← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الواو والياء ضمة وكسرة مقدرتين في الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، كتقدير الضمة والكسرة الإعرابيتين في قولك: أسْنى الحُلَى العلم. وقولي (وتليهما) أي تلي الياء والواو المذكورتين نون مفتوحة كان السكون أحق لأنها لمنزلة التنوين، وكونها مسبوقة بالإعراب، فحركت لالتقاء الساكنين، فكان الفتح أولى لأنه أخف من الضم والكسر، ولأن توالي الأمثال لازم للكسر بعد الياء والضم بعد الواو، وأمر ذلك في الفتح مأمون فتعين. ومثال كسرها ضرورة قول الشاعر: عَرِينٌ من عُرَيْنَةَ ليس مِنَّا ... بَرِئْتُ إلى عُرَيْنَةَ من عَرِينِ عرفْنا جعفرا وبَني عَبيد ... وأنكرْنا زَعانِفَ آخرين وسقوطها للإضافة كثير كقوله تعالى (غيرَ مُحِلِّي الصيد) وللضرورة كقول الشاعر: ولسنا إذا تأبَون سلْما بمذعني ... لكم غير أنّا إن نُسالَم نُسالم وسقوطها لتقصير صلة كقوله: قتلنا ناجيًا بقتيل عمرٍو ... وخيرُ الطّالبِي التِّرَةَ الغَشُومُ كذا رواه ابن جني بنصب الترة، ومثله قراءة الحسن وبعض رواة أبي عمرو

стр. 72

(والمقيمي الصلاة) بالنصب، كقول الشاعر: الحافِظو عورةَ العشيرةِ لا ... يأتيهم من ورائهم نَطَف وكقول الآخر: وإنّ الذي حانتْ بفَلْجٍ دماؤهم ... هم القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالد وسقوطها اختيارا قبل لام ساكنة كقوله تعالى (واعلموا أنكم غير معجزي الله) بالنصب، حكاها أبو زيد: وحكى ابن جني (إنكم لذائقو العذابَ الأليم) بالنصب أيضًا، وهذا شبيه بقولهم في بني العنبر وأنشد ابن جني: ومساميح بماضُنّ به ... حابسو الأنفسَ عن سوء الطمع كذا رواه بفتح سين الأنفس، وحكى ابن جني أيضا عن الأعمش (وما هم بضارِّي به من أحد) وهذا في غاية من الشذوذ بخلاف الذي قبله، فلهذا قلت: قبل لام ساكنة غالبا، ومثل (بضاري به من أحد) لا يليق بالاختيار بل بالاضطرار نحو: بمذعني لكم. ص: وليس الإعرابُ انقلابَ الألف والواو ياء، ولا مُقَدَّرًا في الثلاثة، ولا مَدلولا بها عليه مقدرا في مَتْلُوِّها، ولا النونُ عوضا من حركة الواحدِ ولا من تنوينه ولا منهما، ولا من تنوينين فصاعدا خلافا لزاعمي ذلك، بل الأحرف الثلاثة إعرابٌ، والنون لرفع توهم الإضافة أو الإفراد.

стр. 73

ش: زعم قوم أن رفع المثنى والمجموع على حده بلا علامة، وأن ترك العلامة له علامة، وإذا حدث عامل جر أو نصب أوجب الانقلاب ياء كان إعرابا لحدوثه عن عامل، وهذا ظاهر قول الجرمي واختيار ابن عصفور، وهو مردود بوجوه: أحدها: أن ترك العلامة لو صح جعله علامة الإعراب لكان النصب به أولى لأن الجر له الياء وهي به لائقة لمجانسة الكسرة، والرفع له الواو وهي به لائقة لمجانسة الضمة، وهي أصل الألف في المثنى فأبدلت ألفا، كما قيل في: يَوْجل ياجل، وفي: يَوْتعد ياتعد، فلم يبق للنصب إلا مشاركة الجر أو الرفع. الثاني من وجوه الرد: أن القول بذلك يستلزم مخالفة النظائر، إذ ليس في المعربات غير المثنى والمجموع على حده ما ترك العلامة له علامة، وما أفضى إلى مخالفة النظائر دون ضرورة فمتروك. الثالث: أن الرفع أقوى وجوه الإعراب، فالاعتناء به أولى، وتخصيصه بجعل علامته عدمية مناف لذلك، فوجب اطراحه. الرابع: أن تقدير الإعراب إذا أمكن راجح على عدمه بإجماع، وقد أمكن فيما نحن بسبيله، فلا عدول عنه، وذلك إما بتقدير مغايرة الألف والواو في نحو: عندي اثنان وعشرون، للألف والواو فيهما قبل التركيب، كما تقدر مغايرة الألف والواو والياء في نحو: نعم الزيدان أنتما يا زيدان، ونعم الزيدون أنتم يا زيدون، ومررت برجلين لا رجلين مثلهما، وكما تقدر ضمة (حيثُ) مرفوعا بعد تسمية امرأة به، غير ضمته قبل التسمية به، وضمة يضربون غير ضمة يضرب، وفتحة يا هندَ بنة عاصم، غير فتحة يا هندا، وكسرة قمت أمس غير كسرة قمت بالأمسِ، وكما تقدر ضمةُ فلك في الجمع غير ضمته في الإفراد، وياء (بخاتي) مسمى به غير يائه منسوبا إليه، ولهذا صرف في النسب. وأمثال ذلك كثيرة. وأما كون الإعراب مقدرا في الثلاثة فمردود أيضا، إذ لازمُه ظهورُ الفتحة في نحو: رأيت بنيك، لأن ياءه كياء (جواريك) مع ما في جواريك من زيادة الثقل.

стр. 74

ولما انتفى اللازم وهو ظهور الفتحة علم انتفاء الملزوم وهو تقدير الضمة والكسرة. وأما القول الثالث وهو أن الإعراب مقدر في الحرف الذي كان حرف الإعراب قبل طروِّ التثنية والجمع، وأن حروف اللين المتجددة دلائل عليه، فهو قول الأخفش والمبرد، وهو مردود أيضا من ثلاثة أوجه: أحدها أن الحروف المتجددة للتثنية والجمع مكملة للاسم، إذ هي مزيدة في آخره لمعنى لا يفهم بدونها، كألف التأنيث وتائه وياء النسب، فكما لم يكن ما قبل هذه محلا للإعراب، كذلك لا يكون ما قبل الأحرف الثلاثة محلا له، إذ الإعراب لا يكون إلا آخرا. الثاني أن الإعراب لو كان مقدرا فيما قبلها لم يحتج إلى تغييرها، كما لم يحتج إلى تغيير بعد الإعراب المقدر قبل ياء المتكلم، وفي ألف المقصور. الثالث أن الإعراب إنما جيء به للدلالة على ما يحدث بالعامل، والحروف المذكورة محصلة لذلك فلا عدول عنها، وإذا بطلت الثلاثة تعين الحكم بصحة الرابع، وهو أن الحروف الثلاثة هي الإعراب. وأما النون فليست عوضا من حركة الواحد لأن الحروف الثلاثة نائبة عن الحركات قائمة مقامها في بيان مقتضى العامل فلا حاجة إلى التعويض، وليست عوضا من تنوينه لثبوتها فيما لا تنوينين في واحده نحو: يا زيدا، ولا رجلين فيها، وإذا لم تكن عوضا من أحدهما فأن لا تكون عوضا منهما أو من تنوينات فصاعدا أحق وأولى. وأشير بالعوض من تنوينين فصاعدا إلى ما رآه ثعلب من أن نون التثنية عوض من تنوينين، ونون الجمع عوض من تنوينات على حسب الآحاد، وضعف هذا القول غير خالف، عفا الله عن قائله وعنا. وإذا بطلت الأوجه الثلاثة ثبتت صحة ما قلنا، إذ لا مقول بعد ما تقدم غيره، مع سلامته من موجبات رد ما قبله، وهو كون النون رافعة لتوهم إضافة أو إفراد، ورفع توهم الإضافة بيِّن، وهو أنه لو لم يكن بعد الأحرف المذكورة نون لم تعلم إضافة من عدمها في نحو: رأيت بني كرماء، وعجبت من ناصري باغين، ورفع توهم الإفراد أيضا بَيِّن في مواضع منها: تثنية اسم الإشارة، وبعض المقصورات

стр. 75

نحو: هذان والخوزلان في تثنية بعض العرب الخوزلي، ومنها جمع المنقوص في حال الجر نحو: مررت بالمهتدين، وانتسبت إلى أبين كرام، فلولا النون في هذا وما أشبهه لكان لفظ الواحد كغيره. ص: وإن كان التصحيح لمؤنث أو محمولٍ عليه فالمزيدُ ألف وتاء. ش: تصحيح المؤنث على ضربين: مطرد وغير مطرد: فالمطرد جمع ما فيه تاء تأنيث علما كعمرة وحمزة، أو اسم جنس كنعجة وضَخمة. وجمع ذي ألف التأنيث وليس فعلى فعْلان كسكرى، أو فعلاء أفعل كحمراء. وجمع ما لا علامة فيه من أعلام المؤنث كزينب. ونحو: دريهمات من المصغرات. وأيام معدودات من صفات المذكرات. وغير المطرد ما سوى ذلك كجُرَذات وثَيِّبات وشمالات وحَمَّامات وحمَامات وحُسامات. وإلى نحو: دريهمات وما بعده أشير (بمحمول عليه)، لأنها مصححة تصحيح المؤنث وآحادها مذكرة. ص: وتصحيح المذكر مشروط بالخلو من تاء التأنيث المغايرة لما في نحو: عِدَة وثُبة علمين، ومن إعرابٍ بحرفين، ومن تركيب إسنادٍ أو مَزج، وبكونه لمن يعقل، أو مشَبَّه به علما أو مُصَغّرًا أو صفَة تقبَل تاء التأنيث إن قُصِد معناه، خلافا للكوفيين في الأول والآخر. ش: المراد بالمذكر هنا المسمى لا المذكر اللفظ، لأن تذكير اللفظ ليس شرطا في صحة هذا الجمع، بل الشرط خلوه من تاء التأنيث، ولذلك لو سمي رجل بزينب أو سُعدى أو أسْماء لجاز بإجماع أن يقال فيه: زينبون وسُعْدَوْن وأسماءون، بخلاف

стр. 76

المؤنث بالتاء المقيدة فإنه لا يجمع، علما كان كطلحة، أو غير علم كهَمزَة. ولأجل الحاجة في النوعين إلى الخلو من تاء التأنيث قدم على سائر الشروط، وعبر بتاء التأنيث دون هائه ليدخل في ذلك أخت ومسلمات علمي رجلين، فإنه لا يجمع بهذا الجمع، كما لا يجمع نحو: طلحة وهُمَزة. وقيدت التاء المانعة من هذا الجمع (بمغايرة ما في عدة وثبة علمين) تنبيها على ما صار علما من الثلاثي المعوّض من لامه أو فائه هاء التأنيث، فإنه يجمع بالواو والنون، وبالألف والتاء، فيقال فيمن اسمه عدة وثبة: جاء عدون وثبون، ورأيت عدين وثبين، ذكر ذلك ابن السراج في الأصول، وهو مأخوذ من كلام سيبويه. وأجاز سيبويه أيضا أن يقال في (ربت) مخففا علما: رُبُون وربات. وأشرت بقولي "ومن أعراب بحرفين" إلى ما جعل علما من نحو: زيديْن وزيدِين واثنين وعشرين. وبقولي "من تركيب إسناد أو مزج" إلى نحو: تأبط شرا وسيبويه. فإن هذه الأنواع لا تثنى ولا تجمع، فإن احتيج إلى تثنية شيء منها أضيف إليه ذوا، وإن احتيج إلى جمعه أضيف إليه ذوو. وبعض النحويين يعامل الممزوج في التثنية والجمع على حدها معاملته في النسب، فيحذف العجز ويولى آخر الصدر العلامة فيقول: جاءني السيبان، ومررت بالسيبين. ومن شروط هذا الجمع كون المسمى ممن يعقل أو شبيه به، فلا يقال في لاحق اسم فرس لاحقون، ولا في سابق صفة له سابقون، ولا حاجة إلى تنكب التعبير بمن يعقل واستبداله بمن يعلم كما فعل قوم، لأن باعثهم على ذلك قصدهم دخول أسماء الله تعالى فيما يجمع هذا الجمع، والعِلْم مما يخبر به عنه تعالى دون العقل، وباعثهم على ذلك غير مأخوذ به ولا معول عليه إلا فيما سمع، كقول تعالى (وإنا على

стр. 77

ذهاب به لقادرون) فليس لغير الله تعالى أن يجمع اسما من أسمائه، إذ لا يُثنى عليه ولا يُخبر عنه إلا بما اختاره لنفسه في كتابه العزيز أو على لسان نبيه ﷺ ، فقادرون ونحوه من المعبر به عن الله تعالى من المقصور على السماع، فإذا لم يدع إلى تنكب لفظ العقل داع فهو أولى من العلم، لأنه أدل على المقصود. والإشارة بقولنا "أو شبيه به" إلى نحو (رأيتهم لي ساجدين) لأن المراد به ما لا يعقل، إلا أنه بنسبة السجود إليه أشبه ما يعقل فعومل معاملته في الجمع، والإضمار مطرد فيما جرى هذا المجرى مما لا يعقل، ومنه قول الشاعر يصف قوسا ونبلا: فحالَفني دونَ الإخلاء نَبْعَةٌ ... تَرنُّ إذا ما حُرِّكَتْ وتَزَمْجِر لها فتيةٌ ماضُون حيث رَمت بهم ... شَرابهُم قانٍ من الدمِ أحمر ومن المشبه بما يعقل الدواهي والعجائب والأسماء المستعظمة نحو: أصابهم الأَمَرُّون والفتكرون والبُرحون، وعمل بهم العمِلِّين، أي الأعمال العجيبة التي كأنها تعلم غاية ما أريد منها فتوهمها منقادة، وقالوا للمطر الذي يعظم شأنه ويعم نفعه: وابلون، قال الشاعر: وأصبحتِ المذاهبُ قد أذاعت ... بها الإعصارَ بعد الوابلينا وقال أبو صخر الهذلي:

стр. 78

تُلاعبُ الريحُ بالعَصْرَيْنِ قَسْطَلَه ... والوابلون وتَهْتانُ التَّجاوِيد وقد يدعو إلى هذا الجمع تنزيل الشيء منزلة ما يعقل في الأنس به والحنو عليه كقول الراجز: قد رَوِيَتْ إلاَّ دُهيدِهِينا ... قُلَيِّصات وأبَيْكرِينا ومن شروط هذا الجمع كون الاسم علما كزيد، أو صفة قابلة لتاء التأنيث عند قصده كمسلم، فإن لم تقبلها لم يلق بها هذا الجمع كأحمر وسكران في لغة غير بني أسد، وكصبور وقتيل، ويقوم مقام الوصفية التصغير كقولك: غليم وغليمون، لأن التصغير وصف في المعنى. ولم يشترط الكوفيون الخلو من تاء التأنيث ولا قبولها عند قصد معناه، بل أجازوا أن يقال في هبيرة: الهبيرون، وفي أحمر: أحمرون. وإلى ذلك الإشارة بقولنا "خلافا للكوفيين في الأول والآخر" والبصريون لا يجيزون شيئا من ذلك، فإن سمع منه شيء عدوه نادرا ولم يقيسوا عليه، ومن النادر قول العرب: عَلانون في جمع علانية، قالها الفراء وهو الرجل المشهور. ومثله في الندور قولهم: رجل رَبْعة وربعون، في جمع ربعة وهو المعتدل القامة. ومن النادر أيضا قول الشاعر: فما وَجَدَتْ نساءُ بني نِزار ... حلائلَ أسودِين وأحْمَرِينا وأسود وأحمر من الصفات التي لا تقبل تاء التأنيث لأن مؤنثها ليس على بناء مذكرها. ص: وكونُ العقل لبعض مثَنَّى أو مجموع كافٍ، وكذا التذكير مع اتحاد المادة، وشذ ضَبُعان في ضَبُعٍ وضِبْعان. ش: أي إذا قصدت تثنية أو جمعا فيما لم يعمه العقل غلب ذو العقل وجُعِل ثبوته

стр. 79

له مغنيا عن ثبوته لما زاد عليه، فتقول في رجل سابق وفرسين سابقين: سابقون، وكذا يفعل إذا قُصِدت تثنية أو جمع فيما لم يعمه التذكير مع اتحاد المادة، فيقال في امرئ وامرأة، ومسلم ومسلمة، وأحمر وحمراء، وسكران وسكرى، وابن وابنة، وأخ وأخت، وفتى وفتاة: مسلمان، وأحمران، وسكرانان، وابنان، وأخوان، وفتيان. ولا يقال في رجل وامرأة: رجلان، ولا في ثور وبقرة: ثوران، ولا في غلام وجارية: غلامان، إلا في لغة من قال: رجلة وثورة وغلامة، لأن المادة واحدة. وأما من لم يقل إلا رجل وامرأة، وثور وبقرة، وغلام وجارية فلا يقول: رجلان ولا ثوران ولا غلامان إلا في: رجل ورجل، وثور وثور، وغلام وغلام. ويُفهَم الكلام على الجمع من الكلام على التثنية فيغلب التذكير والعقل مطلقًا، وإن ترك التغليب فهو أولى. وقالوا في ضَبُعٍ وضِبْعانٌ، ضَبُعان، شذوذًا. ص: وما أُعْرِب مثل هذا الجمع غيرَ مستوفٍ للشروط فمسموع، كنحن الوارثون، وأُولي، وعليين، وعالَمين، وأهلين، وأرَضين، وعشرين إلى تسعين. ش: هذا من قولنا "مثل هذا الجمع" إشارة إلى الجمع المعرب بالواو رفعا، وبالياء نصبا وجَرًّا. فمن المعرب بإعرابه الوارد كذلك من أسماء الله تعالى (ونحن الوارثون) و (وإنا لموسعون) و (فنعم الماهدون) وكذلك أولو وعليون وعالمون وأهلون وأرضون وعشرون وأخواته. فأما أسماء الله تعالى فمعنى الجمعية فيها ممتنع، وما ورد منها بلفظ الجمع فتعظيم يتوقف فيه على السماع أصلا، كما يتوقف عليه في غيره من الثناء والحمد، بل التوقف

стр. 80

على السماع في هذا أحق، لأن من الناس من أجاز اشتقاق الأسماء من أفعال الله تعالى على وجه يؤمَنُ معه إيهام ما لا يليق بجلاله ﵎، ولا أعلم أحدًا يجيز للداعي أن يدعو الله بلفظ الجمع، لأن ذلك يوهم خلاف التوحيد، وقد تقدم التنبيه على ذلك، وعلى قولهم: أو لو كذا. وأما عليون فاسم لأعلى الجنة كأنه في الأصل فعيِّل من العلو، فجمع جمع ما يعقل وسمى به أعلى الجنة، جعلنا الله من أهله، وله نظائر من أسماء الأمكنة منها: صَرِفَون، وصِفُّون، ونِصِّيبُون، والسَّيْلَحُون، وقِنَّسْرُون، ويَبْرُون، ودارون، وفلسطون، قال الأعشى: ويُجْبَى إليه السَّيْلَحُون ودونَها ... صَرِيفُون في أنهارِها والخَورْنَق وقال زيد بن عدي بن حاتم: تركتُ أخا بكر يَنُوء بصدرِه ... بصِفِّين مخضوبَ الجُيُوبِ من الدم وأما عالَمون فاسم جمع مخصوص بمن يعقل وليس جمعَ عالم، لأن العالم عام والعالمين خاص، وليس ذلك شأن الجموع، ولذا أبى سيبويه أن يجعل الأعراب جمع عَرَب، لأن العَرَب يعم الحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين وقال بعضهم: العالمون جمع عالم مرادًا به ما يعقل، وفعل به ذلك لتقوم جمعيته مقام ذكره موصوفا بما يدل على عقله. وهذا لا يصح، إذ لو جاز في عالم هذا الذي زعم لجاز في غيره من أسماء الأجناس الواقعة على ما لا يعقل وعلى ما يعقل، فكنا نقول في جمع شيء أو شخص إذا أريد به ما يعقل: شيئون وشخصون، وفي امتناع ذلك دليل فساد ما أفضى إليه. أما أهلون فجمع أهل، وأهل غير مستوف لشروط هذا الجمع، إذ ليس علما

стр. 81

ولا صفة، فكان حقه ألا يجمع على هذا الجمع، كما لم يجمع عليه آل، لكن أهلا استعمل استعمال "مستحق" في قولهم: هو أهل كذا، وأهل له، فأجرى مُجراه في الجمع، قال الله تعالى (شغلتنا أموالنا وأهلونا) و (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وقال النبي ﷺ "إن لله أهلين من الناس" ومثله قول الشاعر: وما رَحِمُ الأهلين إنْ سالموا العِدا ... بمجديةٍ إلا مضاعفةَ الكرب ولكن أخو المرء الذين إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب ومثل أهلين في مخالفة القياس جمع مرء على مَرئين في قول الحسن البصري ﵁: أحسنوا أملاءكم أيها المرْءُون، ولم يُقل في رجل رجلون. أما أرَضون فخلوه من شروط هذا الجمع ظاهر، لأنه جمع أرض، وهو اسم جنس جامد مؤنث دال على ما لا يعقل، إلا أن هذا النوع من الجمع قد صار عندهم دليلا على ما يستعظم ويتعجب منه، لأن أعجب الأشياء ذو العقل، فألحق به في هذا الجمع الأشياء العجيبة في نفع أو ضر، تنبيها على مرتبتها واستعظامها، وبذا علل الفراء "عليين" وقول العرب: أطعمنا مَرَقة مَرَقيْن. ويؤيد هذا الاعتبار في أرضين حسن وروده في مقام التعجب والاستعظام كقول الشاعر: وأيَّة بلدةِ إلا أتينا ... من الأرَضين تعلمه نِزار وكقول الآخر:

стр. 82

لقد ضَجَّتِ الأرْضُونَ إذ قام من بَني ... هَدادٍ خطيبٌ فوق أعوادِ مِنْبر وقيل: إنما قالوا أرضون في أرض على سبيل التعويض، كما فعل في سنة ونحوها، لأن الأرض مثلها في التأنيث المجازي، وعدة الأصول، ونقصان ما حقه ألا ينقص، لأن الأرض اسم ثلاثي مؤنث، فحقه أن يكون بتاء التأنيث، فلما خلا منها نزل نقصها منزلة نقص لام سنة، واستويا في الجمعية تعويضا، ولذا غيرت راء أرضون كما غيرت سين سنة. وقيل أرضون نائب عن أرَضات معدول عنه، وسبب ذلك خوف الالتباس بجمع أرَضة. وأما عشرون فشذوذه بين لانتفاء الجمعية وشروطها، وكذلك أخواتها. وإن كانت بمعنى الجمعية. وقال بعضهم: ثلاثون وأخواته جموع على سبيل التعويض كما ذكر في أرض، لأن تاء التأنيث من مفرداتها سقطت حين عُدَّ بها المؤنث ولم يكن من حقها أن تسقط، فجمعت هذا الجمع تعويضا، وعوملت العشرة بذلك وإن لم يكن في عشرين معنى الجمعية، لأن المثنى قد يعرب إعراب الجمع، وغيرت عينها وشينها كما غيرت سين سنة وراء أرض. وهذا قول ضعيف، لأن ذلك لو كان مقصودا لم يكن واحد من هذه الأسماء مخصوصا بمقدار، ولا يعهد ذلك في شيء من الجموع قياسية كانت أو شاذة. ص: وشاع هذا الاستعمالُ فيما لم يُكسَّر من المُعَوَّض من لامه هاءُ التأنيث، بسلامة فاء المكسورها، وبكسر المفتوحها، وبالوجهين في مضمومها، وربما نال هذا الاستعمال ما كُسِّر، ونحو: رِقة، وأضاة، وإوَزَّة. ش: "هذا الاستعمال" إشارة إلى الرفع بالواو والنصب والجر بالياء وزيادة النون بعدهما، وخرج بما لم يكسر نحو: شفة وشاة، فإنهما استغنيا عن هذا الاستعمال بأن كسِّرا على شفاة وشياه، بخلاف سنة وثبة ونحوهما فإنهما لم يكسَّرا، فجعل لهما ولأمثالهما هذا الاستعمال عوضا. وخرج بذكر "الهاء" دون "التاء" بنت وأخت. وأشير "بكسر الفاء وفتحها وضمها" إلى ما حكى ابن كيسان عن الكسائي: أن المعوض من لامه هاء التأنيث إن كان مضموم الأول كقُلة وثُبة جاز في جمعه الضم

стр. 83

والكسر. وإن كان مفتوح الأول أو مكسورة كسنة ومائة لم يجز في جمعه إلا الكسر. والإشارة "بربما نال هذا الاستعمال ما كسِّر" إلى بُرَة فإنه قيل في جمعها بُرى وبَرات وبرون، وكذلك ظبة فإنه قيل في جمعها ظبا وظبات وظبون، وقال الشاعر يصف سيوفا: يرى الرَّاءُون في الشَّفَرات منها ... وَقُود أبي حُباحِب والظبينا ومثل هذا مما وجد له تكسير قليل. وكذا المعوَّض من فائه قليل أيضا، والمحفوظ منه: رِقة ورقون، ولِدة ولدون، وحِشة وحشون، والرِّقة الفضة، واللدة المساوي في السن، والحشة الأرض التي لا إنس فيها. ومن كلام العرب: وِجْدانُ الرِّقين يغطي أفَن الأفين. وقال الشاعر في جمع لِدة: رأيْن لداتهن مُؤَزَّراتٍ ... وشَرْخُ لِدِيّ أسنانُ الهِرام ومن الوارد بهذا الاستعمال على قلة نحو: أضاة وإضون؛ وإوَزَّة وإوزون، ونحوها، قال الشاعر: خلت إلا أيَاصر أو نُؤُيّا ... محافِرُها كأسْرية الإضينا وقال الشاعر: تُلْقَى الإوزّونَ في أكْنافِ دارَتها ... تمشي وبين يديها البُرّ منثور

стр. 84

ص: وقد يُجْعَلُ إعرابُ المعتلِّ اللام في النون منونةً غالبا، ولا تُسْقِطُها الإضافةُ، ويلزمه الياء. وينصب كائنا بالألف والتاء بالفتحة على لغة، ما لم يُرَدّ إليه المحذوفُ، وليس الواردُ من ذلك واحدا مردودَ اللام خلافا لأبي علي. ش: من العرب من شبه سنين ونحوه بغسلين، فتلزمه الياء ويعرب بالحركات فيقول: إن سنينا يطاع إليه فيها لسنينٌ، وسنينك أكثر من سنيني. وبعض هؤلاء لا ينون فيقول: مرت عليه سنينُ، فترك التنوين لازم لأن وجوده مع هذه النون كوجود تنوينين في حرف واحد، وإنما اختص هذا النوع بهذه المعاملة لأنه أعرب إعراب جمع التصحيح، وكان الأحق به إعراب جمع التكسير لخلو واحده من شروط جمع التصحيح، ولعدم سلامة نظمه، وكان جديرا بأن يجرى مجرى صنْوانٍ وقنوا، فلما كان له ذلك مستحقا ولم يأخذه نبه عليه بهذه المعاملة، وكان بها مختصا، ولو عومل بهذه المعاملة نحو رقين لجاز قياسا وإن لم يرد به سماع، وقد فعل ذلك ببنين كقول الشاعر: وكان لنا أبو حَسَنٍ عليٌّ ... أبا بَرَّا ونحنُ له بنينُ لأنه أشبه سنين في حذف اللام وتغيير نظم الواحد، ولتغيير نظم واحده قيل فيه: فعلت البنون، ولا يقال: فعلت المسلمون. ولو عومل بهذه المعاملة عشرون وأخواته لكان حسنا، لأنها ليست جموعا، فكان لها حق في الإعراب بالحركات كسنين. ويمكن أن يكون هذا معتبرا في الأربعين من قول جرير: عَرِينُ من عُرَيْنَةَ ليس مِنّا ... بَرِئْتُ إلى عُرَيْنَةَ من عَرِينِ عرفنا جعفرا وبني عَبِيد ... وأنْكَرْنا زعانفَ آخرينِ

стр. 85

وماذا يدَّرِي الشعراءُ مني ... وقد جاوزتُ حدَّ الأربعينِ فتكون الكسرة كسرة إعراب، ويمكن أن تكون كسرة ضرورة كما سبق في البيت قبله. ويجوز أن تكون كسرة نون الجمع وما حمل عليه لغة، كما أن فتح نون المثنى وما حمل عليه لغة، ومن كسر نون الجمع ما أنشد ثعلب من قول الشاعر: إنِّي أبِيٌّ أبِيٌّ ذو محافَظة ... وابنُ أبيٍّ أبِيٍّ من أبيينِ وإذا جاز لهم الانقياد إلى التشبيه اللفظي في الخروج عن أصل إلى فرع، فالانقياد إليه في الخروج عن فرع إلى أصل أحق بالجواز، وذلك أنهم قالوا في: ياسمين وسِرجين وشياطين، ياسمون وسرجون وشياطون، فأعربوها إعراب جمع التصحيح تشبيها للآخر بالآخر، وإن كان نون بعضها أصليا، مع أن هذا الإعراب فرع، والإعراب بالحركات أصل. فأنْ يشبه باب سنين وظبين بباب قَرين ومُبين أنسب وأقرب. وإنما ألزموه إذا أعربوه بالحركات الياء دون الواو لأنها أحق، ولأن باب غِسْلين أوسع مجالا من باب عَرَبُون، ولأن الواو كانت إعرابا صريحا إذ لم يشترك فيها شيئان، فلو لزمت عند الإعراب بالحركات لكان الرفع بالضمة معها كرفعين، وليست الياء كذلك إذ لم ينفرد بها شيء واحد. على أن المبرد قد أجاز لزوم الواو عند التسمية بهذا الجمع، فيقول في المسمى بزيدين: هذا زيدونٌ، ورأيت زيدونًا، ومررت بزيدونٍ. ويؤيد قوله قولُهم: الماطِرُون وسَيْلَحُون وناطرون وماعزون في أسماء أمكنة، والأجود إجراؤها مُجْرَى الجمع، ثم التزام الياء، وأما التزام الواو وجعل الإعراب في النون فقليل، والحمل عليه ضعيف.

стр. 86

وقد جعل أبو علي حمدون ونحوه أعجميا فمنعه من الصرف، وحمله على ذلك اعتقاده أن زيادة نون وواو بعد ضمة في آخر اسم ليس من وضع العرب، لعدم ذلك في النكرات التي هي الأصول، وهذا شبيه بقول سيبويه إن "حاميم" لو سمي به لم ينصرف للعلمية والعجمة، لأن "فاعيل" ليس من الأوزان العربية بل من الأوزان العجمية كهابيل، واعتبار سيبويه أقوى، لأن فاعيلا لم يوجد في لسان العرب نكرة ولا معرفة، بخلاف المزيد في آخره واو مضموم ما قبلها فإنه موجود في النوعين، فالنكرة كعَرَبُون وزَرَجُون، والمعرفة كَحَمْدُون وسَعْدُون. والضمير من قولي "وينصب كائنا بالألف والتاء" عائد إلى المعتل اللام المعوض منها تاء التأنيث، أي إذا جمع هذا النوع بالألف والتاء جاز عند بعض العرب أن ينصب بالفتحة، كقول بعضهم: سمعت لُغاتهم. وكقول الشاعر: فلمّا جَلاها بالأيام تَحَيَّزَت ... ثُباتًا عليها ذُلُّها واكتئابُها هكذا رواه الفراء بفتح التاء، ولا يعامل بهذه المعاملة إلا نحو لُغَة وثُبَه من المعتل اللام المعوض منها التاء، ما لم يرد إليه المحذوف، فإن رد كسنوات وعضوات رجع إلى ما هو به أولى وهو النصب بالكسرة، لأن نصبه بالفتحة قبل الرد كان لسببين: أحدهما: الشبه بباب قضاة في أنه جمعٌ آخرُه تاءٌ مزيدة بعد الألف في موضع لام معتلة، والثاني: ثُبات بإزاء ثبين، وكسرته بإزاء يائه، فكما جاز على لغة أن يراجع الأصل بثبين تشبيها بقرين، جازت مراجعته بثبات تشبيها ببنات، وكل واحد من السببين منتف مع رد المحذوف، فيبقى على الإعراب الذي هو به أولى.

стр. 87

ولا يعامل عدات من المعتل الفاء معاملة ثبات لانتفاء السببين المذكورين. وزعم أبو علي أن قول من قال: سمعت لُغاتَهم، بالفتح لا يحمل على أنه جمع بل على أنه مفرد رُدَّ لامه فقلب ألفا، وهذا الذي ذهب إليه مردود من أربعة أوجه: أحدهما: أن جمعية لغات في غير "سمعت لغاتَهم" ثابتة بإجماع، والأصل عدم الاشتراك لا سيما بين إفراد وجمع. الثاني: أن التاء في هذا الجمع عوض من اللام المحذوفة، فلو ردت لكان ذلك جمعا بين عوض ومعوض منه، وذلك ممنوع. الثالث: أن قائل "تحيزت ثباتا" يصف مشتار عسل من شق جبل، والعادة جارية بأن النحل التي تكون هناك إذا نُفِّرت بالإيام، وهو الدخان، اعتزلت مع يعاسيبها ثبة ثبة، فمعنى ثبات إذن جماعات، لا يستقيم المعنى بغير ذلك. الرابع: أن بعض العرب قال: رأيت ثباتك، بفتح التاء، حكاه ابن سيده، وهذا نص في الجمعية التي لا يمكن فيها ادعاء الإفراد، فبطل قول أبي علي بطلانا جليا غير خفي.

стр. 88

باب كيفية التثنية وجمعي التصحيح ص: الاسمُ الذي حرفُ إعرابه ألف لازمةٌ مقصور، فإن كان ياء لازمةً تلي كسرةً فمنقوص، فإن كان همزة تلي ألفا زائدة فممدود. ش: تبيين كيفية التثنية وجمعي التصحيح مفتقر إلى معرفة المقصور والمنقوص والممدود، حتى إذا جرى في الباب ذكر بعضها لم يجهل المعنى به. فالمقصور هو الاسم الذي حرف إعرابه ألف لازمة. فذكر الاسم مخرج للفعل المضارع الذي حرف إعرابه ألف نحو: يَرْضى، وذكر حرف الإعراب مخرج لكل اسم مبني آخره ألف نحو: إذا وهما، وذكر اللزوم مخرج للمثنى المرفوع على اللغة المشهورة، وللأسماء الستة في حال النصب. والمنقوص العُرْفي الاسم الذي حرف إعرابه ياء لازمة تلي كسرة، فالاسم مخرج للمضارع الذي حرف إعرابه ياء تلي كسرة نحو: يُعطى، وحرف الإعراب مخرج لكل اسم مبني آخره ياء تلي كسرة نحو: هي، والذي. واللزوم مخرج لنحو الزيدين: وللأسماء الستة في حال الجر. ولما كان المنقوص في اللغة متناولا لكل ما حذف منه شيء كيدٍ وعِدَة، وكان المقصود هنا غير ذلك قيِّد بالعرفي، لأن العرف الصناعي قد غَلَّب إطلاق المنقوص على نحو: شَجٍ وقاضٍ. والممدود الاسم الذي حرف إعرابه همزة تلي ألفا زائدة، فذكر الاسم مستغْنًى عنه، لأن المخرَج به في رسم المقصور والمنقوص ما يشبههما من الأفعال المضارعة، إذ لو لم يذكر اسم في رسمهما لتناول رسم المقصور نحو: يَرْضَى، ورسمُ المنقوص نحو يُعطى. وههنا لو لم يذكر اسم لم يتناول رسمُ الممدود فعلا، إذ لا يوجد فعل آخره همزة تلي ألفا زائدة، وإنما تلي ألفا منقلبة كيشاء، ولكن ذكر الاسم ليعلم من أول وهلة أن الممدود ليس من أصنافه غيره. وذكر حرف الإعراب ليعلم من أول وهلة أن المقصود ممدود معرب.

стр. 89

وذكرت زيادة الألف احترازًا من: داء وماء ونحوهما، فإن الألف في مثل هذا لا تكون زائدة، لأن الحكم بزيادتها يوجب نقصا عن أقل الأصول، وإنما هي بدل من أصل. ص: فإذا ثُنِّي غيرُ المقصور والممدود الذي همزته بدل من أصل أو زائدة لَحِقَت العلامةُ دون تغيير، ما لم تَنُب عن تثنيته تثنية غيره غالبا. ش: غير المقصور والممدود المقيد يعم الصحيح الآخر كرجل وامرأة، والمعتل الآخر الجاري مجرى الصحيح كمَرميّ ورَمْي ومَغْزُوّ وغزْو، والمعتل المنقوص كشج وقاضٍ، والمهموز الذي ليس ممدودًا كرَشأ وماء ونَسِئ ومَكْلوء، والممدود الذي همزته أصل كقُرَّاء، وهو الكثير القراءة، فكل هذه وأشباهها لا تغير في التثنية بأكثر من فتح الآخر ولحاق العلامة التي سبق ذكرها. وأشرت بقولي "ما لم تنب عن تثنيته تثنية غيره" إلى نحو قولهم في تثنية سواء: سِيّان، فإنه تثنية سِيّ، واستغنوا به غالبا عن تثنية سواء. وقلت "غالبا" احترازا عن رواية أبي زيد عن بعض العرب: هذا سواءان. وكذلك استغنوا غالبا بألْيَيْن وخُصْيَيْن عن أليتين وخصيتين، وقد يقولون أليٌ وخُصْيٌ بمعنى خصية، وقد يقال في التثنية أليتان وخصيتان، قال عنترة: متى ما تَلقَني فَرْدَيْن تَرْجُف ... رَوانِف ألْيَتَيْك وتُسْتطَارا وقال طفيل الغنوي: وإنَّ الفحل تُنْزَعُ خُصْيتاه ... .فَيَصْبِحُ جافرا قَرِحَ العِجان ومن الاستغناء بتثنية عن تثنية قولهم في ضَبُع وضِبْعان: ضَبُعان، ولم يقولوا: ضبعانان، وهو القياس، كما يقال في: امرئ وامرأة، وابن وابنة: امرآن وابنان.

стр. 90

ص: وإذا ثُنِّيَ المقصورُ قلِبتْ ألفُه واوا إن كانت ثالثةً بدلا منها، أو أصلا، أو مجهولةً ولم تُمَلْ، وياء إن كانت بخلاف ذلك، لا إن كانت ثالثةَ واويٍّ مكسور الأول أو مضمومِه، خلافا للكسائي. والياءُ –في رَأيٍ- أولى بالأصل والمجهولة مطلقا. ش: لما كان آخر الاسم إذا ثني مستحقا لفتحة، وكانت الألف لا تقبل حركة، وجب لها عند لقاء علم التثنية أن تحذف أو تبدل حرفا قابلا للحركة، فامتنع الحذف لأنه كان يوقع في الالتباس بالمفرد حال الرفع والإضافة، فتعين القلب. فإن كانت رابعة فصاعدا قلبت ياء، سواء كانت بدل واو كمُعطًى، أو بدل ياء كمَرْمَى، أو زائدة كحُبْلَى وعَلقَى. وإن كانت ثالثة ردت إلى الواو إن كانت بدلها كقفًا، وإلى الياء إن كانت بدلها كهُدًى، وقد يكون لها أصلان فيجوز فيها الوجهان كرَحًى، فإنها يائية في لغة من قال: رَحَيْـ وواوِيّة في لغة من قال: رَحَوْت، فلمن ثناها أن يقول: رحيان ورحوان، والياء أكثر. وإن كانت الألف أصلا لكونها في حرف أو شبهه كألا الاستفتاحية ومَتَى، أو كانت مجهولة الأصل كخَسا بمعنى فرد، ولَقَى بمعنى ملْقًى لا يعبَأ به، فالمشهور فيما كان من هذين النوعين أن يعتبر حاله في الإمالة فإن أمالته العرب كبَلى ومَتَى ثُنِّيَ بالياء إذا سمِّي به، وإن لم تمله العرب كإلى وأمَا بمعنى حقا ثنِّيَ بالواو. ومن النحويين من لا يعدل عن الياء في النوعين ثَبتت الإمالة أو لم تثبتْ، ومفهوم قول سيبويه عاضِدٌ لهذا الرأي، لأنه أصَّل في الألف المجهولة أصلا يقتضي ردها إلى الواو إذا كانت موضع العين، وردها إلى الياء إذا كانت موضع اللام، وعلل ذلك بأن انقلابها ثانية عن واو أكثر من انقلابها عن ياء، وأمر الثالثة بالعكس.

стр. 91

وأجاز الكسائي في نحو: رضًى وعُلا من ذوات الواو المكسورة الفاء والمضمومة أن تثنى بالياء قياسًا على ما ندر، كقول بعض العرب: رضى ورضيان، وشذوذ هذا صارف عن إشارة إليه لقياس عليه. ص: وتبدل واوا همزةُ الممدودِ المبدلة من ألف التأنيث، وربما صُحِّحت أو قُلِبت ياءً، وربما قلبت الأصليةُ واوا، وفِعْل ذلك بالمُلحقة أوْلى من تصحيحها، والمبدلة من أصل بالعكس، وقد تقلب ياء، ولا يقاس عليه خلافا للكسائي. ش: الهمزة من: صَحْراء أو ثُلاثاء وأرْبعاء وقاصعاء ونُفساء، ونحوها من المؤنث مبدلة من ألف التأنيث لا موضوعة للتأنيث خلافًا للكوفيين والأخفش، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن كون الألف حرف تأنيث ثابت في غير هذه الأمثلة بإجماع، وكون الهمزة للتأنيث في غير هذه الأمثلة منتف بإجماع، وإبدال همزة من حرف لين متطرف بعد ألف زائدة ثابت بإجماع، والحكم على الهمزة المشار إليها بأنها مبدلة من ألف مانع من مفارقة الإجماع المذكور، فيتعين الأخذ به. الوجه الثاني: أن القول بذلك مكمل لما قصد من توافق هاء التأنيث وألفه، وتركه مفوت لذلك، فوجب اجتنابه، وذلك أنهم ألحقوا هاء التأنيث بألفه في التزام فتح ما قبلها وجواز إمالته، فألحقوا ألفه بهائه في مباشرة المفتوح تارة، وانفصالها

стр. 92

بألف زائدة تارة، فسَكْرَى نظير تمرة، وصحراء نظير أرطاة، وتُوصِّل بذلك أيضًا إلى إبدال الألف همزة لتوافق الهاء بظهور حركة الإعراب وهذه حكمة لم يبدلها إلا القول بأن الهمزة المشار إليها بدل الألف فوجب اعتقاد صحته. الوجه الثالث: أن الهمزة لو كانت غير بدل لساوت الأصلية في استحقاق السلامة في التثنية والجمع والنسب فكان يقال بدلا من صَحْراوَيْن وصحرَاوات وصحراويّ: صحراءان وصحراءات وصحرائي، كما يقال: قثاءان وقثاءات وقثائي. بل كانت همزة صحراء أحق بالسلامة، لأن فيها ما في همزة قثاء من عدم البدلية كما زعموا، وتزيد عليها أنها دالة على معنى، وسلامة ما يدل على معنى أحق من سلامة ما لا يدل على معنى، فثبت ما أردناه والحمد لله. وبعد تقرير هذا فلتعلم أن الهمزة المشار إليها لما كانت بدل ألف كره بقاؤها في التثنية، لأن وقوعها بين ألفين كتوالي ثلاث ألفات، فتوقِّيَ ذلك ببدل مناسب، وهو إما واو وإما ياء، فكانت الواو أولى، لأنها أبعد شبها من الألف، وإنما تركت الهمزة لقربها من الألف، والياء مثلها في مقاربة الألف فتركت، وتعينت الواو. وبعض العرب يبقي الهمزة، وبعضهم يؤثر الياء لخفتها، وكلاهما نادر. ومثله في الندور إبدال الهمزة الأصلية واوا كقول بعضهم في تثنية قرّاء: قرَّاوان، وفِعْل ذلك بِعلْباء وقوباء ونحوهما أولى من التصحيح، والتصحيح في نحو كساء ورداء أولى من إبدال الهمزة واوا. وإلى همزة نحو: كساء ورداء أشير بقولنا "والمبدلة من أصل" وأن المقيس عليه قلبُ المبْدَلة من ألف التأنيث واوا كصحراوين، وسلامة الأصلية كقرّاءين، وإجازة وجهين في الملحقة مع ترجيح القلب كعلباوين وعلباءين، وإجازة الوجهين في المبدلة من أصل مع ترجيح السلامة ككساءين وكساوين ورداءين ورداوين، وما سوى ذلك يحفظ ولا يقاس عليه إلا على رأي الكسائي، وقد بُين.

стр. 93

ص: وصَحَّحُوا مِذرَوَيْنِ وثِنايَيْنِ تصحيحَ شَقاوة وسِقاية، للزوم عَلَمي التثنية والتأنيث. ش: المذْروان طرفا الألية، وطرفا القوس، وجانبا الرأس، ولا يستعمل مفردهما، كذا قال أبو علي القالي في كتاب الأمالي، والمشهور إطلاقه على طرفي الألية قال عنترة: أحَوْلِي تَنْفُض اسْتُكَ مِذْرَوَيْها ... لِتَقْتُلَني فهأنذا عُمارا وهو تثنية مذرى في الأصل، إلا أنه لا يفرد فشبه بمفرد في حشْوه واو مفتوحة كشقاوة، ولو أفرد لقيل في تثنيته مذريا، كما يقال في تثنية ملهى ملهيان، لأن ألف المقصور إذا كانت رابعة فصاعدا قلبت في التثنية ياء مطلقا. والثِّنايان طرفا العقال، لا يستعمل إلا بلفظ التثنية، هكذا قال الأئمة الموثوق بقولهم، ولو أفرد لقيل فيه ثناء، وفي تثنيته ثناءان وثناوان كما يفعل بكل ممدود همزته مبدلة من أصل، لكنه لم يفرد، فشبه بمفرد في حشوه ياء كسقاية. ص: وحُكْمُ ما أُلْحِقَ به علامةُ جمع التصحيح القياسيةُ حكم ما ألحق به علامةُ التثنية، إلا أن آخر المقصور والمنقوص يحذفان في جمع التذكير، وتلي علامتاه فتحة المقصور مطلقا، خلافا للكوفيين في إلحاق ذي الألف الزائدة بالمنقوص. ش: احترز بالقياسية من نحو: بنين وعلانين وربعين، في جمع ابن ورجل علانية وربعة، فإن مقتضى القياس أن يقال في ابن: ابنون، كما يقال في التثنية: ابنان. وأن يقال في علانية وربعة علانيات وربعات، كما يفعل بكل ما فيه تاء التأنيث. والحاصل أن الصحيح الآخر غير المؤنث بالتاء، والمعَلَّ الجاري مجرى الصحيح، والمهموز غير الممدود، والممدود الذي همزته أصل إذا جُمِع جَمْعَ التصحيح لحقته علامته دون تغيير، كما لحقته علامة التثنية، وأن الممدود الذي همزته

стр. 94

غير أصل ينال همزته في جمع التصحيح ما نالها في التثنية فيقال في: زيد وهند وعلي وأمر مقضيّ ومَحْبُوّ وأمْر مُرْجأ وأمر مَرْجُوّ وإرجاء وزكرياء وصحراء وعطاء علما لرجل: زيدون، وهندات، وعليون، وأمور مقضيات، ومحبوون، وأمور مرجُوّات، ورجال مرجُوون، وأمور مُرْجَآت وإرجاءات، وزكرياءون، وصحراوات، وعطاءون، وسماوات، فتصحح ما تصحح في التثنية وتعل ما أعل فيها. وأما المقصور فتحذف ألفه في جمع التذكير وتلي الواو والياء الفتحة، ويستوي في ذلك ما ألفه منقلبة عن أصل كالأعلى، وما ألف زائدة كحُبْلى اسم رجل فيقال: جاء الأعلَوْن والحُبْلَون، ومررت بالأعلَيْن والحبلَين. هذا مذهب البصريين. وأما الكوفيون فيحذفون الألف الزائدة، ويضمون ما قبلها مع الواو ويكسرونه مع الياء، فيقولون: جاء الحبلُون ومررت بالحبلِين، فإن كان المقصور أعجميًا أجازوا فيه الوجهين لاحتمال الزيادة وعدمها. وأما المنقوص فتحذف ياؤه في جمع التذكير، ويضم ما قبلها مع الواو، ويترك على حاله مع الياء، نحو: جاء القاضُون، ومررت بالقاضِين. وللمقصور والمنقوص مع ألف جمع التأنيث ما لهما مع ألف التثنية، كقولك في: حُبلى، وأمرٍ بادٍ: حبلَيات، وأمور بادِياتٌ. ص: وربما حُذِفت خامسةً فصاعدا في التثنية، والجمع بالألف والتاء، وكذا الألف والهمزة من قاصِعاء ونحوه، ولا يقاس عليه، خلافا للكوفيين. ش: الضمير في "حذفت" عائد على الألف الزائدة، والإشارة بذلك إلى ما روى الفراء من قول بعض العرب في تثنية الخوزلي وخنفساء وباقلاء وعاشوراء:

стр. 95

خوزلان وخنفسان وباقلان وعاشوران، وأنشد: تَرَوَّحَ في عُمِّية وأعانه ... على الماء قوم بالهَراوات هوج بفتح هاء الهَروات وهو جمع هَراوى، وهَراوى جمع هِراوَة. وهذا يدل على أن الألأف قد تحذف وإن لم تكن زائدة، لأن ألف هَراوى منقلبة عن لام الكلمة. والكوفيون يقيسون على هذا، والمنصفون من غيرهم يقلبون ما سمع منه ولا يقيسون عليه لقلته. ص: وتُحْذَف تاء التأنيث عند تصحيح ما هي فيه، فيعامل معاملة مؤنث عارٍ منها لو صُحِّحَ. ويقال في المراد به من يعقل من: ابن وأب وأخ وهَنٍ وذي: بنون وأبون وأخُون وهَنُون وذَوُو، وفي بِنْت وابنة وأخت وهنَة وذات: بنات وأخوات وهَنات وهنوات وذوات وأمهات في الأم من الناس أكثر من أُمّات، وغيرها بالعكس. ش: إذا جمع ما فيه تاء التأنيث بالألف والتاء حذفت التاء منه، ووليت ألف الجمع ما كان قبل التاء من تغيير إن لم يكن ألفا ولا همزة ممدود مبدلة كقولك في مسلمة وجارية وعرقوة وقارئة وقراءة: مسلمات وجاريات وعرقوات وقارئات وقراءات، فإن كان الذي قبل التاء المحذوفة ألفًا أو همزة ممدود مبدلة فعل به ما كان يفعل بمثله مباشرا لألف التثنية، فيقال في: فتاة فتيات، وفي قناة قنوات، وفي سماء سماءات وسماوات، وفي باقلاء باقلاوات. وكان حق ابن وابنة أن يقال في تصحيحهما: ابنون وابنات، كما قيل في تثنيتهما ابنان وابنتان، إلا أن المسموع ما ذكر من بنين وبنات، فنبه عليه. وحاملهم على ذلك الإشعار بأن أصل الباء في الإفراد الفتح. وأما قولهم في أب وأخ وهن: أبون وأخون وهَنون، فاصلة: أبُوُون وأخُوُون

стр. 96

وهنُوُون بالإتباع، ثم حذفت ضمة الواو تخفيفًا، فالتقى ساكنان فحذف سابقهما، وبقيت ضمة العين مباشرة في اللفظ لواو الجمع، ويقال في غير الرفع، أبِين، والأصل: أبِوِين، ثم عرض السكون والقلب والحذف. ومن شواهد أخين وأبين قراءة بعض السلف (قالوا نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحق) وقال أبو طالب: ألم تَرَني من بعد هَمٍّ هَممْتُه ... لفرقَةِ حُرٍّ من أبين كرامِ وأنشد ابن دريد: كريمٌ طابت الأعراقُ منه ... وأشبه فعلُه فعلَ الأبينا كريم لا تُغَيِّرُه الليالي ... ولا اللاواء في عهد الأخينا فجمع أبا على أبين، وأخا على أخين، وقال آخر: فلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ... بكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بالأبِينا وأنشد الفراء مستشهدًا على أخ وأخين: فقُلْنا أسْلِموا إنّا أخوكم ... وقد بَرِئت مِنَ الإحَن الصُّدور وأنشد غيره:

стр. 97

وما رحم الأهلين إنْ سالموا العدا ... بمجدية إلا مضاعفةَ الكرب ولكن أخو المرء الذين إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب وقال آخر في هن وهنين: أريدُ هَناتٍ من هَنِينَ وتَلتَوي ... عَليَّ وآبى من هَنين هناتِ ولو قيل: حم وحمون لم يمتنع، ولكن لا أعلم أنه سمع. وأما ذو فقيل فيه ذوُو بتصحيح العين بعد فتحة، ولم يفعل به من الإتباع ما فعل بأخواته لإفضاء ذلك فيه إلى حذف عينه بعد حذف لامه، فتخلص من ذلك برد فائه إلى حركته الأصلية كما فعل في التثنية. وكان حق بنت وأخت أن يقال فيهما بنتات وأختات لأن تاءهما قد غيرت لأجلها البنية وسكن ما قبلها فأشبهت تاء ملكوت، ولأجل ذلك جمع يونس بينها وبين ياء النسب فقال: بِنتيّ وأخْتِيّ، لكنه وافق ههنا على الامتناع من بنتات وأختات لأن تاء بنت وأخت وإن خالف لحاقهما لحاق تاء التأنيث، فهي مخصوصة ببنية لا يراد بها إلا مؤنث، ولفظها كلفظ المستقلة بالدلالة على التأنيث، فكان اجتماعها مع تاء الجمع أثقل من اجتماعها مع ياء النسب، فلذلك اتفق على حذفها في الجمع، واستغنوا عن أبنات ببنات، كما استغنوا عن أبنين ببنين. ونظير هنات لثات وسنات، ونظير هَنَوات سَنوات وعِضوات. وأما ذات وذوات فكقناة وقنوات، لأن تاء ذات وجب لها من الحذف ما وجب لتاء قناة، فباشرت الألف المنقلبة عن العين ألف الجمع فاستحقت الفتح والرد إلى الأصل فقيل: ذوات بحذف اللام، ولو ردت اللام لقيل: ذويات وذايات. وكان حق "أم" ألا يجمع بالألف والتاء، لأن ذلك حكم ما لا علامة فيه من أسماء الأجناس المؤنثة كعنز وعناق، ولكن العرب جمعته بهما، فلحق بما بابه السماع كسماوات وأرَضات، وزادوا الهاء قبل العلامة في الأناسي غالبًا وفعلوا في البهائم

стр. 98

بالعكس، واجتمع الاستعمالان في قوله: إذا الأمّهاتُ قَبَحْنَ الوجوه ... فَرَجْتَ الظَّلامَ بأمّاتكا ومن ورود أمات في الأناسي قول كلثوم بن عياض: حماةُ الضيم آباءٌ كرام ... وأمّاتٌ فأنجدَ واستغارا وقول عبد الله بن عمرو اللخمي: أولئك أمّاتي رفعْنَ مقائمي ... إلى طالع في ذِرْوَةِ المجد صاعد ومن وروده في البهائم قول حميد بن ثور: وأمات إطلاءٍ صغارٍ كأنها ... دمالجُ يجلوها لينفق بائع وربما قيل في أم أمهة، قال قصي بن كلاب: إني لدى الحرب رَخِيٌّ لَبَبِي ... عند تناديهم بهالٍ وهَبِي مُعتزِم الضربة عال نسبي ... أُمَّهَتِي خندفُ والياس أبي ص: والمؤنثُ بهاءٍ، أو مجردا ثلاثيا صحيح العين ساكنةً غيرَ مضاعف ولا صفة تتبع عَيْنَه فاءه في الحركة مطلقا، وتفتح وتُسَكّن بعد الضمة والكسرة، وتُمْنَعُ

стр. 99

الضمةُ قبل الياء، والكسرةُ قبل الواو باتفاق، وقبلَ الياء بِخُلف، ومطلقا عند الفراء فيما لم يُسْمَع، وشذ جروَات. والتزم فَعْلات في لَجْبَة، وغُلِّبَ في رَبْعَة لقول بعضهم لَجَبة ورَبَعة، ولا يقاس على ما ندر من كَهَلات، خلافا لقطرب، ويسوغ في لَجْبَة القياس وفاقا لأبي العباس، ولا يقال فَعْلات اختيارا فيما استحق فَعَلات، إلا لاعتلال اللام، أو شبه الصفة. وتَفْتح هُذَيْل عين جَوزَات وبَيضات ونحوهما، واتّفق على عِيَرات شُذوذًا. ش: المراد بذي الهاء نحو: تَمْرَة وغَرْفَة وكِسرة، وبالمجرد نحو: دَعْد وجُمل وهِنْد، فإن سيبويه سوى بينهن فيما ذكرته، فلدعْد وجمْل وهنْد ما لتمرة وغرفة وكسرة إذا جمعن بالألف والتاء. واحترز بصحيح العين عن معتله نحو: جَوْزَة وديمة ودوْلة. وبساكن العين من متحركه كشجرة وسَمُرة ونَمِرة. وبنفي التضعيف من نحو: حَجَّة وحُجّة وحِجّة، وبنفي الوصفية من نحو: ضخْمة وجِلْفة وحُلوة. وأشير بإطلاق الإتباع إلى عدم الفرق فيه بين المفتوح الفاء والمضمومها والمكسورها من ذي الهاء والمجرد نحو: تَمَرات وغُرفات وكِسرات، ودَعَدات وجُمُلات وهِندات. والضمير في "تفتح وتسكن" عائد إلى العين، أي ويجوز مع ضم العين في المضموم الفاء الفتح والتسكين، وهما أيضًا جائزان في المكسور الفاء، فيكون في كل واحد منهما ثلاثة أوجه، وسكت عن ذكر عدم الإتباع في المفتوح الفاء، فعلم أن الإتباع فيه لازم فلا يعدل عن فتح عينه وهو مستوف للشروط، إلا إذا اعتلت لامه فإن ذلك يفتح عند قوم من العرب لتسكين العين في الاختيار، ومن ذلك: ظبِيات وشرْيات في جمع ظبية وشرية، حكاه أبو الفتح، واللغة المشهورة ظَبَيات وشرَيات. وربما عدل عن الفتح إلى السكون لشبه الصفة كقولهم: أهْل وأهْلات، وأهَلات بالفتح أشهر وأنشد سيبويه:

стр. 100

وهمْ أهَلات حولَ قيس بن عاصم ... إذا أدْلَجُوا باللّيل يَدعُونَ كَوثرا وقيل أيضًا: أهْلة بمعنى أهل، حكاه الفراء، فالأولى بأهْلات أن يكون جمعا له لا لأهل. وقد تسكن عين فعْلات جمع فعْلة إذا كان مصدرًا كحسْرات، تشبيها بجمع فعلة صفة، لأن المصدر قد يوصف به، قال أبو الفتح: ظبْيات أسهل من رفْضات لاعتلال اللام، ورفْضات أسهل من تمْرات لأن المصدر يشبه الصفة. قلت: فإذا قيل: امرأة كلبة، ففي جمعه الفتح باعتبار الأصل، والتسكين باعتبار العارض. ولا يُعْدل عن فعَلات إلى فعْلات فيما سوى ذلك إلا في ضرورة، وهو من أسهل الضرورات، لأن العين المفتوحة قد تسكن في الضرورة وإن لم تكن في جمع ولا ساكنة في الأصل، فلأن تسكن إذا كانت في جمع وكانت ساكنة في الأصل أحق وأولى، ومن تسكينها مع كونها غير جمع وغير ساكنة في الأصل قول الشاعر: وعَرْبة أرضٌ لا يُحِلُّ حرامها ... من الناسِ إلا اللوْذَعيٌّ الحُلاحِل أراد عَرَبة وهي أرض مكة. وقال آخر: الموتُ يأتي بمقدار خَواطِفُه ... وليس يُعْجزه هَلْكٌ ولا لُوح أراد هَلكا، والهَلك ما بين كل أرض إلى الأرض السابعة. واللوح ما بين السماء والأرض. وقال آخر: يا عَمْرُو يا بنَ الأكْرَمينَ نَسْبا ... قد نَحبَ المجد عليك نَحْبا

стр. 101

وقال آخر: وما كلُّ مبْتاع ولو سَلْفَ صَفْقُه ... يراجعُ ما قد فاته برَدادِ أراد: ولو سَلَف، فسكن اللام ضرورة. وحكى يونس في جمع جِرْوَة جرِوات بكسر الراء، وهي في غاية من الشذوذ. ويقال للشاة إذا قل لبنها: لجْبة بسكون الجيم وفتح اللام وكسرها وضمها، ويقال لها أيضًا: لجَبة بفتح الجيم واللام. وأكثر النحويين يظنون أنه جمع لجبة الساكن الجيم فيحكمون عليه بالشذوذ، لأن "فعْلة" صفة لا تجمع على فعَلات بل على فعْلات، وحملهم على ذلك عدم اطلاعهم على أن فتح الجيم في الإفراد ثابت. وكذا اعتقدوا أن "رَبعات" بفتح الباء جمع "ربْعة" بالسكون وإنما هو جمع رَبَعة بمعنى ربْعة للمعتدل القامة، ذكر ذلك ابن سيده. وأجاز أبو العباس المبرد أن يقال في جمع لجَبَة لجْبات بالسكون، وأجاز قطرب فَعَلات في فعْلة صفة كضخْمة وضخَمات قياسًا على ما ليس بصفة. ويعضد قوله ما روى أبو حاتم من قول بعض العرب: كَهْلة وكَهَلات بالفتح، والسكون أشهر. ونبهت بقولي "وتُمْنع الضمة قبل الياء والكسرة قبل الواو" على أن نحو: مُنْية لا يجوز ضم عينه، ونحو: ذِرْوة لا يجوز كسر عينه، بل يقتصر فيهما على التسكين أو الفتح تخييرا، لأن الضمة قبل الياء والكسرة قبل الواو مستثقلان، لا سيما إذا كانت الياء والواو لامين، مع وُجدان مندوحة عن ذلك. فلو كانت لام المكسور الفاء ياء كلِحية، ففي كسر عينه خلاف، فمن البصريين من منعه لاستثقال الياء بعد كسرتين، ومنهم من أجازه. ومنع الفراء فِعِلات مطلقًا، واحتج بأن فِعلات يتضمن فِعلا، وفِعِل وزن أهمل إلا فيما ندر كإبل وبِلز، ولم يُثْبت سيبويه منه إلا إبلا، وما استثقل في الإفراد

стр. 102

حتى كاد يكون هملا حقيق بأن يُهمل ما يتضمنه من أمثلة الجموع، لأن الجمع أثقل من المفرد. والجواب من أربعة أوجه: أحدها: أن المفرد وإن كان أخف من الجمع قد يستثقل فيه ما يستثقل في الجمع لأنه معرض لأن يتصرف فيه بتثنية وجمع ونسب، وإذا كان على هيئة مستثقلة يُضاعف استثقالها بتعرُّض ما هي فيه إلى استعمالات متعددة، بخلاف الجمع فإن ذلك فيه مأمون. الثاني: أن فِعِلا أخفُّ من فُعُل، فمقتضى الدليل أن تكن أمثلة فِعل أكثر من أمثلة فعُل، إلا أن الاستعمال اتفق وقوعه بخلاف ذلك، فأي تصرف أفضى إلى ما هو أحق بكثرة الاستعمال فلا ينبغي أن يجتنب، بل يجوز أن يؤثر جَبرا لما فات من كثرة الاستعمال، ويؤيد هذا أنهم لا يكادون يسكنون عين إبل، بخلاف فعُل فإنه يسكن كثيرا. الثالث: أن فُعُلات يتضمن فُعُلا وهو من أمثلة الجمع، وفِعِلات يتضمن فِعِلا وليس من أمثلة الجمع، وهو أحق بالجواز، لأنه جمع لا يشبه جمع الجمع، بخلاف فُعلات فإنه يشبه جمع الجمع، والأصل في جمع الجمع الامتناع، فما لا يشبهه أحق بالجواز مما يشبهه. الرابع: إن فعِلات قد استعملته العرب جمعا لفِعْلة كنعمة ونِعمات. وقد أشار سيبويه إلى أن العرب لم تجتنب استعماله كما لم تجتنب استعمال فِعْلات، وقد رجح بعض العرب فِعِلات على فُعُلات إذ قال في جمع جِرْوة: جرِوات، فاستهل النطق بكسر عين فِعلات فيما لامه واو، ولم يستسهل النطق بضم عين فعْلات فيما لامه ياء، فبان بما ذكرته إن فعِلات في جمع فِعلة كفُعُلات في جمع فُعْلة، أو أحق منه بالجواز. والتزم غير هذيل في نحو: جوزة وبيضة سكون العين، فسوَّوْا في ذلك الأسماء والصفات، وأما هذيل فسلكوا بهذا النوع سبيل ما صحت عينه، فقالوا: جوَزات وبَيضات، كما قال جميع العرب: تَمَرات وجَفَنات. وقالوا في الصفات: جوْنات

стр. 103

وغيْلات بالسكون، كما قال الجميع: ضخْمات وصعْبات. وأما عِيرات في جمع عِير فجائز عند جميع العرب مع شذوذه عن القياس، لأنه مؤنث مكسور الفاء، فلم يكن في تحريك يائه بفتحة بعد الكسرة ما في بَيضات بتحريك الياء، لأن تحرك الياء بعد فتحة يوجب إبدالها ألفا، فتحريكها إذا كان أصلها السكون بعد فتحة تعريض لها إلى الإبدال أو إلغاء سبب الإعلال، إلا أن هذيلا لم يكترثوا بذلك لعروضه، ومنه قول بعضهم: أخَو بَيضات رائح مُتأوِّب ... رفيقٌ بمسْح المَنكبين سَبُوح فصل: ص: يُتَم في التثنية من المحذوف اللام ما يتمُّ في الإضافة لا غير، وربما قيل: أبان وأخان ويدَيان ودَميان ودَمَوان وفَمَيان وفَمَوان. وقالوا في ذات: ذاتا على اللفظ، وذَواتا على الأصل. ش: المحذوف اللام يتناول المنقوص العرفي المنون في غير النصب، والأسماء الستة، واسما واستا وابنًا ويدًا ودمًا وفمًا وحِرًا وغَدًا وظبة وسنة ونحو ذلك، والذي يتم منها في الإضافة المنقوص العرفي، وأب وأخ وحم في أكثر الكلام وهن في لغة بعض العرب، ومن التزم النقص في الإفراد التزمه في التثنية، وعلى ذلك قيل: أبان وأخان، ومنه قول رجل من طيء. إذا كنت تهوى الحمدَ والمجد مُولَعا ... بأفعالِ ذي غيّ فلستَ براشد ولست وإن أعيا أباك مجادة ... إذا لم تَرُم ما أسلفاه بماجد وقد تقدم أن من العرب من قصر يدا ودما وفمًا، فعلى ذلك قيل في التثنية: يديان ودميان وفميان وفموان، والمشهور في تثنية ذات: ذواتا بالرد إلى الأصل،

стр. 104

وقد ثنى على لفظه بالنقص فقيل: ذاتا، قال الراجز: يا دارَ سلمى بين ذاتي عوج ص: ويثنى اسمُ الجمع والمُكسَّرُ بغير زنه منتهاه. ش: مقتضى الدليل ألا يثنى ما دل على جمع، لأن الجمع يتضمن التثنية، إلا أن الحاجة داعية إلى عطف جمع على جمع، كما كانت داعية إلى عطف واحد على واحد، فإذا اتفق لفظا جمعين مقصودٍ عطف أحدهما على الآخر استغنى فيهما بالتثنية عن العطف، كما استغنى بها عن عطف الواحد على الواحد، ما لم يمنع من ذلك عدم شبه الواحد، كما منع في نحو: مساجد ومصابيح. وفي المثنى والمجموع على حده مانع آخر وهو استلزام تثنيتهما اجتماع إعرابين في كلمة واحدة، ولأجل سلامة نحو: مساجد ومصابيح من هذا المانع الآخر جاز أن يجمع جمع تصحيح كقولهم في أيامن: أيامنون، وفي صواحب: صواحبات. وامتنع ذلك في المثنى والمجموع على حده. والمسوغ لتثنية الجمع مسوغ لتكسيره، والمانع من تثنيته مانع من تكسيره، ولما كان شبه الواحد شرطا في صحة ذلك كان ما هو أشبه بالواحد أولى به، فلذلك كانت تثنية اسم الجمع أكثر من تثنية الجمع، كقوله تعالى (قد كان لكم آية في فئتين التقتا) وكذا قوله تعالى (يوم التقى الجمعان) وكقول النبي ﷺ "مَثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين". ص: ويُختار في المضافين لفظا أو معنى إلى مُتَضَمِّنَيْهما لفظُ الإفراد على لفظ التثنية، ولفظُ الجمع على لفظِ الإفراد. فإن فُرِّق مُتَضمِّناهما اختير الإفراد،

стр. 105

وربما جُمع المنفصلان إنْ أُمِنَ اللَّبْسُ، ويقاس عليه وفاقا للفراء، ومطابقةُ ما لهذا الجمع لمعناه أو لفظِه جائزة. ش: المضافان لفظًا إلى مُتضَمِّنَيْهما كقوله تعالى (فقد صَغَتْ قلوبُكما) والمضافان إليهما معنى كقول الشاعر: رأيْتُ ابني البَكْرِيِّ في حَوْمَةِ الوَغى ... كفاغِرَي الأفواه عند عرين وهذه العبارة متناولة ما أضيف فيه جزءان أو ما هما كجزأين إلى ما يتضمنهما من مثنى المعنى وإن لم يكن مثنى اللفظ. وسواء كانت الإضافة صريحة "كصغت قلوبكما" أو غير صريحة "كفاغري الأفواه" فإن الأفواه غير مضافة في اللفظ وهي في المعنى مضافة، والتقدير: كفاغِرَيْن أفواههما، يعني أسدين فاتحين أفواههما عند عَرِينِهما ذابَّيْن عن أشبالهما. فإذا وجدت الشروط في المضافين المذكورين فلفظ الجمع أولى به من لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد أولى به من لفظ التثنية، وذلك أنهم استثقلوا تثنيتين في شيئين هما شيء واحد لفظا ومعنى، وعدلوا إلى غير لفظ التثنية، فكان الجمع أولى لأنه شريكهما في الضم، وفي مجاوزة الإفراد. وكان الإفراد أولى من التثنية لأنه أخف منها والمراد به حاصل، إذ لا يذهب وهم في نحو: أكلت رأس شاتين، إلى أن معنى الإفراد مقصود. ولكون الجمع به أولى جاء به الكتاب العزيز نحو (فقد صغت قلوبكما) و (فاقطعوا أيديهما) وفي قراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما" وفي الحديث "إزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه" وجاء لفظ الإفراد أيضًا في الكلام الفصيح دون ضرورة، ومنه الحديث في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 106

"ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما" ولم يجئ لفظ التثنية إلا في شعر كقوله: فتخالسا نفسَيْهما بنوافذ ... كنوافذ العُبط التي لا تُرْقَع ولما استقر التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع عند وجود الشرط المذكور، صارت إرادة الجمع به متوقفة على دليل من خارج، ولذلك انعقد الإجماع على ألا يقْطعَ في السرقة إلا يد من السارق ويد من السارقة. ولو قصد قاصد الإخبار عن يَدَيْ كل واحد من رجلين لم يكتف بلفظ الجمع، بل تضم إليه قرينة تزيل توهم غير مقصوده، كقوله: قطعت أيديهما الأربع. وإذا فرق المضاف إليه كان الإفراد مختارًا كقوله تعالى (لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داودَ وعيسى ابن مريم) وفي حديث زيد بن ثابت ﵁: حتى شرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. ولو جيء في مثل هذا بلفظ الجمع أو لفظ التثنية لم يمتنع. وإن لم يكن المضاف جزأي المضاف إليه ولا كجزأيه لم يعدل عن لفظ التثنية غالبًا نحو: قضيت درهميكما، لأن العدول في مثل هذا عن لفظ التثنية إلى لفظ الجمع موقع في اللبس غالبًا، فإنْ أمن اللبسُ جاز العدول إلى الجمع سماعا عند غير الفراء، وقياسًا عنده، ورأيه في هذا أصح، لكونه مأمون اللبس، مع كثرة وروده في الكلام الفصيح، كقول النبي ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄ "ما أخرجكما من بيوتكما" وقوله لعلي وفاطمة ﵄ "إذا أويتما إلى مضاجعكما فسبحا الله تعالى ثلاثا وثلاثين الحديث" وفي حديث آخر "هذه فلانة وفلانة تسألانك عن إنفاقهما على أزواجهما ألهما فيه أجر" وفي حديث علي وحمزة ﵄ "فضرباه بأسيافهما" وأمثال ذلك كثيرة.

стр. 107

ومطابقة ما لهذا الجمع لمعناه دون لفظه كقول الشاعر: قلوبُكما يغشاهما الأمنُ عادةً ... إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر وقال آخر: وساقان كَعْباهما أصْمَعان ... أعاليهما لُكَّتا بالديم وقال آخر: رأوْا جَبَلا هَزَّ الجبالَ إذا التقت ... رُءوس كبيريهن ينتطحان وعلى هذا حمل أبو العباس المبرد قول الشاعر: أقامت على رَبْعَيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما فأعاد الضمير المضاف إليه المصطلى على الأعالي لأنها مثناة في المعنى، وهو توجيه حسن. ومطابقة ما لهذا الجمع للفظه دون معناه كقول الشاعر: خَلِيليَّ لا تهلك نفوسُكما أسى ... فإنْ لها فيما به دُهِيَتْ أسا فقال دهيت لأنه راعى مطابقة جمع اللفظ، ولو راعى مطابقة المعنى لقال: دهيتا، كما قال الآخر، لُكّتا.

стр. 108

ص: ويعاقبُ الإفرادُ التَّثنيةَ في كلِّ اثنين لا يُغْني أحدُهما عن الآخر، وربما تعاقبا مطلقا. وقد يقع افْعلا ونحوُه موقع افْعَل ونحوِه. ش: المراد بكل اثنين لا يغني أحدهما عن الآخر: العينان والأذنان والجفنان والجوربان ونحو ذلك، فيقال: عيناه حسنتان، وعيناه حسنة، وعينه حسنة، وعينه حسنتان. فالأول أكثر لأنه الأصل، ومنه قول الشاعر: وعينان قال اللهُ كُونا فكانتا ... فَعُولانِ بالألباب ما تفعل الخَمر وقال آخر: له أذنان تعرفُ العِتق فيهما ... كسامِعَتي مذعُورة وسطَ ربرب ومن الثاني قول امرئ القيس: لمن زُحلُوفَةٌ زُلُّ ... بها العينان تَنْهَلّ وقال آخر: وكأن في العينين حَبَّ قرَنْفل ... أو سُنبلا كُحِلت به فانهلت وقال آخر:

стр. 109

سأجزيك خذلانا بتقطيعي الصُّوَى ... إليك وخفا زاحفٍ تقطُر الدِّما ومن الثالث قول الشاعر: ألا إن عينا لم تَجُد يوم واسِط ... عليك بجاري دمعها لجمودُ وقال آخر: أظن انهمال الدَّمع ليس بمنته ... عن العينِ حتى يَضمَحِل سوادُها ومن الرابع قول الشاعر: إذا ذَكَرت عيني الزمانَ الذي مضى ... بصحراءِ فلجٍ ظلتا تكفان والمراد بتعاقب الإفراد والتثنية مطلقًا وقوع أحدهما موقع الآخر، وإن لم يكونا مما تقدم الكلام عليه كاليدين والخفين، ولا من المزال عن لفظ التثنية لأجل الإضافة، فمن وقوع المفرد موقع المثنى قوله تعالى (فاتيا فرعونَ فقولا إنا رسولُ ربّ العالمين) وقوله تعالى (عن اليمين وعن الشمال قعيد)، وشبيه به قول حسان ﵁: إنَّ شَرْخ الشباب والشَّعَر الأسْـ ... ـوَد ما لمْ يُعاصَ كان جُنونا

стр. 110

ومن وقوع المثنى موقع المفرد قول الشاعر: إذا ما الغلامُ الأحمق الأم سامَني ... بأطراف أنفيه استمر مقَارعًا وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، وذكرت أيضا له شواهد. وقد يقع الفعل المسند إلى ضمير واحد مخاطب بلفظ المسند إلى ضمير مخاطبين، إذا كان أمرًا أو مضارعًا، والقصد بذلك التوكيد والإشعار بإرادة التكرار، ومن ذلك ما روى من قول الحجاج: يا حَرَسِيّ اضربَا عُنُقَه، ومنه قول الشاعر: فإنْ تَزْجُراني يابنَ عَفّانَ أزْدجر ... وإن تَدَعاني أحْمِ عِرْضا مُمَنَّعا وقال آخر: فقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانا ... بِنَزْع أصولِه واجْتَز شِيحا وجعل بعض العلماء من ذلك قوله تعالى (ألقيا في جهنمَ كلَّ كفارٍ عنيد). ص: وقد تُقَدّرُ تسميةُ جُزْء باسم كُلٍّ فيقعُ الجمعُ موقعَ واحدِه أو مثناه. ش: وقوع الجمع موقع واحده على تقدير تسمية كلِّ جزء من أجزائه باسم
следующие страницы →