلَى العلم.
وقولي (وتليهما) أي تلي الياء والواو المذكورتين نون مفتوحة كان السكون أحق لأنها لمنزلة التنوين، وكونها مسبوقة بالإعراب، فحركت لالتقاء الساكنين، فكان الفتح أولى لأنه أخف من الضم والكسر، ولأن توالي الأمثال لازم للكسر بعد الياء والضم بعد الواو، وأمر ذلك في الفتح مأمون فتعين.
ومثال كسرها ضرورة قول الشاعر:
عَرِينٌ من عُرَيْنَةَ ليس مِنَّا ... بَرِئْتُ إلى عُرَيْنَةَ من عَرِينِ
عرفْنا جعفرا وبَني عَبيد ... وأنكرْنا زَعانِفَ آخرين
وسقوطها للإضافة كثير كقوله تعالى (غيرَ مُحِلِّي الصيد) وللضرورة كقول الشاعر:
ولسنا إذا تأبَون سلْما بمذعني ... لكم غير أنّا إن نُسالَم نُسالم
وسقوطها لتقصير صلة كقوله:
قتلنا ناجيًا بقتيل عمرٍو ... وخيرُ الطّالبِي التِّرَةَ الغَشُومُ
كذا رواه ابن جني بنصب الترة، ومثله قراءة الحسن وبعض رواة أبي عمرو
стр. 72
(والمقيمي الصلاة) بالنصب، كقول الشاعر:
الحافِظو عورةَ العشيرةِ لا ... يأتيهم من ورائهم نَطَف
وكقول الآخر:
وإنّ الذي حانتْ بفَلْجٍ دماؤهم ... هم القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالد
وسقوطها اختيارا قبل لام ساكنة كقوله تعالى (واعلموا أنكم غير معجزي الله) بالنصب، حكاها أبو زيد: وحكى ابن جني (إنكم لذائقو العذابَ الأليم) بالنصب أيضًا، وهذا شبيه بقولهم في بني العنبر وأنشد ابن جني:
ومساميح بماضُنّ به ... حابسو الأنفسَ عن سوء الطمع
كذا رواه بفتح سين الأنفس، وحكى ابن جني أيضا عن الأعمش (وما هم بضارِّي به من أحد) وهذا في غاية من الشذوذ بخلاف الذي قبله، فلهذا قلت: قبل لام ساكنة غالبا، ومثل (بضاري به من أحد) لا يليق بالاختيار بل بالاضطرار نحو: بمذعني لكم.
ص: وليس الإعرابُ انقلابَ الألف والواو ياء، ولا مُقَدَّرًا في الثلاثة، ولا مَدلولا بها عليه مقدرا في مَتْلُوِّها، ولا النونُ عوضا من حركة الواحدِ ولا من تنوينه ولا منهما، ولا من تنوينين فصاعدا خلافا لزاعمي ذلك، بل الأحرف الثلاثة إعرابٌ، والنون لرفع توهم الإضافة أو الإفراد.
стр. 73
ش: زعم قوم أن رفع المثنى والمجموع على حده بلا علامة، وأن ترك العلامة له علامة، وإذا حدث عامل جر أو نصب أوجب الانقلاب ياء كان إعرابا لحدوثه عن عامل، وهذا ظاهر قول الجرمي واختيار ابن عصفور، وهو مردود بوجوه:
أحدها: أن ترك العلامة لو صح جعله علامة الإعراب لكان النصب به أولى لأن الجر له الياء وهي به لائقة لمجانسة الكسرة، والرفع له الواو وهي به لائقة لمجانسة الضمة، وهي أصل الألف في المثنى فأبدلت ألفا، كما قيل في: يَوْجل ياجل، وفي: يَوْتعد ياتعد، فلم يبق للنصب إلا مشاركة الجر أو الرفع.
الثاني من وجوه الرد: أن القول بذلك يستلزم مخالفة النظائر، إذ ليس في المعربات غير المثنى والمجموع على حده ما ترك العلامة له علامة، وما أفضى إلى مخالفة النظائر دون ضرورة فمتروك.
الثالث: أن الرفع أقوى وجوه الإعراب، فالاعتناء به أولى، وتخصيصه بجعل علامته عدمية مناف لذلك، فوجب اطراحه.
الرابع: أن تقدير الإعراب إذا أمكن راجح على عدمه بإجماع، وقد أمكن فيما نحن بسبيله، فلا عدول عنه، وذلك إما بتقدير مغايرة الألف والواو في نحو: عندي اثنان وعشرون، للألف والواو فيهما قبل التركيب، كما تقدر مغايرة الألف والواو والياء في نحو: نعم الزيدان أنتما يا زيدان، ونعم الزيدون أنتم يا زيدون، ومررت برجلين لا رجلين مثلهما، وكما تقدر ضمة (حيثُ) مرفوعا بعد تسمية امرأة به، غير ضمته قبل التسمية به، وضمة يضربون غير ضمة يضرب، وفتحة يا هندَ بنة عاصم، غير فتحة يا هندا، وكسرة قمت أمس غير كسرة قمت بالأمسِ، وكما تقدر ضمةُ فلك في الجمع غير ضمته في الإفراد، وياء (بخاتي) مسمى به غير يائه منسوبا إليه، ولهذا صرف في النسب. وأمثال ذلك كثيرة.
وأما كون الإعراب مقدرا في الثلاثة فمردود أيضا، إذ لازمُه ظهورُ الفتحة في نحو: رأيت بنيك، لأن ياءه كياء (جواريك) مع ما في جواريك من زيادة الثقل.
стр. 74
ولما انتفى اللازم وهو ظهور الفتحة علم انتفاء الملزوم وهو تقدير الضمة والكسرة.
وأما القول الثالث وهو أن الإعراب مقدر في الحرف الذي كان حرف الإعراب قبل طروِّ التثنية والجمع، وأن حروف اللين المتجددة دلائل عليه، فهو قول الأخفش والمبرد، وهو مردود أيضا من ثلاثة أوجه: أحدها أن الحروف المتجددة للتثنية والجمع مكملة للاسم، إذ هي مزيدة في آخره لمعنى لا يفهم بدونها، كألف التأنيث وتائه وياء النسب، فكما لم يكن ما قبل هذه محلا للإعراب، كذلك لا يكون ما قبل الأحرف الثلاثة محلا له، إذ الإعراب لا يكون إلا آخرا. الثاني أن الإعراب لو كان مقدرا فيما قبلها لم يحتج إلى تغييرها، كما لم يحتج إلى تغيير بعد الإعراب المقدر قبل ياء المتكلم، وفي ألف المقصور. الثالث أن الإعراب إنما جيء به للدلالة على ما يحدث بالعامل، والحروف المذكورة محصلة لذلك فلا عدول عنها، وإذا بطلت الثلاثة تعين الحكم بصحة الرابع، وهو أن الحروف الثلاثة هي الإعراب.
وأما النون فليست عوضا من حركة الواحد لأن الحروف الثلاثة نائبة عن الحركات قائمة مقامها في بيان مقتضى العامل فلا حاجة إلى التعويض، وليست عوضا من تنوينه لثبوتها فيما لا تنوينين في واحده نحو: يا زيدا، ولا رجلين فيها، وإذا لم تكن عوضا من أحدهما فأن لا تكون عوضا منهما أو من تنوينات فصاعدا أحق وأولى.
وأشير بالعوض من تنوينين فصاعدا إلى ما رآه ثعلب من أن نون التثنية عوض من تنوينين، ونون الجمع عوض من تنوينات على حسب الآحاد، وضعف هذا القول غير خالف، عفا الله عن قائله وعنا.
وإذا بطلت الأوجه الثلاثة ثبتت صحة ما قلنا، إذ لا مقول بعد ما تقدم غيره، مع سلامته من موجبات رد ما قبله، وهو كون النون رافعة لتوهم إضافة أو إفراد، ورفع توهم الإضافة بيِّن، وهو أنه لو لم يكن بعد الأحرف المذكورة نون لم تعلم إضافة من عدمها في نحو: رأيت بني كرماء، وعجبت من ناصري باغين، ورفع توهم الإفراد أيضا بَيِّن في مواضع منها: تثنية اسم الإشارة، وبعض المقصورات
стр. 75
نحو: هذان والخوزلان في تثنية بعض العرب الخوزلي، ومنها جمع المنقوص في حال الجر نحو: مررت بالمهتدين، وانتسبت إلى أبين كرام، فلولا النون في هذا وما أشبهه لكان لفظ الواحد كغيره.
ص: وإن كان التصحيح لمؤنث أو محمولٍ عليه فالمزيدُ ألف وتاء.
ش: تصحيح المؤنث على ضربين: مطرد وغير مطرد:
فالمطرد جمع ما فيه تاء تأنيث علما كعمرة وحمزة، أو اسم جنس كنعجة وضَخمة.
وجمع ذي ألف التأنيث وليس فعلى فعْلان كسكرى، أو فعلاء أفعل كحمراء.
وجمع ما لا علامة فيه من أعلام المؤنث كزينب.
ونحو: دريهمات من المصغرات.
وأيام معدودات من صفات المذكرات.
وغير المطرد ما سوى ذلك كجُرَذات وثَيِّبات وشمالات وحَمَّامات وحمَامات وحُسامات.
وإلى نحو: دريهمات وما بعده أشير (بمحمول عليه)، لأنها مصححة تصحيح المؤنث وآحادها مذكرة.
ص: وتصحيح المذكر مشروط بالخلو من تاء التأنيث المغايرة لما في نحو: عِدَة وثُبة علمين، ومن إعرابٍ بحرفين، ومن تركيب إسنادٍ أو مَزج، وبكونه لمن يعقل، أو مشَبَّه به علما أو مُصَغّرًا أو صفَة تقبَل تاء التأنيث إن قُصِد معناه، خلافا للكوفيين في الأول والآخر.
ش: المراد بالمذكر هنا المسمى لا المذكر اللفظ، لأن تذكير اللفظ ليس شرطا في صحة هذا الجمع، بل الشرط خلوه من تاء التأنيث، ولذلك لو سمي رجل بزينب أو سُعدى أو أسْماء لجاز بإجماع أن يقال فيه: زينبون وسُعْدَوْن وأسماءون، بخلاف
следующие страницы →